القدس

مدينة عربية من المدن المعروفة منذ أقدم عهود التاريخ، وقد سلبت أسماء متعددة على مر العصور. أ- الوضع الطبيعي: يبلغ عمر مدينة القدس نحو 50 قرناً. وقد أقام اليبوسيون العرب نواتها الأولى في بقعة جبلية هي جزء من جبال القدس* التي تمثل السلسلة الوسطى في العمود الفقري للأرض الفلسطينية. وتقع القدس على خط طول 35 درجة و13 دقيقة شرقاً وخط عرض 31 درجة و 52 دقيقة شمالاً. وترتفع نحو 750م عن سطح البحر المتوسط ونحو 1.150م عن سطح البحر الميت*. والقدس ذات موقع جغرافي عام لأن نشأتها على هضبة القدس والخليل وفوق القمم الجبلية التي تمثل خط تقسيم للمياه بين وادي الأردن شرقاً والبحر المتوسط غرباً جعلت من اليسير عليها أن تتصل بجميع الجهات. وهي حلقة في سلسلة تمتد من الشمال إلى الجنوب فوق القمم الجبلية للمرتفعات الفلسطينية. وترتبط بطرق رئيسة تخترق المرتفعات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. وهناك طرق عرضية تقطع هذه الطرق الرئيسة لتربط وادي الأردن بالساحل الفلسطيني، ومن بينها طريق القدس – أريحا وطريق القدس – يافا. وتبتعد القدس مسافة 22 كم عن البحر الميت و52 عن البحر المتوسط. وأطول الطرق المعبدة التي تربط بين القدس وكل من العواصم العربية المجاورة هي التالية: القدس – عمان 88 كم، القدس – دمشق 290 كم: القدس – بيروت 388كم، القدس – القاهرة 528 كم. وهناك خط للسكة الحديدة يربط القدس بيافا. وترتبط القدس بالعالم الخارجي جواً عن طريق مطار قلندية الواقع إلى الشمال منها ( الطرق). ترجع أهمية موقع القدس الجغرافي إلى أنه يجمع بين ميزة الانغلاق وما يعطيه من حماية للمدينة وميزة الانفتاح وما يعطيه من إمكان الاتصال بالمناطق والأقطار المجاورة. وترجع هذه الأهمية أيضاً إلى مركزية موقع القدس بالنسبة إلى فلسطين والعالم الخارجي. وهذا كله يؤكد أهميته الدينية والعسكرية والتجارية والسياسية. فقد اختير موقع القدس بما يجمع من صفات الانغلاق والانفتاح ليكون نقطة نشوء الديانتين اليهودية والمسيحية* ومركز إشعاع لهما. وجاء الإسلام* بعدئذ ليربط بين مكة والقدس روحياً ومادياً. وفي المجال العسكري اكتسب موقع القدس الجغرافي أهمية خاصة نظراً للحماية الطبيعية التي تزيد في الدفاع عنه. وعندما كانت الحملات العسكرية تنجح في احتلال القدس كان ذلك النجاح ايذاناً باحتلال سائر فلسطين والمناطق المجاورة لها لأن القدس. بموقفها المركزي الذي يسيطر على كثير من الطرق التجارية، تتحكم في الاتصال بالمناطق المجاورة. ولا يقل موضع المدينة أهمية عن موقعها. فهو موضع ديني دفاعي يجمع بين طهارة المكان وسهولة الدفاع عنه. وقد تعاقبت كثير من الأمم على هذا المكان منذ أسسها اليبوسيون حتى اليوم وشهد موضع المدينة حروباً كثيرة أدت إلى تعاقب البناء والهدم بما لا يقل عن 18 مرة خلال تاريخها. كانت نشأة النواة الأولى لمدينة القدس على تلال الضهور (الطور – تل أوفل) المطلة على قرية سلوان إلى الجنوب الشرقي من المسجد الأقصى*. وقد اختير هذا الموضع الدفاعي لتوفير أسباب الحماية والأمن لهذه المدينة الناشئة. وساعدت مياه عين أم الدرج في الجانب الشرقي من الضهور على توفير المياه للسكان. ويحيط وادي جهنم (قدرون) بالمدينة القديمة من الناحية الشرقية في حين يحيط وادي الربابة (هنوم ) بها من الجهة الجنوبية ووادي الزبل من الجهة الغربية. وقد كونت هذه الأودية الثلاثة خطوطاً دفاعية طبيعية جعلت اقتحام القدس القديمة أمراً صعباً إلا من الجهتين الشمالية والشمالية الغربية. وقد لاحظ جميع المؤرخين أن جميع الجيوش التي فتحت القدس قديماً وحديثاً دخلتها من الشمال. هجرت النواة الأولى للمدينة بمرور الزمن وحلت عليها نواة رئيسة تقوم على تلال أخرى غير تلال الضهور (الطور) مثل مرتفع بيت الزيتون (بزيتا) في الشمال الشرقي للمدينة بين باب الساهرة وباب حطة، ومرتفع ساحة الحرم (سوريا) في الشرق، ومرتفع صهيون في الجنوب الغربي، وهي المرتفعات التي تقع داخل السور فيما يعرف اليوم بالقدس القديمة. وقد بنى السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1542م سوراً عظيماً يحيط بالقدس القديمة ويبلغ محيطه نحو 4 كم وله سبعة أبواب هي: 1) باب الخليل. 2) الباب الحديد، أو باب عبد الحميد 3) باب  العمود، أو باب النصر 4) باب الساهرة 5) باب ستنا مريم (باب الأسود) 6) باب المغاربة 7) باب النبي داود (رَ: القدس، أبواب – الأثرية) ولم يعد موضع المدينة القديمة يستوعب السكان والمباني السكنية داخل السور نتيجة نمو عدد السكان بصورة مستمرة، فامتد العمران خارج السور في جميع الجهات وأنشئت الأحياء الحديثة فيما عرف بالقدس الجديدة إضافة إلى الضواحي المرتبطة بالمدينة وكانت في القديم قرى تابعة لها. ولا يسير نمو المدينة عدوانياً في كل الجهات على السواء لأن طبيعة الموضع الذي يتفاوت طبوغرافيا تتحكم في امتدادها. وقد التحمت قرى مثل شعفاط وبيت حنينا وسلوان وعين كارم* بالمدينة وأصبحت ضواحي لها. وزحف العمران على بعض الجبال المجاورة وأقيمت عليها أحياء جميلة مثل حي المشارف على جبل المشارف شمالي المدينة. وحي القطمون على جبل القطمون وحي المكبر على جبل المكبر جنوبي المدينة. ينتمي مناخ* القدس إلى إقليم البحر المتوسط وتتأثر بالعامل الطبوغرافي وبعامل القرب من البحر المتوسط ويراوح معدل الحرارة الشهري ما بين 9.7  درجة في شهر كانون الثاني و25 درجة في شهر آب. وقد بلغت أعلى درجة حرارة 44 درجة مئوية في شهر حزيران 1941 وهبطت أدنى درجة حرارة إلى – 4.4 درجة في يومي 5 و7 من شهر شباط 1950. ويراوح المتوسط الشهري للرطوبة النسبية في القدس ما بين 38% في شهر كانون الثاني. يبلغ معدل كمية الأمطار التي تهطل على القدس في السنة 551 مم يساهم شهر كانون الثاني فيها بنحو 153مم وشهر شباط بنحو 144 مم، أي أن أكثر من نصف كمية الأمطار السنوية. تهطل خلال هذين الشهرين. ويتركز نحو 70% من الأمطار السنوية في فصل الشتاء الحقيقي (كانون الأول وكانون الثاني وشباط). ويتفاوت توزيع كمية الأمطار مكاناً وزماناً داخل مدينة القدس. فكمية الأمطار التي تهطل على الأجزاء الغربية التي تقع في مواجهة الرياح الماطرة أكثر من تلك التي تنزل على الأجزاء الشرقية. ثم إن العامل الطبوغرافي يؤثر في تفاوت توزيع الأمطار. فحسب الضواحي القائمة على التلال* من المطر يتفاوت حسب مستوى ارتفاع هذه التلال عن سطح البحر. ولا تهطل الأمطار على القدس صيفاً ولكنها تتوزع على بقية الفصول بصورة غير متساوية. ولا يزيد عدد الأيام المطيرة على 60 يوماً في السنة، مما يؤكد طبيعة التركيز الواضحة في توزيع الأمطار. ويتمميز نظام هطول الأمطار على القدس بعدم انتظامه. فالفترات الممتدة من عام 1854م إلى عام 1873 م ومن عام 1924 م إلى عام 1936م فترات جفاف، وكان عام 1950/1951م من أكثر الأعوام جفافاً منذ بداية رصد كميات الأمطار في القدس عام 1846م حتى الوقت الحاضر (رَ: الجفاف). ب- القدس عبر التاريخ: القدس هس المدينة التي يقدسها أتباع الديانات الثلاث: اليهود والنصارى والمسلمون. فهي قبلة لهم ومصدر وحي ورمز لمطامحهم. تتجلى أحداثها التاريخية في الأسماء الكثيرة التي أطلقا عليها. 1) اسم المدينة: أقدم اسم لها “أورشليم” ينسبها إلى الاله “شالم” أي اله السلام لدى الكنعانيين. وقد وردت باسم “روشاليموم” في الكتابات المصرية المعروفة بنصوص اللعنة التي يرجع تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد وتذكر أسماء ملوك كنعانيين وعموريين من خصوم المصريين كانوا يحكمون دولة- المدينة (أورشليم). وبين مراسلات تل العمارنة* ست رسائل بعث بها “عبد- خيبا” ملك (أورشليم) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى فرعون مصر “أخناتون”، الذي كانت فلسطين تحت سيادته، وهو في هذه الرسائل يشكو من قلة عدد الحماية المصرية في المدينة ويحذر من غارات جماعات البدو (الخابيرو)* أو (العبيرو) واستفحال خطرهم على البلاد. وفي التوراة* وردت كلمة أورشليم التي تلفظ بالعبرية “يروشالايم” أكثر من 680 مرة/ وهذه الكلمة مشتقة مباشرة من التسمية الكنعانية الأصلية. وتطلق التوراة كذلك على المدينة أسماء أخرى كثيرة هي “شاليم” و”مدينة الله” و”مدينة القدس” و”مدينة العدل” و”مدينة السلام”، وتذكرها أحياناً باسم “بيوس” أو “مدينة  اليبوسيين”. 2) يبوس: أطلق على القدس هذا الاسم نسبة إلى اليبوسيين* من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية. وهم سكان القدس الأصليون نزحوا من جزيرة العرب مع من نزح من القبائل الكنعانية حوالي سنة 2500 ق.م. واحتلوا التلال المشرفة على المدينة القديمة. وقد ورد اسم يبوس في الكتابات المصرية الهيروغليفية باسم “يابثي” و”يابتي” وهو تحريف للاسم الكنعاني. وقد بنى اليبوسيون قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سميت حصن يبوس الذي يعد أقدم بناء في مدينة القدس أقيمت حوله الأسوار وبرج عال في أحد أطرافه للسيطرة على المنطقة المحيطة بيبوس للدفاع عنها وحمايتها من غارات العبرانيين* والمصريين (رً: الفراعنة) بزعامة ملكهم سالم اليبوسي. وعرف حصن يبوس فيما بعد بحصن صهيون، ويعرف الجبل الذي أقيم عليه الحصن بالأكمة، أو هضبة أوفل، وأحياناً بجبل صهيون. وقد أنشأ السلوقون* في موضع حصن يبوس قلعة منيعة عرفت باسم “قلعة عكرا” أو “أكرا”. ومن الطبيعي أن يختار اليبوسيون هذا الموضع لبناء حصنهم لأنه يتمتع بميزات استراتيجية طبيعية. فقد حبت الطبيعة هذا الموقع بأهم ما يحتاج إليه السكان، وهو الماء. ففي جوار الحصن شرقاً نبع غزير في وادي قدرون عرف باسم جيحون (نبع العذراء). وقد حفر اليبوسيون نفقاً تحت الجبل لنقل مياه النبع إلى داخل الحصن. وهذا النفق نفسه هو الذي كراه الملك حرقيا (715 – 676 ق.م.). ومده من اتجاهه الشمالي إلى جهة الغرب وأنشأ في نهايته الجنوبية بركة صارت تعرف بركة سلوام (سلوان). بقي حصن بيد اليبوسين بعد مجيء الموسويين زهاء ثلاثة قرون الأخيرين عن اقتحامه حتى تولى ملكهم “داتود” فجمع الموسيين كلهم وذهب معهم إلى يبوس وقال لهم: من يحتل حصن اليبوسين يكون رأساً وقائداً. فاقتحمه بوآب بعد مقاومة يبوسية ضارية فصار رأساً. وقد كشفت التنقيبات الأثرية التي قامت بها الباحثة الإنكليزية كاثلين م. كينيون سنة 1961 في طبقات العصر البرونزي القديم من أكمة أوفل بالقدس عن بقايا السور الأول الذي بناه اليبوسيون على جبل صهيون وأبرزت قسماً من أسس الأبنية وتمديدات جر المياه إلى الحصن من عين  جيحون. وكذلك كشفت الحفريات عن بعض القبور وأواني الخزف من العهد البرونزي القديم حتى العهد الحديث (رَ: العصور القديمة). 3) استيلاء اليهود على القدس: وهكذا لم يستطع اليهود الاستيلاء على حصن صهيون إلا في عهد داود الذي اتخذ أورشليم عاصمة له وأطلق على مدينة اليبوسيين اسم “مدينة داود”. وكان أكثر سكان المدينة في عهده من اليبوسيين والكنعانيين والعموريين* والفلسطينيين*. 4) الحكم الفارسي: استمرت سيطرة اليهود على أورشليم من عهد داود حوالي سنة 1000 ق.م.. إلى أن فتحها نبوخذ نصر (بختصر) في سنة 586 ق.م. ودمرها ونقل السكان اليهود إلى بابل (رَ: السبي البابلي). وبعد أن استولى الفرس على سورية وفلسطين سمح الملك قورش سنة 538 ق.م. لمن أراد من الأسرى اليهود بالرجوع إلى أورشليم. 5) الاسكندر المقدوني: ظلت البلاد تحت الحكم الفارسي إلى أن فتحها الاسكندر المقدوني سنة 332 ق.م. وتأرجحت السيطرة على أورشليم في عهد خلفائه بين البطالمة* والسلوقيين. وقد تأثر السكان في هذا العهد الهلينستي بالحضارة الإغريقية. 6) الرومان: بعد فترة من الفوضى استولى الرومان على سورية وفلسطين ودخل القائد الروماني بومي أورشليم في سنة 63 ق.م. وقد سمح الرومان لليهود بشيء من الحكم الذاتي ونصبوا في سنة 37 ق.م. هيرودس الأدومي الذي اعتنق اليهودية ملكاً على الجليل وبلاد يهوذا فظل يحكمها باسم الرومان حتى السنة الرابعة الميلادية. وفي عهد الامبراطور نيرون بدأت ثورة اليهود على الرومان فقام القائد تيتوس في سنة 70م باحتلال أورشليم وفتك باليهود. ولما قامت ثورة اليهود من جديد بقيادة باركوخبا سنة 132م أسرع الامبراطور هادريانوس* إلى إخمادها سنة 135م وخرب أورشليم وأسس مكانها مستعمرة رومانية يحرم على اليهود دخولها أطلق عليها اسم “ايليا كابيتولينا” (ايليا هو اسم هادريان الأول). ولما اعتنق الامبراطور قسطنطين* المسيحية أعاد إلى المدينة اسم أورشليم وقامت والدته هيلانه ببناء الكنائس فيها. ويبدو أن تسمية (ايلياء) بقيت متداولة بين الناس بدليل أنها وردت في عهد الأمان الذي أعطاه الخليفة عمر بن الخطاب* السكان بعد الفتح إذ سماهم “أهل إيلياء”. 7) الفتح العربي: احتلت مدينة بيت المقدس في الدعوة الإسلامية منذ البداية مكاناً هاماً. فقد أشير إليها عدة مرات في القرآن الكريم وفي الحديث النبوي وكانت قبلة الإسلام الأولى وإليها كان إسراء النبي محمد عليه الصلاة والسلام ومنها كان عروجه. بعد هزيمة الروم في معركة اليرموك* أصبح الطريق مفتوحاً إلى بيت المقدس. وطلب أبو عبيدة بن الجراح من الخليفة أن يأتي إلى المدينة لأن سكانها يأبون التسليم إلا إذا حضر شخصياً لتسلم المدينة. ذهب عمر إلى بيت المقدس سنة 15هـ/636م وأعطى الأمان لأهلها وتعهد لهم بأن تصان أرواحهم وأموالهم وكنائسهم وبأن لا يسمح لليهود بالعيش بينهم. ومنح عمر سكان المدينة الحرية الدينية مقابل دفع الجزية، ورفض أن يصلي في كنيسة القيامة* لئلا تتخذ صلاته سابقة لمن يأتي بعده. وذهب إلى موقع المسجد الأقصى فأزال بيده ما كان على الصخرة من أقدار وبنى مسجداً في الزاوية الجنوبية من ساحة الحرم (رَ: إيلياء، عهد). ومع عمر بن الخطاب، وبعده، وفد إلى القدس عدد كبير من الصحابة والتابعين وأخذ العنصر العربي ينمو وينتشر بسرعة وعاد إلى المدينة طابعها العربي. وتميز الحكم العربي الإسلامي بالتسامح الديني، واحتفظ المسيحيون بكنائسهم وبحرية أداء شعائرهم الدينية. 8) الأمويون والعباسيون: بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة المشرفة* سنة 72هـ/691م وباشر ببناء المسجد الأقصى الذي أكمله الوليد بن عبد الملك* المسجد الأقصى بعد ذلك بسنوات قلائل (حوالي سنة 86هـ – 705م). وقد أولى خلفاء بني أمية المدينة المقدسة اهتماماً كبيراً، وبويع منهم فيها معاوية بن أبي سفيان* سنة 40هـ/ 660م وسليمان بن عبد الملك* سنة 96هـ/714م، وقاموا ببناء قصور لهم اكتشفت في سنة 1969 في جنوب المسجد الأقصى وجنوبه الغربي (رَ: العصر الأموي). وواصل الخلفاء العباسيون الاهتمام بالقدس فزارها منهم المنصور (136 – 158هـ/754 – 775م ) والمهدي (158 – 169 هـ/775 – 785م) والمأمون (198 – 218هـ/ 813 – 833م) عند عودته من زيارة مصر. وقد جرت في عهد الخلفاء الثلاثة تعميرات وتجديدات في المسجد الأقصى وقبة الصخرة بعد الخراب الذي نتج عن الزلازل المتكررة (رَ: العصر العباسي). وفي عصر العباسيين وصف الحاج المسيحي برنارد الحكيم أوضاع القدس وما حولها فقال: “إن المسلمين والمسيحين فيها على تفاهم تام والأمن العام مستتب”. 9) الطولونيون والاخشيدون: وعندما بدأ الضعف يدب في السلطة  المركزية ببغداد دخلت القدس وفلسطين في حوزة الطولونيين (سنة 265 – 292 هـ/878 – 905م) ، وتلاهم في حكمها الاخشيديون وتلاهم في حكمها الاخشيديون (سنة 327 -359هـ/939 – 969م). وكان للقدس دولة خاصة عند الاخشيديين بدليل أن ملوكهم جيداً دفنوا فيها بناء على وصاياهم. 10) الفاطميون والسلاجقة: وفي سنة 359هـ/969ماستواى الفاطميون* على القدس. وقد تميز حكم الحاكم بأمر الله (386 – 411هـ/996 – 1020م) بالتعصب الديني واضطهاد النصارى فهدم كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس وأوقع بالمسيحية شتى أنواع الاضطهاد. ولكن ذلك لم يصبهم وحدهم، فلم يكن المسلمون من رعاياه أفضل حالاً بكثير. ومما يذكر أن الفاطميين أسسوا في عهد الحاكم دار علم في القدس لنشر الدعوة الفاطمية وأول مستشفى في المدينة. ووضع السلاجقة حداً لحكم الفاطميون (463هـ/1070م) وعادت الخطبة في القدس للخليفة العباسي. وفي سنة 489هـ/ 1099م استولى الخليفة الفاطمي المستعلي على القدس لثلاث سنوات فقط. 11) الاحتلال الصليبي: احتل الفرنجة* القدس سنة 492هـ/1099م واحتفلوا بانتصارهم بارتكاب مذبحة رهيبة خصوصاً في منطقة الحرم الشريف. وذكر أن عدد ضحاياهم بلغ سبعين ألفاً، الأمر الذي يتناقص تناقصاً صارخاً مع تسامح عمر بن الخطاب عندما دخل المدينة. ونهب الصليبيون ما كان في الصخرة والأقصى من كنوز ووضعوا صليباً على قبة الصخرة وحولوا الأقصى إلى مقر لفرسان الداودة* وجعلوا القدس عاصمة لمملكتهم اللاتينية ونصبوا بطريركا لاتينياً للمدينة بدلاً من البطريرك الأرثوذكسي. وأقام الفرنجة عدداً من المباني الدينية الجديدة وغمروا كنيسة القيامة وكنيسة القديسة حنة وغيرهما، وأقاموا نزلا يتسع لألف شخص من الحجاج المسيحين القادمين من الخارج (رَ: القدس، مملكة – اللاتينية). لم يبق حكم الصليبيين في القدس أكثر من 88 سنة فانهارت مملكتهم. وقد حلت بهم الضربة القاصمة في معركة حكين* 583هـ/1187م. وبعدها دخل صلاح الدين الأيوبي* القدس صلحاً وسمح للفرنجة بمغادرتها بعد دفع جزية بسيطة عن  كل شخص. وامتازت معاملة صلاح الدين بالإنسانية فأعفى كثيرين من دفع الجزية وسمح للمسيحين الشرقيين بالبقاء في المدينة. أزال صلاح الدين الصليب عن قبة الصخرة ووضع فيها المصاحف وعين لها الأشعة ووضع في المسجد الأقصى المنير الذي كان قد أمر نور الدين محمود بن زنكي* بصنعه ودشن إنشاءات إسلامية كثيرة في القدس أهمها مدرسة للشافعية (الصلاحية) وخانقاه للصوفية ومستشفى كبير (البيمارستان). وأشرف بنفسه على تلك الانشاءات، بل شارك بيديه في بناء سور القدس وتحصينه، وعقد في المدينة مجالس العلم. تولى حكم القدس بعد صلاح الدين ابنه الملك الأفضل الذي وقف المنطقة الواقعة إلى الجنوب الشرقي من الحرم على المغاربة حماية لمنطقة البراق المقدسة وأنشأ فيها مدرسة. وومن حكم القدس من الأيوبيين بعد الأفضل الملك المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب* الذي أجرى تعميرات في كل من المسجد الأقصى والصخرة وأنشأ ثلاث مدارس للحنفية (وكان الحنفي الوحيد من الأسرة الأيوبية). ولكن المعظم عاد فدمر أسوار القدس خوفاً من استيلاء الصليبيين عليها عليها وخرب المدينة فاضطر أهلها إلى الهجرة في أسوأ الظروف (رَ: العصر الأيوبي). وتلا المعظم بعد فترة وجيزة أخوه الملك الكامل الذي عقد اتفاقاً مع الامبراطور فريدريك الثاني ملك الفرنجة سلمه بموجبه القدس ما عدا الحرم الشريف. وسلمت المدينة وسط مظاهر الحزن والسخط والاستنكار سنة 626هـ/1229م. وبقيت في أيديهم حتى 637هـ/1239م عندما استردها الملك الناصر داود ابن أخي الكامل. ولكن الناصر ما لبث أن سلمها مرة أخرى سنة 641هـ/1243م. ثم عادت إلى الإسلام نهائياً سنة 642هـ/1244م عندما استردها الخوارزمية* للملك نجم الدين أيوب ملك مصر. 12) المماليك: دخلت القدس في حوزة المماليك* في سنة 651هـ/1253م وبقيت كذلك حتى 922هـ/1516م. وفي عصر المماليك حظيت المدينة باهتمام ملحوظ وقام سلاطينهم: الظاهر بيبرس* (ت 676هـ/ 1277م) وسيف الدين قلاوون* (حكم من 679 -689هـ/1280 – 1290م) والناصر محمد بن قلاوون (ت 741هـ/1340م) والأشرف قايتباي (حكم من 892 – 902 هـ/1486 – 1496م) وغيرهم بزيارات عدة للقدس، وأقاموا منشآت دينية ومدنية مختلفة فيها كانت آية في فن العمارة، وأجروا تعميرات كثيرة في قبة الصخرة والمسجد الأقصى. ومن المنشآت التي أقامها المماليك زهاء خمسين مدرسة وسبعة ربط وعشرات الزوايا (رَ: الخوانق والربط والزوايا). وفي سنة 777هـ جعلوا القدس نيابة مستقلة تابعة للسلطان في القاهرة مباشرة بعد أن كانت تابعة لنيابة دمشق (رَ: الإدارة). ومن آثار المماليك في القدس أنهم سحبوا المياه من عين العروب إلى الحرم الشريف. ومن أشهر المدارس التي أنشأوها المدينة السلطانية الأشرفية والمدرسة التنكرية*. وغدت القدس زمن المماليك مركزاً من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي كله فكان يفد اليها الدارسون والمدرسون من مختلف الأقطار. وقد اكتشفت في الحرم القدسي سنة 1974م وبعده وثائق مملوكية تلقي المزيد من الضوء على تاريخ المدينة. أما موارد المدينة الاقتصادية في هذا العهد فكان أهمها الأوقاف التي وقفها المحسنون والأمراء والسلاطين عليها وعلى المنشآت التي أقاموها. وكان بعض هذه الأوقاف في سورية وتركيا ومصر من مصادر رزق الحجاجج سكان القدس ولا سيما الحجاج المسيحين. وأما الموارد الزراعية والتجارية فكانت قليلة. 13) العثمانيون: وفي سنة 922هـ/1516 م وضع السلطان سليم العثماني حداً لحكم المماليك في بلاد الشام اثر انتصاره في معركة مرج  دابق. وفي السنة التالية احتل القدس. ولما توفي السلطان سليم خلفه ابنه سليمان القانوني (927هـ/1520م) الذي اهتم بالقدس اهتماماً خاصاً وأقام فيها منشآت كثيرة منها سور القدس الذي دامت عمارته خمسة أعوام، وتكية خاصكي سلطان، ومساجد وأسبلة. وعمر كذلك قبة الصخرة. انتشرت زمن العثمانيين في القدس التكايا والزوايا ومؤسسات الصوفية الأخرى. ولكن بدءاً من القرن الثاني عشر  الهجري/ الثامن عشر الميلادي أخذت مدارس القدس التي أنشأها المماليك والأيوبيون تضحمل بسبب اضمحلال العقارات الموقوفة عليها. وقد وصلت حالة الشعب العلمية في هذا القرن إلى أدنى مستوى على الرغم من ظهور عدد من علماء الدين البارزين. وفي سنة 1831 – 1840م كانت القدس تحت حكم ابراهيم بن محمد علي حاكم مصر الذي احتل سورية كلها اثر خلاف نشب مع الدولة العثمانية. وقد شهدت فترة الحكم المصري* شيئاً من تحديث الإدارة ونشر روح التسامح، ولكن فرض التجنيد الإجباري والضرائب الكثيرة وجمع السلاح من الأهالي وإزالة نفوذ المشايخ والعائلات الاقطاعية أدت إلى ثورة ضد هذا الحكم دعمتها الدولة العثمانية واستطاع المصريون اخمادها بصعوبة. ولكن إبراهيم باشا اضطر إلى ترك البلاد سنة 1840م تحت ضغط الدول العظمى. تميز الحكم العثماني منذ القرن السابع عشر بالخلافات بين الطوائف المسيحية المختلفة ونزاعها على النفوذ على الأماكن المقدسة. وكان من نتائج هذه الخلافات حرب القوم سنة 1853 بين روسيا التي ادعت حماية الأرثوذكس وفرنسا وانكلترا اللتين ادعتا حماية اللاتين. وفي أعقاب هذه الحرب أدخلت الدولة العثمانية بعض الإجراءات الإصلاحية التي تقضي بالمساواة بين جميع الرعايا العثمانيين وأخذت تسمح بتعيين قناصل لانكلترا وفرنسا وغيرهما من الدول العربية. وبدأ التغلغل الاستعماري في البلاد وجر معه ازدياد الهجرة اليهودية وتفاقم عدد اليهود في القدس تدريجياً. وفي سنة 1273هـ/ 1856م بدأت تنشأ أحياء سكنية خارج سور البلدة القديمة، ومدت أول سكة حديد بين يافا والقدس، وبدأت طلائع البعثات الأثرية الأجنبية التي كان اليهود متغلغلين فيها تفد إلى البلاد تحت ستار التنقيبات الأثرية. وفي سنة 1917 دخلت فلسطين تحت الحكم البريطاني وبدأت بريطانيا تنفذ سياسة وعد بلفور* بوضع البلاد، والقدس في طليعتها، في ظروف تمهد لسيطرة الصهيونيين علة فلسطين كلها. ج- تطور المدينة: 1) السكان: قدر عدد سكان القدس في عام 1890 بنحو 45.000 نسمة، وفي عام 1896 بنحو 50.000 نسمة. وقدر عددهم بنحو 90.000 نسمة قبيل الحرب العالمية الأولى عام 1913، ولكن العدد انخفض إلى 50.000 نسمة في نهاية الحرب (1917) ثم عاد فارتفع في عام 1920 إلى 61.000 نسمة، وإلى 157.000 نسمة في نهاية 1944. وفي شهر تشرين الثاني 1947 وصل العدد إلى 164.000 نسمة موزعين كما يلي: 63.600 عربي و11.200 يهودي في البلدة القديمة داخل السور في الجزء العربي من البلدة الجديدة، وهي مدينة القدس بدون ضواحيها. اما اذا أضيف إليها سكان الضواحي الجديدة، التي أقامها المهاجرون الصهيونيون في اعقاب تدفقهم على المنطقة، فإن الصهيونيين يشكلون آنذاك أغلبية. إذ أن تعدادهم في الجزء الصهيوني من البلدة الجديدة بلغ 88.000 بهودي، في مقابل 1.500 عربي فقط. اي أن العرب شكلوا 85% من سكان مدينة القدس ذاتها، لكن اليهود شكلوا 60% من المدينة محاطة بالتجمعات الصهيونية. وقد شهدت فترة الانتداب البريطاني تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين الصهيونيين إلى فلسطين عامة والقدس خاصة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين). ونتج عن التزايد السريع لسكان القدس أن ضاقت المدينة بسكانها فتوسعوا خارج سور المدينة القديمة كما عرف بالقدس الجديدة وكانت مساحة مدينة القدس في أيار 1948 نحو 21.1 كم2 منها 30 كم2 للقدس الجديدة. بلغ عدد سكان القدس العربية حسب التعداد الرسمي لعام 1961 م نحو 80.000 نسمة في حين كان عدد الصهيونيين في المنطقة التي احتلوها نحو 167.000 نسمة، وبذا وصل مجموع سكان مدينة القدس في ذلك العام إلى 247.000 نسمة. وفي عام 1970، ونتيجة لنزوح بعض السكان العرب من القدس إلى الضفة الشرقية للأردن بعد حزيران 1967، انخفض عدد السكان الصهيونيين إلى قرابة 215.000 نسمة وبذا أصبح مجموع سكان المدينة المقدسة بقسميها نحو 288.000 نسمة. لم تكتف (إسرائيل) باتخاذ القدس الجديدة عاصمة لها بعد عام 1948 وفي أعلنت ضم القدس العربية إلى القدس الجديدة يعيد احتلالها الضفة الغربية في عام 1967 وقررت في عام 1980 أن تجعل القدس الموحدة عاصمة لها. وتقوم (إسرائيل) منذ ذلك الوقت بتنفيذ سياستها الرامية إلى إضفاء الصيغة اليهودية على المدينة المقدسة بحيث يصل عدد الصهيونيين فيها إلى 450.000 في نهاية تنفيذ مشروعها لتخطيط المدينة وإقامة القدس الكبرى (رَ: القدس، تهويد ). 2) العمران: شهدت القدس تحسناً عمرانياً في عهد الرومان فبلغت مساحتها أكثر من كيلومترين مربعين. وكان الفتح العربي بداية التطور العمراني الكبير. ويعود الفضل في ذلك إلى الخليفة عمر بن الخطاب. ثم تابع الأمويون والعباسيون ومن جاء بعدهم تطوير القدس وتحسين أوضاعها العمرانية لتناسب أهميتها الدينية. وفي العهد العثماني أصبحت القدس مركزاً لمتصرفية. كان المخطط الهيكلي للبلدة القديمة في هذا العهد يتألف من محورين رئيسين متعامدين ومشيرين بأطرافهما إلى الاتجاهات الأصلية. ويبدأ أحدهما من باب الخليل غرباً إلى باب السلسلة المفتوحة على الحرم الشريف والثاني من باب العمود وينتهي جنوباً قرب النبي داود. وهكذا قسم هذان المحوران البلدة القديمة إلى أربعة أحياء غير متساوية هي حي النصارى في الشمال الغربي حول كنيسة القيامة ويكمله حي الأرمن في الربع الجنوبي الغربي. وأما الحي اليهودي فيحتل الربع الجنوبي الشرقي على حين يشغل حي المسلمين منطقة المسجد الأقصى في الشمال الشرقي. وبنايات القدس القديمة متلاصقة تفصل بين مجموعاتها حارات أو شوارع مرصوفة بالحجارة ومسقوفة بعقود تربط المباني على جانبيها. وتتصف الأبنية بسماكة جدارنها المشيدة من الحجر الكلسي. وأما سقوف المباني فمبنية من الحجر الخالص بشكل أقواص أو قباب. وقد ظلت مساحات واسعة من البلدة القديمة خالية من العمران قروناً طويلة. بدأت المباني تمتد خارج السور منذ آواخر القرن التاسع عشر وأخذت المدينة تنمو في الاتجاه الشمالي الغربي، ونحو الغرب في اتجاه مدينة يافا. وزحف القلب التجاري للمدينة المقدسة على طول امتداد طريق عام. بعد حرب 1948 وانفصال القدس الجديدة عن القدس القديمة انسحاب المدينة القديمة بسرعة نحو الشمال والشرق، وامتدت الأحياء مع شرايين الطرق الرئيسة، واستأثر طريق القدس – رام الله بالأحياء الراقية والشيخ جراح وشعفاط وبيت حنينا) على حين امتدت الأحياء الشعبية شرقاً على طريق القدس – عمان وجنوبا على طريق القدس- بيت لحم. وأما القلب التجاري فإنه تركز في شارعي باب العمود وصلاح الدين. واستعمل الحجر الكلسي المنحوت في المباني الحديثة فاكتسبت به الجدران من الخارج في حين بطنت بالاسمنت من الداخل. وأما السقوف فمن الاسمنت المسلح بالحديد. وقد ساعد هذا على اتساع مساحة المسكن وانفراج نوافذه فتحولت الأقواس عن وظيفتها كدعائم تشد البنيان وترفع السقوف إلى مجرد زخارف تجمل البناء. وقد تعرض كثير من المباني في القدس القديمة للتدمير بعد عام 1967 على يد سلطة الاحتلال الإسرائيلي وكانت جريمتا حرق المسجد الأقصى وإطلاق النار على المصلين فيه من أبشع الجرائم التي تعرضت لها الأماكن المقدسة الإسلامية (رَ: الحرم القدسي، الشريف، تهويد). أما القدس الجديدة فإن نموها أصبح مقصوراً على الاتجاه نحو الغرب حيث امتدت الأحياء السكنية بعماراتها الضخمة التي بنيت لاستعياب أكبر عدد ممكن من المهاجرين الصهيونيين. وخطط للمركز التجاري أن يزحف نحو الشمال الغربي في اتجاه حي روميما على حين خطط للدوائر الرسمية أن تكون امتدادا للحي التجاري نحو الجنوب حيث مساحات واسعة من الأرض التي تضم الجامعة العربية والمكتبة العامة والمتحف والمؤسسات الأخرى, وهكذا ينحصر حي العمل المركزي في القدس الجديدة بين الأحياء السكنية القديمة نسبياً شرقاً والأحياء الحديثة والضواحي غرباً وجنوباً. وهناك حزام أخضر من الأشجار والمتنزهات والملاعب بالضواحي من الجهة الغربية. أعلنت سلطة الاحتلال الإسرائيلي بعد 1967 ضم القدس الغربية إلى القدس الإسرائيلية في مدينة موحدة. وهذا الاعلان يخالف القوانين الدولية ويتحدى العالم. وفور الاعلان عن توحيد المدينة المقدسة قامت هذه السلطة بتصميم مخطط هيكلي للمدينة الموحدة والعمل على تنفيذ مشروع القدس الكبرى. وبموجب هذا المشروع أصبحت القدس القديمة وما حولها من الأحياء والقرى العربية كوادي الجوز والثوري وسلوان والطور والعيسوية وبيت حنينا وشعفاط وقلندية وبيت صفافا وشرفات وصور باهر وأبو ديس وجبل المكبر تابعة للبلدية القدس. وتهدف (إسرائيل) من وراء هذا المشروع إلى تهويد القدس واقتطاع مساحة من أراضب الضفة الغربية المحتلة لاسكان أكبر عدد من الصهيونيين فيها. وبذلك تعمل على تجزئة الضفة الغربية بإقامة هذا الاسفين الصهيوني في قلب التجمعات السكنية العربية. قامت (إسرائيل) بإنشاء أحياء سكنية في المدينة المقدسة تضم مئات العمارات السكنية التي تعيش فيها آلاف العائلات الصهيونية. وتعد هذه الأحياء جزءا من مشروع القدس الكبرى الذي سيفقد القدس جمالها ويحولها إلى مدينة سكنية بعد أن كانت مدينة دينية سياحية. وقد وصف البروفسور برونسفي أحد كبار المهندسين الايطاليين الأعمال التي تمت في بناء القدس بأنها انتحار جماعي نتيجته الفشل الذريع. د- التركيب الوظيفي للمدينة: تتنوع الوظائف التي تقوم بها المدينة المقدسة. فهي تجمع بين الوظائف الإدارية والدينية والسياحية والتجارية والزراعية وغيرها. 1) الوظيفة الإدارية: اتخذت القدس عاصمة سياسية وروحية منذ أقدم عهود التاريخ. وفي العهد العثماني كانت مركزا لسنجق القدس. واتخذت عاصمة لفلسطين في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين ومركزاً لقضاء القدس. وبعد عام 1948 أصبحت القدس العربية العاصمة الروحية للأردن ومركزاً لمحافظة القدس في حين جعل الكيان الصهيوني القدس الجديدة عاصمة له. وفي عام 1967 خضعت المدينة المقدسة كلها للاحتلال الصهيوني الذي أعلنها عاصمة لكيانه. 2) الوظيفة الدينية: مارست القدس وظيفتها الدينية منذ نشأتها الأولى عندما قام اليبوسيون ببناء معابدهم لممارسة شعائرهم الدينية. وفي عهد داود كان الإسرائيليون يمارسون ديانتهم اليهودية. وجاء بعده سليمان الذي شيد هيكله في القدس. وبعد أن تعرض الهيكل للخراب نشأت عند اليهود عادة مجيئهم إلى ما يدعون أنه بقايا آثار المكان كي يقوموا عند الحائط بالبكاء والنواح أثناء ترديد صلواتهم. وفي عام 335م جاءت إلى القدس الملكة هيلانة أم قسطنطين الامبراطور الروماني وبنت كنيسة القيامة التي يحج إليها المسيحيون من مشارف الأرض ومغاربها. وتنتشر في سفح جبل الزيتون (الطور) وعلى قمته الكنائس والأديرة على كنيسة الجثمانية ومغارة الجثمانية وكنيسة الصعود وكنيسة مريم العذراء. وتمر بجبل الزيتون المواكب الدينية المسيحية أثناء احتفالات عيد الفصح المجيد ويرجع اهتمام المسلمين بالصخرة المشرفة إلى علاقتها الوثيقة بالإسراء والمعراج وكون المسجد الأقصى القبلة الأولى في الإسلام (رَ: الحج إلى الأماكن المقدسة في فلسطين). وفي عام 72هـ/691 م بنى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مسجد الصخرة ورصد لبنائه خراج مصر لسبع سنين. ويقع المسجد الأقصى في الجهة الجنوبية من رقعة الحرم الشريف. وقد شرع في بنائه عبد الملك بن مروان وأتمه ابنه الوليد عام 86هـ/705م. 3) الوظيفة السياحية: المدينة المقدسة محط أنظار سكان العالم أجمع يؤمها السياح من مختلف الجهات لزيارة المقدسات. ولذا انتعشت في القدس منذ القدم صناعة السياحة التي تدر ربحاً على العاملين فيها من سكان القدس سواء كانوا أصحاب فنادق أو مقاهي أو سيارات أو مطاعم أو مكاتب سفر وسياحة أو خدمات عامة. وكانت هذه الصناعة قبل عام 1967 تساهم بقسط وافر في الايرادات السياحية للأردن، وهي اليوم مورد رئيس هام للاقتصاد الإسرائيلي (رَ: السياحة). 4) الوظيفة الصناعية: تقوم في القدس العربية صناعة خفيفة معظمها زراعي كطحن الحبوب وعصر الزيتون وصناعة الصابون* وتعليب الخضر واستخراج زيت السمسم وصناعة خشب الزيتون والصدف. وتعد الصناعة الأخيرة من الصناعات السياحية الناجحة. وهناك صناعات عربية أخرى مثل صناعات الغزل والنسيج* والقاشاني والخزف والشمع وقلع الحجارة والبلاط والقرميد والحلويات والمشروبات الروحية والمياه الغازية والمعجنات والأثاث واللدائن* (البلاستيك) والسجاير. وتشير الاحصاءات الأردنية لعام 1965 إلى أن عدد المؤسسات الصناعية التي يعمل في كل منها عشرة أشخاص فما فوق يبلغ في القدس العربية 152 مؤسسة تضم نحو 2.500 عامل. لجأت (إسرائيل) بعد عام 1967 إلى منع إنشاء صناعات عربية جديدة، إلى المشاركة في رأسمال المشروعات الصناعية العربية الكبيرة خدمة للاقتصاد الإسرائيلي. وقد أقامت في القدس العربية ثلاث مناطق صناعية، الأولى في جبل الزيتون حيث يعمل 4.000 عامل. والثانية في شمال شرقي المدينة (في عنابا) جيث يعمل 40.000 عامل، والثالثة في قلندية حيث يعمل 15.000 عامل. ومعظم الصناعات الإسرائيلية خفيفة تتركز في منطقتي تل أرزا شمالي غرب القدس وجعفات شاؤل في غربها. وقد اشتملت القدس في عام 1968 على 368 مؤسسة صناعية صهيونية، أو 6.2% من مجموع المؤسسات الصناعية في (إسرائيل). 5) الوظيفة التجارية: استفادت القدس من موقعها الجغرافي الذي جعلها مركزاً تجارياً عبر العصور التاريخية. فهي تشتمل على أسواق كثيرة تغص بمختلف السلع التجارية. ومما يساعد على رواج الحركة التجارية في المدينة المقدسة سهولة اتصالها بالبحر المتوسط والأجزاء الداخلية لاقليمها المحيط بها بالإضافة إلى اتصالها بالأردن والعراق وسورية ولبنان وأقطار الجزيرة العربية. ولا شك أن الحركة السياحية ساهمت كثيراً في رواج التجارة داخل المدينة، ولا سيما أوقات الأعياد والنشاطات الدينية. ومن الطبيعي أن يدفع تزايد عدد سكان المدينة إلى زيادة المؤسسات التجارية والمصارف والأسواق المختلفة لتلبية حاجات السكان الاستهلاكية من البضائع. ويزود إقليم القدس المدينة بحاجاتها من الخضر والفواكه، وتزود المدينة إقليمها بكثير من المنتجات الصناعية والاستهلاكية. 6) الوظيفة الزراعية: لاتعد الزراعة مصدراً من مصادر الثروة لسكان القدس وان كانت لا تزال مصدراً هاماً لدخل سكان بعض القرى التي ضمت داخل حدود القدس. وتعتمد الزراعة* في منطقة القدس على الأمطار لقلة موارد المياه في المنطقة. وقد كانت الحبوب المحصول الرئيس في الماضي، ولكن زراعة الأشجار المثمرة، ولا سيما الزيتون* والعنب*، حلت محل الحبوب في السنوات الأخيرة بسبب ملاءمتها لطبيعة المنطقة الجبلية ولمردودها الاقتصادي الأفضل. وتتركز الزراعة على مصاطب المنحدرات الجبلية حيث تنجح زراعة الأشجار المثمرة والحرجية، وفي قبعان الأودية والمنخفضات حيث تنجح زراعة الحبوب والخضر. ويباع معظم الإنتاج الزراعي في أسواق مدينة القدس. ظل توفير المياه للشرب والاستعمالات المنزلية والزراعية والصناعية المشكلة الرئيسة بالنسبة إلى سكان المدينة المقدسة منذ القدم بسبب قلة الموارد المائية. وتحصل القدس على المياه بوسائل كثيرة منها تجميع مياه الأمطار في صهاريج أعدت خصيصا لهذا الغرض ونقل المياه من بعض الآبار والينابيع القليلة حول المدينة. وعندما ازداد استهلاك السكان من المياه أصبحت الحاجة ملحة لنقل المياه إلى مدينة القدس من مصادر بعيدة فنقلت في عهد الانتداب إلى المدينة في أنابيب من نبع رأس العين*. وبعد عام 1948 حرمت القدس العربية من هذا المصدر المائي الهام فزودت بالمياه من برك سليمان وعين فارة. وبعد عام 1967 عادت المدينة المقدسة تستمد مياهها من نبع رأس العين وعين فارة بالإضافة إلى مصادر أخرى في مستعمرة كفار أوروبا بالقرب من القدس.   المراجع:   الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار، بيروت 1975. مجير الدين الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، عمان 1973. ياقوت الحموي: معجم البلدان، بيروت 1975. رشاد الامام: مدينة القدس في العصر الوسط، تونس 1976. مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج9، ق2، بيروت 1975. عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس، القدس 1961. عارف العارف: تاريخ القدس، القاهرة 1951. محمد أديب العامري : عروبة فلسطين في التاريخ، بيروت 1972. كامل العسلي: معاهد العلم في بيت المقدس، 1981. أ.س. مرمرجي: بلدانية فلسطين العربية، بيروت 1948. محمد خالد حسين: فلسطين في ظل الإسلام، عمان 1389ه. محمود العابدي: قدسنت، القاهرة 1972. أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ، مجلد2، دمشق 1975. عز الدين فودة: قضية القدس في محيط العلاقات الدولية، بيروت 1969. جورج بوست: قاموس الكتاب المقدس، جزءان، بيروت 1894 – 1901. ملفات المكتب التنفيذي فشؤون الوطن المحتل، عمان. ملفات اللجنة الملكية لشؤون القدس، عمان. Central Water Authprity (H.K.J.): Rainfall in Jerusalem 1846 – 1964, Amman Encylopaedia Britannica, Chicago 1977. Encyclopaedia of Islam, Vol II.Leiden 1970. Hadawi, S.: Land Ownership in Palestine, New York Kenyon, K.M.: Jerusalem Excavating 3000 Years of History, London Olmstead, A.T.: History of Palestine and Syria, New York Totah, K.A.: A Brief History and Guide of Jerusalem, Jerusalem