الحوّيّون

شعب لم يرد ذكره في غير التوراة* من المصادر القديمة. ولذا أصبحت الروايات التي وردت في الكتب التوراتية المصدر الوحيد الذي استند إليه المؤرخون في محاولتهم تحديد هوية هذ الشعب وصلابة بقية الشعوب واستنباط ملامح تاريخه. ولما كانت روايات التوراة في أغلب الأحيان مقتضبة وغير وافية، وفي أحيان أخرى غير واضحة، فإن الغموض ما زال يكشف تاريخ الحوّيين. وستبقى معرفة هذا التاريخ ناقصة إلى حين العثور على مصادر جديدة تلقي ضوءاً على ما خفي من جوانبه. نسب الحويون في التوراة إلى كنعان* كما نسب اليبوسيون* والعموريون* والجرجاشيون*. فإذا صحت هذه النسبة فإنها تعني أنهم كانوا من الشعوب السامية التي استوطنت بلاد كنعان قبل الغزو الإسرائيلي لهذه البلاد. إلا أن العلامة “سبايزر Speiser ” يرى أن نسبة الشعب الحوي إلى الساميين لا يمكن قبولها. ويعتقد بأن اسم “حوّي” الذي ورد في التوراة ما هو إلا تحريف للاسم “حووئيا” الذي عثر عليه بين الأسماء الحورية في الوثائق الحورية المكتشفة في مدينة نوزي التي كانت المركز الحضاري الرئيس للحوريين* في العراق. فإذا قبل ما ذهب إليه سبايزر يكون الحوّيون والحوريون شعباً واحداً، وبالتالي لا يمكن نسبتهم إلى الشعوب السامية. ومن الذين يؤيدون سبايزر في رأيه هذا العلامة “جرنتز Grintz “. ومما يستند إليه هذان العالمان أيضاً أن لفظ “حوي” كان يحل محل “حواريت” أي الحوريين، كما يحل الاسم الأخير محل الأول في سفر التكوين (36 :2). ويشيران كذلك إلى ما ورد في سفر يشوع (9 : 6) من أن الحويين كانوا من الغرباء الذين نزحوا إلى البلاد من مناطق نائية. وهذا يتفق مع حقيقة أن الحويين كانوا أيضاً غرباء نزحوا إلى فلسطين من مناطق بعيدة تقع في شمال العراق وبلاد الأناضول. ويرى سبايزر أن الحويين دخلوا إلى فلسطين مع الجموع التي كانت تعرف بالهكسوس* عند مرورها بهذه البلاد في طريقها إلى مصر بين القرنين الثامن عشر والسابع عشر قبل الميلاد. وهناك فريق آخر من الباحثين يعتقد أن الحويين لم يكونوا غير “الآخيين” اليونانيين الذين ذكروا في الإلباذة وظهروا في الوثائق المصرية باسم “آكيواشا”. غير أن هذا الزعم لا يستند إلى دليل واضح، وبالتالي لا يمكن قبوله. يظهر مما مر بوضوح صعوبة البت في تحديد هوية الحويين، وأن أياً من الآراء التي قدمت تنقصها الأدلة المقنعة، مما دفع أغلب المؤرخين إلى الاعتماد في الوقت الحضر على ما ورد عنهم في التوراة. كان الحويون، كما ورد في التوراة، يقيمون في شكيم (نابلس*) وجبعون جميع*. وعندما تحالفت شعوب المنطقة من الحيثيين* والعموريين والكنعانيين والفرزيين* للوقوف بوجه الغزو الإسرائيلي خرج الحويون على هذا الإجماع، وحاولوا تجنب الحرب بالتقرب من الإسرائيليين والتوسل إلى يشوع بعدم التعرض لهم. وأنكر الحويون وجود أية علاقة بينهم وبين الشعوب الأخرى، وأدعوا أنهم غرباء وفدوا من مناطق نائية بعد أن تنكروا بارتداء ملابس بالية. وسالمهم يشوع، وعفا عنهم، ثم بدأ يستخدمهم في جمع الحطب ونقل الماء للإسرائيليين. ويبدو أن موقف الحويين هذا أثار عليهم غضب الشعوب الأخرى، حتى إن ملك القدس العموري حاول ضربهم في جبعون، إلا أن الحويين استنجدوا يشوع الذي أسرع لنجدتهم. وتتحدث التوراة عن التقارب الشديد بين الحويين وبني يعقوب*، حتى إن شكيم بن حمور الحوي خطب ابنه يعقوب “دينة” لابنه أملاً في أن تؤدي المصاهرة إلى تقوية ما كان بين بني يعقوب والحويين من علاقات، ووعد شكيم بتسهيل إقامة بني يعقوب في أراضي الحويين ومنحتهم حق تملك الأرض والمتاجرة معهم. واشترط بنو يعقوب لقبول ذلك أن يوافق الحويون على ممارسة خشن الذكر منهم. وتوجه زعماء الحويون بنداء إلى قومهم يدعونهم فيه إلى قبول بني يعقوب بينهم والاتجار والتزاوج معهم واستغل الإسرائيليون الختان وهجموا على الحويين وغلبوهم كما ذكر التوراة سفر التكوين الإصحاح الرابع والثلاثين. غير أن كل ما فعله الحويون لكسب ود الإسرائليين، وكل ما قدموه من تنازلات، لم يمنع هؤلاء النازحين الجدد من نهب أراضيهم وسلب أغنامهم وأبقارهم وسبي نسائهم واختطاف أولادهم، كما ورد في سفر التكوين.   المراجع: –         أحمد سوسة: العرب واليهود في التاريخ، بغداد 1972. –         ٍٍSpeiser, E.A.: Annual of the American School of Oriental Research (AASOR) 13, 1933.