الحمائم والصقور

يستخدم هذان الاصطلاحان في (إسرائيل) عادة لتصنيف الساسة الإسرائيليين حسب مواقفهم من الصراع العربي – الإسرائيلي. فغلاة المتطرفين الصهيونيين، دعاة التوسع العدواني السافر على الأراضي والحقوق العربية، يوصفون بأنهم “صقور”. وأما الأقل تطرقاً الذين يموهون نزعاتهم العدوانية بطروحات تبدو معتدلة، وإن كانت لا تختلف في الجوهر عن مطامع غلاة المتطرفين، فيطلق عليهم “الحمائم”. وأول من استخدم هاتين الصفتين الصحفيان الأمريكيان ستيوارت أولسوب وشارل بارتل أثناء أزمة الصواريخ في كوبا عام 1962 للتمييز بين مواقف الساسة الأمريكيين المتشددة والمتساهلة مع الاتحاد السوفييتي. وتكرر استعمال الاصطلاحين في الكتابات السياسية الأمريكية أثناء حرب فيتنام، فالحمائم هم الذين طالبوا بخروج الولايات المتحدة من الحرب، والصقور هم من دعوا إلى متابعة الحرب. وبعد عدوان الخامس من حزيران عام 1967 استخدم هذان الاصطلاحان للتمييز بين مواقف الساسة الإسرائيليين، وخاصة في حزب العمل* الحاكم آنذاك، من موضوع التسوية. على أن التقسيم إلى حمائم وصقور أمر نسبي. فالنقاش بين الطرفين كان ولا يزال يدور في إطار سياسة العدوان والتوسع. وليس الفرق بينهما جوهرياً، بل يدور معظم الأحيان حول صيغ مطاطة تحمل جميعها مدلولات توسعية، وتتعلق بمدى وأسلوب تحقيق الاستراتيجية الصهيونية العدوانية. ولا يتغذى الخلاف التكتيك لتنفيذ هذه الاستراتيجية. فالصقور اعتقدوا أن تصلبهم هو الذي يصون الموقف الإسرائيلي من التآكل ويساعد (إسرائيل) على الصمود أمام الضغوط الخارجية. على حين يرى الحمائم أن مواقفهم تخدم (إسرائيل) دعائياً وإعلامياً تجاه الخارج. ولذلك تبنوا مواقف تفاوضية تشكل غطاء دعائياً وإعلامياً للاستراتيجية الأساسية. وقد روعي في صياغة مواقف الحمائم أن يكون هذا الموقف مقبولاً لدى غالبية الإسرائيليين المتشبعين بالأفكار والأكاذيب الصهيونية، ومبرراً لدى أصدقاء (إسرائيل) في الخارج، إن لم يكن قبوله من الجانب العربي. ويستهدف إظهار (إسرائيل) بمظهر “الدولة” الساعية إلى السلام لتحسين موقفها دعائياً، وتحميل العرب مسؤولية استمرار التوتر، وإبهام الإسرائيليين بأن حكوماتهم تفعل ما في وسعها من أجل “السلام”، ولا تتحمل مسؤولية الحرب إذا ما نشبت. وفي حين يدعو الصقور إلى اعتبار الواقع الناجم عن عدوان الخامس من حزيران واقعاً ثابتاً يجب تكريمه بشكل مكشوف، ويتصرفون على أساس أنهم الحكومة الدائمة للمناطق المحتلة، يدعو الحمائم إلى التصرف عملياً على أساس أن الاحتلال دائم فعلاً، ولكن مع الإعلان بأن هذا الوضع هو وضع مؤقت. ولذلك ليس هناك فرق كبير بين الجانبين إزاء سياسة ايجاد أمر واقع جديد في المناطق المحتلة، كإقامة المستعمرات، ودمج المناطق المحتلة اقتصادياً (بإسرائيل)، وتصفية وضع اللاجئين، وغير ذلك. يدعو الصقور علناً إلى ضم جميع المناطق المحتلة إلى (إسرائيل)، وأما الحمائم فلا يعارضون ذلك زهداً في التوسع وإنما لقلقهم على الطابع الديموغرافي (لإسرائيل)، إذ يخشون أن تتحول إلى دولة ثنائية القومية. ولذلك يدعو الحمائم، تحت شعار ضمان “حدود آمنة”* للكيان الصهيوني، إلى “تعديل الحدود” وضم المناطق التي ليس فيها كثافة سكانية عربية. والخلاصة أن الحمائم والصقور في الكيان الصهيوني ينطلقون جمعيعاً في مواقفهم من مصدر الفكر التوسعي الاستعماري العدواني العنصري الصهيوني. والخلاف بينهم خلاف شكلي هو في النهاية خلاف بين متطرفين وأشد تطرفاً.