محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي

(335-380ه) (947-990م)                                                                                                                    أبو عبد الله شمس الدين ابن أبي بكر البناء البشاري. وهو أحد الأعلام الدين أبلغوا علم الجغرافية عند العرب في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي أوجه.                   ولد المقدسي ببيت المقدس واشتهر باسم “حفيد البناء” نسبة إلى جده المهندس أبي بكر البناء الذي كان ابن طولون قد عهد إليه ببناء ميناء عكا وتحصينه. وكانت أمه من قوس في خراسان. وبذلك تيسر له أن يسافر إلى المشرق. ثم دفعه ولعه بالأسفار إلى أن يشد الرحال شرقاً وغرباً فيزور أنحاء العالم الإسلامي عدا السند وسجستان والأندلس. وقد سلخ عشرين عاما من عمره ينتثل في البلاد الإسلامية ويصف ما شاهده من بحار وأنهار وجبال ووديان، ويحدد المسافات والأبعاد، ويدون ملاحظاته عن المدن والقرى وخصائص سكانها بعد أن يدرس مختلف المجتمعات والبيئات ويختلط بجميع الطبقات فيعاشر التجار والصناع وعامة الشعب ويلتقي العلماء والفقهاء والأدباء ويستمع إلى المحدثين والخطباء. وكثيراً ما كان “يتنكر” وينتحل مختلف الصفات والمهن والأعمال للتعرف على شتى الطوائف والأجناس. وقد عرف بأكثر من ستة وثلاثين لقبا من بينها “المقدسي” و”الخراساني” و”العراقي”و”الشامي” و”الصوفي” و”الفقيه” و”التاجر” و”الخطيب” و” الحنفي”. وقد تقلبت عليه الدنيا غنى وفقراً ورفعة وضعة، وارتاد مجالس الأمراء والوزراء، وعاش مع المشردين والمعوزين، وتعرض لعدوان قطاع الطرق، وكان له نصيب من كل ما يصيب الرحالة من مشاق ومحن. يصف المقدسي مغامراته فيقول:” لقد تفقهت وتأدبت ونزهت وتعبدت. وخطبت على المنابر، وأذنت على المنائر، وأممت في المساجد، وأكدت مع الصوفية الهرائس ومع الخانقانيين الثرائد ومع النواتي العصائد … وسحت في البراري وتهت في الصحاري … وملكت العبيد، وحملت على رأسي بالزنبيل، وأشرفت مراراً على الغرق. وسجنت في الحبوس وأخذت على أني جاسوس … ومشيت في السمائم والثلوج…”. وقد تمكن المقدسي نتيجة لكل ذلك أن يضع، وهو لما نزل في الأربعين من عمره (375هـ/985م) ، كتابه الرائع “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” الذي قدمه إلى الأمراء السامانيين في بخارى، ثم أعاد النظر فيه مرة أخرى بعد ثلاثة أعوام وقدمه إلى الخليفة الفاطمي العزيز بالله في القاهرة. ويذكر المقدسي أنه أرفق كتابه بخرائط ايضاحية رسم عليها الطرقات باللون الأحمر، والصحاري باللون الأصفر، والبحار باللون الأخضر، والأنهار باللون الأزرق، والجبال باللون الأغبر. ويضيف أنه شاهد مثل هذه الخرائط الملونة مع كتاب تقويم البلدان للبلخي، وخرائط أخرى في مكتبة الأمراء السامانيين ومكتبة  نيسابور ومكتبة عضد الدولة، كما شاهد خرائط بحرية لدى بعض البحارة العرب. كان المقدسي يعرف فضل كتابه هذا، فهو يقول بكثير من الاعتزاز: “من مفاخر كتابنا الاغراض عما ذكره غيرنا. واذا نظرت في كتابنا وجدته يتيما في نظمه.  فكل من سبقنا إلى هذا لم يسلك الطريق التي قصدتها، ولا طلب الفوائد التي أردتها”. وقد اعتمد المقدسي في أكثر ما كتبه على ما شاهده واختبره بنفسه. ولا شك في أنه كان واسع الأفق شديد الانتباه قوي الملاحظة قادراً على تسجيل دقائق الأمور الجوهرية, وقد اطلع على مؤلافات الجغرافيين والرحالة الذين تقدموه ونقل عنهم، ولكنه يقول:” وقد اجتهدنا ألا نذكر شيئا سطروه،ولا نشرح أمرا قد أوردوه الا عند الضرورة لئلا نبخس حقوقهم، ولا نسرق من تصانيفهم”. على أن المقدسي، شأنه شأن كل العلماء الحقيقيين، لا يعفي نفسه من الخطأ، ولا يزعم أنه يرقى إلى درجات الكمال فيما كتب، فهو يقول :” ثم اني لا أبرى نفسي من الزلل، وكتابي من الخلل، ولا أسلمه من الزيادة والنقصان، ول أفلته من الطعن على كل حال”. وأهتم المقدسي اهتماماً كبيراً بجغرافية فلسطين. فقد خصص صفحات طويلة لوصف بحيرة طبرية* وحماماتها المعدنية، والبحر الميت* الذي يدعوه “البحيرة المقلوبة* ونهر الأردن* الذي يصب فيه. كما أسهب في الكلام على عكا* ومينائها الذي يعده من العجائب شارحاً بالتفصيل الطريقة التي اتبعها جده أبو بكر البناء في بناء هذا البناء بطلب من ابن طولون. وبعد أن استعرض مدن أريحا* والخليل* وبيسان* والرملة* التي يدعوها قضية فلسطين، ثم غزة* وأرسوف* وعسقلان, توسع في الكلام على مدينة القدس* ووصف المسجد الأقصى* وصفاً رائعاً. وتحدث المقدسي كذلك بالتفصيل على التجارة*والزراعة* والصناعة* في فلسطين، وعن مقالع الحجارة والرخام والمعادن الكبريتية في الغور* وأنواع المياه، وعن أعياد المسلمين والمسيحين، وعن بعض الحرف قائلاً: “ان جميع المكتبة في فلسطين، ما عدا طبرية، هم من النصارى، وأن الصيبارفة والصياغين هم من اليهود”. ويعود الفضل إلى المستشرق النمساوي شبرنغر في أنه كان أول من لفت الأنظار إلى كتاب “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” للمقدسي وعمل على نشره في سلسلة الجغرافين العرب” التي كان يصدرها المستشرق الهولندي دي خويه في ليدن سنة 1877م. وقد قال شبرنغر عن المقدسي: “انه أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة. وانه لم يتجول رحالة في البلاد كما تجول المقدسي، ولم ينتبه أحد إلى ما لاحظه، ولم يحسن ترتيب ما علم به مثله”. ولا شك في أن المستشرق الألماني كراوس كان على حق عندما أكد أن المقدسي “هو أكثر الجغرافيين العرب أصالة، وأن مصنفه من أكثر المصنفات الجغرافية في الأدب العربي قيمة، وأنه لم يسبقه شخص في اتساع مجال أسفاره وعمق ملاحظاته وفي اخضاعه المادة التي جمعها لصياغة منظمة”. وقد ترجم أربعة أجزاء من كتاب المقدسي إلى اللغة الانكليزية ونشرها في كلكتا  بالهند (1897-1910) المستشرقان رانكنغ وآزو. ونشر المستشرق الفرنسي آندريه ميكل ترجمة جزئية لكتاب “أحسن التقاسيم” مع تعليقات وشروح في دمشق سنة 1963.   المراجع:                                                                                                                   كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي، القاهرة 1961. – زكي محمد حسن: الرحالة المسلمون في القرون الوسطى، القاهرة 1945. نقولا زيادة: رواد الشرق العربي في القرون الوسطى، القاهرة 1943. –  نقولا زيادة: الجغرافية والرحلات عند العرب، بيروت 1962.                               – Andre Miquel : LA mEILLEURE Repartition pour la connaissance des Provinces,damas 1953.