جنين

مدينة عربية، ومركز قضاء يحمل اسمها. سميت بهذا الأسم بسبب الجنائن التي تحيط بها. حاول الصهيونيون احتلالها عام 1948، لكنهم فشلوا أمام استبسال المدافعين العرب عنها. إلا أنهم احتلوها عام 1967، مثلما احتلوا أجزاء الضفة الغربية الأخرى. وهي اليوم تعاني من وطأة الاحتلال الإسرائيلي. أ- الموقع الجغرافي: تميز موقع جنين بأهمية كبيرة عبر العصور التاريخية، لأن المدينة تقوم عند النهاية الشمالية لمرتفعات نابلس فوق حضيض الجبال المطلة على سهل مرج ابن عامر*، وهي خط التقاء بيئات ثلاث، البيئة الجبلية والبيئة السهلية والبيئة الغورية. ومن الطبيعي أن يكون موقعها مركز تجمع طرق المواصلات القادمة من نابلس* والعفولة* وبيسان*. ولا بد من أن يمر بها المسافرون بين هذه المدن التي تمثل البيئات الثلاث السالفة الذكر. وجنين نقطة مواصلات مهمة في الطرق المتجهة من حيفا* والناصرة* شمالاً إلى نابلس والقدس* جنوباً. ارتبطت مدينة جنين في عهد الانتداب البريطاني بسهل مرج ابن عامر والجليل وحيفا، إلى جانب ارتباطها بنابلس. وبعد عام 1948 فصلت جنين عن المناطق الشمالية المحتلة من فلسطين، واقتصر ارتباطها على المناطق الجنوبية في الضفة الغربية، وبذلك فقدت مركزها التجاري بسبب انقطاع خطوط النقل والمواصلات مع المدن الشمالية وحيفا. وأصبحت مدينة تقع في طرف العبور من الضفة الغربية، بعد أن كانت تتوسطه. ب- أشكال سطح الأرض: جنين مدينة سطحية بنشر عمرانها بشكل رئيس على امتداد سفوح الجبال المطلة على سفح مرج ابن عامر. وتقوم المدينة على زاوية مثلث واسع يتألف من سهل مرج ابن عامر الذي يمثل فتحة طبيعية في وسط المرتفعات الجبلية الفلسطينية، تربط بين وادي الأردن والسهول الساحلية لفلسطين. ولموضع جنين أهمية خاصة، لأن المدينة تشرف منه على أحد مداخل المرج المؤذية إلى جبال نابلس. وتمتد المدينة فوق رقعة محصورة بين واديين يرفدان نهر المقطع*، أحدهما يخترقها من طرفها الشرقي، والثاني يكون الحد الغربي للمدينة. وتغذي عين جنين (المعروفة باسم عين نينه). الوادي الشرقي بالمياه، وتمتد الجنائن الخضراء وأشجار النخيل والصبار على طول مجرى الماء. تنحدر أرض المدينة بصفة عامة من الجنوب إلى الشمال، ومن الجنوب الشرقي نحو الشمال الغربي. ويبلغ ارتفاع أرض جنين القديمة نحو 157 م فوق سطح البحر. أما جنين الحالية فإن أرضها تعلو بين 125 و250م فوق سطح البحر. وتمتد مجموعة من التلال* إلى الجنوب من جنين يراوح ارتفاعها بين 250 و300م. وتوجد شرقي وغربي المدينة بعض التلال والسلاسل الجبلية المنحدرة نحو سهل مرج ابن عامر. تسود تربة البحر المتوسط الحمراء (التيرا روزا) أراضي المرتفعات المحيطة بالمدينة. أما التربة* في أراضي المرج فمعظمها تربة منقولة من المرتفعات، وتجمع صفات تربة البحر المتوسط الحمراء وصفات التربة الموضعية السمراء، فهي تربة خصبة ذات إنتاج كبير. وتنتشر التربة الطمية في مناطق الأودية الجبلية وأودية المرج التي ترفد نهر المقطع. ج- المناخ* والمياه: مناخ جنين معتدل بصفة عامة، لأنه ينتمي إلى مناخ البحر المتوسط بصفاته المعروفة. ويبلغ المتوسط السنوي لدرجات الحرارة في جنين نحو 19.5 درجة مئوية. ويراوح المتوسط السنوي للنهاية الصغرى والنهاية الكبرى لدرجات الحرارة ما بين 14 درجة مئوية و28 درجة مئوية. ويبلغ المعدل السنوي للرطوبة النسبية نحو 58%. أما قيم التبخر والنتح فإنها أقل منها في المناطق المجاورة. والموازنة المائية هنا في وضع أفضل من وضعها في جبال نابلس* أو في المرج نفسه. بلغ متوسط كمية الأمطار السنوية التي هطلت على جنين (في الأعوام 1901 – 1940) نحو 492 مم وهي كافية لنمو معظم المحاصيل الزراعية حول جنين. وتتوزع على 57 يوماً من أيام السنة، وعلى ثمانية شهور فقط. وتهطل معظم كمية الأمطار في 4 شهور، في فصل الشتاء. ويبدأ الموسم بأمطار ذات كمية قليلة، فيتلقى شهر تشرين الأول في المتوسط نحو 16.8 مم، وشهر تشرين الثاني نحو 52.8مم. ثم تزداد كمية الأمطار إلى 59.2 مم في شهر كانون الأول، وإلى 138.9 مم في شهر كانون الثاني، وإلى 105.2 مم في شهر شباط. أما شهر آذار فيتلقى 48.7 مم، وشهر نيسان 28.9 مم، وشهر أيار 5.5 مم. وتتلقى الأطراف الغربية الشمالية لجنين كميات من الأمطار أكبر من التي تتلقاها بقية أجزاء المدينة. تتضافر عوامل كثيرة، كالبناء الجيولوجي لأرض المدينة، وأشكال سطح لأرض، وأنواع التربة والنباتات الطبيعية*، والظروف المناخية، في إيجاد نوع حسن من الموازنة المائية التي تسمح بتوفير مقادير كافية من المياه الجوفية في منطقة جنين. ومن هنا تفسر شهرة جنين ينابيعها وآبارها ومسيلاتها المائية وجنائنها عبر العصور التاريخية. ولكن المياه أصبحت شحيحة في السنوات الأخيرة بسبب الاستغلال السيء للمياه الجوفية. لهذا تعتمد جنين حالياً في شربها على مياه بئر في قرية عرابة* تنقل إليها بالأنابيب. د- النشأة والنمو: 1) في العصور القديمة: يعد مرج ابن عامر من أخصب أراضي فلسطين الزراعية، فمياه الينابيع تكثر في بطون أوديته، مما وفر بيئة ملائمة لاستقرار الإنسان في تلك المنطقة، فنشأت مراكز العمران البشري كقرية عين جنيم التي أقامها الكنعانيون في موقع جنين الحالي بين مدن فلسطين الشمالية. بيت شان – بيسان -، ومجدو*، ودوثان. ولا شك في أن موقع عين جنيم قد ترك بصماته على تاريخها منذ أن نشأت،فكانت عرضة للقوات الغازية المتجهة جنوباً أو شمالاً من بابليين وأشوريين ومصريين وآراميون* وسواهم. وبالقرب منها لقي ملك العبرانيين شاؤل وأبناؤه الثلاثة مصرعهم في حربهم مع الفلسطيني*، وكانت جنين أحياناً تتعرض للتدمير والخراب أثناء الغزو. أطلق على عين جنيم اسماً جينا في عهد الحكم الروماني، ثم ورث البيزنطيون حكم البلاد، وأقيمت في عهدهم كنيسة في جينا عثر المنقبون الأثريون على بقاياها بالقرب من جامع جنين الكبير، ويرجح أن تاريخ إنشائها يعود للقرن السادس الميلادي. وفي القرن السابع الميلادي نجح العرب والمسلمون في طرد البيزنطيين منها، واستوطنها بعض القبائل العربية، وعرفت البلدة لديهم باسم جينين الذي حرف فيما بعد إلى جنين. وتبعث في التقسيم الإداري الإسلامي لجند الأردن الذي كانت طبرية حاضرة له (رَ: الإدارة). 2) في عهد الصليبيين: توالى على حكم جنين وغيرها من المدن الفلسطينية الأخرى، بعد الخلفاء الراشدين (رَ: عصر الراشدين)، الأميون (رَ: العصر الأموي)، ثم العباسيون (رَ: العصر العباسي) والفاطميون* وقوى الزعامات المنفذة، إلى أن دهم الغزو الصليبي البلاد فوقعت بلدة جنين في يدي تنكريد دوق نورمانديا سنة 496هـ/ 1103م وضمت لإمارة بلدوين ومملكة بيت المقدس*، وأطلق الصليبيون على البلدة اسم جبرين الكبرى، وغدت في تنظيمهم الإداري مركز فيكونت، وبنوا فيها القلاع، وأحاطوها بالأسوار لأهميتها في جنوب المرج. حمل السلطان صلاح الدين الأيوبي* لواء الجهاد لتحرير البلاد من الصليبيين، وحينما أغارت قواته على الكرك سنة 580هـ/ 1185م، تجمعت قوى الصليببيين وأسرعت لانقاذها، فاغتنم المسلمون ضعف قوى الفرنجة* في جنين والمناطق المجاورة لها، وأغاروا عليها، ونقبوا قلعة جنين، وغنموا منها الشيء الكثير، ثم انسحبوا منها. لكنهم عادوا لاستردادها بعد أن هزموا الصليبيين في معركة حطين* المنشورة سنة 583هـ/ 1187م. عادت سيطرة الصليبيين على جنين بموجب اتفاق الكامل الأيوبي وفريدريك الثاني الإمبراطور سنة 626هـ/ 1229م. ثم نجح الملك الصالح أيوب في إخراجهم نهائياً منها سنة 1244م. وفي سنة 1255م غدت فلسطين تتبع سلاطين المماليك، وكانت جنين تحت سيادتهم تتبع سنجق اللجون. وظلت البلدة في حوزتهم إلى آخر عهدهم. 3) في عهد المماليك: كانت جنين في عهد المماليك* من مراكز البريد* الهامة، ينطلق البريديون منها إلى دمشق وصفد وغزة فمصر، عبر محطات البريد الكثيرة. وكانت أيضاً محطة للحمام الرسائلي – الزاجل – الذي يطلق من أبراجها إلى مختلف الجهات. واتخذت كذلك محطة على طريق ناقلي الثلج براً من دمشق إلى القاهرة. وقد أنشأ الأمير طاجار الداوادار المملوكي سنة 740هـ/ 1340م خانا في جنين، وألحق به سبيلاً يجري إليه الماء، وعمل به حماماً وعدة حوانيت يباع فيها ما يحتاج إليه المسافر. وكان الخان حسن البناء جليل النفع لرجال البريد والمسافرين، ليس على الطريق من غزة إلى دمشق “أرخص منه ولا أحصن، ولا أزيد نفعاً منه ولا أزين”. وفي أواخر الحكم المملوكي لبلاد الشام ظهر في منطقة جنين أمراء قبيلة حارثة الطائية. وكان لهم قدم في الإمارة، وما زالوا في جنين وما ولاها من البلاد لهم العزة والحرمة. وقف زعيمهم إلى جانب العثمانيين في غزوهم لبلاد الشام سنة 922هـ/ 1516م، فاعترفوا بنفوذه في سنجق اللجون الذي غدا تابعاً لولاية دمشق. وفي ولاية لالا مصطفى باشا على دمشق أنشأت زوجته فاطمة خاتون في جنين جامعاً كبيراً تم بناؤه سنة 974هـ/ 1566م، وحماماً وتكية وعدة دكاكين. وحبست للاتفاق على هذه المنشآت عدة أملاك (رَ: التكايا). 4) في حكم آل طرباي: كان الأمير أحمد بن طرباي* الذي ولي حكم جنين سنة 1010هـ/ 1602م تحت سيادة العثمانيين من أبرز أمراء قبيلة حارثة، ولي في مبدأ أمره حكومة صفد، ثم تولى حكومة اللجون سنة عشرة بعد الألف الهجري واشترك في الفتن والحروب التي نشأت عن تنازع ولاة الدولة العثمانية وظهور الزعماء المحليين. وانضم إلى والي طرابلس يوسف سيفا في حربه مع والي حلب علي جنبلاط سنة 1016هـ/ 1607م، وأدت أطماع الأمير فخر الدين المعني الثاني التوسعية إلى نشوب الحرب بينه وبين أمراء المناطق المجاورة، وقام فخر الدين بغزو جنين سنة 1022هـ/ 1633م، ولما لم تحقق حملته أغراضها عاد إلى غزو المنطقة في السنة التالية. وقد اضطر الأمير أحمد بن طرباي إلى الانسحاب من جنين إلى منطقة يافا أثناء غزو الأمير فخر الدين المعني الثاني الذي فشل أمام تحالف ابن طرباي وعرب السوالمة. وقد قوي هذا التحالف بانضمام حاكم غزة وقبيلة العائد إليه سنة 1033هـ/ 1624م، مما جعل فخر الدين يقنع بالعودة إلى بلاده، وترك حامية في جنين قضى عليها آل طرباي وغنموا أسلحتها، ثم أخذوا يشنون الغارات على بلاد فخر الدين ويغنمون من أموالها إلى أن تم الصلح بين المتحاربين. لم يلبث ذكر آل طرباي الحارثيين أن حمد بعد موت الأمير أحمد سنة 1057هـ/ 1647م. وخرج حكم جنين من أيديهم. وحينما زار الشيخ عبد الغني النابلسي* البلدة سنة 1101هـ/1690م وجد فيها نائباً لحاكم سنجق اللجون التابع لولاية صيدا بعد إنشائها سنة 1071هـ/1660م، ولم يجد الشيخ من آثار آل طرباي إلا قبورهم التي لا يزال بعضها إلى اليوم في جنين. 5) الفتن الأهلية: زار الشيخ مصطفى اللقيمي جنين في القرن الثامن عشر، ونزل في خانها المعد للمسافرين، ووصف الرياض المحيطة بجوانبه والماء الجاري في مشارق الخان ومغاربه. وأخذ الزعماء المحليون من آل جرار يبسطون سيطرتهم على منطقة جنين في هذا القرن، وكانوا، غالباً، تحت سيادة الدولة العثمانية. وقد تعرضت جنين للنهب والحريق أثناء الحملة الفرنسية* على فلسطين انتقاماً من أهلها الذين حاربوا الفرنسيين بجانب الجيش العثماني في مرج ابن عامر. وبعد اندحار الحملة الفرنسية على أسوار عكا أصبحت جنين مركزاً لمتسلم ينوب عن والي صيدا. وحينما نجح إبراهيم باشا ابن محمد علي في طرد الأتراك من فلسطين جعل جنين مركز لواء خاصاً بها، واختار حسين عبد الهادي حاكماً لها. لكن حكم المصريين لم يطل، وأخرجوا من سورية سنة 1256هـ/ 1840م (رَ: الحكم المصري)، فعادت جنين قائمقامية في متصرفية نابلس التابعة لولاية بيروت التي أنشئت بدلاً من ولاية صيدا. تعرضت جنين ومنطقتها إلى موجة من الفتن والحروب، في منتصف القرن التاسع عشر، بين القوى المحلية المتصارعة، مما دفع الدولة العثمانية إلى تجريد حملة ضدهم، فرضت سيادة الدولة، وأخذت تدبر شؤون جنين من قبل موظفيها مباشرة، فتوفر للبلدة هدوء وانتعاش، وبنيت فيها عدة بيوت، امتاز بعضها بالضخامة الدالة على ثراء أصحابها، ورصفت بعض شوارع جنين بالحجارة، وأقيم فيها سوق ظل إلى فترة قريبة مستعملاً، ويعرف لدى الأهلين بالسوق القديم. وفي مطلع القرن العشرين ارتبطت جنين بالسكك الحديدية التي وصلتها بالعفولة وبيسان ونابلس، وأنشىء في المدينة مجلس بلدي للإدارة المحلية، وشق بينها وبين نابلس طريق معبد. أقام الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى مطاراً عسكرياً غربي جنين. وعسكر بها الجيش العثماني إلى أن اضطر للانسحاب من فلسطين شمالاً عبر جنين وبيسان أمام زحف الجيش البريطاني الذي احتل جنين مساء 20/9/1918 ونصب عليها حاكماً عسكرياً. 6) في عهد الانتداب البريطاني: ظلت جنين قرية حتى بداية عهد الانتداب، عندما أصبحت مركزاً لقضاء جنين. وكانت خلال الحرب العالمية الأولى تقوم على مساحة محدودة من جبل عز الدين بمبانيها المصنوعة في معظمها من الطين، ولم يتجاوز عدد سكانها آنذاك 2.000 نسمة. لكنها كانت محاطة بالأراضي الزراعية المنتجة للحبوب* والأشجار المثمرة والأحراج وغيرها. وقد اشتهرت آنذاك بكثرة أشجار الزيتون في أراضيها، وبوجود معاصر الزيتون، وضمت كذلك عشرات الحوانيت، ومسجداً ومدرسة صغيرة. نما عدد سكان جنين بعد الحرب العالمية الأولى، ووصل جسب تعداد عام 1922 إلى 2.627 نسمة. ثم زاد العدد إلى 2.774 نسمة في عام 1931 وكانوا يسكنون في نحو 626 بيتاً. وفي نهاية عام 1940 بلغ عدد سكان جنين 3.044 نسمة، ثم زادوا إلى 3.990 نسمة عام 1945. ومن الطبيعي أن يواكب هذا التطور في نمو سكان جنين تطور آخر في نموها العمراني. وساعد على سرعة هذا التطور منذ بداية عهد الانتداب أنها أصبحت مركز قضاء. وضمت بلدية لرعاية شؤونها وتنظيم مبانيها. وقد اهتمت البلدية بفتح الشوارع وتوفير المرافق العامة، ونشطت حركة العمران حتى بلغ مجموع رخص البناء المغطاة عام 1944 نحو 308. اشتملت جنين على سوق قديمة يطلق عليها محلياً اسم السيباط. وكانت هذه السوق في عهد الانتداب مركز المدينة التجاري عندما كانت المدينة صغيرة. واشتملت أيضاً على مجموعة أحياء سكنية تشبه في تركيبها المدن العربية القديمة التي تزدحم البيوت والمساكن فيها وتتلاصق. وتتحمل الأحياء أزقة ضيقة. وقد ظلت مساحة المدينة صغيرة حتى نهاية عهد الانتداب عندما وصلت إلى نحو 1.105 دونمات. 7) بعد 1948: وحينما بدأت حرب 1948* هاجم الصهيونيون قرى جنين في مرج ابن عامر واحتلوا كثيراً منها، ثم قاموا بتطويق جنين في 3/6/1948، واستولوا على معظم أحياء المدينة، وأخذوا يقصفون مركز تجمع المجاهدين قصفاً شديداً. ولكن وصول النجدات العراقية والفلسطينية كبد الصهيونيين خسائر كبيرة فاندحروا خائبين، وتمكن المجاهدون من استرداد عدة قرى شمالي جنين قبل وقف إطلاق النار. أثرت الأحداث السياسية التي تعاقبت على المنطقة منذ عام 1948 في المدينة مثلما أثرت في غيرها من المدن الفلسطينية، إذ تدفنت أفواج اللاجئين للإقامة في جنين فزاد عدد سكانها عام 1950 إلى 10.000 نسمة. وبلغ عدد السكان وفقاً لتعداد 1961 نحو 14.402 نسمة ألفوا 2.598 أسرة، وسكنوا في 2.555 بيتاً. وقدر عدد سكان جنين عام 1987 بنحو 30.000 نسمة وبناء على إحصاءات السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1997 بلغ عدد سكان مدينة جنين 26.650 نسمة وحينما استلمت السلطة مسؤولياتها تحولت إلى محافظة بلغ عدد سكانها 35.216 نسمة. وقد أدى ذلك إلى زيادة في حركة البناء والعمران، وتوسعت المدينة، وامتدت فوق رقعة من الأرض بلغت مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة المدينة في أواخر عهد الانتداب. وزحف هذا النمو العمراني إلى الأراضي الزراعية فخسرت جنين كثيراً من أراضيها الزراعية. نتج من ضغط السكان تردي الأحوال الاقتصادية في المدينة، وحدثت هجرة بشرية إلى الضفة الشرقية للأردن وإلى بلدان الخليج وشبه الجزيرة العربية. ومعظم الذين يهاجرون من المدينة هم من أصحاب الكفايات والجامعيين الذين يبحثون عن فرص عمل أفضل. وعلى الرغم من الآثار السلبية للهجرة فإنها أدت إلى إنعاش المدينة وأعادت إليها بعض الازدهار. وشكل المهاجرون مصادر مهمة لدخل المدينة عن طريق التحويلات والمساعدات المالية التي يرسلونها إلى ذويهم، فتشطت الحركة الاقتصادية. وزادت خدمات الماء والكهرباء، والخدمات الصحية، وأخذت المدينة تتسع عمرانياً وحضرياً. وأدى ذلك إلى تزايد الضغط على قدراتها الإدارية والمالية القليلة. وقد واكب هذه التطورات إعادة النظر في مخططات المدينة التنظيمية. وأوجد النشاط التجاري المتزايد أسواقاً حديثة أقيمت على الشوارع المنطمة. وأضافت المدينة إلى حييها السكني القديم المسمى بالحارة الشرقية أحياء سكنية جديدة انتشرت خارج نطاق هذه الحارة. وتعد المنطقة الغربية في المدينة أرقى أحيائها السكنية لما تتمتع به من موقع سفحي جميل، ولما تتميز به من مبان جميلة وبيوت عصرية. هـ- التركيب الوظيفي: ظهر أثر تقدم جنين وتحولها من الحياة الريفية إلى الحياة الحضرية في وظائفها، فغدت المدينة اليوم تمارس مجموعة من الوظائف تسبغ على المدينة شخصيتها الخاصة. 1) الوظيفة الزراعية: تمارس جنين هذه الوظيفة منذ القديم. فهي بحق مدينة زراعية لصلاح أراضيها للزراعة من جهة، ولملاءمة الظروف المناخية من جهة ثانية. بلغت مساحة أراضي المدينة عام 1945 نحو 18.769 دونماً، منها 175 دونماً للطرق* والسكك الحديدية* والأودية، و1.105 دونمات مساحة جنين نفسها. زرعت في أراضي جنين الحبوب والقطاني والخضر بأصنافها المختلفة. وقد شغلت هذه المحاصيل الزراعية رقعة مساحتها 2.300 دونم. وشغلت أشجار الزيتون آنذاك 670 دونماً، وأشجار الفواكه كالتين واللوز والمشمش وغيرها 500 دونم. زادت مساحة الأراضي الزراعية حول جنين بعد عام 1948 إلى أضعاف مساحتها السابقة. ويعود السبب في ذلك إلى ازدياد ضغط السكان على الموارد الزراعية. وأصبحت جنين مكتفية بإنتاجها الزراعي الذي أخذ يتزايد بنسب عالية في السنوات الأخيرة، حتى إنه حقق فائضاً يصدر إلى أسواق المدن المجاورة، وإلى أسواق الضفة الشرقية ودول الخليج العربي. وقد انكشمت المساحات المخصصة لزراعة الحبوب لتحل محلها زراعة الأشجار المثمرة والخضر. وتتميز جنين اليوم بجودة إنتاجها من الخضر والفواكه وتنوعه وكثرته. ورغم هذا النجاح تعاني الزراعة* في جنين مشكلات، أبرزها عزوف الشباب عن العمل في الزراعة، وتناقص المياه الجوفية، وانحراف التربة. ويرتبط قطاع الثروة الحيوانية بقطاع الزراعة في جنين، ولكن تربية المواشي من أغنام ومعز لا تزال تعتمد على المراعي الطبيعية التي تنمو الأعشاب فيها خلال فصل الربيع. وهناك بعض المزارع التي تهتم بتربية الأبقار وبتسمين الأغنام، لكن عددها قليل. 2) الوظيفة الإدارية: كانت جنين مركز قضاء يشتمل على مساحة كبيرة قدرت بنحو 835.000 دونم من الأرض، وعلى عدد من السكان قدر بنحو 57.000 نسمة. وكان يلحق بجنين في أواخر عهد الانتداب زهاء 60 قرية، و17 خربة. وتعد قرى عرابة ويعبد* وقباطية* وجبع* وميثلون* وصابور وسيلة الحارثية* واليامون* من أكبر القرى التابعة إداريا للمدينة. وقد تعرض قضاء جنين لاحتلال جزء منه في عام 1948 ولاقطاع جزء منه وفقاً لخط الهدنة عام 1949، فانكشمت مساحته وانخفض عدد سكانه لضم جزء من قراه وخربه إلى الأرض المحتلة من جهة، ولهجرة بعض السكان إلى الضفة الشرقية وبلدان الخليج العربي من جهة ثانية. احتفظ قضاء جنين بما تبقى لديه من قرى وخرب، وأصبح جزءاً من محافظة نابلس في الضفة الغربية. وظلت مدينة جنين مركزاً له تضم مختلف الدوائر الحكومية كدوائر التربية والتعليم والزراعة والبيطرة والصحة والشؤون الاجتماعية وغيرها. وتقدم هذه الدوائر خدماتها لجميع المواطنين في القضاء، سواء أكانوا من سكان مدينة جنين أم من سكان القرى التابعة لها. 3) الوظيفة التجارية: كان التوجه الجغرافي لتجارة جنين قبل عام 1948 نحو حيفا والناصرة وبيسان وصفد. وبعد عام 1948 انقطعت جنين عن هذه المدن التي احتلها الصهيونيون، واقتصر اتصالها على مدن وقرى الضفة الغربية بصورة رئيسة، وعلى الضفة الشرقية والمناطق العربية المجاورة بصورة ثانوية. وقد واجه التجار في جنين مصاعب كبيرة نتيجة هذا التحول المفاجىء، فنجم عن ذلك سوء الأحوال الاقتصادية، وكساد التجارة. واضطر بعضهم إلى الاتجاه نحو حرف أخرى غير التجارة. وبعد أن استقر الوضع في جنين عادت الحركة التجارية تدب في أوصال المدينة تدريجياً. وكان للاستثمارات المالية أثر هام في تطوير الزراعة والتعليم، وفي اعمار المدينة وفتح المحلات التجارية والأسواق الجديدة. وتنشط في جنين حركة التجارة* الخارجية وعمليات الاستيراد والتصدير. فحين تستورد المنتجات الصناعية من الخارج وتصدر الخضر والفواكه. أما القرى المحيطة بجنين فإنها المصدر الرئيس لتزويد أسواق جنين بالخضر والفواكه وغيرها. وإلى جانب ذلك كله فقام في المدينة سوق للمواشي كل يوم اثنين تعرض فيها المواشي للبيع. 4) الوظيفة التعليمية: اشتملت جنين على مدرستين كانتا تابعتين لإدارة المعارف الحكومية في عام 1945، إحداهما للبنين والثانية للإناث. وفي عام 1947/ 1948 أصبحت مدرسة البنين مدرسة ثانوية كاملة. وتطوراً التعليم تطوراً كبيراً بعد عام 1948 فضمت جنين في العام الدراسي 1962/ 1963 ست مدارس تابعة لوزارة التربية والتعليم، منها أربع مدارس للبنين تضم 1.884 طالباً، واثنان للإناث تضمان 954 طالبة. وفي العام الدراسي 1966/ 1967 اشتملت جنين على بيع مدارس، أربع للبنين (ثانويتان وإعدادية وابتدائية)، وثلاث للإناث (ثانوية وإعدادية وابتدائية)، تضم جميعها 2.291 طالباً و1.193 طالبة. ولوكالة غوث اللاجئين أربع مدارس في جنين، اثنان للبنين (1.109 طلاب) واثنتان للإناث (1.065 طالبة). وفيها أيضاً مدرستان خاصتان، إحداهما ثانوية للبنين (240 طالباً)، والثانية روضة أطفال تابعة لجمعية الهلال الأحمر(153 طفلاً). وقد أثرت النهضة التعليمية الشاملة في جنين في المستويات الثقافية المرتفعة لسكانها، وأصبحت المدينة تصدر الطاقات البشرية بمختلف تخصصاتها العلمية إلى الخارج. وتثير الدلائل إلى أن آلاف المعلمين والموظفين والأطباء والمهندسين والفنيين والعمال من أبناء جنين يعملون في منطقة الخليج. المراجع: –         السلطة الوطنية الفلسطينية، الجهاز المركزي للإحصاء 1997. –         إحسان النمر: المختار من الحضرة الأنسية في الرحلة المقدسية للشيخ عبد الغني النابلسي، نابلس 1973. –         إسماعيل الخطيب الطوباسي: كفاح الشعب الفلسطيني، عمان 1979. –         سليمان أبو عز الدين، إبراهيم باشا في سورية، بيروت 1929. –         عارف العارف النكبة، بيروت 1956. –         القلقشندي: صبح الأعلى في صناعة الإنشا، القاهرة 1331 – 1338هـ. –         كمال عبد الفتاح: مدينة جنين، دمشق 1964. –         المحبي: تاريخ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، القاهرة 1284هـ. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج3، ق2، بيروت 1971. –         أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين الصلاحية والنورية، القاهرة 1287هـ. المقريزي: كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك، القاهرة 1956 – 1971.