سليم الأحمد عبد الهادي

واحد من الشهداء الذين أعدمهم جمال باشا. ولد في جنين* في لواء نابلس ودرس في مكاتبها ومكاتب مدينة نابلس* وعلى بعض علمائها. وقد حرص على تثقيف نفسه فأتقن العربية وآدابها وصار يجيد الإنشاء بها. انتظم في بدء حياته العملية في سلك القضاء* في نابلس ثم استقال مؤثراً العمل في الحقل الزراعي مع عمه حافظ باشا المحمد صاحب الأراضي الواسعة في قضاء جنين. وقد أصاب في الزراعة حظاً وافراً من التوفيق. وباتصاله بالفلاحين وعشائر بيسان تبوأ منزلة اجتماعية مرموقة فانتخب عضواً في مجلس إدارة قضاء جنين. وانتمى إلى جمعية تأسست ولوائها لمقاومة الرشوة والفساد والاستبداد الاقطاعي باسم “الجمعية”.. وقد اتسع نفوذها رغم مقاومة بعض المتصرفين الأتراك وأنجحت اثنين من مرشيحها في انتخابات مجلس المبعوثان* العثماني عن لواء نابلس هما رئيسها توفيق حماد* وشقيق صاحب الترجمة أمين الأحمد عبد الهادي. عرف سليم الأحمد باهتمامه نشر المعارف، وبسعيه لحمل الدولة على إنشاء مدرسة ثانوية كاملة في نابلس. وامتد نشاطه الاجتماعي إلى عشائر بيسان ولا سيما عشيرة الغزاوية. وحين عزمت الحكومة العثمانية على تأجير أراضي الجفتلك، وهي الأراضي الواسعة المسجلة باسم السلطان في غور بيسان، أو بيعها أو منحها امتيازاً لإحدى الشركات، بذل سليم الأحمد جهوداً عظيمة للحيلولة دون ذلك استبقاء لمزارعها وخشية تسربها بالمزاد إلى الصهيونيين. وقد ألف شركة لهذه الغابة وأثمرت مساعيه وبقيت الأراضي في حوزة مزارعها. واختارته اللجنة العليا لحرب اللامركزية التي كانت القاهرة مركزها معتمداً لها في جنين وحيفا*، فأسس لها فرعاً في جنين وأسس لفرع حيفا داعياً إلى إدارة البلاد على قاعدة اللامركزية (رَ: اللامركزية الإدارية، حرب). في 30/7/1915 (19 رمضان 1333هـ) وردت برقية إلى قائم مقام جنين من وإلى بيروت تقضي بإرسال سليم محفوظاً إلى الديوان الحربي العرفي بعاليه. ولكن سليما لم يتردد في تسليم نفسه ثقة براءته، ولأن حرب اللامركزية لم يكن سرياً، وكانت المطالبة باللامركزية مشروعة. وقد قضى في سجن عاليه عشرين يوماً كان فيها مثالاً لرباطة الجأش. وفي 20/8/1915 اقتيد ورفاقه من عاليه إلى دائرة الشرطة في بيروت حيث أبلغوا قرار الحكم عليهم بالاعدام شنقاً (رَ: النضال الفلسطيني في العهد العثماني 1908 – 1917) ووزعت عليهم أقلام لكتابة وصاياتهم. وقد سلمت وصية سليم إلى أخيه وفيها يقول: “أكتب هذه الوصية في الساعة الثامنة والنصف (بالتوقيت العربي) في ليلة السبت الواقعة في 12 شوال ثلاثماية وثلاثة عربية حيث حكم علي بالموت في الساعة التاسعة من الليلة المذكورة. اني أكتب هذه قبل موتي بنصف ساعة. أكتب هذه وأحد رفقاتي المحكومين معي، محمد المحمصاني، أخذ ليصلب. واني مسرور بلقاء الله سبحانه وتعالى”. وبعد أن يقيم عمه حافظ باشا وصياً على طفلته طرب، وكان عمرها أربع سنوات، وعلى زوجته يقول: “ليصرف عمي وولي نعمتي حافظ باشا من مالي الخاص ثلاثين ألف قرش منها خمسة آلاف إلى الفقراء المحتاجين والخمسة وعشرون ألفا يشتري قطعة ملك توقف على المعارف ويصرف ريعها على تعليم أبناء المستقبل” ويوصي لأخيه وأختيه، وبتسديد ديونه، ثم يطلب من زوجته المسامحة. وبعد تفصيلات حول الديون قال: “كتبت هذه بقلم جديد. ومن التدقيق بالخط يعلم أنه كتب جيداً، مما يدل على أنني أستقبل الموت بصدر رحب، ذلك لأنني خرجت من هذه الدنيا ناصع الجبين ظاهر الذيل مسلماً مؤمناً بالله واليوم الآخر. وبعد إعدامه نقلت جثته وجثث إخوانه عبد الكريم الخليل ومحمد ومحمود المحمصاني وصالح حيدر وعبد القادر الخرسا ونور الدين القاضي وعلي الأرمنازي ومسلم عابدين ومحمود العجم ونايف تللو في عربات إلى الرملة* حيث دفنت وصارت المقبرة تدعى مقبرة الشهداء. وقد اشتهر سليم الأحمد بشجاعته ومروءته وذكائه وحضور بديهته وشعبيته.