أحمد باشا الجزار

(1148-1219هـ) (1735- 1804م)          واحد من رجالات الدولة العثمانية الذين اشتهروا بالكفاية والمقدرة والجبروت. وهو من أصل بشناقي، بدأ حياته مملوكاً في خدمة عبد الله بك أحد رؤساء المماليك في مصر. ثم علا شأنه بعدما أظهر مهارة عالية وقسوة متناهية في ذبح خصوم أسياده. فكافأه بلقب “الجزّار”.          في وقت لاحق اضطرته مؤامرات أسياده المماليك إلى الرحيل إلى الشام حيث التحق بخدمة الدولة العثمانية. وفي حوالي عام 1772م كان أحمد الجزار على رأس حملة لانتزاع بيروت التي كان يتصارع عليها الأمراء الشهابيون. وقد آثر أحمد الجزار الاحتفاظ ببيروت، وقام بجباية أموالها، ورفض مطالب الأمير يوسف الشهابي لإعادتها.          وقد جلب هذا العمل على الجزار نقمة الأمير الشهابي، واستعان لهذا الغرض بحليفه ظافر العمر*. هذا وقد دافع أحمد الجزار عن بيروت التي أضحت محاصرة، ثم اضطر إلى الاستسلام بشروط بعد أن قامت وحدات من الأسطول الروسي بقصف المدينة قصفاً شديداً بطلب من الشيخ ظاهر العمر.          والمرجح أن أحمد الجزار حمل معه بعد انسحابه من بيروت أموالاً طائلة أنفقها في التقرب إلى الباب العالي، قال لديه الحظوة والمكانة العالية ليعود في عام 1775م والياً على صيدا.          والواضح أن الهدف من تعيين أحمد الجزار والياً على صيدا هو تهيئة الأجواء المناسبة للقضاء على الشيخ ظاهر العمر. وقد أبدى أحمد الجزار مهارة فائقة في توظيف خبرته وعلاقاته السابقة في البلاد الشامية من أجل تفتيت الجبهة المؤيدة للشيخ ظاهر ومساندة قائد البحر العثماني حسن باشا الجزائري في حرب الشيخ ظاهر، فتّمت المهمة بنجاح تام.           واصل أحمد الجزار بهمة ونشاط مطاردة أبناء الشيخ ظاهر وأتباعه. وكانت خبرته بأحوال زمانه قد دفعته إلى ابتزاز الأموال واكتنازها، ثم استخدامها في تقوية نفوذه وسلطته. وقد وجد الجزار بعد حسم قضية الشيخ ظاهر كثيراً عن الأمراء المحليين ممن انتهزوا أيام تغلب سلطة ظاهر العمر عن دفع الأموال، فبطش بهم بطشاً شديداً، حتى كان تعذيبه لهم مضرب المثل لعهود تالية.          ووجد أحمد الجزار في الأمير يوسف الشهابي كبشاً سميناً، فهو حليف الشيخ ظاهر، وفي ذمته ديون سنوات مستحقة للباب العالي. فضيق عليه الخناق، وأجبره على التنازل عن بيروت، كما صادر أملاك عدد من أقربائه.          أصبح أحمد الجزّار شخصية مهيبة في بلاد الشام، ودفعه نفوذه الواسع إلى تعزيز مركزه السياسي، ونقل مركزه السياسي إلى عكا*، وعمد – على غرار ظاهر العمر – إلى تحصينها تحصيناً جيداً، وعزز أسوارها بالمدفعية، كما أنشأ جيشاً من المرتزقة، بالإضافة إلى أسطول قوي للدفاع عن عكا والساحل الشامي.          أثارت قوة أحمد الجزار المتعاظمة ولاة الأمور في الشام، فجرت محاولات للحد منها، وذلك عن طريق دعم الأمراء الشهابيين، وحثهم على المقاومة. على أن الجزار نجح في شق الأمراء الشهابيين، واصطنع من بعضهم قوة مساندة له. وانتهى الصراع مع باشا الشام (محمد باشا العظم) بهزيمة الأخير وتعيين أحمد الجزار باشا مكانه (1780م).          وبحصول أحمد الجزار على باشوية الشام أصبح أقوى رجل في بلاد الشام،  فهو الباشا، وأمير الحج، وسيد صيدا، وطرابلس، وعكا. كما كان الأمراء الشهابيون لحين من الزمن رهن إشارته، يغير ويتدخل في شؤون إمارتهم بما يتفق وأهواءه.          وبالرغم من سطوة الجزار وجبروته أضطرت الدولة العثمانية إلى تنحية عن باشوية الشام، بسبب الشكاوى التي رفعها الأهلون حول عسفه وجوره وطغيانه، وكذلك بسبب الثورات التي اندلعت في لبنان (1789 – 1790م) والشام (1798م) وكان الجزار قد قمعها بقساوة متناهية.          وكانت ذكريات الشيخ ظاهر العمر لا تزال عالقة في أذهان المتولين للأمور في الباب العالي، وكان اعتصام الجزار في عكا يمكن أن يحوله إلى ثائر على الدولة في أية لحظة. ومن هنا كان موقف الباب العالي دقيقاً، إذ كان عليه السعي للحيلولة دون اتساع نفوذ أحمد الجزار ومحاولة الاستفادة من خدماته قدر الإمكان.          وبالفعل، تأتّي للعثمانيين الاستفادة من أحمد الجزار عام 1799م حين أنيط به مواجهة زحف الفرنسيين على فلسطين، وإيقاف الحملة الفرنسية* التي قادها نابليون بونابرت. ولم يخّيب أحمد الجزار ظن أسياده فيه، فقد استجاب لنداء الباب العالي في مقاومة الفرنسيين، وألقى بإغراءات بونابرت جانباً، وحرص على البقاء في عكا، ليشدّ من ساعد المدافعين ويقوّي وسائل الدفاع.            وتمكن أحمد باشا الجزار بمساعدة الأسطول البريطاني في البحر المتوسط من إيقاف الزحف الفرنسي. وهكذا انهارت عند أسوار عكا قوى الفرنسيين، ومني بونابرت بالخذلان (رَ: الحملة الفرنسية).           وحاول أحمد باشا الجزار الذي رفعه دفاعه عن عكا إلى قمة المجد أن يستثمر نصره في فرض هيمنة مطلقة على بلاد الشام. وكانت باكورة أعماله بعد انسحاب بونابرت تنحية الأمير بشير بن قاسم الشهابي الثاني* الذي تولى عرش إمارة لبنان منذ أمد قصير. ولكن الدولة العثمانية ساندت الأمير بشير الثاني على أحمد باشا، فأعادته إلى مركزه السابق، وربطته بالباب العالي مباشرة.           على أن إجراءات الدولة العثمانية ظلّت اسمية فحسب، ولم يستطع الباب العالي أن يعمل شيئاً إزاء تعيين أحمد باشا الجزار لإثنين من أعوانه حكاماً في جبل لبنان.           وكانت الأعوام الأخيرة من حياة أحمد باشا الجزار هادئة نسبياً، ويقال إنه كان يعد العدة خلالها للبطش بالوهابيين، غير أن المنيّة أدركته بعد نصف قرن من الحياة العاصفة، وعمر ناهز السبعين عاماَ.   المراجع: –         ميخائيل مشاقة: مشهد العيان بحوادث سورية ولبنان، القاهرة 1908. –         حيدر الشهابي: الغرر الحسان في أخبار الزمان، بيروت 1969. –         عبد الرحمن الجبرتي: تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، القاهرة 1964. –         محمد كرد علي: خطط الشام، دمشق 1925. –          فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت 1959.