القدس

تضمن وعد بلفور* فيما تضمنه تعهدا من بريطانيا بأن تبذل حكومتها “غاية جهدها” لتسهيل “تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين. واستناداً إلى هذا التعهد تقدم المهندس الصهيوني الروسي الأصل بنحاس روتبرغ الصديق الشخصي لحاييم وايزمات إلى سلطات الانتداب البريطاني بطلب امتياز لتوليد وتوزيع الطاقة الكهربائية في فلسطين واستغلال نهر الأردن الشديد الانحدار لهذه الغاية. تعارض هذا الطلب على وجه الخصوص مع امتياز سابق كان قد حصل عليه يوريبيدس مافروماتس اليوناني التبعية في سنة 1914 من السلطات العثمانية لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها وتقديم بعض الخدمات الأخرى في منطقة القدس. لذلك تقدمت اليونان بالنيابة عن مافروماتس المذكور برفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية الدائمة في لاهاي حول هذا الموضوع، فأقرت المحكمة المذكورة شرعية امتياز مافروماتس. ونتيجة لهذا القرار وقع وكلاء التاج البريطاني في شباط سنة 1926 بالنيابة عن المندوب السامي في فلسطين اتفاقية مع يوريبيدس مافروماتس يتنازل فيها عن امتيازه العثماني. وقد منح مقابل ذلك امتيازاً جديداً لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها وتقديم الخدمات العامة الأخرى في دائرة وهمية مركزها منتصف القبة الوسطى لكنيسة القبر المقدس (كنيسة القيامة*) ونصف قطرها عشرون كيلومتراً. وقد صدقت هذه الاتفاقية بقانون نشر في حينه. عملاً بهذا القانون شكل مافروماتس “شركة كهرباء القدس والخدمات العامة المحدودة”…. وابتدأ سريان الامتياز بتاريخ 1/1/1928 لمدة أربعة وأربعين عاماً قابلة للتجديد ستة عشر عاماً إضافية. وفي آذار سنة 1948 تم التوقيع مع الدولة المنتدبة على اتفاقية جديدة تنازلت بموجبها الشركة صاحبة الامتياز عن بعض حقوقها في القدس الغربية لصالح شركة كهرباء فلسطين (مشروع روتنبرغ)  ومددت في الوقت ذاته فترة امتيازها حتى تاريخ 1/1/1988. وقد صدقت هذه الاتفاقية بقانون نشر حسب الأصول. وبذلك تم تقسيم القدس كهربائيا باشراف الدولة المنتدبة قبل أن يتم تقسيمها جغرافيا نتيجة للحرب، فأصبحت فيها شركتان عاملتان هما: شركة كهرباء القدس وشركة كهرباء فلسطين (مشروع روتنبرغ) التي أصبح اسمها فيما بعد شركة الكهرباء القطرية الإسرائيلية. استمرت شركة كهرباء القدس والخدمات العامة بعد ذلك في العمل في القطاع العربي من القدس. ثم أعيد تسجيلها بموجب القوانين الأردنية. وفي شباط سنة 1956 قامت كل من بلديات القدس ورام الله والبيرة وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور بتسجيل، “شركة كهرباء لواء القدس الأردنية المساهمة المحدودة”. وفي 10/4/1957 تم التوقيع على اتفاق بين الحكومة الأردنية وشركة كهرباء القدس والمصالح العامة المحدودة باعت بموجبه الشركة المذكورة كافة منشآتها وتنازلت عن امتيازها للحكومة الأردنية أو للجهة التي تسميها الحكومة المذكورة. وقد انتقل الامتياز في حينه بموافقة جميع الأطراف إلى شركة كهرباء القدس الأردنية المساهمة المحدودة. وفي سنة 1962 تم التوقيع على اتفاق بين الحكومة الأردنية وشركة كهرباء القدس أصبحت بموجبه منطقة امتياز هذه الشركة  تشمل، “محافظة القدس” كما يحددها نظام التقسيمات الإدارية، وتمحول اسمها إلى “شركة كهرباء محافظة القدس الأردنية  المساهمة المحدودة”. أصدرت الحكومة الأردنية في عام 1967 قانون سلطة الكهرباء الأردنية. وقد أدرج في الجدول السادس لهذا القانون اسم شركة كهرباء محافظة القدس الأردنية المساهمة المحدودة بوصفها صناعة مشروع أو امتياز في المناطق التي حددها الجدول المذكور. وقد  اشتمل الامتياز بموجب هذا القانون على مناطق جديدة أضيفت إلى محافظة القدس. وقد ألغت  المادة 53 من هذا القانون أي تشريع يتعارض مع أحكامه. أي أن هذا القانون ألغى المادة 39 (التي استند إليها وزير الطاقة الإسرائيلي فيما بعد ذريعة لتصنيفها) واستعاض منها بالمادة 9 من القانون الجديد. في آذار 1968  قامت السلطات الإسرائيلية بإبعاد روحي الخطيب أمين القدس ورئيس مجلس إدارة الشركة، وقامت بالاستيلاء على أسهم أمانة القدس في الشركة البالغة 8.3% من مجموع الأسهم  معطية لنفسها بذلك صلاحية فرض عضوين جديدين في مجلس إدارة الشركة كممثلين لبلدية القدس المحتلة. خلال عام 1968 بدأت السلطات الإسرائيلية بإنشاء عدد من الأحياء السكنية اليهودية الجديدة في منطقة القدس العربية ضمن منطقة امتياز الشركة. وكان حي رامات أشكول شمالي غرب الشيخ جراح أول هذه الأحياء التي تم انجازها فشرعت شركة الكهرباء القطرية الإسرائيلية في إنشاء المحطات الفرعية اللازمة لتزويد هذا الحي بالكهرباء. وقد اعتبرت شركة كهرباء محافظة القدس هذا الاجراء اعتداء على منطقة امتيازها وأصرت على أحقيتها بتزويد هذه المنطقة بالكهرباء ما دامت تقع ضمن امتيازها. ووصل الأمر إلى حد رفع دعوى كسبتها الشركة العربية وبدأت بتزويد هذا الحي اليهودي بالكهرباء سنة 1969. وقد أدى هذا الأمر إلى الزام الشركة بايصال الكهرباء لكل الأحياء السكنية اليهودية والمستعمرات الجديدة التي أقامتها أو تقيمها السلطات الإسرائيلية في منطقة القدس العربية أو في مناطق الضفة الغربية الواقعة في نطاق امتياز الشركة التي تمتد من حدود محافظة الحليل جنوباً إلى حدود محافظة نابلس شمالاً، ومن نهر الأردن* شرقاً إلى خط الهدنة لعام 1948 غرباً، بالإضافة إلى مسؤولية الشركة في كهربة أكثر من مئة قرية غربية تقع أصلاً في منطقة امتيازها ولا يزال العديد منها بحاجة إلى الكهرباء. وقد زاد ذلك من أعباء الشركة وجعله عاجزة تماماً عن تلبية احتياجات الأحياء والمستعمرات الإسرائيلية من الكهرباء بالإضافة إلى عجزها عن تلبية حاجة المواطنين العرب الأمر الذي دفعها في حزيران 1969 إلى طلب الاذن من السلطات الإسرائيلية باستيراد مولدين جديدين ليكونا جاهزين للعمل خلال عام 1971. ولكن هذا الطلب رفض. اضطرت الشركة خلال هذه الفترة بالنظر لتزايد الأحمال الكهربائية وعجزها عن إيجاد حل لذلك حتى عن طريق تخفيض الذبذبة والجهد إلى قطع التيار الكهربائي بالتناوب عن أماكن مختلفة من منطقة الامتياز أثناء ساعات الحمل القصري. وقد قوبل ذلك بالرفض من قبل المستوطنين الصهيونيين فاضطرت الشركة إزاء ذلك إلى الاستعانة بشركة الكهرباء القطرية الإسرائيلية لتسديد احتياجاتها من التيار الكهربائي. وتم في تشرين الثاني 1972 ربط خطوط الشركة بخط الشركة القطرية في رامات أشكول، كما تم فيما بعد ربطها بخطين آخرين في كل من شرفات والمكبر. كانت السلطات الإسرائيلية قد فرضت على الشركة العربية تسعيرة البيع المطبقة على الشركة القطرية الإسرائيلية وهي تقل كثيراً عن تسعيرة الشركة العربية علماً بأن الشركة القطرية تتلقى دعماً سنوياً من الحكومة الإسرائيلية لتغطية العجز في موازنتها. وقد أدى ذلك إلى ارهاق الشركة العربية مالياً وتحميلها ديوناً سنوية متكررة للشركة الإسرائيلية وصلت في مطلع عام 1979 إلى 42 مليون ليرة اسرائيلية عدا الديون التي تتحملها الشركة لعدد من البنوك العربية. وقد بلغت هذه الديون حوالي 700 ألف دينار أردني في مطلع عام 1979. ومما زاد في أعباء الضرائب الباهظة التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية عليها  وما تتحمله من خسائر من جراء الإنارة المجانية للشوارع في الأحياء والمستعمرات الإسرائيلية. وقد زاد عدد هذه الأحياء والمستعمرات حتى نهاية عام 1979 عن الثلاثين حياً ومستعمرة ومعسكراً  تستهلك حوالي 28 بالمئة من مجموع الطاقة التي تنتجها أو تستوردها الشركة العربية. ففي حين بلغ مجموع ما تولده الشركة من الكهرباء خلال عام 1979 قرابة 14 ميغاوط، أي أن نسبة ما تستورده من الشركة القطرية الإسرائيلية يصل إلى حوالي 20 بالمئة، بالنظر إلى الأعطال المتواصلة التي تحدث لمولداتها القديمة وتجعل طاقة توليدها لا تتجاوز فعلياً 12 ميغاواط. في آذار 1979 أصدرت المحكمة الإسرائيلية في القدس قراراً بالحجر على أموال الشركة المودعة في البنوك الإسرائيلية تحت ستار تحصل الديون المتراكمة للشركة القطرية الإسرائيلية وبهدف إرباك الشركة تمهيداً لاعلان افلاسها وتصفيتها. وإزاء ذلك بادرت “اللجنة الأردنية – الفلسطينية المشتركة لدعم الصمود” إلى تقديم قرض للشركة مقداره مليون دينار أردني. وتبع ذلك عدة إجراءات تهدف إلى إصلاح الأوضاع الإدارية المتردية للشركة. وكان من بين هذه الاجراءات تعيين أنور نسيبة رئيساً لمجلس الإدارة واتخاذ عدد من الخطوات لتحسين أوضاع عمال وموظفي الشركة الذين يبلغ عددهم حوالي 400 موظف وعامل ومستخدم. وحين شعرت السلطات الإسرائيلية أن أمور الشركة قد بدأت تنتظم وأنها على وشك أن تعيد بناء نفسها كمرافق اقتصادي عربي حيوي قررت تصفيتها نهائياً تحت ستار شرائها بموجب البند 39 من قانون الامتياز، على أن يبدأ تنفيذ إجراءات الشراء اعتباراً من 1/1/1981. وقد قام وزير الطاقة الإسرائيلي والحاكم العسكري العام للضفة الغربية بإبلاغ مضمون هذا القرار للشركة يوم 31/12/1979. ورغم حملة الاستنكار الواسعة التي جوبه بها هذا القرار ظلت السلطات الإسرائيلية مصممة على تنفيذه فعاد وزير الطاقة فوجه انذاراً آخر إلى رئيس مجلس إدارة الشركة بتاريخ 4/5/1980 طالبه فيه بالتوجه إلى الوزارة لاتمام إجراءات تسليم الشركة. رداً على ذلك أعلن رئيس مجلس إدارة الشركة في مؤتمر صحفي يوم 14/5/1980 قرار إقامة دعوى أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية لابطال مفعول قرار الحكومة الإسرائيلية شراء امتياز الشركة اعتباراً من 1/1/1981، كما أعلن الاحتفاظ بحقه في رفع القضية فيما بعد إلى محكمة العدل الدولية.   المراجع:   الوقائع الرسمية الفلسطينية، 1953. الوقائع الرسمية الأردنية: الأعداد 1072 (19/6/1951) 1262 (16/2/1956) – 1995 (1967). القانون الأردني رقم 37/1963.