محمد أمين الحسيني

مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا*. ولد في القدس* وتلقى دروسه الأولية في إحدى مدارسها واختار له والده عددا من العلماء والأدباء لاعطائه دروسا خصوصية في البيت. ثم التحق بكلية الفرير* بالقدس لتعلم اللغة الفرنسية. وبعد قضاء عامين فيها التحق بالجامع الأزهر في القاهرة. وخلال دراسته الأزهرية أدى فريضة الحج إلى البيت الحرام مع أهله فأطلق عليه لقب “الحاج” الذي لازمه حتى وفاته. وفي صيف 1915 أرسله والده إلى استانبول للدراسة في معاهدها العليا. ولكنه اختبار الجندية فانتسب إلى الكلية العسكرية وتخرج منها برتبة ضابط صف والتحق بالجيش العثماني. ولما زار أهله في القدس ترك الجيش العثماني وأخذ يخدم الثورة العربية سراً في لواءي القدس والخليل. بعد احتلال الانكليز القدس عين الحاج أمين مرافقاً خاصاً للحاكم البريطاني العام لفلسطين. ولكنه لم يستمر في هذه الوظيفة سوى ثلاثة أشهر استقال بعدها احتجاجا على سياسة بريطانيا تجاه العرب وفلسطين وعمل معلماً في كلية روضة المعارف الوطنية* في القدس. نادى الحاج أمين علناً بوجوب محاربة الحكم البريطاني والغزوة الصهيونية، وجعل يحذر الفلسطينيين والعرب والمسلمين من أخطار الخطة الاستعمارية الصهيونية ويدعوهم إلى مقاومتها واحباطها. وقد استجاب له نفر من أصدقائه فكونوا في القدس أول منظمة سياسية عرفتها فلسطين وهي “النادي العربي”* الذي انتخب الحاج محمد أمين رئيساً له. وكان لهذا النادي أثر كبير في انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية التي برزت يومئذ في انشاء الجمعيات الإسلامية المسيحية* في المدن الفلسطينية وقيام مظاهرات القدس الكبيرة في سنتي 1918و1919 وعقد المؤتمر العربي الفلسطيني* الأول, وقد اعتقل الانكليز الحاج محمد أمين في مدينة الخليل لتزعمه يوم وصول لجنة الاستفتاء الأمريكية (رَ: كينغ-كرين، لجنة) مظاهرة كبرى راحت تطالب بالاستقلال ويؤكد رفض الفلسطينيين وعد بلفور*. وقبض عليه ثانية بعد ثورة القدس أثناء احتفالات موسم النبي موسى (رَ: ثورة 1920) في مطلع شهر نيسان 1920. ولكن نفراً من الشباب العربي هاجموا الجنود البريطانيين الذين كانوا يقتادونه إلى سجن المسكوبية وأنقذوه من الاعتقال فهرب عبر البحر الميت* إلى منطقة الكرك. وتوجه من هناك إلى دمشق حيث كان فيصل بن الحسين ملكاً على سورية. وقد حكمت عليه المحكمة العسكرية البريطانية التي ألفت لمحاكمة المتسببين في أحداث تلك الثورة بالسجن خمسة عشر عاماً حكماً غيابياً. ولما حلت الإدارة المدنية على الإدارة العسكرية في صيف سنة 1920 هب الفلسطينيين يطالبون بإلغاء الأحكام والعفو عن الحاج محمد أمين والسماح له بالعودة إلى البلاد، فأصدر المندوب السامي البريطاني عفواً عنه وألغى حكم المحاكمة العسكرية عليه فعاد الحاج محمد أمين إلى القدس. وحين شغر مركز الافتاء بالقدس في مطلع سنة 1921 بوفاة المفتي كامل الحسيني (أخي الحاج محمد أمين) دعت الحكومة إلى انتخاب من يشغل المنصب وفقاً للنظام القائم آنذاك فرشح الوطنيون محمد أمين الحسيني لمنصب الافتاء مقابل عدد من العلماء والقضاة. وقد فاز الجاج محمد أمين في المعركة الانتخابية رغم التدخل البريطاني فتسلم منصب الافتاء رسمياً. أعاد المفتي محمد أمين تنظيم المحاكم الشرعية واختار لها القضاة ونظم دائرة الأوقاف وعين فيها عدداً من الشبان المثقفين الموثوقين وأخذ يعمل على تقوية المدارس الإسلامية القليلة وتنظيم أمورها. ولم يقتصر نشاطه على شؤون المسلمين في الأقضية التابعة للقدس فأجرى الاتصالات والمباحث في فلسطين كلها لمطالبة الحكومة بإنشاء هيئة إسلامية تشرف على شؤون المسلمين ومصالحهم وتكون مستقلة تمام الاستقلال في أمورها الدينية. فعقد مؤتمر إسلامي فلسطيني عام وقرر مطالبة الحكومة بإقامة مثل هذه الهيئة. ووافقت حكومة الانتداب على انشاء مجلس شرعي إسلامي لفلسطين فتألفت جمعية عمومية من العلماء والقضاة والمفتين ورجال القانون المسلمين ووضعت مشروع قانون المجلس الاسلامي الأعلى* وحددت حقوقه وصلاحياته ومسؤولياته وقررت أن يتألف من رئيس وأربعة أعضاء ينتخبهم المسلمون ووضعت للانتخاب مشروع نظام. وبعد مداولات مع سلطات الانتداب تم الاتفاق على قانون المجلس الإسلامي ونظام انتخاب فصدر مرسوم رسمي يتضمن القانون والنظام، ودعت الحكومة إلى إجراء انتخابات عامة الاختيار رئيس المجلس وأعضائه الأربعة عام 1922. وقد فازت في الانتخابات لائحة محمد أمين الحسيني التي كانت تضم إلى جانبه عبد الله الدجاني (يافا) وسعيد الشوا (غزة) وعبد اللطيف صلاح (نابلس) وتوفيق مراد (حيفا). أرادت حكومة الانتداب أن يأتي المجلس الإسلامي الأعلى هيئة ضعيفة هزيلة لا تعدو أن تكون اسما بلا مسمى وأداة بأيدي الحاكمين. ولكن محمد أمين الحسيني زملاءه جعلوا المجلس هيئة إسلامية قوية حقيقية رفعت شأن المسلمين وصانت مصالحهم وتمت أوقافهم ونظمت جميع أمورهم الشرعية والدينية والعلمية. وغدا المجلس الإسلامي على مر الأيام أقوى قوة عربية وطنية في البلاد. وقام بعدد من الأعمال والانجازات الهامة منها إنشاء دار الأيتام الإسلامية الصناعية في القدس. وفتح عشرات المدارس في البلاد، واسترجاع أراضي الوقف الإسلامي التي كانت الحكومة تسيطر عليها وتتولى إدارتها. وإنشاء العشرات من المحاكم الشرعية، وتعيين المئات من الوعاظ والمرشدين من حملة المبادىء الوطنية، فضلاً عن إنشاء فرق الجوالة والكشافة الإسلامية والجمعيات الخيرية* والنوادي الأدبية والرياضية واصلاح المسجد الأقصى* المبارك والصخرة المشرفة* وانقاذهما من الأخطار التي كانت تهددهما بالأنهيار والخراب. وقد تم ذلك بأموال الأوقاف وتبرعات العرب والمسلمي في شتى أنحاء العالم. كان الحاج محمد أمين ينادي دائما بوجوب اعتبار قضية فلسطين قضي العرب كلهم وقضية العالم الإسلامي. ويطالب بحشد القوى العربية والإسلامية لتأييد قضية فلسطين والوقوف في وجه الصهيونية العالمية وأنصارها. فلما تولى رئاسة المجلس الاسلامي الأعلى ومنصب المفتي الأكبر ورئيس العلماء غدا في مركز يمكنه من تحقيق خطته فزار مصر والعراق والسعودي والكويت وسورية ولبنان لهذه الغاية، وأرسل وفداً إسلامياً إلى الهند وأفغانستان وايران لهذه الغاية، وأرسل وفداً إسلامياً إلى الهند وأفغانستان وايران للغرض نفسه. وفي سنة 1931 عاد الحاج محمد أمين زعماء العرب والمسلمين إلى عقد مؤتمر عام في القدس للدفاع عن قضية فلسطين ولبى العرب والمسلمون دعوته. وعقد في المسجد الأقصى أول مؤتمر اسلامي عالمي حضره كبار القادة والزعماء وعلماء الدين من الأقطار العربية وأفغانستان والهند وايران وأندونيسيا ونيجيريا وغيرها (رَ: المؤتمر الإسلامي العام). وانتخب الحاج محمد أمين رئيساً لذلك المؤتمر. وعقدت كذلك فيما بعد مؤتمرات دولية مماثلة في مكة المكرمة وكراتشي وبغداد وعمان والصومال وغيرها برئاسة الحاج محمد أمين. زار الحاج محمد أمين سنة 1933 العواصم العربية والاسلامية في جولة استغرقت ستة أشهر سعى خلالها إلى إنشاء جامعة إسلامية في القدس باسم “جامعة الأقصى” بموازاة الجامعة العربية التي كان اليهود قد أنشأوها فيها. وقد تبرع المسلمون وأموال غير قليلة لتنفيذ هذا المشروع الكبير، ولكن الحكومة البريطانية حالت دون تنفيذه وسعت في العواصم الإسلامية وبعض العواصم العربية لمنع ارسال الأموال إلى المجلس الإسلامي الأعلى فنجحت في مسعاها بل ان حيدر أباد أحد أغنى الحكام المحيلين في الهند ارسل تبرعه ليكون تحت تصرف المندوب السامي البريطاني في فلسطين. عمل الحاج محمد أمين أيضاً، بوصفه رئيساً للمجلس، على محاربة بيع الأراضي للصهيونيين فعقد عدة مؤتمرات للمفتين والعلماء والقضاة تقرر فيها مقاومة استيلاء الصهيونيين على الأراضي واعتبار الباعة والسماسرة خارجين على الدين يمنع دفنهم في مدافن المسلمين. وكون جمعيات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لاصلاح ذات البين بين المسلمين وحضهم على مقاومة البيوع (رَ: علماء فلسطين، مؤتمر) و(رَ: ثورة 1936-1939) وعين مئات الوعاظ والمرشدين للقيام بمثل هذا الواجب. كما عمل على تشجيع الاقتصاد الوطني ومقاطعة الصهيونيين اقتصادياً وتجارياً. واشترى بأموال الأوقاف مساحات من الأراضي التي كانت مهددة بالتسرب إلى الصهيونيين وجعلها وقفاً إسلامياً. وكان الحاج محمد أمين يشعر بأن عرب فلسطين وليسوا مستعدين بعد لخوض الكفاح المسلح. ولهذا أخذ يؤيد في الظاهر الجهود السياسية لحل القضية الوطنية ويعمل بمعاونة عدد قليل من الشبان الموثوقين جداً على إقامة منظمات سرية وتدريب أفرادها وتسليحهم، وألف لجنة سري لتنمية هذا العمل وتنفيذه، ثم أنشأ من هذه المنظمات ومن منظمة الفتوة التي كان الحرب العربي الفلسطيني* قد ألفها، جيش الجهاد المقدس* الفلسطيني واختار عبد القادر الحسيني* قائداً له. وبعد ثورة الشيخ عز الدين القسام* واستشهاده سنة 1935 (رَ: ثورة 1935) وتعدد حوادث الاصطدام المسلح بين العرب والصهيونيين وإعلان الاضراب العام في 19/4/1936 اجتمعت اللجان القومية* في مؤتمر عام في القدس مع ممثلي الأحزاب السياسية الفلسطينية وتقرر تأسيس اللجنة العربية العليا* لفلسطين برئاسة محمد أمين الحسيني. وهكذا تولى قيادة الحركة السياسية إلى جانب رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى. دعم الحاج محمد أمين ثورة 1936 – 1939* ووفر لها الأسلحة اللازمة. ودعم حركة التطوع في البلاد العربية فدخل إلى فلسطين المجاهدين بقيادة فوزي القاوقجي*. وفي 13/10/1936، ويتوسط من ملوك العرب (رَ: نداء الملوك والرؤساء العرب للشعب الفلسطيني) توقفت الثورة وانتهى الاضراب العام الذي استمر نحو ستة أشهر فعاد المفتي إلى العمل السياسي. ولما حضرت لجنة التحقيق الملكية البريطانية إلى فلسطين في أواخر عام 1936(رَ: بيل، لجنة) تولى المفتي الدفاع عن قضية فلسطين أمامها وطالب بإلغاء الانتداب وعد بلفور وتأليف حكومة فلسطينية يشترك فيها العرب واليهود (المواطنون الأصليون وذراريهم). وعندما صدر في مطلع تموز سنة 1937 تقرير هذه اللجنة الملكية الذي أوصت فيه تقسيم فلسطين أصدر المفتي بياناً شديداً ضد التقسيم وقررت اللجنة العربية العليا محاربة مشروعه (رَ: تقسيم فلسطين). وقد ساهمت قوة من الجيش البريطاني ورجال الشرطة مقر اللجنة العربية العليا لفلسطين في حي الشيخ جراح بالقدس في 19/7/1937 للقبض على المفتي ونفيه. ولكن الحاج محمد أمي استطاع الافلات من الطوق المضروب حول دار اللجنة ولجأ إلى المسجد الأقصى المبارك وظل يدير الحركة الوطنية من داخله ورفض رجال الشرطة العرب دخول الحرم الشريف والقبض على المفتي. وفي الوقت نفسه آثر الانكليز عدم اقتحام الحرم الشريف تفادياً للعواقب. وفي 29/9/1937 اغتال أحد العرب الفلسطينيين حاكم اللواء الشماي أندروز فقامت سلطات الانتداب بأعمال قمع وحشية، وأصدر المندوب السامي أمر بحل اللجنة العربية العليا لفلسطين واللجان القومية، وأصدر أمرا آخر باقالة المفتي من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى واتعبروه مسؤولاً عن أعمال الارهاب. وزادت سلطات الانتداب جهودها للتفتيش عليه ومغادرة المسجد الأقصى وفلسطين إلى الخارج. ونجح في الهرب إلى يافا ومنها إلى لبنان بمركب شراعي. وهناك قبض عليه حرس السواحل الفرنسيون وقادوه إلى بيروت. وقد رفضت الحكومة الفرنسية طلب الحكومة البريطانية تسليم المفتي إليها نتيجة التظاهرات التي قامت في الأقطار العربية والإسلامية. وسمحت له بالإقامة لاجئاً سياسياً في قرية ذوق مكايل بالقرب من جونية ووضعته تحت مراقبة شديدة. استطاع المفتي استعادة حرية العمل السياسي، فاستأنف العمل باسم اللجنة العربية العليا في الوقت الذي كانت فيه نيران الثورة ما تزال مندلعة في فلسطين. ظل المفتي في لبنان عامين وقعت خلالهما تطورات سياسية خطيرة كان من بينها عدول الانكليز رسمياً عن مشروع التقسيم بسبب الثورة وانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة في لندن (رَ: لندن، مؤتمر 1939). وقد اشترك في هذا المؤتمر وفد فلسطيني عينته اللجنة العربية العليا التي عادت بريطانيا إلى الاعتراف بها تحت ضغط الرأي العام الفلسطيني العربي. وكان هذا الوفد برئاسة المفتي الذي آثر عدم السفر الى لندن واعتمد جمال الحسيني* نائباً عنه. وعلى أثر فشل مؤتمر لندن هذا أصدرت الحكومة البريطانية الكتاب الأبيض لعام 1939 (رَ: ماكدونالد، كتاب – الأبيض) فأعلنت اللجنة العربية العليا رفضها له وأصرت على وجوب تحقيق المطالب الوطنية الفلسطينية كاملة، مما ضاعف غضب الانكليز على المفتي. ولما نشبت الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939 أخذت فرنسة تلاحق المجاهدين والزعماء الفلسطينيين. وجرت مباحثات خاصة بين لندن وباريس لتسليم المفتي إلى الحكومة البريطانية. ولكن المفتي انتقل سراً إلى العراق في 13/10/1939 فقوبل بترحيب عظيم من شعبه وحكومته. ولحق به عدد من الزعماء والمجاهدين، فاستأنف قيادة الحركة الوطنية وبذل جهود كبيرة لاعادة تنظيم جيش الجهاد المقدس الفلسطيني، وأدخل عدد من رجاله إلى كلية الأركان والمعاهد العسكرية. ومكث المفتي في العراق عامين أصبحت فيهما بغداد مركز الثقل في القضية الفلسطينية. وبعثت الحكومة البريطانية الكولونيل نيوكمب إلى بغداد لمحاولة اقناع المفتي بقول الكتاب الأبيض لعام 1939 والتعاون مع الانكليز على أساسه، ولكن دون جدوى. وقد اشترك المجاهدون الفلسطينيون في القتال إلى جانب الجيش العراقي في الحرب العراقية البريطانية عام 1941. ولما توقف القتال وفشلت ثورة رشيد عالي الكيلاني ورفاقه، غادر المفتي وعدد من اخوانه بغداد إلى طهران في 20/5/1941، فأقام فيها مدة فقيرة، ثم غادرها سراً إلى تركيا فبلغاريا فايطاليا فأسبانيا بعد أن طلبته القوات البريطانية التي احتلت ايران ووضعت جائزة للقبض عليه حياً أو ميتاً. أمضى الحاج محمد أمين أكثر من أربعة أعوام في أوروبا، وأنشأ مكتباً للحركة العربية في برلين ومكتباً ثانياً في روما. وانصرف إلى الاهتمام بالقضية العربية عامة والفلسطينية خاصة، سواء في ميادين السياسة أو الدبلوماسية أو الدعاية. وحين احتل الحلفاء ألمانيا غادرها المفتي إلى سويسرا بطائرة وضعتها لقيادة الجوية الألمانية تحت تصرفه وطلب اللجوء السياسي. ولكن سويسرا رفضت ذلك بضغط من الحلفاء وخيرته بين العودة من حيث أتى أو مواصلة السفر إلى أي بلد يريده فاختار المفتي العودة إلى المانيا. وعندما بلغها كان الفرنسيون قد احتلوا المنطقة فقبضوا عليه ونقلوه إلى باريس وألقوا به في سجن ماري ميدي. ثم نقلوه إلى دار في ضواحي باريس واعتقلوه فيما بعد أن تدخل ملك مصر وسلطان المغرب وعدد من زعماء سورية ولبنان . بقي المفتي معتقلاً في فرنسة أكثر من سنة، طلبت يوغسلافيا وبريطانيا والولايات المتحدة خلالها تسليمه لمحاكمته كمجرم حرب ولكن فرنسة رفضت ذلك. واستطاع المفتي أن ينتقل بجواز سفر مزور وزي أوروبي من باريس إلى القاهرة حيث استأنف نشاطه السياسي. ترأس الحاج محمد أمين الهيئة العربية العليا لفلسطين* التي تألفت بقرار من جامعة الدول العربية في 11/6/1946 وافتتحت مكتبا لها في القدس. وقد قام بتأسيس مكتب رئيس للهيئة في القاهرة ومكتب فرعية في دمشق وبيروت وبغداد إلى جانب مكتب القدس، وضم إلى أعضاء الهيئة الأربعة خمسة أعضاء آخرين. جدد المفتي اتصالاته بزعماء العالمين العربي والإسلامي ودافع عن قضية فلسطين وعني بالقضايا العربية والإسلامية وخدمتها. وعاود عقد مؤتمرات العالم الإسلامي وبعث وفود فلسطينية وعربية وإسلامية إلى مختلف أنحاء العالم للدفاع عن قضية فلسطين والدعاية لها. وقام بعدة جولات لصالح القضية الفلسطينية. وفي الميدان الفلسطيني عمل المفتي والهيئة العربية العليا على تنظيم الحركة الوطنية الفلسطينية تنظيماً حديثاً. وتألفت في القاهرة والقدس عدة دوائر ولجان، منها ما اختص بالسياسة والدعية والمقاطعة والحفاظ على الأراضي وتنظيم الشباب، ومنها ما اهتم بالاصلاح وإزالة الاختلافات بين أبناء الشعب والقضاء على ذيول المنازعات الحربية السابقة وآثارها. ثم أسست الهيئة مكاتب لها في لندن والأمم المتحدة وكراتشي واختارت ممثلين لها في معظم العواصم العربية والإسلامية والأوروبية والأمريكية. وألفت اللجان القومية في داخل فلسطين ولجاناً لنصرة فلسطين في البلاد العربية والاسلامية. وكانت الهيئة العربية قد قررت وجوب العمل على إعداد الشعب لخوض الكفاح المسلح ضد الصهيونيين والانكليز بعد استفحال أخطار المؤامرة المبيتة لفلسطين. وفوضت إلى المفتي أن يتولى بنفسه العمل ويتخذ ما يراه مناسباً من التدابير والاجراءات لبلوغ الهدف المنشود. عمل المفتي على انجاز عملية الاعداد فألف لجنة من زعماء المجاهدين الفلسطينيين وبعض الضباط السوريين والعراقيين لوضع الخطط وتحديد المطلوب من الأسلحة والمعدات للجهاد الذي كان أوانه قد اقترب بعد بروز فكرة التقسيم من جديد في الأوساط الأمريكية والبريطانية والصهيونية ومحيط الأمم المتحدة. وتولى المفتي، يعاونه من كان يثق بهم من المواطنين، شراء السلاح والعتاد ونقله إلى داخل فلسطين ووضعه في مخابي خاصة إلى حين بدء العمل.كما حصل على بعض الأسلحة من دول عربية واسلامية، وقام الفلسطينيون في الداخل بشراء الأسلحة والذخائر والمعدات. وأعاد المفتي تنظيم جيش الجهاد المقدس فأسند قيادته إلى عبد القادر الحسيني يعاونه كبار المجاهدين. وتولت هذه القيادة تنظيم المناضلين وقطاعات الجهاد وتوزيع السلاح وكونت حرساً وطنياً في المدن والقرى الكبرى، وأنشأ المفتي منظمة الشباب الفلسطيني التي انصهرت فيها منظمات الفتوة والنجادة والجوالة والكشافة. ولما برزت فكرة تقسيم فلسطين* من جديد أعلن المفتي رفضه اياها ومقاومته كل مشروع يومي إليها. وعندما عقدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة دورة استثنائية في أيار 1947 للنظر في قضية فلسطين بعث المفتي وفداً من الهيئة العربية إلى المنظمة الدولية لعرض وجهة نظر عرب فلسطين ومطالبهم. وبعث وفداً ثاني إلى الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف 1947 للغرض نفسه. ولما أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 29/11/1947 قرارها بتقسيم فلسطين رفضه المفتي والهيئة العربية وقرر الفلسطينيين والعرب محاربته. وبعد أيام من صدور هذا القرار اندلع القتال فوق الأرض الفلسطينية، وكان المفتي يتولى توجيه المجاهدين ومدهم بالمال والسلاح والمعدات. وأقام هيئة مالية مستقلة على “بيت المال العربي” تتولى بمعرفة الهيئة العربية جمع الأموال وانفاقها على أعمال الجهاد. بعد وقوع كارثة فلسطين سنة 1948 ظل الحاج محمد أمين يعمل للدفاع عن قضية فلسطين. وفي خريف 1948 ووفق على تأليف  حكومة فلسطينية (رَ: عموم فلسطين، حكومة) تتولى شؤون الكفاح، وتعقد في غزة في 1/12/1948 مؤتمر فلسطيني كبير سمي المجلس الوطني الفلسطيني (رَ: غزة، مؤتمر) انتخب المفتي رئيساً له. وأعلن هذا المؤتمر استقلال فلسطين والعمل على تحرير المحتل من أراضيها. ووضع دستوراً للحكومة واعتمد  لها وزارة دعيت حكومة عموم فلسطين* بدأ الحاج محمد أمين العمل واعادة تنظيم المجاهدين وحينما اجبرته السلطات المصرية على مغادرة القطاع إلى القاهرة ووضعته ورجال الهيئة تحت رقابة شديدة وحاصرت منزله. ثم انتقلت حكومة عموم فلسطين بطلب من حكومة مصر إلى القاهرة حيث جمد نشاطها وعملها فيما بعد. خففت فيما بعد القيود المفروضة على المفتي فجدد نشاطه السياسي وأخذ يدعو العرب والمسلمين إلى تحرير فلسطين. وقاوم مخططات الأعداء لاسكان اللاجئين في الأقطار العربية وأصر على عدم اعتراف العرب والمسلمين بالدولة الصهيونية. وفي مطلع سنة 1959 انتقل المفتي إلى سورية ومنها إلى لبنان ونقل مركز الهيئة العربية إلى بيروت واستأنف نشاطه وجهوده في سبيل فلسطين من العاصمة اللبنانية. وقد ظل فيها حتى وافته المنية في 4/7/1974 فدفن في مقبرة الشهداء بها.