إيلات

أقام الصهيونيون هذه المدينة في موقع المرشرش العربي على الرأس الشمالي الغربي لخليج العقبة* وهو الجزء الذي افتتحته بريطانيا من العقبة وضمته إلى فلسطين. وأنشىء ميناؤها الذي ساهم في تطور ونمو المدينة عام 1951. وإيلات اسم المدينة الإيدومية القديمة التي كانت تقع على الخليج قرب مدينة العقبة الحالية. وقد ذكرتها التوراة في حديثها عن نية بني إسرائيل فقالت إنهم مروا بها عند خروجهم من مصر (القرن الرابع عشر أو الثالث عشر قبل الميلاد). وفي ذلك الوقت كان الإيدوميون* أصحاب السيادة على هذه المنطقة التي تمتد من البحر الميت حتى خليج العقبة. وقد اشتهرت بلاد الإيدوميين هذه بثروتها المعدنية وبموقعها التجاري مما جعلها ملتقى طرق التجارة بين الجزيرة العربية ومصر والشام والبحر المتوسط. ودلت النقوش على أن المصرين القدماء قاموا باستغلال مناجم النحاس والحديد والمنغيز التي كانت تمتد من شمال وادي عربة إلى خليج العقبة في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. كانت ثروة إيدوم وازدهارها السبب الرئيس للحزب التي شنها عليها الملك داود في القرن العاشر قبل الميلاد، وهي الحرب التي أدت إلى انتصاره وتحكمه في رأس الخليج. وفي أواسط القرن العاشر قبل الميلاد أنشأ ابنه الملك سليمان مدينة عصبون جابر واستخدمها ميناء له على البحر الأحمر للاتجار مع جنوب جزيرة العرب وشرق إفريقيا. ودلت الحفريات التي قام بها نلسون غلوك وفريتز فرانك في تل الخليفة الذي يقع على مسافة ثلاثة أميال إلى الشمال الغربي من مدينة العقبة الحالية على أن هذا التل هو موقع عصيون جابر وإيلات القديمة، وأن الموقع كانت تشغله مستوطنة حصينة تحيط بها أسوار قوية بين القرن العاشر والقرن الرابع قبل الميلاد. ويعتقد بعض العلماء أن عصيون جابر وإيلات لم تشملا الموقع نفسه وإنما كانتا مدينتين متجاورتين. ودلت الحفريات كذلك على أنه كانت لعصيون جابر تجارة نشيطة مع المعنيين في جنوب جزيرة العرب. ويبدو أن حروب الإسرائيليين مع الإيدوميين استمرت عشرات السنين. ويروي العهد القديم (سفر الملوك: 2/4، 2/7) أن الملك أمصيا احتل سلع حاضرة الإيدوميين وقتل عشرة آلاف منهم وألقى بعشرة آلاف آخرين من قمة أحد الجبال، ثم أخذ آلهتهم إلى القدس. وفقدت إيدوم أيضاً ميناءها على البحر قرب العقبة الحالية، واضطر الإيدوميين إلى قبول إقامة مستعمرة تجارية يهودية. لكن الحرب ظلت بعد ذلك سجالاً بين الطرفين حتى اضطر اليهود إلى الانسحاب نهائياً من عصيون جابر ومنطقة خليج العقبة كلها في عهد الملك آحاز (735 – 715 ق.م.). وظل الإيدوميون في إيلات بعد ذلك قرابة ثلاثة قرون إلى أن احتلها الأنباط* ربما في القرن الرابع قبل الميلاد. وفي هذا القرن حل الأنباط محل الإيدوميين في المنطقة وأصبحت أيلة ميناء الأنباط على البحر الأحمر. وكان الأنباط هم أول من استعمل اسم “أيلة” المنشق من اسم إيلات الأسم الإيدومي القديم. وقد نقل الأنباط أيلة من موقعها القديم قرابة 3 أميال باتجاه الجنوب الشرقي إلى حيث تقع مدينة العقبة الحالية الآن. ازدهرت أيلة ازدهاراً كبيراً مع ازدهار دولة الأنباط الاقتصادي لأنها كانت هي والبتراء عاصمتهم تقعان على خطين هامين من خطوط التجارة العالمية آنذاك بين الشام وجزيرة العربية وآسيا من جهة، وبين الشام ومصر من جهة أخرى. وكانت هناك طريق تجارة هامة تصل بين أيلة وغزة (رَ: الطرق). وفي أثناء حكم البطالمة* أصبح اسمها بيرينكة Berneike ، وظلت تتمتع بمركز تجاري هام مع شرق إفريقيا وجنوب جزيرة الغرب. وفي سنة 106 ق.م. تمكن الإمبراطور الروماني تراجان من قهر الأنباط، واحتل البتراء وأيلة، وبنى طريقاً تبدأ من أيلة وتنتهي بدمشق. وأصبحت بلاد الأنباط ولاية رومانية أطلق عليها اسم بروفنسيا أرابيا (الولاية العربية)، وأصبحت أيلة مقراً للفرقة الرومانية العاشرة وغدت حصناً عسكرياً جنوبي فلسطين. وفي عهد البيزنطيين احتفظت أيلة بمكانتها التجارية فكان ينقل عبرها الحرير والتوابل إما إلى بلاد اليونان عن طريق غزة وإما إلى مدن الشمال في سورية. وفي سنة 325م أصبحت أيلة مركزاً لأسقفية كان بعض أساقفتها من العرب. وفي الفترة التي سبقت ظهر الإسلام حكمها ملوك الغساسنة* باسم الدولة البيزنطية. ظهر اسم أيلة لأول مرة في التاريخ الإسلامي سنة 9هـ/ 630م؛ فعندما وصل الرسول عليه السلام إلى تبوك في تلك السنة قدم يوحنا بن رؤبة مطران أيلة على النبي فصالحه على جزية قدرها 300 دينار في السنة، وعلى قرى من يمر بأيلة من المسلمين. وكتب الرسول لهم كتاباً أن يحفظوا وأن يمنعوا “وأن لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقاً يريدونه من بئر أو بحر”. وأهدى يوحنا إلى النبي بغلة بيضاء، وأهدى النبي إليه برده من بروده. وعندما زار الخليفة عمر بن الخطاب* الشام بعد طاعون عمواس خرج للقائه بأيلة جمهور كبير من الناس. وقضى ليلة في ضيافة مطران البلدة. ومنذ بداية العهد الإسلامي أصبحت أيلة ملتقى الحجيج المصري والشامي وانتعشت التجارة فيها. وكان بها آنذاك قوم يذكرون أنهم من موالي عثمان بن عفان، وكانوا سقاة الحج. وفي عام 191هـ في خلافة هارون الرشيد امتنع أهل أيلة بقيادة أبي النداء عن دفع الضرائب، وتمردوا على الحكومة العباسية، فبعث إليهم الرشيد بجنوده فظفروا بهم وأرسل أبو النداء إلى بغداد حيث قتل. أصبحت أيلة في القرن الثالث الهجري تحت حكم الطولونيين وذكر أن خمارويه (توفي 282هـ/ 896م) عبّد طريقها ورمم الجبل العالي “ذا العقبة” الواقع ازاءها ليسهل وصول القادمين إلى المدينة. وعلى الرغم من وقوع أيلة عند ملتقى أقطار ثلاثة هي الشام ومصر والحجاز فقد كانت في الغالب “تعد في بلاد الشام” وشهدت المدينة قمة ازدهارها في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. ووصفها المقدسي 375-376/    985 – 986م في “أحسن التقاسيم” فقال: “مدينة عامرة جليلة ذات نحيل رأسماك، فرضة فلسطين وخزانة الحجاز. وفي أيلة تنازع حصل بين الشامين والحجازيين والمصرين وإضافتها إلى الشام أصوب لأن رسومهم وأوطانهم شامية، وهي فرضة فلسطين”. أصيت أيلة في القرن الخامس الهجري بنكبتين، ففي سنة 415هـ/  1024 – 1025م نهبها عبدالله بن أدريس الجعفري مع جماعة من بني الجراح. وفي سنة 465هـ/ 1073م حدثت في البلاد زلزلة هائلة أهلكت أيلة ومن فيها. وقد جلبت فترة حكم الصليبيين (رَ: الفرنجة) إلى أيلة كثيراً من المصائب التي أدت إلى تدمير قسم كبير من المدينة. ففي سنة 509هـ/ 1116م احتل بلدوين الأول ملك القدس مدينة أيلة وضمها إلى بارونية الكرك التابعة لمملكة القدس*. وحاول الصليبيون استغلال موقعها العسكري ليمنعوا الاتصال بين الشام ومصر والحجاز. فأنشأوا حصناً على جزيرة فرعون المجاورة للشاطىء وبنوا أسطولاً في العقبة أبحر في عام 555هـ/ 1160م. وفي سنة 566هـ/ 1170م تمكن صلاح الدين الأيوبي* من استرداد أيلة بعد معركة برية، فطرد الفرنجة وترك حامية في المدينة. لكن (ريشو دي شاتيون أمير الكرك الصليبي تمكن من احتلال أيلة فترة قصيرة عام 587هـ/ 1182 – 1183م في سياق حملته ضد الأماكن المقدسة في الحجاز. وكان قد بنى السفن في عسقلان ونقلها إلى أيلة وشرع يهاجم سفن المسلمين في البحر الأحمر. بيد أن حسام الدين لؤلؤ قائد صلاح الدين دمر أسطول رينو سنة 579هـ/ 1183م، وعادت أيلة إلى أصحابها. عاد الصليبيون إلى أيلة مرة أخرى، ثم استرجعها منهم نهائياً السلطان بيبرس* عام 665هـ/ 1267م، لكن المدينة كانت في حالة من الخراب. وبزول الخطر الصليبي عادت أيلة ملتقى للحجاج القادمين من مصر والشام. وفي أوائل القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي بنى السلطان قانصو الغوري 906 – 921هـ/ 1501 – 1522م قلعة على شاطىء أيلة رممها السلطان العثماني مراد الثالث سنة 996هـ/ 1296م. وكان هنالك قبل هذه القلعة أخرى قديمة تحمي أيلة في جزيرة فرعون القريبة وقلعة أخرى بناها الصليبيون على الأرجح سنة 578 أو سنة 579/ 1882 – 1183م ولم يعد لهذه الأخيرة من أثر اليوم. أصبحت أيلة ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي تدعى باسمها الجديد “العقبة”. وهذا الاسم اختصار لعقبة أيلة. وكان هذا الاسم، أي عقبة أيلة، قد أطلق على المدينة من القرن الرابع عشر الميلادي حتى القرن السادس عشر الميلادي. وابتداء من القرن السادس عشر الميلادي أسقطت كلمة أيلة واقتصر الاسم على العقبة. وتشير عقبة أيلة إلى الممر الوعر الذي مهده ملوك مصر ابتداء من خمارويه الطوالوني حتى الناصر محمد بن قلاوون (719هـ/ 1230م) في جبل أم نصيلة المجاور للمدينة ليسهل الوصول إليها. ظل خليج العقبة تحت السيادة العربية الكاملة إلى أن قام الاحتلال الصهيوني بتأسيس ميناء إيلات عام 1951. وظلت القوات المسلحة المصرية المتمركزة في شرم الشيخ تحاصره حتى عام 1956 عندما شنت دول العدوان الثلاثي هجوماً على مصر (رَ: حرب 1956)، ونتج عن ذلك العدوان تمركز قوات الطوارىء الدولية في شرم الشيخ، والسماح للسفن الإسرائيلية وسفن الدول الأخرى بالمرور في خليج العقبة. لذلك أخذ ميناء إيلات منذئذ يزدهر تدريجياً، وتجلى ازدهاره في تطور نمو مدينة إيلات سكاناً وعمراناً. بدأ ميناء إيلات يقوم بدور حيوي في تجارة الكيان الصهيوني الخارجية منذ عام 1956، وبخاصة مع دول شرقي إفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوستراليا. وتم ربط إيلات بمدينة بئر السبع* وميناءي أسدود* وعسقلان على البحر المتوسط بطريق رئيسية معبدة تخترق إقليم النقب. وتنتقل البضائع على هذه الطريق بالشاحنات الضخمة، وتم أيضاً ربط إيلات بمنشآت البوتاس في أسدوم وبمركز المفاعل النووي في ديمونة* بطريق رئيسة معبدة أخرى تخترق وادي عربة*. وترتبط إيلات أيضاً بمناجم الفوسفات* في النقب* بطريق متفرعة من طريق إيلات – بير السبع. وهنالك خطان من أنابيب النفط يصلان بين إيلات وكل من حيفا* وعسقلان. ويبلغ طول الخط الأول قرابة 400كم، وقطره نحو 40سم، وتجاوزت طاقته 6 ملايين طن سنوياً. أما الخط الثاني فيبلغ طوله 256كم، وقطره نحو 105سم، ووصلت طاقته إلى 20 مليون طن سنوياً، وقد تصل طاقته في المستقبل إلى 50 مليون طن سنوياً. ولشركة زيم الصهيونية للملاحة خطوط منتظمة عبر البحر الأحمر إلى أثيوبيا وكينيا وتانزانيا ومالاغاشي وموزامبيق وجنوب إفريقيا. وتدير الشركة خطوطاً منتظمة إلى الموانىء اليابانية وهونغ كونغ وماليزية وسنغافورة وأستراليا. وأهم الصادرات الإسرائيلية إلى أفريقيا والشرق الأقصى، عبر إيلات، البوتاس والفوسفات والاسمنت والنحاس والإطارات والمنسوجات ومسحوق الصابون والمبيدات والحمضيات. وأهم الواردات النفط* والمنتجات الصناعية والحديد والمطاط الصناعي وزيت جوز الهند والأرز والذرة والعلف. وقد ساهم ميناء إيلات في أكثر من 7% من مجموع النقل البحري للكيان الصهيوني في عام 1981. ويقدر مجموع كمية الصادرات والواردات عبر ميناء إيلات (باستثناء النفط) بنحو ثلاثة أرباع مليون طن من البضائع.  بلغ عدد سكان إيلات في عام 1952 نحو 275 نسمة، وازداد عددهم إلى 2.600 نسمة عام 1956، وإلى 11.000 نسمة في عام 1966، وإلى 14.000 نسمة في عام 1973. وبلغ عددهم فيما وصل عام 2001 إلى 41.800 نسمة. يعود غالبية سكانها في أصولهم إلى صهيونيين مهاجرين من شمال إفريقيا والمجر ورومانيا وبولونيا وهولندة. وفيها مطار هو الثاني في فلسطين المحتلة بعد مطار اللد، ويبعد نحو كيلومترين عن الساحل على الجانب الغربي من الطريق العامة. ولإيلات مرفأ مدني وآخر عسكري. وفيها عدد من المصانع كمصنع قطع الأحجار وصقلها، ومصنع صقل الماس، ومصنع الجص، ومصانع لتعليب الأسماك، ومصنع للنحاس، ومعمل لحياكة الملبوسات، ومعمل لتعقيم الحليب. وفيه أيضاً مصفاة النفط، ومحطة لتقطير المياه تنتج أكثر من مليون غالون ماء يومياً لسد حاجة المدينة من المياه، ومحطة للقوة الكهربائية. وإيلات مركز تجاري وترفيهي وسياحي.   المراجع: –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1966. –         حامد سلطان: مشكلة خليج العقبة، القاهرة 1967. –         موسى عبود سمعة: مدينة العقبة وميناؤها، القاهرة 1973. –         الياس مرمرجي: بلدانية فلسطين العربية، بيروت 1948. –         المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن 1906. –         فؤاد بسيسو: تأثير المقاطعة العربية على الاقتصاد الإسرائيلي، عمان 1971. –         The Economist Intelligence Unit ,Quaterly Economic Review, “Israel” London 1981. –         Encyclopedia Britannica, Chicago 1974. –         Encyclopedia of Islam Vol 1. Leiden 1960. –         Lindner M. (ed): Petra und das Koenigreich der Nabataer, Bad Windsheim 1974.