الشرق

أسسها عدد من أصحاب الأعمال العرب في القدس* عام 1947 برأس مال قدره ثلاثون ألف دينار أردني، فكانت ثاني شركة عربية من هذا القبيل بعد شركة مصر للطيران. وكان لارتياد هذا الميدان الفني الخطير، دلالة على صحة العزم الاقتصادي في الأوساط العربية في فلسطين خاصة، بسبب المهارات والاختصاصات الفنية والمهنية والإدارية والمالية التي تستلزمها خدمات الطيران. ولم تسامح حكومة الانتداب آنذاك في تأسيس الشركة، لكنها كانت تبيت في نفسها خطة معادية لإحباط المشروع عندما بدأ أصحابه يتفاوضون على شراء طائرات صغيرة ذات محرك واحد، وتتسع لسبعة ركاب، وتماثل الطائرات التي كانت تستخدمها شركة مصر للطيران. وعندما طالب أصحاب الشركة بتصريح لاستخدام مطار اللد. المطار المدني الوحيد في فلسطين آنذاك، طرحت حكومة الانتداب الشرط الذي كانت تحتفظ به، وهو اتفاق الجانبين العربي واليهودي في عمل مشترك. وقد رفض الجانب العربي هذا الشرط رفضاً باتاً، وأوقف نشاطه إلى أن استقر به الرأي على التوجه نحو حكومة المملكة الأردنية الهاشمية في أواخر عام 1947، بقصد الحصول على تصريح لتشغيل خط للطيران بين عمان والقاهرة. وتسهيلاً للحصول على مثل هذا التصريح تم الاتفاق بين الشركة وعدد من أصحاب الأعمال في عمان لإنشاء شركة باسم “شركة الطيران العربية – القدس” ساهم فيها بعض أصحاب الأعمال في الأردن. وقد أنفقت الشركة رأس مالها البالغ مائة وثلاثين ألف دينار على إنشاء خطيرة ومدرج للطائرات وشراء طائرتين صغيرتين للعمل بين القاهرة وعمان. وعندما أعوزها للمال، وبرزت حاجتها لطائرات أكبر اضطرت لعقد اتفاق مع شركة طيران عدن – وكانت تعمل بالتعاون مع شركة الحطوط الجوية البريطانية آنذاك، واستمرت في العمل حتى التصفية. وحلت محلها شركة باسم “شركة طيران الأردن”، استمرت بعض الوقت، ثم صفيت. وحلت محلها مؤسسة “عالية” الخطوط الجوية الملكية الأردنية المعروفة.   الشركس: إن كلمة “شركس” أو “جركس”، وإن كانت تعني في الأصل أفراد قبيلة “كركت الأدبغية” القديمة، عمدت فيما بعد لتشمل معظم سكان القفقاس الشمالي من الأديغة والقوشحة والشاشان والقرشاي، بل القبائل الداغستانية. وكلمة شركس أطلقها اليونان على الأديغة، وتبناها علماء الغرب والروس والأتراك والعرب، وأصبحت شائعة في كل المراجع. وعهد الشركس بلاد المشرق العربي قديم يرجع إلى عهد الدولة الأيوبية والتركية والشركسية في مصر وبلاد الشام (رَ: المماليك). إذ قام الشركس حكما لهم امتد 135 سنة، ثم انصهروا في مجموعة السكان العرب. وكان قضاء العثمانيين على دولة المماليك الشراكسة، معاصراً تقدم الروس نحو الجنوب باتجاه بلاد الشركس في القفقاس، في عهد إيفان الثالث وايفان الرابع (1558م)، واحتلالهم إياها إحتلالاً نهائياً سنة 1864م، فأجبر الشركس على الهجرة خارج مواطنهم الأصلية. وقد ساعد العثمانيون الشركس في هجرتهم ديارهم، بغية الإستفادة من قدراتهم الحربية في المعارك التي كانوا يخوضونها في أوروبا الشرقية والبلقان. لكن الهزائم المنوالية التي مني بها العثمانيون أمام القوى الأوروبية أجبرت الحكومة العثمانية على ترحيل الشركس ونقلهم من أوروبا إلى بلدان المشرق العربي وشبه جزيرة الأناضول سنة 1878م. وهكذا وصل الشركس إلى فلسطين وسورية والأردن، وتوزعوا في بقاع من أراضي هذه البلدان. وتبعث خطوط الهجرة الشركسية محورين: أولهما بري يأتي من الأناضول إلى سورية والأردن، وثانيهما بحري نقلت فيه السفن العثمانية الشركس من موانىء تركية الغربية واليونان إلى ميناء حيفا* في فلسطين. ويتألف شراكسة فلسطين ومعظم شراكسة الأردن من الأفواج التي وصلت إلى بلاد عن طريق البحر. وعلى عكس شراكسة سورية الذين جاؤوها عن طريق البر. وقد فتكت الأمراض بكثير من الشركس، وهم في طريق البحر، أو بعد أن وصلوا، وأقاموا في مناطق وزعتهم عليها الحكومة العثمانية، وكانت أحوال العيش فيها قاسية صعبة، كمنطقة المستنقعات حول بيسان وشمالها الغربي بالقرب من جبولة وكساريا وغيرهما. وانتقل بعض من بقي منهم إلى قرية لوبيا*، ثم إلى خربة كفركما، أو إلى قرية علما* قرب الحدود اللبنانية حالياً. وقد أنشأوا بعد ذلك قرية الريحانية* وقرية كفركما. واستوطنت مجموعات أخرى من الشركس خربة (أو غابة) شركس، وخربة أسطاس من ديار الخليل، كما سكنت بعض الأسر قرية صميل* وهكذا استقر الشركس في فلسطين منذ سنة 1878م، في عهد السلطان عبد الحميد بن عبد الحميد. عاش الشركس جميع الأحداث التي جرت في فلسطين منذ استقرارهم فيها. وبالنظر لقاء عددهم (قرابة 900 نسمة) كان شأنهم في أحداث البلاد صغيراً جداً، لم يتجاوز نطاق العلاقات القائمة بين قريتهم، الريحانية وكفركما، والقرى العربية المجاورة. فصلات الود أو النزاعات بينهم وبين السكان العرب لم تختلف عما كان قائماً بين أي قرية فلسطينية وأخرى وكانت الروابط الدينية الإسلامية تشدهم إلى سكان البلاد، إضافة إلى تشابه نمط المعيشة الزراعية – الرعوية الذي كان يمارسه الشركس والعرب. وبالرغم من محاولات الإنكليز في عهد الانتداب التفريق بين الشركس والعرب، نما التقارب والتفاهم بينهما، ووحدهما الشعور الوطني، والصراع المشترك مع المستعمرين البريطانيين والمحتلين الصهيونيين. وقد تحسنت أحوال الشركس بعد أن غادروا الأراضي المرزغية السيئة التي كانوا حطوا فيها رجالهم في المرحلة الأولى من وصولهم إلى فلسطين، غادروها إلى أراضي قريتي كفركما والريحانية الصالحة للزراعة، وأخذت القريتان تتطوران بسرعة، حتى أصبحت كفركما قبل الاحتلال الصهيوني سنة 1948 من قضاء طبرية الهامة، لاستقطابها النشاط الريفي لعدد كبير من القرى المحيطة بها. وكان فيها مطحنتان ومحال للحدادة والنجارة وصناعة الأحذية والخياطة وصياغة الفضة والذهب، وغير ذلك من المهن، ومحلات للبيع تؤمن الحاجات المحلية للشركس ولجيرانهم العرب. وكانت مدرسة كفركما من أقدم مدارس المنطقة، وترجع إلى العهد العثماني (1897م)، ويدرس فيه أبناء القرى والقرى المجاورة لها. كما كان فيها مدرسة دينية خاصة لتعليم البنات. وبلغ عدد الشركس في فلسطين 866 نسمة سنة 1931، و950 نسمة في سنة 1945، وانخفض إلى 806 نسمات سنة 1949. عانى الشركس ما عاناه العرب الفلسطينيون من الاحتلال الصهيوني عام 1948. وقد غادرت عشرون أسرة شركسية فلسطين، واستقر معظمها في قرية مرج السلطان شرق مدينة دمشق بصفة لاجئين فلسطينيين. أما السواد الأعظم من الشركس فقد ظل في فلسطين المحتلة. وقد مرت السياسة الإسرائيلية تجاه الشركس بمرحلتين. 1) مرحلة الاحتلال، واغتصاب الأرض وطرد السكان منها، واخضاع من تمسك من الفلسطينيين بالأرض ولم يغادرها وإذلالهم فطرد الإسرائيليون في تشرين الأول 1953 مع أسر شركسية من قرية الريحانية بالرغم من صدور قرار عن المحكمة العليا بأن هذا الطرد غير قانوني. وتبع ذلك مغادرة عدد من الأسر الشركسية فلسطين عام 1957 إلى تركيا حرباً من جو الاحتلال العسكري -العنصري، إضافة إلى أعمال الهرب الفردية المتفرقة. وقد استمرت هذه المرحلة حتى نهاية الستينات وبداية السبعينات، وانكمش فيها الشركس فيما تبقى لهم من أرض كانت مساحتها في كفركما 8.395 دونماً، فأصبحت 6.338 دونماً وكانت في الريحانية 6.112 دونماً، فتقلصت إلى 1.607 دونمات نتيجة الاستيلاء والمصادرة. 1)     2) مرحلة الاستغلال، وهي مرحلة نهجت فيها سلطات الاحتلال نهجاً مغايراً في ظاهرة لسياسة المرحلة الأولى. إذ رأت في هذه الأقلية العرقية الصغيرة واحدة من وسائل تنفيذ مخططاتها لتكريس الاحتلال، فحاولت إبعاد الشركس عن العرب والمسلمين، وإضعاف الشعور القومي الديني الذي تربطهم بسكان فلسطين الأصليين من جهة، وسعت للظهور أمام العالم بمظهر السلطة البعيدة عن التعصب العنصري والحامية للأقليات من جهة ثانية. فأخذت هذه السلطات الإسرائيلية توجه الشركس للعمل في المصانع والمعامل القريبة من قريتهم، أو التي أنشأتها جوار كفركما، بعد أن صدرت معظم أراضيهم الزراعية، وقضت لديهم على الاهتمام بالزراعة وتربية الماشية، كما أخذت تحول بينهم وبين التعامل مع السكان العرب. وخططت لجميع الأمور بشكل تكون فيه علاقات الشركس مع سلطات الاحتلال وسكان المستعمرات المحيطة بهم مباشرة. وكانت أخطر خطوة في هذا الاتجاه ما خططه الإسرائيليون في ميدان التربية والتعليم بالنسبة إلى الشركس، إذ استغلوا محاولات بعض مثقفي الشركس نشر القواعد والكتابة باللغة الشركسية بين أبناء قومهم بعد سنة 1959، تلك المحاولات التي بدأت مع وصول المؤثرات الثقافية الشركسية من الوطن الأم القفقاس، حاملة معها الأبجدية الروسية التي أخذت تكتب بها اللغة الشركسية في الاتحاد السوفييتي منذ عام 1936. وبالرغم من اقتصار هذا التأثيرعلى عدد ضئيل جداً من أبناء قرية كفركما خاصة، فإن الإسرائيليين استفادوا من ذلك، وتذرعوا بهذه الوسيلة لإدخال تدريس اللغة الشركسية في مدرسة القرية، وإحلالها، بالتدريج، محل اللغة العربية منذ عام 1973. وقد استدعت وزارة التعليم الإسرائيلية في آب 1973 أستاذاً أمريكياً مختصاً بالقفقاسيات واللغويات،  هو “كاتفورد J.G.Catford” من جامعة متشيغان، لتعليم الشراكسة الكتابة والقراءة بلغتهم، خلال دورة دامت ستة أسابيع في قرية كفركما. وأعقب ذلك تشجيع الإدارة العربية في وزارة التعليم الإسرائيلية  للشراكسة لكتابة قصصهم وأدبهم الشعبي بلغتهم، بغية الإبقاء على الثقافة الشعبية الشركسية. وبالرغم من معارضة الشراكسة هذا الاتجاه، ومقاومتهم إلغاء اللغة العربية من مناهج الدراسة، فإن أبناء القريتين يتعلمون الآن في المرحلة الابتدائية باللغة الشركسية والعبرية. وفي هذا الإجراء إساءة بالغة. لا لشركس فلسطين فحسب، بل لجميع الشركس في سورية والأردن وبقية بلدان المشرق العربي. بل لجميع الشركس في سورية والأردن وبقية بلدان المشرق العربي، والذين يتجاوز عددهم 100.000 نسمة، وذلك بإيهام أبناء البلاد العربية أن الشركس متعاونين مع سلطات الاحتلال، وأن من يعيش منهم في الأقطار العربية الأخرى لا يؤمن جانبهم، مما يسبب زرع بذور التفرقة. وهذا ما تسعى إليه السياسة الإسرائيلية في هذه المرحلة، تجاه الأقلية الشركسية في فلسطين، والتي قدر عدد أفرادها سنة 1969 بنحو 1.745 نسمة. ولا بد من الإشارة أخيراً إلى يهود جبال القفقاس، أو اليهود الجبليين (التات) الذين يعتقد أنهم يرجعون في أصولهم إلى عهد نبوخذ نصر، ويعيش معظمهم في جمهورية داغستان ذات الاستقلال الذاتي، ومناطق القفقاس الشركسية الأخرى، كما يعيشون في جورجيا وأذربيجان من جمهوريات القفقاس الجنوبي. وأكبر تجمع لهم هو مدينة دربند (باب الواد) على بحر الحزر. وقد هاجرت أفواج منهم إلى فلسطين في مطلع القرن العشرين، واستوطن أفرادها مستعمرة بير يعقوب، كما أقام بعضهم في القدس. ويعيش قسم منهم اليوم في تل أبيب* في الحي القفقاسي. فالتات يهود عاشوا في القفقاس، واقتبسوا من الشركس زيهم القومي ورقصهم وموسيقاهم، بل الكثير من عاداتهم وتقاليدهم ولم يقتصر الأمر على هذا، بل تكلموا اللغة الشركسية إلى جانب الروسية والتاتية. وهي مزيج من العبرية والإيرانية والقفقاسية. وقد استغلت سلطات الاحتلال مهاجري التات، وما يتمتعون به من ميزات في المرحلة الثانية الآنفة الذكر، فأخذت توجههم لإقامة علاقات مع شراكسة كفركما والريحانية في المناسبات المختلفة، والمفتعلة، التي يعد فيها أفراد التات إلى القريتين يرتدون الزي الشركسي. ويتكلمون اللغة الشركسية، كما تستغلهم في الاستعراضات العسكرية والمهرجانات التي تذيع عنها، مشيرة إلى اشتراك “الطائفة الشركسية” في المناسبات الإسرائيلية. وفي هذا ما فيه من تأثير بالغ يسيء إلى الشركس في فلسطين وإلى سمعتهم وموقفهم من القضية الفلسطينية في الأوساط العربية.   المراجع:   –         صبري جريس: العرب في إسرائيل، بيروت 1973. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج6، ق2، بيروت 1974. –         شوكت المفتي: أباطرة وأبطال في تاريح القوقاس، القدس 1962. –         إسماعيل برقوق: قفقاسيا في التاريخ (بالتركية)، إستانبول 1958. –         سفيت جيرشون: نزوح الشركس من إسرائيل، مجلة “نوفوي روسكوي سلوفو”، نيويورك 2/10/1957.   شركة: رَ: التأمين رَ: الشرق، للطيران رَ: العروة الوثقى رَ: القدس، كهرباء   الشريعة (نهر -): رَ: الأردن (نهر -)   ابن أبي شريف المقدسي: رَ: إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن علي