المدينة والريف

أ- مقدمة: تشتمل كل من المدينة والقرية في فلسطين على مجموعة من المباني المسكونة. ولا يعتمد الأهالي في المدينة أو القرية على أواصر القرابة وصلة الدم كما هي الحال في الأسرة أو القبيلة وانما تربط بينهم صلة الجوار والاقامة معا، فالمكان عنصر أساسي، وبغيره لا سبيل إلى ظهور القرى أو المدن فوق مساحات من الأرض. وبالرغم من أن القرية والمدينة تتشابهان في النوع، أي أن كلا منهما مجتمع محلي، فان لكل منهما خصائصه المميزة. والقرية الفلسطينية كبقية قرى العالم، أصغر من المدينة مساحة وسكانا. فهي تحتوي على عدد قليل من المباني المتلاصقة في مخطط عشوائي والمخصصة في معظمها لأغراض السكن. وهي مبنية بالحجر في المنطقة الجبلية، وباللبن في المناطق السهلية وفيها بعض المرافق والخدمات العامة البسيطة. ويسهر المجلس القروي، في حال وجوده، على سيادة الأمن والعدالة بين أهالي القرية وعلى تيسير سبل التعليم والزراعة والمواصلات والشؤون الصحية. ويراوح عدد سكان القرية بين بضع مئات وبضعة آلاف من الأهالي الذين يمارس معظمهم حرفة الزراعة* والرعي* وتربية الحيوان. وجمع الأهالي يأخذون بالعرف والعادات والتقاليد المتوارثة. أما المدينة الفلسطينية فأكبر مساحة من القرية وأكثر منها سكانا. وتحتوي على عدد كبير من المباني التي ترتبط فيما بينها ضمن مخطط تنظيمي يضم أحيانا شبكة من الشوارع تصل بين المركز والأطراف. وتتألف من بيوت عصرية مبنية بالحجر في المناطق الجبلية،وبالأسمنت في المناطق السهلية. ويدير شؤونها مجلس بلدي يوفر لها المرافق والخدمات العامة من مدارس وعيادات صحية ومواصلات ومياه وكهرباء وغيرها. وتتعدد وظائف المدينة عادة، بمعنى أن عدد سكانها الذي يزيد غالبا على عشرة آلاف نسمة يتوزع في حرف متنوعة تجمع بين الزراعة والتجارة* والصناعة* والخدمات والبناء والتشييد. وتمثل المدينة والريف نمطا عمرانيا قائما على حياة الاستقرار. وهذا النمط يختلف عن النمط الصحراوي القائم على حياة البداوة أو شبه البداوة. فهو يعتمد على المساكن الثابتة والمتجمعة فوق رقعة من الأرض، كما أنه نشأ تحقيقا لأغراض معينة وتطور بمرور الزمن بدواعي الوظائف المختلفة. ب- النشأة الاولى لمراكز العمران المستقرة: تنحدر معظم مراكز العمران المستقرة من مدن وقرى عربية فلسطينية من أصول تاريخية عريقة. وتبدو تلك الوراثة بوضوح في تسميات كثير من الأماكن الآهلة الآن، اذ يمكن ارجاع التسمية العربية في معظم الأحيان إلى أصولها في عهد الكنعانيين والاغريق والرومان والمسلمين. كانت معرفة الانسان الفلسطيني القديم بالزراعة في أواخر العصر الحجري الوسيط سببا رئيسا من أسباب الاستقرار، ونشوء الحياة الاجتماعية. وفي العصر الحجري الحديث (رَ: العصور القديمة) تقدم السكان في الزراعة وبنوا البيوت وأخذوا يقيمون القرى والمدن، وبذلك بدأ فن البناء والعمارة* وتبدلت أساليب الحياة الانسانية تبادلا أساسيا فأصببح قوامها الزراعة بعد الصيد ورعي الحيوانات. ولم يلبث الانسان، بمقتضى حاجات الحياة التي ألحت عليه، أن عرف صناعة الغزل والنسيج والحرف، الأمر الذي ساعد في ترقية حياته المستقرة. وكانت أريحا* أول سكان في فلسطين شرع الانسان يبني فيه بيوته. وبذلك كان سكان أريحا القدماء أول من انتقل من حياة البداوة إلى حياة الاستقرار. وقد كشفت الحفريات عن حجم المنازل في أريحا فتبين أن المنزل كان يتألف من غرفة كبيرة أو اثنتين صغيرتين، وكان بلاط المنزل مصنوعة من مزيج من الطين والكلس وسقفه من القصي المغطى بالطين. ومن المحتمل أن يكون سكان أريحا قد نقلوا الماء إلى بلده من مكان بعيد ليسدوا حاجاتهم وحاجة مزارعهم منه. وقد عثر المنقبون في أريحا على سور بني من الحجارة على ارتفاع عشرة أمتار وكان يحيط بها. وكان يحيط بالسور خندق  حفر في الصخر على عمق مترين ونصف المتر بعرض ثمانية أمتار. ويدل بناء السور وحفر الخندق والقيام بأعمال الري على كثرة السكان وتعاونهم على تنفيذ المشروعات الكبيرة. وكشفت الحفريات في تل الجزر عن بلدة جازر* التي نشأت خلال العصر الحجري الحديث في منتصف طريق يافا- القدس القديمة في المنطقة الانتقالية بين السهل الساحلي* والمرتفعات الجبلية. وكان أهل جازر القدماء يزرعون الحبوب* والفواكه والزيتون* والخضر* ويصنعون الخزف وزيت الزيتون. وقد بنوا سورا حول قريتهم لحمايتها من خطر العدوان عليها. ومن المدن الفلسطينية الأخرى التي تعود بتاريخها إلى العصر الحجري النحاسي مجدو* (تل المتسلم) وبيسان* (تل الحصن) ولاكيش (تل الدوير*) وغزة* القديمة (تل العجول). وقد تقدمت صناعة بناء المنازل والزراعة المروية وتربية الحيوانات في هذه المدن خلال العصر المعدني. ويعود سكانها في أصولهم إلى عرق حوض البحر المتوسط والعرق السامي الذي انتشر في مختلف أرجاء فلسطين نتيجة هجرة الساميين من شبه جزيرة العرب إلى بلاد الشام. وتعد القبائل الكنعانية من أهم القبائل العربية التي استقرت في فلسطين وشيدت القرى والمدن الكثيرة. وعلى سبيل المثال قام اليبوسيون* بتأسيس مدينة القدس*، وكانت منازل العناقيين تمتد من جنوبي الخليل* إلى القدس. وقد أقام بعضهم في غزة وجت وعسقلان وأسدود* وعناقر* وينسب اليهم بناء مدينة الخليل وقريتي سفر وعناب. وكان العمالقة* يملكون عدداً من القرى والمدن، وقد نزلت جماعة منهم بلاد نابلس وعمرتها. ومن المدن التي كانت تقع على جبل العمالقة مدينة فرعنون المعروفة اليوم باسم فرعتا. وتنسب الى الجرجاشيين* مدينة عكا* التي تأسست على أيديهم. وبالإضافة إلى القبائل الكنعانية سكنت قبائل عربية أخرى إلى جانبهم في فلسطين. فقد نزل العموريون* جنوبي فلسطين وشواطىء البحر الميت* وأنشأوا لهم مدنا في تل الحسي وتل النجيلة، كما بنوا مدينة شعلبييم وجددوا أو وسعوا مدينتي لاكيش وجازر المار ذكرهما. وأما المعنيون فيرجع الفضل اليهم في تأسيس مدينة غزة الحالية إلى الشمال من غزة القديمة (تل العجول) التي هجرت. أنشأ الكنعانيون معظم مدن فلسطين المعروفة اليوم. وكانت أزقة المدن الكنعانية ضيقة متعرجة، وكان بعضها مسقوفا أو معقودا. وللمدينة الكنعانية ساحة واسعة يجتمع فيها السكان للمقايضة ببضائعهم وللتداول في شؤونهم المختلفة. وكانت مدن الكنعانيين صغيرة لا تتجاوز مساحتها 70 دونما، ولكنا كانت محصنة ومسورة يلوذ بها سكان القرى المجاورة ويلتجئون اليها وقت الخطر ويقصدونها لبيع محاصيلهم وقت السلم. وكان أصحاب المهنة الواحدة من السكان يقيمون في حي خاص بهم يسمى باسم مهنتهم. ظلت الصحراء العربية طوال العصور التاريخية منهلا غنيا يزود فلسطين بالسكان الذين فضلوا حياة الاستقرار على حياة البداوة. غير أن عملية الاستيطان مرت بمراحل بدءا من مرحلة البداوة ومرورا بمرحلة شبه البداوة أو شبه الاستقرار وانتهاء بمرحلة الاستقرار (رَ: البداوة والاستقرار). وتتميز كل مرحلة من هذه المراحل بسيادة حرفة أو أكثر من حرف السكان. ففي مرحلة البداوة كانت تسود حرفة الرعي. وسادت حرفتا الرعي والزراعة معا في مرحلة شبه البداوة. وأما مرحلة الاستقرار فان السيادة فيها كانت حرفة الزراعة في الريف، ولحرف الصناعة والتجارة والخدمات في المدن. ج- عوامل نشأة القرى والمدن: هناك عوامل متعددة ساهمت في نشأة مراكز العمران المستقرة عبر العصور التاريخية. ويمكن أن نذكر منها العوامل الجغرافية الطبيعية، والعوامل الاقتصادية، والعوامل الاجتماعية – السياسية. وليس محتما أن تتضافر جميع العوامل السالفة الذكر لتساهم في نشأة قرية أو مدينة في فلسطين. فقد يكون أحد هذه العوامل أحيانا السبب الوحيد في هذه النشأة، وأحيانا السبب الرئيس ودور العوامل الأخرى ثانويا. 1) العوامل الجغرافية: تتمثل هذه العوامل في البيئة الطبيعية صحراوية كانت أو شبه صحراوية أو شبه رطبة أو سهلية أو جبلية أو غورية منخفضة عن سطح البحر. ويأتي عامل الأرض أو العامل المكاني الذي تقوم عليه المنشأة المستقرة ليحدد العغرض الأساسي من نشأتها. ففي العصور القديمة* أقيمت القرى والمدن فوق سطوح الهضاب وعلى سفوح المنحدرات الجبلية وفوق حضيض المرتفعات لضمان توفير أسباب الحماية لها وسهولة الدفاع عنها في حال تعرضها للعدوان من جهة، ولضمان حمايتها من أخطار السيول والفياضانات والمستنقعات* من جهة ثانية. ومن المدن التي أقيمت فوق المرتفعات أو فوق حضيض الجبال صفد* والناصرة* وجنين* ونابلس* ورام الله* والقدس وبيت لحم* والخليل وأريحا. وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت هناك 600 قرية من مجموع 700 قرية فلسطينية قائمة فوق قمم المرتفعات، أو على منحدراتها وعند حضيضها. وقلما قامت القرى والمدن على ضفاف الأنهار أو بالقرب من المستنقعات في اقليم السهول الساحلية والداخلية وفي وادي الأردن. ولا يقل الماء أهمية كعامل من عوامل نشأة المراكز العمرانية المستقرة عن الأرض. فالارتباط قوي بين توزيع الينابيع وآبار المياه من جهة وأماكن الاستقرار البشري من جهة ثانية وبالإضافة إلى ذلك فان توزيع كميات الأمطار السنوية التي تهطل على فلسطين جعل مراكز العمران المستقرة كثيفة حيثما تكثر الأمطار في المنحدرات الغربية للمرتفعات ومخلخلة حيثما تقل الأمطار في المنحدرات الشرقية والنقب* ووادي الأردن (رَ: المناخ). وللموقع* دور هام في نشأة بعض القرى والمدن الفلسطينية لأن اختلاف سطح الأرض يؤدي إلى التباين الأرضي الذي يؤدي بدوره إلى وجود تفاوت بين اقليم المكانية فيتار الانسان منها الامثل والأنسب لأغراضه المدنية. ولما كانت المدينة أو القرية تعتمد على علاقاتها الخارجية، أي على المناطق المحيطة بها من ناحية ووسائل الاتصال بها من ناحية أخرى، أي على علاقات الاستقرار والحركة، فان أمثل المواقه هي التي تحقق أكبر وأغنى قدر من علاقات الاستقرار. وفي فلسطين نشأ بعض القرى والمدن عند نقاط الانقطاع الطبيعي بين الماء واليابسة والسهل والجبل والجبل والغور، كما نشأ بعضها الآخر عند المنافذ أو الفتحات الطبيعية بين المرتفعات الجبلية وبعض ثالث عند حدود صحراء النقب أو في قلبها لتكون مخططات القوافل التجارية. 2) العوامل الاقتصادية: كان لهذه العوامل دور كبير وفعال في فترات السلم والهدوء لأنها شجعت السكان على الاستقرار في السهول والأودية حيث تتوافر مصادر المياه والتربة* الخصبة. ولذا قامت القرى والمدن الزراعية في السهول الساحلية والداخلية، وفي وادي الأردن، معتمدة على ما تنتجه الأراضي المحيطة بها من محاصيل ومواد غذائية. وقد أخرج استتباب الأمن منذ أوائل القرن الحالي كثيرا من القرى من نطاق العزلة في أعالي التلال*. وأصبح بمقدور الكثيرين من السكان اقامة مساكن جديدة أقرب الى مزارعهم وبساتينهم، وشاع نمط عمراني مشتت بدلا من النمط المركزي الصارم. وامتد العمران خارج أسوار بعض المدن فأصبحتا ترى اليوم كثيرا من القرى والمدن القديمة وقد طوقتها أحياء جديدة مفتوحة تغطي أضعاف مساحة المباني القديمة وتحجبها، وقد ساعد بناء الطرق* على نشأة بعض القرى عند تقاطعها،كما أنه ساعد على تطور نمو بعض القرى الواقعة على هذه الطرق فتحولت إلى مدن بمرور الوقت. وساهمت هذه الطرق في نمو بعض الموانىء على شاطىء البحر المتوسط وازدياد حركتها التجارية مع ظهورها الخلفي. وتجدر الإشارة إلى أن بعض التجمعات المستقرة من البدو ظلت خلال العهد العثماني تعيش في مضارب من بيوت الشعر المتجمعة في المناطق الزراعية بغور الأردن وسهل الحولة وسهل مرج ابن عامر* وبعض جهات السهل الساحلي لفلسطين والنقب الشمالي، وذلك في وسط المزارع أو بالقرب منها. ثم أصبح بعضها خلال فترة الانتداب البريطاني يجمع بين بيوت الشعر والبيوت المبنية من اللبن على حين انتقل بعضها الآخر للعيش في قرى تتألف من بيوت مبنية من اللبن والأخشاب بعد أن ترك سكنى بيوت الشعر. وقد ساهم بعض الفلاحين من أبناء القرى الجبلية في انشاء بيوت لهم في السهل الساحلي أو في غور الأردن وسط مزارعهم أو بالقرب منها، وتحولت هذه البيوت بعد أن تجمعت معا فيما بعد إلى قرى أطلق عليها أسماء مثل النزلات أو الغابات* أو الخصاص* …الخ. 3) العوامل الاجتماعية – السياسية: لا يكفي عامل المكان وحده لظهور القرية أو المدينة، بل يساهم عامل الزمن في تجمع السكان لممارسة نشاطهم الاقتصادي ضمن اطار النظام الاجتماعي – السياسي القائم على أساس العرف والعادات والتقاليد المتشابهة التي تربط الأفراد بقريتهم أو مدينتهم. ويأتي عامل الهجرات السلمية للقبائل العربية من شبه الجزيرة العربية والأردن إلى فلسطين على رأس العوامل الاجتماعية التي ساهمت في اقامة مراكز العمران المستقرة في وادي الأردن والنقب. كذلك ساهمت الهجرات الداخلية لبعض العشائر المستقرة من القرى إلى المدن في تطور نمو كثير من المدن الفلسطينية. وقد تحولت هذه الهجرات في عهد الانتداب البريطاني إلى هجرات فردية من الريف إلى المدينة نتيجة السياسة الاقتصادية المتبعة آنذاك، وقد حرمت كثيرا من الفلاحين العرب من أراضيهم. وفي الخمسينات استولى الصهيونيون على أراضي بعض العشائر في النقب وقاموا بتوطين أفرادها في مدينتي اللد* والرملة* حيث يمثل هؤلاء أقلية عربية كبيرة في وسط هاتين المدينتين في الوقت الحاضر. وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين* دور في اقامة المستعمرات والمدن اليهودية في فلسطين. والجدير بالذكر أن الخطط السياسية التي أشرفت المنظمة الصهيونية العالمية* على تنفيذها حاولت بشكل حاسم وفعال ترسيخ أقدام الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ورمت إلى توطين المهاجرين الصهيونيين في أخصب أراضي فلسطين لايجاد فئة من المزارعين اليهود المرتبطين بالأرض. وبذلك تكونت جماعة الرواد الزراعين التي أخذت تعيش في مستعمرات زراعية. غير أن غالبية المهاجرين الصهيونيين فضلت العيش في المدن لأنها قدمت من مجتمعات حضرية ومارست حرفها التقليدية السابقة كالتجارة والصناعة والمهن الأخرى.وكان اختياره مواقع المستعمرات الصهيونية يتم فوق التلال أو في الأماكن التي تطل أو تشرف على الفتحات الطبيعية التي تمر منها فوق المواصلات. وكانت هذه المستعمرات الصهيونية تحصن من الداخل فغدت وكأنها قلاع منتشرة في مواقع استراتيجية. وللدين كعامل اجتماعي دورا في نشأة بعض المدن كالقدس والخليل وبيت لحم والناصرة وطبرية* التي كانت مسرحا لحياة دينية زاهرة. د- توزيع السكان بين الريف والمدن: كان معظم سكان فلسطين يقطنون الريف في أوائل القرن الحالي ولم يكن فيها حسب تعداد 1922 مدينة يزيد عدد سكانها على الخمسين ألفا الا مدينة القدس التي يمكن أن يعزى نموها وازدهارها إلى مركزها الديني. وفي أواخر العهد العثماني، وبالتحديد خلال السبعينات من القرن التاسع عشر، اشتملت فلسطين على أربع مدن فقط تجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة من بينها مدينة القدس. ولكن نسبة سكان المدن أخذت تزداد تدريجيا منذ أوائل فترة الانتداب البريطانية بسبب الهجرة الداخلية ونزوح عدد من البدو والفلاحين للعمل في المدن، وبسبب الهجرة الصهيونية القادمة من خارج فلسطين. وقد اتجه نحو ثلاثة أرباعها إلى المدن. إن نسبة سكان المدن ازدادت بصورة مستمرة خلال فترة الانتداب البريطاني وصاحبها تناقص مستمر في نسبة سكان الريف. ففي حين كان سكان المدن يزيدون قليلا في عام 1922 عن ثلث مجموع سكان فلسطين كان سكان الريف يمثلون أقل من ثلثي السكان بقليل. وفي عام 1942 ارتفعت نسبة سكان المدن الى نحو 46% من اجمالي السكان وانخفضت نسبة سكان الريف الى نحو 54%. واستمر الاتجاه التصاعدي لسكان المدن والاتجاه التنازلي للسكان  الريف خلال الفترة المتبقية من الانتداب، أي حتى عام 1948، عندما اقتربت نسبة سكان المدن والريف احداهما من الأخرى،ولكن ظلت نسبة سكان الريف تزيد زيادة طفيفية عن سكان المدن. وقد انعكست الصورة في الوقت الحاضر،اذ تقدر نسبة سكان المدن الى الريف ب 1:3 في فلسطين المحتلة بسكانها العرب واليهود. كان ثلاثة أرباع السكان المسلمين تقريبا يعيشون في الريف خلال فترة الانتداب. وكانت هذه النسبة تراوح بين 77% في عام 1922 و73% في عام 1942. وفي المقابل ارتفعت نسبة سكان المدن من المسلمين من 23% إلى 27% خلال الفترة نفسها. وأما بالنسبة الى المسيحين فان الصورة تبدو عكسية. فقد كان ربعهم تقريبا يعيشون في الريف خلال العشرينات والثلاثينات وثلاثة أرباعهم في المدن. وفي عام 1942 أصبح خمسهم تقريبا يعيشون في الريف وأربعة أخماسهم في المدن. ويتركز المسيحيون في مدن القدس وعكا ورام الله وبيت لحم والناصرة وبيت جالا*. ومما يسترعي الانتباه أن التركيب الاجتماعي للعرب، مسلمين ومسيحيين، تغير خلال عشرين سنة، ما بين عامي 1922و1946، فازدادت نسبة سكان المدن وتناقصت نسبة السكان الريفين. وترجع أسباب هجرة العرب الداخلية من الريف إلى المدن إلى انتشار حركة التصنيع في فلسطين وتركز المصانع في المدن، وإلى تقدم ونمو المدن الادارية التي تتطلب موظفين ومدرسين على النواحي الادارية والأعمال الكتابية والخدمة في الشرطة والأمن العام. وقد جذبت هذه الوظائف عددا كبيرا من الريفين. ويعد انتعش الحركة التجارية في المدن عاملا من العوامل التي جذبت كثيرا من العرب للعمل في التجارة وعمليات النقل وشحن الصادرات. أما السبب الرئيس الذي أدى إلى نزوح بعض السكان العرب من الريف إلى المدن فسياسي نجمت عنه آثار اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة. فقد تواطأت سلطة الانتداب البريطاني مع الوكالة اليهودية* لتهجير بعض السكان العرب عن ديارهم واجبارهم على الرحيل إلى المدن بحثا عن العمل وكسب الرزق. ومنذ أن بدأ المستعمرون الصهيونيون يحصلون على الأرض، سواء عن طريق الشراء من كبار الملاكين الغائبين عن فلسطين أو عن طريق المنحة من أملاك الدولة، أصبح هناك نقص في مساحة الأرض التي يمتلكها السكان الريفيون العرب. وقد تأكد نقص الأراضي في تقارير عدد من اللجان كتقرير جونسون وكرومبي، وتقرير سمبسون*، وتقرير لجنة التقسيم. وكانت نتيجة نقص الأراضي التي لم تكن تكفي إلا نحو 42% من السكان أن عدداً كبيراً من العرب أصبح بلا أرض لأن الصهيونيين تساعدهم سلطة الانتداب أجلوهم بالفعل عن أرض كانوا يملكونها سابقا، كما حدث لسكان قرى سهل مرج ابن عامر ووادي الحوارث* مثلا. ثم ان العرب عشوا وضعا اقتصاديا سيئاً اضطر بعضهم للتخلي عن الأرض الزراعية والنزوح من القرى للعمل في المدن (رَ: القرى العربية المندثرة قبل 1948). وقد أثارت التقارير إلى أن ثلث مجموع سكان القرى العربية كانوا بلا أرض خلال الثلاثينات. وهذا يعني أن أكثر من ربع مليون فلاح عربي كانوا محرومين من امتلاك الأراضي ويعيشون عمالاً مستأجرين، وأن معظمهم اضطروا إلى النزوح من قراهم إلى المدن. وكنتيجة لما سبق فان الهيكل الاجتماعي للسكان العرب شهد تغيراً سريعاً خلال الفترة من 1922 إلى 1943. ففي عام 1922 كانت نسبة سكان الريف العرب 70,8% من مجموع سكان الريف في فلسطين، وانخفضت هذه النسبة إلى 69,8% عام 1931، وإلى 65,1% عام 1943. وكانت نسبة سكان المدن العرب في عام 1922 نحو 29,2% من مجموع سكان المدن في فلسطين. وارتفعت هذه النسبة إلى 30,2% عام 1931. وإلى 34,9% عام 1943. كانت فلسطين مقسمة أثناء الانتداب إلى ستة ألوية يتبعها ستة عشر قضاء وتشتمل على مئات القرى وعشرات المدن (رَ: الإدارة). وفي مطلع عام 1948 كانت في فلسطين 841 قرية عربية و20 مدينة عربية خالصة للعرب وحدهم. هذا بالاضافة إلى 4 مدن أخرى مختلطة كان يعيش فيها اليهود مع العرب. أما بالنسبة الى توزيع اليهود على الريف والمدن فيمكن القول ان نسبة سكان المدن من اليهود تناقصت في أوائل الثلاثينات عما كانت عليه في أوائل العشرينات في حين ازدادت نسبة الريفين بينهم خلال تلك الفترة. غير أن أوائل الاربعينات شهدت ارتفاعا في نسبة سكان المدن وهبوطا في نسبة سكان الريف. ويفسر ذلك بقدوم عناصر صناعية من المهاجرين اليهود الألمان إلى فلسطين خلال الفترة 1931-1942. وقد فضلت هذه العناصر سكنى المدن للعمل في الصناعة التي شهدت انتعاشا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من قيام الوكالة اليهودية بالاشراف على بناء المستعمرات الصهيونية المتزايدة فان ثلاثة أرباع المهاجرين وجدوا طريقهم إلى المدن الكبيرة. وقد تحول عدد من المستعمرات الصهيونية مثل بتاك تكفا*، وريشون لتسيون*، ورحبوت*، وناثانيا*، والخضيرة*، والعفولة* إلى مدن صناعية وتجارية، ويباغ عدد المدن والمستعمرات القروية الصهيونية في فلسطين حتى عام 1948 نحو 16 مدينة و207 مستعمرات قروية، هذا عدا 4 مدن أخرى كان يختلط فيها اليهود بالعرب. تغير توزيع سكان المدن والريف في فلسطين المحتلة نتيجة لنشوب حرب عام 1948 قيام الكيان الصهيوني. ففي حرب 1948* اغتصب الصهيونيون 477 قرية ومدينة عربية فضلا عن اغتصابهم مضارب وتجمعات البدو في قضاء بئر السبع وبعض الأقضية الأخرى. وقد دمر الصهيونيون مئات القرى العربية وأسكنوا آلاف العائلات من مهاجريهم في بيوت المدن العربية وما تبقى من قرى عربية. وأما العائلات العربية التي قدر لها أن تبقى تحت الاحتلال الصهيوني فانها ظلت تقيم في بيوتها، سواء أكانت في المدن أو القرى العربية. إن إلقاء نظرة إلى توزيع السكان اليهود في فلسطين المحتلة يبين أن أربعة أخماسهم يعيشون حالياً في المدن، وأن نحو ثلاثة أرباعهم يتركون في ثلاث مدن كبيرة هي يافا* – تل أبيب* وحيفا* والقدس. وقد التحمت بعض المدن اليهودية نتيجة نموها السكاني والعمراني في مجمعات حضرية تسمى الأقاليم المتروبوليتانية. وتمتد هذه الأقاليم في الجزء الشمالي من السهل الساحلي الفلسطيني ما بين مدينتي حيفا ويافا. وتشمل على نحو ثلاثة أربع السكان اليهود في فلسطين. وباستثناء المناطق المحتلة من فلسطين عام 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة) يقدر عدد السكان العرب حالياً في فلسطين المحتلة عام 1948 بأكثر من ستمائة ألف نسمة. ويعيش ثلاثة أربع هؤلاء السكان العرب في المناطق الريفية والنقب موزعين على قرى الجليل والمثلث والنقب مثل قرى عيلبون والجش ودير الأسد وسجور وشعب والرامة والبصة* وكفر ياسيف* وأم الفرج* والنزلات وطيبة بني صعب وكفر قاسم وأم الفحم* وجت وعارة وعرعرة وقلنسوة وكفر قرع، بالإضافة إلى مضارب عرب النقب في منطقة بئر السبع. وأما سكان المدن فان نسبتهم لا تتجاوز كثيراً ربع السكان العرب، وهم يتركزون في مدن الناصرة وشفا عمرو* وعكا ويافا واللد والرملة وحيفا والقدس. أما بالنسبة إلى سكان المدن والريف في الضفة الغربية وقطاع غزة فيمكن القول ان توزيعهم الحالي ما هو الا امتداد لتوزيعهم السابق، سواء أكان في عهد الانتداب أم في العهدين الأردني والمصري. ففي الضفة الغربية كانت نسبة سكا المدن في أوائل الستينات نحو 45% من مجموع السكان. وتشير التقديرات الحالية إلى أنها تجاوزت نصف مجموع السكان البالغ عددهم نحو ثلاثة أرباع المليون نسمة. ويعود السبب في ازدياد نسبة سكان المدن إلى تدفق الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن نتيجة لسوء أوضاع الريف في ظل الاحتلال الصهيوني. وتجدر الاشارة إلى أن سياسة الاحتلال تقوم على أساس التضييق بصفة خاصة على المزارعين العرب لاجبارهم على ترك أراضيهم تمهيداً للاستيلاء عليها. وفي قطاع غزة تشير التقديرات إلى أن مجموع السكان يتجاوز نصف المليون نسمة، وأن نحو ثلثيهم يعيشون في المدن كغزة وخان يونس* ورفح* ودير البلح* وجباليا*. ومما يسترعي الانتباه أن معظم السكان ينحدرون من جذور فلاحية وبدوية، ولا سيما اللاجئين الذين وفد معظمهم من اللواء الجنوبي من فلسطين اثر حرب عام 1948. وترتفع نسبة الحضريين بين سكان القطاع الأصليين لوجود مدينتي غزة وخان يونس المشتملتين على أكبر تجمع من السكان الأصليين. واذا كانت الزراعة هي الوظيفة الرئيسة لمدن القطاع فان ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدن في القطاع ظلت قليلة اذا قورنت بمثيلتها في الضفة الغربية. غير أن الهجرة الخارجية من القطاع، سواء من الريف أو من المدينة، إلى البلدان العربية النفطية للعمل فيها تمثل مظهراً بارزاً في حياة السكان الاقتصادية والاجتماعية. هـ- التركيب الوظيفي لللمدينة والريف: تبدو آثار الصورة العامة للاقتصاد الفلسطيني في وظائف المدن والريف. فالزراعة هي الوظيفة الرئيسة للريف، والوظائف الثانوية تتمثل في الرعي وتربية الحيوانات والتجارة البسيطة وبعض الصناعات التقليدية الريفية. وأما المدن فوظائفها متعددة. ويساهم نوع الوظيفة وعدد الوظائف في تحديد حجم المدينة، وبعبارة أخرى فان الكيف والكم الوظيفي هما مفتاح جذب السكان للعيش في المدن. والمدن الصغيرة في فلسطين هي تلك التي تعتمد على الزراعة أساسياً وعلى بعض الوظائف الأخرى اليسيرة بشكل ثانوي. وأما المدن الكبيرة فانها تمارس عدة وظائف من النوع الذي يقدم فرص عمل كثيرة للسكان ويستوعب أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة. وتأتي الوظيفة الصناعية على رأس لوظائف التي تساهم في نمو المدينة وازدياد حجمها، وتتلوها الوظيفة التجارية ووظيفة الخدمات. 1) وظيفة الريف الرئيسة: يعتمد الريف الفلسطيني على الزراعة اعتماداً كبيراً في حين تعتمد عليها المدن العربية اعتمادا ثانوياً. وقد تعرض الفلاحون الفلسطينيون وما يزالون يتعرضون لأوضاع صعبة من جراء سياسة الاحتلال البريطاني سابقاً والاحتلال الصهيوني حالياً، الأمر الذي يجعل الزراعة عاجزة عن تقديم فرص العمل الكافية للعمال الزراعين العرب، وعاجزة أيضاً عن تقديم مردود مناسب، وبالتالي يحدث نزوح إلى المدن وإلى خارج فلسطين للعمل وكسب العيش. وترتبط بالزراعة أعمال أخرى كتربية الحيوانات ومزاولة بعض الصناعات الزراعية كمنتجات الألبان وزيت الزيتون وغيرها. ويمارس معظم الفلاحين الزراعة البعلية بسبب قلة مصادر المياه. وتزرع معظم المحاصيل في فصل النمو الشتوي وقليل منه في الصيف. وقد أثرت الزراعة في حياة الريفين العرب من حيث اتحادهم وتعاونهم وصبرهم وكرمهم ومواسم أعمالهم وبطالتهم. كما أثرت في استعمالات أراضي القرية والبيت الريفي، اذ تخصص مساحات في أطراف القرية لتكون بيادر لتجميع المحاصيل، كما تخصص في البيت أماكن لخزن المحصول في غرف واسعة أو في آبار خزن تحت الأرض. وأما تربية الحيوانات فستلتزم إقامة زرائب في البيت لايوائها، وتخصيص أراض حول القرية لاستعمالها مراعي طبيعية. وفي بعض القرى الكبيرة تقام أسواق في احدى الساحات العامة في يوم محدد من كل أسبوع وتعرض فيها المنتجات الزراعية والحيوانية والاقشمة والبضائع التي يحتاج إليها لسكان القرية والكبيرة وما جاورها من قرى، كما تعرض فيها الحيوانات المختلفة للبيع والشراء. 2) وظائف المدينة الرئيسة: تأتي التجارة على رأس الوظائف التي تمارسها المدن الفلسطينية. وتعد الموانىء مراكز تجارية هامة لاستقبال الواردات وشحن الصادرات الى الخارج. وأهم هذه الموانىء حيفا ويافا وأسدود وعسقلان وعكا وغزة. ويرتبط كل ميناء بأقليم ظهيره بشبكة طرق جيدة تساعد على رواج الحركة التجارية. وتتفاوت أهمية المراكز التجارية الساحلية والداخلية يتفاوت مساحة مناطق نفوذها. فكلما ازدادت مساحة منطقة نفوذ المدينة ازدادت أهميتها التجارية. وتساهم الطرق التي تربط بين المدينة وأقليمها في تقوية أواصر التفاعل الاقليمي الذي يؤدي إلى ازدهار الحركة التجارية بين الريف والمدن. ويؤثر ذلك بدوره في تنشيط الانتاج الصناعي في المدن، ولا سيما انتاج الصناعات التي تعتمد في مواردها الأولية على ما ينتج في أقليم المدن. ومن هنا كانت المراكز التجارية كيافا وحيفا والقدي ونابلس وغزة ورام الله والمجدل* والخليل وبيت لحم والناصرة واللد والرملة مراكز صناعية أيضاً. ولما كانت السياحة* تجمع بين التجارة والصناعة فإن بعض المدن العربية اشتهرت بأهميتها السياحية كمدن القدس والخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس والناصرة وحيفا ويافا والمجدل وأريحا. وهناك وظيفة الخدمت الحكومية والخاصة التي لا تخلو منها مدينة في فلسطين. ذلك لأن المرافق العامة المتوافرة في جميع المدن كالمياه والكهرباء والشوارع والمستشفيات* والعيادات الصحية والاسكان والمواصلات والمجاري والمدارس والمعاهد والكليات الجامعية وغيرها تحتاج إلى من يعمل فيها لتأدية الخدمات المطلوبة للمواطنين. وتنبثق من الخدمات وظائف أخرى كالوظيفة الإدارية والوظيفة التعليمية والثقافية والبناء والتشييد والمواصلات وغيرها. ولا شك أن جميع مراكز المحافظات والألوية والأقضية تمارس الوظيفة الإدارية لأنها تشتمل على الدوائر الحكومية والمؤسسات العامة والخاصة. وتمارس الوظيفة التعليمية في جميع المدن ومعظم القرى الفلسطينية. وأهم المراكز العلمية والثقافية التي تشمل الجامعات والمؤسسات الثقافية مدن القدس ونابلس وبيرزيت* ورام الله وبيت لحم والخليل وغزة.   المراجع:   الأمانة العامة لجامعة الدول العربية – إدارة فلسطين: الوثائق الرئيسية في قضية فلسطين، المجموعة الأولى. 1915-1946، القاهرة1957. حسين أبو النمل: قطاع غزة 1948- 1967، بيروت 1979. مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، بيروت 1966. المكتب العربي: مشكلة فلسطين، القدس 1946. Government of Palestine: Statistical Abstracts, Jerusalem 1942-1944 M.E: The Transfromation of the Palestinian Population 1920-1948, Bull.Fac.Arts.Alex.Univ.8.1954. S: Land Ownership in Palestine, New York 1957.