طبرية

إذا كانت المدن تنشأ وتكافح في سبيل البقاء، فإن مدينة طبرية قد لازمتها تلك السمة منذ نشأتها، شأنها في ذلك شأن بقية مدن الغور الفلسطيني (سمخ وبيسان وأريحا) التي شكلت معاً، جزءاً من مدن خط الانهدام السوري – الإفريقي في بلاد الشام. ومنذ بدء التاريخ الميلادي لازمت المدينة صفة المرونة والتكيف والتحليل على البقاء مستجيبة بذلك للظروف التي أحاطت بموقعها. وكانت المواضع المتعددة التي قامت عليها المدينة شاهداً على ذلك. تقع مدينة طبرية في الشمال الشرقي من فلسطين. وهي مركز قضاء طبرية، أحد الأقضية الأربعة التي كان يتألف منها لواء عكا في العهد العثماني وأيام الانتداب البريطاني. والمدينة قائمة على شاطىء بحيرة طبرية* الغربي، وعند حضيض الجليل الشرقي، على بعد عشرين كيلومتراً إلى الجنوب من مصب نهر الأردن* في بحيرة طبرية، وعلى بعد تسعة كيلومترات إلى الشمال من مخرج النهر في الزاوية الجنوبية الغربية من البحيرة. تبعد مدينة طبرية مسافة 160 كم عن القدس، و141 كم عن اللد*، و86 كم عن عكا*، و194 كم عن مجدل عسقلان*. وتبعد عن مدينتي القنيطرة ودمشق في سورية مسافة 71 و137كم. تربطها بحيفا* طريق رئيسة تمر بالناصرة*، كما ترتبط بكل من العفولة* وجنين* ونابلس* والقدس. وهناك طريق رئيسة تصل طبرية بكل من سمخ* وبيسان*، وتتفرع منها طريق باتجاه العفولة. وتنطلق من طبرية طريق رئيسة تتجه شمالاً إلى المطلة، وتخرج منها طريق أخرى تتجه شمالاً بغرب نحو صفد* وعكا. ويضاف إلى ذلك مجموعة من الطريق الثانوية تربط المدينة يما يجاورها من قرى القضاء. أ- مقومات الموقع: كان لموقع مدينة طبرية أهمية بالغة منذ نشأتها، فقد بنيت المدينة في عهد هيرودس أنتيباس عام 22م. على موقع “رقة” الكنعانية التي لم يتبق منها سوى مدافعها، وتعرف اليوم بخربة القنيطرة شمال المدينة الحديثة، وسميت باسم طيباريوس الإمبراطور الروماني. ازدهرت المدينة في ظل الحكم الروماني للمنطقة، وقد وجد فيها هيرودس الموقع الدفاعي الوحيد حول البحيرة، لأنها تطل على البحيرة مباشرة. وربما كانت أهمية الموقع العسكرية هي التي أملت على هيرودس بناء قلعة قرب شاطىء البحيرة، يضاف إلى ذلك قرب طبرية من الحمامات المعدنية التي كان للرومان اهتمام بالغ بها. وبذلك أسهم الموضع في إضفاء الأهمية على نشأة المدينة في تلك البقعة. ذكر الإنجيل أن طبرية مدينة مزدهرة. وبعد أن أحرق تيطس الروماني القدس في عام 70م، ومنع اليهود من سكانها سمح لهم بالإقامة في طبرية، فاستقر قيها أجبارهم وأصبحت مركزاً دينياً لهم. زاد من أهمية مدينة طبرية إنها كانت تقع على طريق القوافل التجارية بين دمشق ومصر. وكانت تلك الطريق تبدأ من دمشق وتمر بالكسوة وفيق وطبرية واللجون* وقلنسوة واللد وأسدود* وغزة* ورفح* وسيناء فمصر. وكان لطبرية شان كبير في التاريخ العربي لوقوعها على تلك الطريق، فالدراهم الطبرانية  العتيقة التي ضربت في المدينة في المدينة كانت العملة التقنية التي تعامل بها عرب الجاهلية في تجارتهم مع الرومان. وفي السنة الخامسة عشرة للهجرة، وبعد أن فتح المسلمون طبرية، ضرب خالد بن الوليد الدراهم الإسلامية لتحل محل الدراهم الطبرانية، وأرسل الخليفة عثمان بن عفان إلى طبرية في عام 30 للهجرة مصفحاً منقولاً عن مصحف عثمان لكي يقرأ المسلمون فيه القرآن الكريم. وكانت للمدينة قديما أهمية صناعية، إذ قامت فيها صناعات مختلفة أهمها: الزجاج والفخار. اتخذت طبرية إثر الفتح الإسلامي لبلاد الشام، عاصمة لجند الأردن، الذي كانت مدن قدس وصور وعكا واللجون وبيسان وقديتا* ودرعا جزءاً منه. وتؤكد الحقائق السابقة مدى أهمية طبرية موقعاً دفاعياً في الدرجة الأولى، ثم محطة على طرق القوافل بين دمشق ومصر. ونقطة عبور إلى المعمور الفلسطيني في الشمال، ومركزاً إدارياً هاماً بعد الفتح الإسلامي. وفي عام 1187م استرجع صلاح الدين الأيوبي طبرية من الصليبيين، قبل إن يهزمهم في معركة حطين* التي جرت في العام نفسه. لكن الصالح إسماعيل الأيوبي، صاحب دمشق، سلم طبرية إلى الصليبيين عام 1240 م مع بيت المقدس وعسقلان. وفي عام 1247م استطاع الصالح أيوب صاحب مصر، وبقيادة الأمير فخر الدين بن الشيخ، استرداد طبرية وقلعتها من الصليبيين (رَ: العصر الأيوبي). أصاب طبرية الخراب بسبب الحروب الملاحقة، وبسبب هجمات التتار* في القرن الرابع عشر الميلادي وكادت تندثر،وحلت بيسان محلها في الأهمية على طريق القوافل. استولى العثمانيون على طبرية في عام 1517م مع غيرها من بلاد الشام.وفي عام 1562م سمح السلطان سليمان القانوني لليهود بالإقامة في طبرية، ودراسة تعاليمهم الدينية. وفي أوائل القرن الثامن عشر نزلتها قبيلة الزيادنة، واستثمر أفرادها جزءا من أراضيها في الزراعة. وفي عام 1730م أصدر والي صيدا أمراً إلى ظاهر العمر* بحكم طبرية وما جاورها من قرى واتخذ العمر طبرية مقراً له، وحصنتها وزاد في عمرانها، ولكن عندما استولى على عكا نقل مقر حكمه من طبرية إليها. اندثرت أهمية طبرية مرة أخرى في القرن الثامن عشر، واستولى نابليون عليها عام 1796م. وفي القرن التاسع عشر، شكلت طبرية وناحيتها التي تضم 12 قرية، جزءاً من ولاية عكا وأصبحت في ذلك الوقت أخذ مراكز الدفاع الرئيسة عن المناطق التابعة لولاية عكا. ازدهرت المدينة أيام الحكم المصري لفلسطين، فتم إصلاح حماماتها، وبدأت المدينة تستقبل أفواجا كبيرة من الزائرين من خارج البلاد للاستثفاء بمياهها المعدنية. ولم يمض على فترة الازدهار تلك ذات طويل، حتى حل الدمار بالمدينة إثر الزلزال الشديد الذي أصاب فلسطين في مطلع عام 1837م، وبلغ عدد ضحاياه في طبرية وحدها أكثر من 600 قتيل إلى جانب عدد كبير من الجرحى (رَ: الزلازل). وفي بداية القرن العشرين، ومع الاحتلال البريطاني لفلسطين وجه الصهيونيون أنظارهم صوب مدينة طبرية. وبدأت موجات متلاحقة من المهاجرين الصهيونيين تفد إلى المدينة للاستقرار فيها. 1) المظاهر الطبوغرافية: تقوم المدينة على شاطىء بحيرة طبرية الغربي. وهذه البحيرة هي الجزء البحري الشمالي المنفي من بحيرة اللسان التي كانت جزءاً من وادي الأردن أثناء عصر البلايستوسين وتشغيل بحيرة طبرية منخفضاً  بنائياً يمتد حتى شواطىء البحيرة الشمالية على شكل أودية تتجه شمالاً بغرب وشمالاً بشرق، أما في الجزء الجنوبي من ذلك المنخفض فإن الميله حجزت حافة المخروط (المروحة) الفيضي التي كونها نهر اليرموك عند التقائة بوادي الأردن. وبلغ مستوى مياه البحيرة على انخفاض 212 م دون سطح البحر، وبلغ مستوى مياه البحيرة على انخفاض 212 م دون سطح البحر. أما المدينة فعلى انخفاض يتدرج بين 160 و200م دون سطح البحر. إن ضعف القشرة الأرضية في هذه المنطقة، كما يشير إليه امتداد المسطحات البازلتية، ما زال قائماً. ودليل ذلك تعرض المنطقة للهزات الأرضية، وظهور الينابيع الحارة المعدنية حول البحيرة، وأشهرها تلك التي تقع جنوب مدينة طبرية مباشرة. وقد سهل وجود المنخفض البنائي تدفق البازلت من مصدره الرئيس في حوران والجولان* بالاتجاه الغربي للمنخفض. وينصب في البحيرة عدد من الأودية بالإضافة إلى نهر الأردن. وتسير تلك الأودية باتجاه الحافة الشمالية. وعليه، فإن الترب الفيضية قد رسمتها تلك الأودية عند مخارجها “كوادي العمود* والحمام وغيرهما. تقع مدينة طبرية فوق سهل منبسط بمحاذاة الشاطىء الغربي للبحيرة، ويمتد إلى المرتفعات في الاتجاهين الشمالي والجنوبي. وإلى الجنوب من منطقة سهل الغوير تنحدر التلال. باتجاه البحيرة، ويخترقها واد من ناحية الهضبة التي تعلو تلك التلال. وينفرج أمام التلال. جنوب ذلك الوادي، تربط من الشاطىء تحدده الأودية، ويمتد شريط منبسط من الأرض بين المدينة وسفوح التلال الغربية، ويسمى هذا الشريط أرض العريضة وقد استخدمه السكان في الزراعة. وإلى الشمال من المدينة تقع أرض المقاطع ووادي ووادي الحميس قرب نبع أبو عيشة. أما في جنوب المدينة فتجري الينابيع المعدنية. ويرتفع إلى الغرب من طبرية جبل اللوزات الذي يمتد جنوباً ويتبادل اسمه إلى جبل قعقعية وجبل المنارة، ثم تتفرع منه سلسلة جبال صغيرة كأنها سور طبيعي يحيط بمدينة طبرية ونواحيها الجنوبية على طول البحيرة الجنوبي الغربي. وقد انتشرت مباني المدينة على سفوح التلال الغربية، من ساحل البحيرة حتى بداية الهضبة المطلة على المدينة والبحيرة.أما من ناحية الجنوب فقد امتدت المدينة حتى حمامات طبرية المعدنية. ومن الشمال تمتد المدينة فوق أرض منبسطة باتجاه بلدة المجدل. وتنتشر الغابات إلى الشمال الغربي من مدينة طبرية، حيث أقيم منتزة طبيعي. وتنتشر الغابات أيضاً على المنحدرات التي تقع إلى الغرب من المدينة مباشرة. وترتفع التلال في غرب المدينة وشمال غربها وجنوبها، وتنحدر منها أودية متقطعة الجريان، تبدأ بوادي الشهبا شمال المدينة، ثم وادي أبو الرمل، فوادي الدلاف جنوب المدينة. كذلك تكثر الينابيع المائية إلى الغرب من المدينة، وأهمها نبع التينة وعيون البيار وعين ست الكل، بالإضافة إلى عين أبو عيشة القرية من الساحل شمال المدينة (رَ: عيون الماء). والحافة الجبلية التي تنهض غرب المدينة هي منطقة تقسيم المياه التي تنحدر باتجاه الجنوب الغربي لتنتهي في وادي الأردن، وبعد أن تنعطف إلى الشرق من جهة، والمياه التي تنحدر باتجاه بحيرة طبرية لتنتهي عند شاطئها الشمالي الغربي من جهة ثانية. 2) الظروف المناخية: الأحوال المناخية لطبرية هي أثر للأوضاع الطبوغرافية في هذه المنطقة التي تنخفض عن سطح  البحر أكثر من مائتي متر. فحرارة الصيف فيها أعلى بكثير مما هي عليه في السهل الساحلي*. ويصل متوسط أعلى درجات الحرارة اليومية إلى 38 درجة مئوية، وتستمر عدة ساعات. وقد سجلت درجات حرارة قصوى وصلت إلى 50 درجة مئوية. ومن جهة أخرى، يبدو أن تصل درجة الحرارة القصوى في فصل الشتاء إلى 18 درجة مئوية وذلك بسبب تأثير حرارة البحيرة ذاتها. وفصل الربيع في طبرية قصير، والانتقال من الشتاء إلى الصيف سريع. ويزداد الارتفاع  في درجات الحرارة مع هبوب الرياح الشرقية (الخماسين). بل تنتسب تلك الرياح التي تهب ساخنة من مرتفعات الجولان في تكوين موجات حارة تصل إلى الشاطىء الغربي من البحيرة (رَ: المناخ). أما الأمطار، فإن الاختلاف بين كمياتها الهاطلة على طبرية والكميات التي تسقط على الحافة الجبلية الغربية قليل لا يذكر، بسبب الاختلاف البسيط في الارتفاعات، وبالمقارنة مع معدلات الأمطار السنوية التي تبلغ 500 مم فوق الجليل الأدنى. ويتلقى الجزء الجنوبي من طبرية 375مم، في حين يتلقى الجزء الشمالي منها 475مم. إذاً فالمنطقة تقع في أقاليم يمكن قيام الزراعة* غير المروية في أراضيه. ونظام الأمطار في هذه المنطقة عاصف رعدي على شكل زخات مفاجئة قصيرة الأمد، تحدث في نهاية موسم الشتاء، عندما تزداد حركة الهواء، يرافقها ارتفاع درجة الحرارة المنخفض الغوري. وقد تسببت هذه الأمطار المفاجئة في فيضانات خطيرة وتدفقات مائية سريعة أدت إلى تدمير بعض المناطق المبنية في مدينة طبرية. ويبلغ معدل الآيام الماطرة في طبرية 23 يوماً في السنة. وترتفع نسبة الرطوبة في المدينة إلى 65%. ب- النمو العمراني للمدينة: يقوم القسمان الأوسط والجنوبي من المدينة الحالية على أنقاض المدينة الرومانية القديمة التي شيدها هيرودوتس، وبنى فيها هياكل وحمامات وميدانا يتوسطها ومباني كبيرة. وجلب إليها المياه بقناة طولها 15 كم. وتكثر في المدينة آثار كنائس لمختلف الطوائف المسيحية، وتقع جميعها على شاطىء البحيرة، ويعود إلى أيام تنصر قسطنطين الروماني. لكن الفرس أنزلوا بها الدمار عندما احتلوا فلسطين. تشغل المدينة القديمة موضعاً قريباً من موقع “الرقة” الكنعانية، وهي تعني شريطاً أو شاطئاً. وذكر ناصر خسرو أن قسماً من مباني طبرية امتد فوق مياه البحيرة، وشيدت مناظر على رؤوس الأعمدة الرخامية التي وضعت أساساتها في الماء. أما المقدسي فقد قال في وصفها: “لها سور حصين يبدأ من الشاطىء، ويمتد حول المدينة. أما من جهة البحر فلا سور لها. ويتركز المسجد في وسط المدينة. كما يوجد في الجانب الغربي من المدينة مسجد اسمه مسجد الياسمين “. ويبدو أن قلعة طبرية التي رممها ظاهر العمر* في عام 1730م قد استخدمت مكاتب للدوائر الحكومية، فعرفت باسم السرايا القديمة. وأضاف ظاهر العمر أقساماً جديدة إلى سور طبرية في عام 1749م، ويبني في الحي الشمالي جامعاً كبيراً يعرف باسم الجامع الزيداني. وكانت طبرية في الثلث الأول من القرن التاسع عشر محاطة بسور سميك متين البناء من جهة اليابسة، وكان طول ما بقي قائماً منه نحو 100م، وعرضه لا يتجاوز 40م، وفيه ما يقرب من 25 برجاً، وارتفاعه ستة أمتار، مع متراس وحاجز عال ومتراغل لاطلاق نيران الأسلحة الصغيرة. ويحيط ذلك السور بالبلدة من ثلاثة جوانب، ويلامس طرفاه الماء. وقد انهار قسم كبير من السور اثر الزلزال الذي ضرب فلسطين سنة 1837م. وكان البناء في ذلك التاريخ محصوراً داخل السور، وظل كذلك حتى عام 1904، حين سمح للسكان بالبناء خارجه، لكن ما بني لم يتجاوز خمسة عشر بيتاً. يظهر من المخطط الذي رسمه بركهارت للمدينة سنة 1812م أن لها بوابتين،الأولى كبيرة في الشمال، والثانية صغيرة في الجنوب. وتقع السرايا بالقرب من الأولى. وفي البلدة سوق حديثة البناء، ومسجدان أحدهما واسع، وثانيهما بناية جميلة ذات أقواس. وتتصل العقود القريبة من الشاطىء بعضها بعض بأزقة ضيقة متقاطعة لها سقوف منخفضة جداً. وقد استخدمت مستودعات لاحتفاظها بالرطوبة أثناء فصل الصيف. امتدت مدينة طبرية الحديثة شمال المدينة الرومانية القديمة التي كانت تقع بين المدينة الحالية والحمامات المعدنية. وقد حال دون امتداد المدينة العمراني جنوباً، قرب السلسلة الجبلية من شاطىء البحيرة، ووجود الحمامات. فظلت المدينة حبيسة السور الذي يحيط بها من جميع الجهات، باستثناء جهة البحيرة. وقد تكونت نواة المدينة الحديثة على شاطىء البحيرة داخل السور القديم بين الساحل والطريق الرئيسة التي تخترق المدينة وتربطها بالناصرة وحيفا. لكن المدينة خرجت من تلك العزلة، وبدأت مبانيها تنتشر شمالاً بغرب. وامتد بعضها قليلاً إلى الغرب والجنوب. بدأت مرحلة نمو جديدة في طبرية مع بداية عام 1920، عندما أقام اليهود مستعمرة قريات شموئيل على ارتفاع 80 م فوق سطح البحر إلى الشمال الغربي من المدينة. وبعد الاحتلال في عام 1948 أصبحت مدينة طبرية إحدى مدن التطور الرئيسة في فلسطين المحتلة. ج- سكان طبرية: 1) النمو السكاني: يلاحظ المتبع لتاريخ مدينة طبرية أنها ظلت فترة طويلة منذ نشاتها حامية للجند ومنتجعاً ترفيهياً وصحياً، ولما تم اختيارها بعد الفتح الإسلامي عاصمة لجند الأردن، غدت أيضاً مركزاً إدارياً وقد ارتبط نمو عدد سكان طبرية إلى حد كبير بهذه الوظائف الثلاث التي جذبت إليها السكان من مناطق أجرى مجاورة. وتوضح بقايا المباني العامة التي وجدت في حفريات بعض المواقع حول المدينة أن السكان كانوا يعدون في الماضي (خاصة في العهد الإسلامي) أكثر بكثير من سكان طبرية في الوقت الحاضر. وربما بلغ عدد السكان في تلك الفترة 35.000 نسمة. وقد يعزى ذلك إلى: (1) العوامل الطبيعية: وتتمثل في المناخ* الدافىء الملائم لزراعة بعض المحاصيل، ووجود الينابيع الحارة بجوار المدينة مباشرة، إذ كانت تلك الينابيع سبباً في جذب الراغبين في الاستشفاء من فلسطين وبلاد الشام الأخرى. ويضاف إلى ذلك توافر الأسماك* بكثرة في بحيرة طبرية، وتوافر الأراضي الخصبة ذات التربة* البركانية الصالحة للزراعة. (2) العوامل البشرية: ضمت القلعة التي بناها الرومان عدداً كبيراً من الجند وأسرهم. وعمل جزء من السكان في خدمة زائري الحمامات المعدنية. وعزز مكانة المدينة أيام الفتح الاسلامي أنها اختيرت عاصمة لجند الأردن، فأصبحت أكثر مراكزه النشطة تجارياً وإدارياً. وكانت العوامل الطبيعية مع العوامل البشرية سبباً في استقرار السكان في هذه المنطقة، حيث تطورت صناعة خط الأسماك للتسويق والتصدير، ونشطت الحركة التجارية، وازدهرت أيام الرومان صناعة الخمور، وتبعد أراضي الحطام البركاني الواقعة غرب المدينة من أفضل الترب لزراعة أشجار العنب. وقد استخدمت الصخور البازلتية المنتشرة حول المدينة في البناء. وتوجد شمال غرب المدينة منطقة تسمى المقاطع، كانت تصدر منها حجارة البناء إلى منطقة السهل الساحلي الفلسطيني. ولا تتوافر معلومات دقيقة من عدد سكان المدينة في العصور الماضية. وقد نزل اليهود طبرية عام 1560م، وكانت علاقتهم بأهلها الأصليين حسنة في بادىء الأمر. لكنها أخذت تسوء في العهد البريطاني، عندما نمت فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد أعطى كثير من المؤرخين والرحالة الذين زاروا المدينة تقديرات مختلفة لعدد سكان المدينة. ورغم عدم وجود بيانات أساسية عن السكان، من حيث الزيادة الطبيعية والهجرة، فإن استخدام معدل الزيادة السنوية للسكان يعد الوسيلة الوحيدة التي تمكن من التعرف على مدى التغير الذي طرأ على نمو سكان المدينة منذ مطلع هذا القرن. وقد بلغ معدل الزيادة السنوية لسكان طبرية بين 1908 و1922 نحو 18 بالألف. وارتفع هذا المعدل إلى 24 بالألف للفترة الواقعة بين التعدادين الرسمين: 1922 و1931. وتوالى الارتفاع حتى وصل إلى 32 بالألف بين 1931 و1945. ويعزى ذلك الارتفاع إلى الزيادة الطبيعية وإلى الهجرة. هذا إلى أن تقدم الخدمات الصحية أدى إلى تخفيض في معدل الوفيات المرتفع بسبب الأوبئة، ولا سيما في الثلاثينات من هذا القرن، إذ انخفض معدل وفيات الأطفال الرضع من 125 بالألف إلى 75 بالألف للفترة من 1931 – 1941. أما الهجرة فقد أدت دوراً هاماً سلبياً وإيجابياً في نمو سكان طبرية، سواء أكانت هجرة اليهود إليها. أو تهجر سكانها العرب القسري. فمنذ أن سمح السلطان سليمان القانوني لليهود بالاستيطان في طبرية في منتصف القرن السادس عشر بدأت أعدادهم تتزايد، لكن لا توجد بيانات موثوقة من عددهم حتى القرن التاسع عشر، باستثناء ما ذكر في بعض الصادر من أن عددهم في عام 1839 قد بلغ 600 نسمة. وفي القرن التاسع عشر وردت تقديرات مختلفة حول عدد اليهود في المدينة، ومنها أن بركهارت سنة 1812م جعلهم ربع سكان المدينة، أي ألف يهودي حسب تقديره. وفي تعداد 1922 بلغت نسبة اليهود 64% لكن نسبة السكان اليهود في تعداد 1931 انخفضت إلى 47% من مجموع سكان المدينة، تبعاً لتقديرات  نوتشتين وجوركات، اللذين أوضحا أن هناك أخطاء في تسجيل السكان العرب في تعداد 1923. وأوضح المؤلفان أن معدل للهجرة الصافية إلى طبرية كان 6% من حجم السكان الأصلين بين عامي 1923 و1931، ومن جهة ثانية كان نصف سكان طبرية عام 1947 من الغرب. وطبرية من مدن فلسطين الأولى التي استقبلت المهاجرين بسبب وجود مركز ديني يهودي فيها. وتدل الأرقام السابقة على أن هجرة اليهود إليها ظلت مستمرة. لكن ذلك لم يقلل من حجم السكان العرب في المدينة، فقد قدر عدد سكانها في عام 1945 نحو 11.310 نسمات من العرب واليهود، في حين قدر عدد سكانها عام 1948، اثر النكبة وإجبار السكان العرب على مغادرة المدينة، بنحو 5.566 نسمة، كلهم من اليهود (أي نصف السكان تقريباً في ذلك العام). وتشير الأرقام إلى أن المدينة الفلسطينية التي أجلي عنها سكانها العرب في عام 1948 أعيد حشدها بالمهاجرين اليهود، وكانت طبرية أولى تلك المدن، إذ ألف المهاجرون اليهود الجند 46% من سكانها اليهود قبل حرب 1967*. وقد بلع عدد سكانها في عام 1983، 28.200 نسمة وارتفع في عام 2001 إلى 39.500 نسمة. 2) تركيب السكان النوعي والتعليمي والمهني: يتبين من بيانات تعداد 1931 الخاصة بالتركيب النوعي لسكان طبرية أن نسبة الذكور إلى الاناث في المدينة بلغت 94 من الذكور لكل 100 أنثى. وكانت تلك النسبة 97 عند السكان العرب و93 عند السكان اليهود. أما المستوى التعليمي في المدينة فكان مرتفعاً بدليل انخفاض نسبة الأمية إلى 53% لمن هم فوق نسبة الرابعة عشرة حسب تعداد 1931، ويظهر ذلك في كثرة المدارس الخاصة في المدينة. من جهة أخرى بلغت نسبة المتعلمين 497 بالألف من سكان المدينة (7 سنوات فما فوق) في عام 1943. وكانت نسبة الذكور 645 في الألف والإناث 364 في الألف وفي العام نفسه بلغت نسبة الذكور الملتحقين بالتعليم بين 5 و15 سنة 65% في حين بلغت نسبة الإناث في فئة العمر نفسها 55%. ويلاحظ في تركيب السكان المهني أن سكان طبرية اعتمدوا في معيشتهم على الزراعة والصيد. وامتلك بعضهم الزوارق لصيد الأسماك من البحيرة، وعمل بعضهم في الأعمال الزراعية. وكان نحو ربع السكان العاملين يعملون في الأوظائف الإدارية والتعليمية والصحية في المدينة، وإلى جانب اعتماد جزء من السكان في معيشتهم على الخدمات السياحية والترفيهية. واعتمد جزء ضئيل من السكان اليهود على التجارة، في حين اعتمد كثيرون منهم على المعونات التي كانت تأتيهم من الصندوق القومي اليهودي في أوروبا. وقد تبدل هذا التركيب المهني بعد احتلال الصهيونيين لفلسطين عام 1948، فأصبحت السياحة* هي الوظيفة الرئيسة في المدينة. د- مخطط المدينة: بلغت مساحة مدينة طبرية 1.305 دونمات في عام 1945، منها 432 دونماً للطرق والأودية. وبلغ عرضها من ساحل البحيرة إلى أرض العريضة غربي المدينة مباشرة 400م، ويتراوح طولها من الشمال إلى الجنوب بين 600 و700م. وامتدت المدينة فوق مصطبة من اللحقيات والأنقاض والصخور* البازلتية على ساحل بحيرة طبرية الغربي. وقد فرضت الطبيعة عليها اتجاهات النمو العمراني والشكل التنظيمي. فارتفاع التلال إلى الغرب والشمال الغربي والجنوب منها مباشرة، أجبرها على الامتداد بشكل طولي بمحاذاة الساحل وباتجاه الشمال والشمال الغربي. وتخترق المدينة من الغرب إلى الشرق عند أودية. كانت تخترق المدينة شوارع عريضة تمتد شرقاً بغرب، في حين امتد شارع رئيس باتجاه شمالي جنوبي، وأقيمت المحلات التجارية على جانبيه، وشكل بذلك السوق الرئيسة للمدينة. وقامت على جوانب الشوارع العريضة الأخرى بعض الحوانيت. وفي المدينة جامعان رئيسان، الأول جامع الجسر في الركن الجنوبي للمدينة، والثاني جامع الزيداني في الركن الشمالي. وقد أقيم مسلخ جنوب المدينة شرق طريق طبرية – سمخ الرئيسة. وامتدت بعض الشوارع العريضة باتجاه الغرب، لكن امتدادها كان قليلاً. وفي الوقت نفسه امتدت شوارع أخرى باتجاه الشمال بين الطريق الرئيسة التي تسير بمحاذاة الساحل متجهة إلى المطلة شمالاً، والطريق الرئيسة التي تربط طبرية بالناصرة وحيفا. وتعامدت على هذه الطريق الرئيسة شوارع عرضية. وأنشىء في الجزء الشمالي الحديث في المدينة المستشفى الرئيس، إلى الشمال من مبنى الحكومة القديم في عهد الانتداب البريطاني. بشكل عام اقتسم طبرية (قبل 1948) إلى ثلاثة أقسام رئيسة من الشمال إلى الجنوب على النحو التالي: (1) الشريط الساحلي: يقسم الأجزاء الرئيسة، كمحطة الزوارق في القسم الشمالي على ساحل البحيرة، ويجاورها جامع الزبداني. ويقوم على هذا الشريط الحي السكني اليهودي، والمسلخ. وفي الجزء الجنوبي من هذا الشريط تقع الحمامات المعدنية. (2) القسم الأوسط: يحاذي الشريط الساحلي، ويبدأ شمالاً بالمستشفى الرئيس وبعض مستشفيات الإرساليات الأجنبية، وكذلك مبنى الحكومة القديم. ثم تمتد السوق التجارية الرئيسة، وتتجمع حولها المنطقة السكنية الرئيسة التي كانت تشكل مع السوق، المدينة المسورة في الماضي. وإلى الجنوب من الشرق التجارية والمنطقة السكنية، يقع جامع الجسر. (3) القسم الغربي: يضم معظمه أرض المقاطع التي استخدمت لمقطع حجارة البازلت السوداء من أجل البناء، ويشمل أرض العريضة التي استغلت في الزراعة، ويحتوي على مدافن المدينة. تغيرت معالم المدينة، ولا سيما المنطقة الشمالية منها بعد عام 1948، فقد قامت السلطات الصهيونية المحتلة بهدم الأحياء العربية، وطورت مستعمرة قريات شموئيل التي أنشئت عام 1920، وأقامت فيها الحدائق والمنتزهات العامة والفنادق السياحية والمباني الحديثة، وأنشأت حياً سكنياً جديداً على المرتفعات الغربية المطلة على حمامات طبرية المعدنية. 1) مباني المدينة: بنيت مسكن طبرية من أحجار البازلت السوداء، التي كانت تؤخذ من منطقة المقاطع غرب المدينة. وقد استغل السكان هذه المادة المتوفرة محلياً لبناء مساكنهم، وكانت فيما مضى مورداً حسناً لهم، إذ كانت تلك الحجارة تصدر إلى منطقة السهل الساحلي. وأكثر من نصف مباني طبرية ذات طابق واحد، وعدد طوابق الباقي اثنان أو ثلاثة. ومعظم مباني المدينة متلاصقة. ويكاد نمط البناء يكون واحداً، فأغلب مبانيها موشورية السقف، وهي إما مربعة أو مستطيلة. وقد بنيت معظم السقوف من التراب والقليل منها من الآجر. 2) حمامات طبرية المعدنية: تقع على بعد كيلومترين إلى الجنوب من مدينة طبرية حماماتها الشهيرة ذات المياه المعدنية الحارة، التي استخدمت، وما زالت للاستشفاء، فهي غنية بالمعادن والمواد الكيمائية المختلفة مثل الصوديوم، والملح، واليود، والكبريت والمنغنيز. وقد أنشأ الكنعانيون عندها مدينة “حمات” ومعناها: الينابيع الحارة. وعرفت في العهد الروماني باسم “أماتوس”. وتقوم الحمامات اليوم على أنقاض أبنية شيدها الرومان، ثم العرب. والبركة المعروفة باسم الحمام العتيق بنيت أيام الفتح الإسلامي، أما البركة التي تعرف باسم الحمام الكبير فقد بنيت في عهد عبدالله الجزار والي عكا عام 1830م. ترتفع درجة الحرارة الحمامات إلى 37.8 درجة مئوية، وقد كان الناس يفدون على تلك الحمامات من جميع أنحاء سورية وفلسطين، للاستشفاء من أمراض الروماتيزم والجلد. وتربط الحمامات بطبرية طريق معبدة، تقع آثار مدينة طبرية القديمة على جانبيها، وقد أعطي لبنانيان في عام 1910 امتياز تعمير هذه الحمامات واستثمارها لمدة 35 عاماً، لكن الحكومة البريطانية أقامت العراقيل أمامهما، ولم تمكنهما من القيام بذلك، ثم اعطت الامتياز شركة يهودية. 3) الخدمات والمرافق في طبرية: كانت طبرية أيام العثمانيين مركزاً لمديرية طبرية التي أنشئت عام 1911، وأقيمت فيها أثناء ذلك دار للحكومة وست مدارس وفندق ومستشفى ومعصرة زيتون. وفي أيام الحرب العالمية الأولى كان فيها مدرستان رسميتان، واحدة للذكور وأخرى للإناث، وست مدارس لليهود، وثلاث مدارس أخرى تابعة للإرساليات الأجنبية. ووجدت فيها ثلاث كنائس للمسيحيين، وعشرة معابد لليهود، وجامعان كبيران للمسلمين. اعتمد السكان على عين أبو عيشة للتزود بمياه الشرب، وقد جرت إليها بالأنابيب، في حين استخدموا مياه البحيرة العذبة لجميع الأغراض الأخرى. شكلت طبرية مركزاً تجارياً رئيساً في الغور الشمالي، فالسكة الحديدية جنوبي البحيرة تربطها بالغور وبحيفا عن طريق سمخ، والطرق المعبدة تربطها بصفد وبالقدس. وتمتع سكان طبرية بمستوى تعليمي جيد، وبذلك لتوفر الخدمات التعليمية التي قدمتها المدينة لساكنيها. وبلغ عدد الطلبة العرب الملتحفين بالمدارس الابتدائية في طبرية 1.030 طالباً وطالبة في العام الدراسي 47/1948. وكان لليهود في طبرية عام 42/1943 ست مدارس، التحق بها في العام نفسه 851 طالباً وطالبة. 4) الاحتلال الإسرائيلي لطبرية وتغير معالمها: بقي السكان اليهود الذين وفدوا إلى المدينة على علاقة حسنة بسكانها العرب حتى بداية الانتداب البريطاني لفلسطين في عام 1920، حين اخذت تحدث بعد ذلك التاريخ صدامات كثيرة بين السكان العرب واليهود في المدينة، وكانت أشدها أحداث ثورة 1936 – 1939*. وبعد إعلان التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947 (رَ: تقسيم فلسطين)، نشبت المعارك بين السكان العرب والمهاجرين اليهود، وانتهت في 15 نيسان 1948 باستيلاء اليهود على على المدينة بمساعدة القوات البريطانية المرابطة فيها، والتي قامت بإجلاء السكان العرب إلى الكنائس والجوامع في مدينة الناصرة، فاندفع اليهود إلى بيوت العرب ونهبوا ما فيها، وفي 19 نيسان من العام نفسه سلم البريطانيون المدينة إلى اليهود. وكانت طبرية بذلك أول مدينة فلسطينية يسلمها البريطانيون لليهود (رَ: طبرية، معركة). وقد هدم هؤلاء أحياء طبرية العربية، وأقاموا في مسجدها الجنوبي (جامع الجسر) متحفاً محلياً، ووسعوا، وجددوا مستعمرة قريات شموئيل، وأحاطوا المدينة بعدد من المستعمرات، أهمها “كنيرت، ويفنيئل، وروش بينا، وجسر بنات يعقوب”.   المراجع:   –         أنيس صايغ: بلدانية فلسطين المحتلة 1948 – 1967، بيروت 1968. –         بركهارت، جون: رحلات بركهارت – الجزء الثاني في سورية الجنوبية، (مترجم) عمان 1969. –         طلعت السيفي المقدسي: مدينة طبرية، عمان 1957. –         محمد سلامة النحال: جغرافية فلسطين: دراسة طبيعية، اقتصادية وسياسية، بيروت 1966. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج6، ق2، بيروت 1974. –         Notestein .F. and Jurkat. E.: Population Problems of Palestine, The Milbark Memorial Fund, 1945. –          Smith.G.A: The Historical Geography of the Holy Land,London 1966. –         The world Gazetteer, Current Population for Cities and Towns of Israel (Internet).