الحكم المصري (1831 – 1840م)

دخلت فلسطين، مع بلاد الشام كلها، في حكم محمد علي باشا (1184 – 1265هـ/ 1769 – 1849م) والي مصر قرابة عشر سنوات بين تشرين الثاني سنة 1831م ونهاية سنة 1840م، وذلك نتيجة حملة عسكرية قامت بها جيوش محمد علي بقيادة ابنه إبراهيم باشا (1204 – 1264هـ/ 1790 – 1848م) واكتسحت فيها قوى السلطان العثماني محمود الثاني حتى مشارف الآستانة. كان دخول محمد علي إلى فلسطين والشام آخر عمل عسكري من أعماله، كما كان أكبرها وأهمها من الناحيتين المحلية والدولية. فبعد أن حاربت جيوشه في نجد والسودان واليونان عشرين سنة في خدمة السلطان، أو ضمن الإطار العثماني، جاءت هذه الحروب الأخيرة على السلطان لتكوين مملكة من المناطق العربية. وإذا كانت حروب محمد علي الأولى لم تثر إلا تعقيدات دولية يسيرة فإن دخوله الشام وعبوره الأناضول ووصوله حتى آضنه مهدداً القسطنطينية أثار أزمة دولية شغلت الدولة العثمانية والدول الأوروبية أكثر من عشر سنوات، وتركت أثرها البعيد في تاريخ المنطقة كلها، وكانت فصلاً من أخطر الفصول في تاريخ المسألة الشرقية، عرف “بالمسألة السورية”. وأطماع محمد علي في الشام قديمة عرفت عنه منذ سنة 1811م. وقد كان يقدم الخدمات العسكرية للسلطان في نجد واليونان وهو يطمع أن ينال مقابلها حكم الشام. كما كان يتدخل في العلاقات بين ولاة الشام، ويقبل لجوء بعضهم إليه. ويعمل على الوساطة لهم عند السلطان وهو يحتضن هذا الأمل. لأن بلاد فلسطين، والشام من ورائها، تتيح له التوسع الجغرافي والاستراتيجي.فهي من أغنى أقاليم السلطة، تقدم له الأخشاب للأسطول، وتمكنه من استغلال الحرير والقمح* والقطن والصوف والكتان والتبغ والزيت، بالإضافة إلى تأمين حدوده عبر سيناء، وتوسيع مكانه التجاري، وإمداده بالجنود. وكانت قوة محمد علي في مصر، بعد استنجاد السلطان بها وإخبارها الناجح في نجد واليونان، تشجعه على منافسة السلطان والحصول على ما غدا يعتبره من حقه ومن مكفأته المشروعة على خدماته وخسائره في الحرب. وقد أيقن أن قوته سوف تتضاعف بإدخال الشام في حكمه. وأن السلطان الضعيف سوف يخضع في نهاية للأمر الواقع. فليس ثمة إذن من مجازفة كبيرة في مجابهة الباب العالي بالقوة، وامتلاك الشام بالاحتلال الواقعي، مع تعدد ولاة العثمانيين وتنافسهم، وقلة قواتهم، وضيق الشعب بهم ويتطالبهم.ورأى محمد علي أنه يستطيع، في أسوأ الأحوال، امتلاك عكا على الأقل، وتأمين حدوده الشرقية، وإبعاد تهديدات الباب العالي عن مصر، والخلاص من عدوان البدو على طريق التجارة في سيناء، وضمان عدم لجوء الهاربين من الجندية إلى بر الشام. ويبدو أن مشروعه الحربي في البدء لم يكن يجرؤ هذا المدى، إذ لم يكن بالإمكان تكوين مملكة أوسع، أو مملكة واحدة من الأراضي التي يتكلم أهلها العربية تعدل في المساحة أراضي السلطة وتستطيع بقواتها الذاتية في أي وقت الاستقلال عن السلطان. وفي الوقت نفسه كانت الأوضاع الدولية من جهة، والظروف الصعبة للدولة العثمانية من جهة أخرى، وتكامل قوي مصر من جهة ثالثة، تعطي محمد علي الفرصة الذهبية المناسبة تماماً للتحرك العسكري وتحقيق أحلامه. فالدول الأوروبية منشغلة بأزاماتها من الإصلاح الداخلي في إنكلترا إلى ثورة سنة 1830م في فرنسا وغزوها الجزائر إلى انشغال النمسا بالتحرك الثوري في بولونيا. والمنظمة العثمانية من ناحيتها تمر بفترة صعبة من الضعف بعد تدمير الانكشارية سنة 1826 م وتحطيم الأسطول العثماني في نافارين سنة 1837م ثم الهزيمة أمام روسيا، وانسلاخ اليونان سنة 1828، ومعاهدة أدرنة سنة 1829، بالإضافة إلى تردي سمعة السلطان محمود الثاني بسبب “تفرنجه” ومحاولاته الإصلاح المظهري، وتدهور أموره في العراق والشام. وأما محمد علي فكان قد أعاد بناء أسطوله، ونال سنة 1830 محصولاً طبياً من القطن والحبوب، وكان فيضان النيل سنة 1831 بعد بمحصول وافر، وكانت المعامل الحربية تعمل بأقصى إنتاجها، والجيش قد استعاد قوته وتنظيمه. ولمحمد علي حليف قوي، هو الأمير بشير بن قاسم الشهابي* الثاني صاحب لبنان.يمكن أن يكون مع الجيش المصري كماشة تسحق عبد الله باشا* الخازندار (الجزار الثاني) أقوى ولاة الشام، وكان يوقع باسم “أمير الحاج السيد عبد الله والي الشام وصيدا وطرابلس ومتصرف ألوية غزة وحيفا وجنين ونابلس وسنجق القدس الشريف حالاً” لأنها كانت جميعاً في حكمه. وكان محمد علي على اطلاع مستمر على أوضاع بر الشام وما حوله. وما من شك في أنه كان يراقب بارتياح تردي الأمور فيه فإذا كان البدو يغيرون على أطرافه، وداود باشا والي بغداد المملوكي يتمرد على السلطة (1829 – 1830)، فإن حلب قد ذبحت بالثورة والحضار وضريبة الدور أربعة أشهر (1820)، والعامة في لبنان قد ثاروا تلك السنة (العامة الأولى)، والولاة اقتتلوا حول دمشق ثم حاصروا عكا تسعة أشهر سنة 1822، ثم ثار الجبلاطيون سنة 1825، واقتتلت في الوقت نفسه الزعامات النابلسية في قضايا الضرائب والولاء، وامتنعت القدس* وبيت لحم* عن دفع الضرائب*. ومع اقتراب العزم على الحملة المصرية كانت الأوضاع تزداد سوءاً، وقامت ثورة في فلسطين وما وراءها، بالرغم من جبروت عبدالله باشا الجزار، وبسبب هذا الجبروت. فالمتسلمون في غزة* كان كل همهم جمع المال بكل وسيلة، والملتزمون للميري كانوا كالطرقة الثقيلة على رؤوس أهالي غزة، والبدو في الأطراف ينبهون كل عام من ثورة غزة ما يزيد على 10 آلاف كيس (أي 200 ألف ليرة ذهبية) دون أن يردعهم أحد. وكان الناس يتسامعون بقرب مجيء محمد علي وينتظرون الفرج. ولعلهم بهذا الأمل، أو بتحريض من مصر، اتفقوا أخيراً مع بدو التياها والترابين، وطردوا، بزعامة مصطفى الكاشف. وكيل الجمرك، وأعلنوا العصيان. وكتب الجزار اليهم يطلب تسليم الثائر ويهدد بالويل وإباحة الدماء والأغراض والأموال، ولكنه لم يتمكن من تنفيذ وعيده لأن الجند المصري سبقه إلى غزة. وأما القدس فكانت قد خرجت من مظالم محمد باشا أبو المرق لتدخل في مظالم الجزار ومتسليمه. وأما نابلس* فكانت خارجة من تمرد استمر عدة أشهر سنة 1830 سببه أن هذه المدينة كانت تتبع والي دمشق وقد أعياه تحصيل ضرائبها (600 كيس = 12 ألف ليرة ذهبية) فتعهد الجزار للسلطة بدفع ألفي كيس عنها (40 ألف ليرة ذهبية) وضمنت إليه، فامتنع زعماء نابلس والأهلون عن دفع الضريبة الباهظة، وجرد عليهم الجزار حملة نكيت بعض زعمائهم، كما ألجأت جماعة ثالثة إلى الثورة والاعتصام بقلعة صانور حتى استعان الجزار عليهم بالأمير بشير الشهابي. واستسلمت القلعة لتدمير تدميراً كاملاً، مما دفع الزعماء إلى التعاون مع الحكم المصري القادم. وهكذا كانت جميع الظروف تزين المغامرة لمحمد علي. ولم يكن بعجزه إيجاد الذريعة للتحرك العسكري إلى فلسطين محاربة والي عكا الكبير الذي كان يرى فيه المنافس. كما كان الجزار بدوره يخافه ويستجيب لتحريض السلطة في الوقوف سداً في وجهه. ومن هنا جاء عاد عبد الله باشا ومماطلته في تسديد ديون محمد علي عليه، وقبوله لجوء الفلاحين المصريين الهاربين من الجندية، وعددهم ستة آلاف، بدعوى أنهم عثمانيون لهم أن يعيشوا في أية أرض عثمانية. وهذه هي، بجانب أمور أخرى، الذرائع المباشرة التي تذرع بها محمد علي لشن الحرب. وكان شن الحملات العسكرية بين ولاة الدولة العثمانية أمراً مألوفاً، لذلك لم يقلق الباب العالي كثيراً منها في الأسابيع الأولى، كما لم يجد محمد علي صعوبة أو تناقضاً في أن يعلن عند سير الحملة أنه يحارب عبد الله باشا فقط ويؤدبه، وأنه على الولاء للسلطان. وحين تحركت الحملة كان محمد علي واثقاً من أنها لن تجد في وجهها سوى جنود عبد الله باشا المكروهة، وأن فلسطين على الأقل سوف تكون المكافأة لهذه النزهة العسكرية. تحركت جيوش محمد علي إبراهيم باشا من مصر في البر والبحر في 29/10/1831. وقد تألفت في البداية من حوالي 28 ألف جندي تساندهم مدفعية الميدان والحصار وقطع الأسطول البحري. والقوة الأولى التي اخترقت سيناء توجهت إلى العريش فخان يونس* فغزة. ولم تجد أي صعوبة في احتلال هذه المدينة التي كانت قلعتها مهدمة منذ حملة نابليون قبل ثلث قرن (رَ:الحملة الفرنسية). وكانت قوى الجزار فيها قد هربت فتابع الجيش المصري مسيره على الساحل إلى يافا* ودخلها يوم 8/11/1831، ووافاه هناك بالأسطول إبراهيم باشا مع أركان حربه، ثم غادرها إلى حيفا* (13 تشرين الثاني) التي اتخذت قاعدة للتحركات العسكرية وللذخائر والمؤونة. وبدأ على الفور حصار عكا* المجاورة من البر والبحر يوم 26/11/1831، وكان الجزار قد اعتصم فيها وتحصن. وتلكأ الأمير بشير الشهابي صاحب لبنان في التعاون الفوري مع الحملة العسكرية المصرية وتردد في اتخاذ الموقف الحاسم. وكتب إليه إبراهيم باشا بعد أن وصل إلى حيفا (18 تشرين الثاني) يبلغه ما تم ويدعوه إليه. فجاء الجواب أن تدبير بعض الأمور يوجب تأخره، ومطلب مرسوماً باستدعائه، مما أغضب محمد علي ودفعه حتى إلى تهديده. ولكن ما إن استكمل إبراهيم باشا حصار عكا وبدأ بضربها في 8/12/1831 حتى كان الأمير بشير ينزل معسكره في اليوم التالي، ويصبح مستشاره الأول في الإدارة والحرب. خلال هذه الفترة كان زعماء المناطق الفلسطينية قد قدموا الولاء لإبراهيم باشا وهو في حيفا، وكانت كتائب من الجيش المصري قد أوغلت في المناطق الجبلية إلى نابلس والقدس والخليل* واحتلت الداخل الفلسطيني كله بعد احتلال الساحل. وصدرت الأوامر بتعيين المتسلمين فيها. وأعلن في القدس رفع العوائد التي كانت تفرض بشكل تعسفي على غير المسلمين، مما أكسب الفتح تأييد الطوائف في فلسطين وتأييد البطريرك الماروني. ورأى إبراهيم باشا والأمير بشير ضرورة احتلال الساحل اللبناني كسباً للزمن ومنعاً لنجدة عكا، فسارت بعض  الفرق فأخذت صور وصيدا وبيروت. ولما عجزت  عن أخذ طرابلس لحق بها إبراهيم باشا فاحتلتها. غير أن حصار عكا عدة أشهر أقلق محمد علي كل القلق. فهو لم يحرمه فقط من فرض الأمر الواقع، بل سمح للباب العالي أن يثق بقوة الجزار على الصمود، وأثار في نفس محمد على ذكرى هزيمة نابليون أمام هذه المدينة وما نجم عن ذلك من خذلان.ولهذا توالت أوامره بضرورة فتحها لأسباب عسكرية وسياسية ونفسية. وكان إبراهيم باشا يطمئن والده – كما تذكر الوثائق – لأنه كان يدرك على ما يبدو اختلاف موقفه عن موقف نابليون، فلديه أسطول فعال ولا يلاقي معارضة الأسطول الإنكليزي مثله، بالإضافة إلى تقبل السكان له دون مقاومة أو رفض. كانت المصاعب المحلية الأولى التي لقيها حين أعلن الأمير بشير انحيازه إلى الفاتحين. وأعلن الموارنة ذلك، فانحاز الجنبلاطيون أعداء الأمير بشير إلى الجانب العثماني، ومعهم زعماء الدروز والآخرون، وهربوا إلى حمص وحماة يحرضون على القتال، مما دعا إبراهيم باشا إلى اتخاذ أول إجراء زجري في البلاد، إذ ذهب إلى دير القمر وأخذ من كل أسرة درزية رهينتين. ويبدو أن الباب العالي، رغم قلقه المتزايد من التوسع المصري، كان يحسب في البدء أنه تحرك عسكري موقت ومحدود، أو إنه لن يجاور عكا، ولن ينتهي بأكثر من التخلص من الجزار. ولذلك اتسم رد الفعل العثماني الأول بالبطء، إذ أرسل الباب العالي موفداً إلى محمد علي يطلب منه الكف عن القتال فلم يفز منه بغير المطاولة. ثم كلف السلطان والي طرابلس أن يتولى المقاومة. فلما انهزم في واقعة الزراعة، جنوبي حمص (14/4/1832)، أدرك الباب العالي أبعاد الموقف، وحاول أن يستغل مكانه الديني، وصمود عكا والجزار في وقت واحد، فأعلن عصيان محمد علي ضد ولي النعم في 23/4/1831 وأصدر في حقه الفتاوى الدينية، وجرده مع ابنه إبراهيم من رتبة الوزارة (الولاية)، وأباح دماءهما، ودعا الدول الأوروبية إلى قطع علاقاتها مع محمد علي، وأصدر الأوامر لإعداد القوى العسكرية البحرية والبرية للمسير إلى الشام الذي أفزعته واقعة الزراعة. لكن الأمور كانت قد تطورت تطوراً آخر بما لا يشتهي السلطان. فقد سقطت عكا في 27/5/1832 بعد ستة أشهر من الحصار، وأسر عبد الله باشا وأرسل إلى مصر حيث قوبل بالحفاوة. وبلغ من ابتهاج محمد علي بالنصر أن أمر بالزينة ثلاثة أيام. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع سقطت دمشق (26 حزيران). ثم هزمت الجيوش العثمانية التي اجتمعت عند حمص (8 تموز) هزيمة ساحقة ردتها إلى أقصى شمال سورية.ثم هزمت عند مضيق بيلان (30 تموز)، وصار الشام كله بيد محمد علي الذي عادت جيوشه فهرمت جيوش السلطان في واقعة قونية يوم 21/11/1832، وثارت بذلك أزمة دولية خطيرة انتهت بصلح كوتاهية (8/4 ثم 6/5/1832) الذي أعطى محمد علي ولاية فلسطين والشام كله مع ولاية أضنة مدى الحياة. بالإضافة إلى ما كان سابقا نجد والحجاز ومصر والسودان وكريت. على أن هذه الحرب والصلح الذي أعقبها أدخلا تعقيداً جديداً على ما كان يسمى المسألة الشرقية عرف بالمسألة السورية. فإذا كان الفتح المصري قد أرضى فرنسا التي كانت تقف وراء محمد علي، وتؤيده بالخبراء والدعم، وتحاول الاستفادة من هذا الفتح في إقامة قواعد مستقرة لنفوذها القديم لدى الطوائف المسيحية في فلسطين ولبنان، فإنه في النهاية أخافها من تدخل روسيا حامية الدولة العثمانية، فعملت على كبح مطامع محمد علي وتحويله إلى الصلح والمسألة. أما إنكلترا فوجدت في اتساع دولة محمد علي وزيادة أراضيه وقوته على الجبهة البرية المطلة على البحر المـتوسط والـخليج العربي تهديداً خطيراً لطريق الهند وعلاقاتها الاستعمارية. كما أن روسيا التي خشيت حلول محمد علي محل السلطة الضعيفة في القسطنطينية أسرعت تضع المضائق والسلطة تحت حمايتها بمعاهدة خنكار اسكله سي بتاريخ 8/7/1833 التي فرضتها فرضاً على السلطان. بينما قلقت النمسا من انتصارات محمد علي، ومن انفراد روسيا بحماية السلطة على السواء. في هذه السنوات من حكم محمد علي في فلسطين والشام بدأت بريطانيا تربط مصالحها مع اليهود وتستخدمهم للاستيطان في فلسطين وذلك ضمن الخطط التي بدأت وضعها وتطبيقها لتمزيق المنطقة الشامية وإيجاد الركائز العربية فيها.وقد استغلت قنصليتها وممثليها القنصليين لبث الدسائس على محمد علي، وافتتحت في القدس سنة 1838 قنصلية (كانت أول قنصلية أجنبية فيها) للغرض نفسه، وجعلت من عمل قنصلها المقيم هناك (يونغ 1838 – 1845م) رعاية المصالح البريطانية والأمريكية واليهودية.وأرسلت عدداً من عملائها من كبار ضباط التجسس لإقامة الركائز والعلاقات مع الأقليات السكانية. وكان من أهم هؤلاء العملاء فيما يتعلق بفلسطين الكولونيل جولر الذي تخصص بالعمل مع رؤوس الجماعة اليهودية في بريطانيا وفي الشام لكسب تأييدها لمشروع هجرة اليهود إلى فلسطين، لأن من شأن هذه الهجرة إيجاد مجموعة سكانية غريبة فيها تستطيع بريطانيا الاعتماد على ولائها في هذه البقعة الاستراتيجية على طريق الهند. وقد تعاون جولر مع يهودي بريطاني من الأثرياء البارزين في تلك الفترة كان يحمل الفكرة نفسها، وهو موشيه مونتفيوري رئيس المجلس اليهودي البريطاني الذي زار فلسطين سبع مرات، منذ سنة 1835، دارساً أوضاعها وثرواتها، وافتتح أول مدرسة لليهود فيها. ويبدو أنه دفع بعض اليهود في القدس إلى طلب السماح لهم بشراء الأراضي الزراعية. فقد تقدم وكيل طائفة السكناج (الغريبين) في تلك الفترة إلى “مجلس المشورة” المحلي في القدس طالباً الترخيص لهم “بمشترى الأملاك والأراضي للزراعة وتعاطي الحرث والزرع وبيع الأغنام والأبقار وتعاطي مصابن ومعاصر بناء يدفعوا المرتب للميري مثل الرعايا…” فرفض المجلس ذلك وجاء كتاب محمد علي في 30/4/1837 بالموافقة على المنع. وتقدم مونتفيوري بمشروع آخر قصد فيه، كما كتب في مذكراته بتاريخ 24/5/1837، إلى دعوة اليهود من أوروبا وأمريكا وجنوب إفريقيا للإقامة بتلك “القرى” من فلسطين. وقدم مونتفيوري مشروعه حين زار فلسطين سنة 1839 إلى إبراهيم باشا وصرح قائلاً: “إنه سوف يتمنى على محمد علي ويتوسل إليه أن يؤجر لنا مائة أو مائتي قرية لمدة خمسين سنة. وحين أعود لإنكلترا لن أتردد في إنشاء شركة لتحسين تلك الأراضي وتشجيع إخواننا في أوروبا على العودة إلى فلسطين”. ويبدو أن مشروع مونتفيوري لم يكن يهودياً فقط، بل كان إنكليزياً أيضاً. فقد قدمت مذكرة به إلى مؤتمر لندن سنة 1840، كما كتب به بالمرستون وزير الخارجية إلى السفير البريطاني في القسطنطينية. وصدر مرسوم عثماني فيما بعد (1849م) يسمح لمونتفيوري بشراء الأرض التي قام عليها حي مونتفيوري بالقدس.ولكن المشروع المقدم الى ابراهيم باشا ومحمد علي سنة 1839 رفض. على أن اليهود لم يكونوا بالنسبة إلى إنكلترا في تلك الفترة سوى إحدى أوراق اللعبة السياسية. وكان الهم الأساسي لها هو إضعاف محمد علي، وإبقاء فلسطين والشام في يد “الرجل المريض”، والقدرة الدائمة على التدخل في البلاد بالعملية الطائفية. وبالرغم من أن السلطة العثمانية هزمت مرة أخرى أمام جيوش محمد علي في معركة نصيبين يوم 24/6/1839 فقد استطاعت السياسة الإنكليزية الوصول مع المطامع الدولية إلى موقف مشترك يحرم محمد علي ثمرة النصر، ويجعل كلمتها هي الأساسية في “المسألة السورية”. وقدمت إنكلترا والنمسا وروسيا وبروسيا وفرنسا مذكرة إلى الباب العالي في 27/7/1839 تطلب فيها ألا يبرم أمر في المسألة إلا بإطلاع واتفاق الدول. وقد حاول بالمرستون بعد هذه الخطوة تقديم حل يعطي محمد علي حكم فلسطين (دون مدينة عكا) مع مصر. فرفضت فرنسا هذا الحل، مما أدى إلى أن تعقد إنكلترا مع الدول الباقية مؤتمر لندن الأول في 15/7/1840 الذي تبنى الفكرة نفسها مع إضافة عكا إلى الصفقة، وأن يكون حكم مصر وراثياً لمحمد علي، وحكم فلسطين مدى الحياة. بشرط أن يقبل ذلك خلال عشرة أيام، ويتخلى فوراً عن كل ما تحت بدء غير ذلك. فإن رفض حرم من ولاية فلسطين (عكا)، وأعطي مهلة عشرة أيام أخرى لقيول حكم مصر الوراثي فقط، على أن يظل تابعاً للسلطان ويجبي الضرائب باسمه. فإن رفض الانذار تصرفت الدول بما تراه. وتتعهد إنكلترا والنمسا بقطع المواصلات بين الشام ومصر بكل الوسائل. وقد رفض محمد علي الانذار. ولكن فرنسا تخلت عن تأييده في اللحظات الحرجة، واستطاعت الدسائس أن تثير الثورات في طول الشام وعرضه، في الوقت الذي كانت فيه قوى الأسطول الإنكليزي مع العثماني والنمسوي تحتل مدن لبنان الساحلية، ثم حيفا، وتضرب عكا بحراً وتحتلها في 4/11/1840. وتوغلت في البلاد وحدة إنكليزية احتلت القدس، واستسلمت بيافا ونابلس، وانتشرت في أنحاء لبنان والجليل ونابلس والخليل انتفاضات ضد المصريين استحوذت على معظم المناطق الفلسطينية وعلى البقاع ولبنان، وأصبحت مقاومة القوى المصرية بعد كل ذلك دون جدوى. وقد واجه محمد علي، وابنه إبراهيم، في بلاد الشام أوضاعاً ومشكلات تختلف عما عرفاه في مصر، وأهمها: 1) وجود بنى اجتماعية – اقتصادية ذات قوى مستقرة وزعامات محلية تقتسم السلطة في البلاد، وتستند من جهة إلى كتل أسرية أو قبلية واسعة، ومن جهة أخرى إلى مصالح مادية ليس من السهل أن تتخلى عنها (التزام الضرائب، إتاوات الطرق، اقطاعات زراعية، قيادات عسكرية…). وكانت لبعضها صفة شرعية بمراسيم سلطانية. ومن هذه الزعامات: آل رضوان* في غزة، وآل أبي غوش ما بين القدس ويافا، وآل عمرو في جبال الخليل، وآل عبد الهادي والطوقان والجرار والقاسم في نابلس. 2) وجود السلاح بكثرة في أيدي الناس نتيجة الاضطراب الأمن المتمادي عدة قرون، ولحاجات الدفاع الجماعي والفردي المستمرة، حتى غدت حيازة السلاح تقليداً اجتماعياً مستقراً، ومجال اعتزاز من جهة، وقوة وعدوان من جهة أخرى. 3) تمرد البدو الدائم وعدوانهم على الريف، سواء في ذلك بدو سيناء كالتياها والترابين والجبارات حول غزة، والتعامرة حول مصلحة الخليل والجماعات البدوية شبه المستقرة في الداخل (رَ: البداوة والاستقرار). 4) استقرار نظام الإدارة العثماني على أساس الالتزام بالضرائب والارتزاق في التجنيد، وقيام مصالح طبقية سياسية ومالية على ذلك النظام. 5) التدهور الاقتصادي (الزراعي – التجاري ) الناجم عن سوء علاقات الإنتاج، وعن الابتزاز الضريبي والاقطاعي وعدوان البدو وجماعات الجند والملتزمين وتحديد التجارة الخارجية في مرافىء معينة. يضاف إلى هذا كله أن الشام كانت في أجوائها العامة تمر بمرحلة انتقالية تتسم بالحذر والتخوف نتيجة صدمة التحديث التي كانت تهب عليها بقوة، سواء من الشمال، من قبل السلطان محمود الثاني الذي سحق الانكشارية و”فرنج الملابس” وحاول تنظيم الإدارة، أو من الشرق بإصلاحات داود باشا في بغداد، أو من الجنوب بأعمال محمد علي.وهكذا، وبالرغم من أن بعض القطاعات في فلسطين والشام (كالجماعات المتنورة، والطوائف غير الإسلامية، وجماهير الطبقات المسحوقة من الفلاحين والحرفيين الذين يأملون الخير بتغير الدول) قد رحبت بالحكم المصري الجديد، فإن القطاعات الأخرى التي تؤلف مراكـز القوى الحقيقية في البلاد (كالزعامات المحلية، وجمهور الوظائف والمصالح المادية أو التزمت الديني، أو البدو)، كانت تنشر جو الريبة في إبراهيم باشا، وتكون بؤر الرفض والمقاومة لحكمه. ولهذا يجد الباحثون بين الوثائق المعاصرة ما يشير إلى أن الفتح المصري قد قوبل بالترحاب بوصفه المنقذ من سوء الحكم العثماني. كما يجدون في الوقت نفسه في رسائل إبراهيم باشا إلى أبيه ما يشير إلى أن سكان فلسطين والشام وأضنة قد قبلوا بحكمه على مضض، وما يفصح عن شكواه أكثر من مرة خلال انشغاله بحصار عكا من سكان نابلس والقدس. ويضاف إلى هذا أن زعماء الدروز (جنبلاط، العماد، نكد) هربوا شمالاً يحرضون الناس عليه، كما أن دمشق لم ترحب به مما اضطر محمد علي إلى نصيحة ابنه بألا يأخذها بالشدة وأن يكتفي بتهديدها. وعلى أي حال صارت فلسطين والشام، خاصة بعد صلح كوتاهية، تابعين لمحمد علي، وصدر الفرمان السلطاني بتعيينه حاكماً عاماً عليهما. ومع أن إدارة البلاد كانت إدارة عسكرية (رَ: الإدارة) فقد كان أمام هذا القائد أن يعمل على إقامة النظام المتفق مع نظام مصر الجديد لدمج الشام مع مصر ونجد والسودان فيما يشيه المملكة العربية الواحدة التي تقابل السلطة التركية العثمانية. وأن كانت تابعة لها. وكان هذا الوضع الجديد أشبه بإحياء السلطة المملوكية القديمة التي كان العثمانيون قد ابتلعوها قبل ثلاثة قرون ونيف، ولكن بمفهوم عصري حديث. ولم يكن إبراهيم ليخفي طموحه السياسي في إقامة مملكة عربية تضم الناطقين بالضاد. ولذلك بادر إلى القيام بعدد من التدابير الإدارية والسياسية والقضائية والمالية والاقتصادية التي ترمي، كما في مصر، إلى إقامة سلطة مركزية قوية في الشام توطد الأمن، وتصفي التعسف الاقطاعي والبدوي، وتنظم الإدارة المالية، وتوقف التدهور الاقتصادي، وتدخل البلاد في دورة العلم الحديث ومبادىء المساواة بين المواطنين. وعلى هذه الأسس صدر مرسوم محمد علي بتعيين حاكم إداري محام للشام هو محمد شريف باشا باسم “حكمندار عربستان”، وقسمت البلاد بين عدد من الولاة، وجعلت فلسطين مديريات يتولى كل مديرية منها “متسلم”عليه “… أن يتعاطى الأحكام والضبط والربط وتحصيل المطلوبات العائدة إلى الخزينة، وباشر راحة الرعايا وعمار القرايا (ويتحاشى ) الظلم والتعدي ويزجر المعتدين…”. وقد  “تحرر مرسوم إلى الشيخ حسين عبد الهادي بمتسلمية جنين* وإلحاق بلادها، ومرسوم إلى الشيخ محمد القاسم بمتسلمية نابلس، وتسليم مقاطعة الشعراوية لعهدة الشيخ محمد عبد الهادي، وبلاد الجماعين لعهدة يوسف القاسم، وإقليم مشاريق الجرار لعهدة عبد الله الجرار، وبلاد بني صعب العهدة يوسف وعبد الوهاب الجيوسي…”. وأقر إبراهيم باشا تعيين الزعماء الآخرين القائمين في اللد* والرملة* من آل أبي غوش، وأسعد الخضر لمتسلمية يافا، وتتألف مع كل متسلم “ديوان للمشورة” من الملاكين والتجار ورجال الدين وظيفة تشبه وظيفة المحاكم المدنية. ولكل مدينة قاض، وللقضايا الكبرى محكمة من قاض وعضوين. وأما السلطة القضائية العليا فهي في يد إبراهيم باشا الذي يصدر الأحكام في القضايا الجنائية والسياسية (رَ: القضاء).وقد نظم البريد* بينه وبين القاهرة للاتصال الدائم بالقلم الخاص “بمصالح بر الشام” عند أبيه. وبالرغم من أن إبراهيم باشا استخدم معظم المتنفذين القدامى في إدارة البلاد، فقد حاول بذلك القضاء عملياً على نفوذهم بإدخالهم ضمن النظام الإداري العام. وضمن حدوده وقيوده، كما خرب الكثير من قلاعهم. واهتم إبراهيم باشا، إلى هذا، بإصلاح نظام الضرائب (رَ: الضرائب). ولم يلغ نظام الالتزام تماماً، ولكنه عهد بالإدارة المالية إلى موظف شامي كبير هو حنا بحري، ووضع ميزانية للبلاد، وحدد كمية وأنواع الضرائب بدقة ومنع تجاوزها. وحددت الجمارك وألغي الالتزام فيها، مما سمح للقوى الاقتصادية بالاطمئنان. واهتم ابراهيم باشا بالأمن، وبخاصة في المناطق المبلوة بالغزو البدوي. ولم يكتف بقمع البدو بل أنزلهم في المناطق المهجورة للاستقرار، وشجع الفلاحين على العودة إلى أراضيهم. وقد نجم عن هذا ازدهار الأراضي الزراعية واتساعها وظهور قرى جديدة. كما نجم عنه تأمين ونشاط طرق التجارة والمرور (الترانزيت)، سواء في الداخل ومع المدن الساحلية أو على طرق القوافل الصحراوية من الشام إلى العراق وحركة البضائع الهندية والإيرانية عبر الشام إلى أوروبا. وتمت بذلك المدن وانتعشت الطبقات الحرفية والبورجوازية فيها. وأضاف إبراهيم باشا إلى ذلك محاولة دعم الإنتاج الزراعي ذي المردود الاقتصادي العالي (تربية دود القز، القنب، الكتان، الزيتون*) بالإضافة إلى استخراج بعض المعادن، وإنزال الجيش لمكافحة الجراد. وأدخل إبراهيم باشا عدداً من الإصلاحات في حقل التعليم، وإن كانت المدارس التي أنشئت قليلة العدد والتأثير، وتتجه بخاصة لخدمة الأوضاع العسكرية. ولعل من أهم أعمال إبراهيم باشا أنه حاول خلال إدارته البلاد إدخال مفهوم المساواة في المواطنة بدلاً من مفهوم التمايز الطائفي الموروث. وعمل على تضييق الفجوة بين الأكثرية المسلمة والطوائف غير المسلمة. وهكذا جرى إلغاء العوائد التعسفية، كما استخدم خبرات أبناء الطوائف على نطاق واسع، الأمر الذي نجم عنه انتعاش هذه الجماعات وتدفق البعثات التبشيرية والقنصليات الأجنبية، كما نجم عنه في الوقت نفسه بعض الانكماش والحذر لدى المسلمين. وقد استغل ذلك في النهاية للدعاية المضاد له، سواء من قبل العثمانين أو من جانب العملاء الأجانب. ولكن ما كاد إبراهيم باشا يبدأ العمل حتى فوجىء بمصاعب لم يكن ينتظرها، ولم يواجه محمد علي مثلها في مصر. ولم تأت هذه المصاعب من مشكلة الضرائب، فإن إبراهيم باشا لم يفرض ضرائب مجحفة في فلسطين والشام، ولم يلغ حتى نظام الالتزام والمتزعمين المحليين، بل طبق عليهم بالتدريج قيود الانضباط والتنظيم والتحصيل الدقيق وعدم تجاوز الضرائب المقررة. وإذا كان قد أوجد ضريبة جديدة هي ضريبة “الفردة”، أي فرض مبلغ سنوي يراوح بين 15 و50 قرشاً على كل فرد، فإن الضرائب الأخرى كانت مألوفة، كضريبة الشونة (ما يقدمه الأهالي للجيش المرابط عندهم) والدخولية (مرور البضائع إلى المدينة) والتسريح (على انتقال الحاصلات الزراعية) والطاحون (على الحبوب) والمواشي.خرىأ أخهماأعمالأعماأكدت                    كدتأ.. على أن ما أثار الاستياء، ثم النقمة فالثورة، هو التدابير الأخرى المتصلة بالأمن وبالحاجات العسكرية التي لم يكن أهل فلسطين والشام على استعداد لتقبلها، ومنها: 1) مصادرة المؤن لتموين الجيش، أو شراؤها غصباً بأسعار متدنية. 2) مصادرة حيوانات النقل، وهي أساسية في حياة الفلاح لنقله وحمل إنتاجه وعمله الزراعي. 3) سوق الناس لإقامة التحصينات العسكرية بالسخرة أو بالأجور التافهة. 4) نزع السلاح من الأهلين. 5) التجنيد الإجباري. وقد كان ممكناً أن يتحمل الناس التدابير الأولى. وأما الأمران الأخيران فكانا أقسى ما صدم الأهلين من النظام الجديد. لأنهم تعودوا، لعدة قرون، وبسبب غياب الأمن الحكومي. أن ينظروا إلى السلاح في أيديهم على أنه الأمان الوحيد والضمانة. فلما أضاف إبراهيم باشا إلى ذلك أمر أبيه بإعلان التجنيد الإجباري في البلاد سنة 1834 بسبب حاجته إلى الجند بلغ التذمر أوجه. فصدر أمر إبراهيم باشا في 25/4/1834 بطلب ثلاثة آلاف مجند من كل من أقضية القدس ونابلس والخليل دون تحديد مدة معينة للتجنيد. وإذا كان قد سبق تطبيق ذلك في مصر دون صعوبة كبيرة، فإن فرضه في الشام مع جمع السلاح والتدابير الأخرى كان يقتضي الصدام لا مع عواطف الأهلين وحسب، بل ومع سلاحهم أيضاً. وبالرغم من أن إبراهيم باشا استخدم أفراد الأسر البارزة وأبناء المتزعمين والمشايخ والملتزمين الأقوياء موظفين وقادة في الجيش لتدبير أمر الفلاحين، فإنه في الوقت نفسه أثار نقمتهم بحرمانهم من العوائد المالية التي اعتادوها، ومن النفوذ الذي كان يمارسوه. وكانت جذور هذه الجماعات التقليدية المتسلطة، مثل أسرة أبي غوش في جبال القدس، وآل الماضي في اجزم، والطوقان والقاسم والجرار في جبل نابلس، وآل عمرو في جبل الخليل، وغيرهم، عصية على الاقتلاع السريع، وقد حاول بعضهم التمرد، كآل أبي غوش، فكانت النتيجة نفي عدد من الزعماء وأخذ بعضهم رهائن. وكان من السهل على هذه الزعامات إثارة الأتباع واللعب بمشاعر الناس من خلال البنى الاجتماعية – الاقتصادية التي تستند إليها. وقد أضيف إلى ذلك كله عاملان آخران يتصل أولهما بالمشاعر الدينية. فإن تحسن أحوال الطوائف غير المسلمة في ظل ابراهيم باشا أنذر المسلمين.ومنهم الدروز،باهتزاز علاقات العيش التقليدية بين الطوائف. وثانيهما الميول العثمانية التقليدية لدى الناس. فلم يكن العثمانيون بحاجة إلى عملاء محليين يحركون النفوس على إبراهيم باشا، لأن قواعدهم القديمة المستندة إلى المشاعر الدينية والزعامات المحلية والملتزمين، وإلى البنى الاجتماعية – الاقتصادية المتضررة بالنظام الجديد، كانت معبأ وجاهزة للعمل. ولعل الإنجاز الأساسي الذي حققه زعماء النقمة أنهم أستطاعوا إلباس المشاعر الشعبية وعوامل الاستياء المختلفة اللباس الديني، وحرضوا الناس على “الكافر إبراهيم باشا”. وهكذا تفجرت الحركات الثورية في أكثر من مكان في الشام، وفي أوقات متضاربة متلاحقة، ولكنها بدأت واتخذت الشكل الجماعي العنيف في فلسطين. ففي أواسط نيسان سنة 1834 وصل إبراهيم باشا إلى القدس فجمع زعماء جبال نابلس والخليل وأبلغهم تنفيذ أوامر والده بالتجنيد. وعدم بتواطؤ قبائل الكرك على الرفض فاستدعاهم إليه وأصر على نزع السلاح والتجنيد. ولكن ما كاد إبراهيم باشا يغادر القدس إلى يافا أوائل أيار حتى وصلته الأنباء بعودة الجميع عن مواقفهم، وبهجوم الفلاحين والبدو على القوات المصرية في الكرك في منتصف أيار، وبأن حامية الخليل قد ذبحت. وكتب إليه متسلم المدينة تفاصيل المعارك الدموية التي كانت بين الجند وبين عرب التعامرة والثوار قرب بلدة سعير*. وبعد ثلاثة أيام (25 أيار) ورد من قائد القدس أن الطريق إلى يافا قد التهب من باب الواد إلى لقتا*، وتحركت الفتنة في بيت جالا* وبيت لحم، واجتمع الفلاحون الثائرون في قريتي الشيخ بدر والبيرة* وأخذوا بحصار القدس، بينما التهبت في الوقت نفسه نابلس، ووصلت الثورة حتى صفد* في الشمال وغزة في الجنوب. ولم تكن الثورات مجرد انفجار شعبي عفوي وحسب. بل اتخذت الشكل التنظيمي يتسلم الزعامات والوجاهات المحلية قيادتها. فقد عقد رجال القدس اجتماعاً حضره عدد كبير من مشايخ القرى المجاورة وقرروا إعلان الثورة في 28/4/1834. وعقد زعماء نابلس اجتماعاً مماثلاً في بيت وزن غربي نابلس واتخذوا القرار نفسه (حوالي 30 أيار). وأذاع أهل صفد بياناً (أواسط حزيران) وقعه القاضي والمفتي ونقيب الأشراف بالثورة أيضاً. وقد استطاع ثوار القدس بالتعاون مع نجدات نابلس والخليل أن يسيطروا على المدينة، وأن يحاصروا حاميتها في القلعة (8 – 14 أيار)، في حين كان قاسم الأحمد الذي هرب من معتقله في يافا يقود الثوار في نابلس مع الشيخ عيسى البرقاوي وتجتمع حولهما عدة عشرات من الألوف الثائرة. وكانت صفد تطرد اليهود منها مع أعوان الحكم المصري، والخليل في يد الثوار، وغزة في يد البدو الذين غزوها وانتشروا في مناطقها. وكانت اللد وطبرية والسلط قد التحقت بالثورة. في هذه الغمرة الثورية العارمة بعث إبراهيم باشا بطلب النجدات من دمشق وعكا وطرابلس ومصر، وقرر العودة على الفور بما لديه من القوات إلى القدس يوم 6/6/1834، واستطاع بعد ثلاثة اصطدامات عنيفة. ورغم العوائق والخسائر، دخولها في 8/6/1834. وبالرغم من أنه أعلن العفو عن الثوار ان استسلموا فإنه لم يأت أحد إلى معسكره. ومع أن إبراهيم باشا هزم الثائرين بعد ذلك في مخماس (حوالي 10 حزيران)، ثم عند بيت لحم، فإنه لم يكن من القوة بحيث ينهي أمرهم، أو يخمد الثوار الآخرين الذين غطوا فلسطين كلها، ولا سيما بعد أن سحقوا في مرج ابن عامر* (منتصف حزيران) القوة التي خفت لمعونته من دمشق. ولذلك تحصن إبراهيم باشا في قلعة القدس في انتظار النجدات من أبيه. وقد حاول ثوار نابلس بقيادة قاسم الأحمد اقتحام القدس فصدهم ثلاث مرات في لفتا،ودير مار الياس، وسلوان. ولم يجد بداً من مفاوضتهم لكسب الوقت، فألغى عنهم الفردة، وأوقف التجنيد مقابل تقديم المعونة له. ومثل الشيخ قاسم بين يدية فعين حاكماً على البلاد في 26/6/1834 وانتهى الحصار الذي امتد شهراً ونصف الشهر. بعد أيام جاءت النجدات بالبر من مصر يقودها عدد من أبرز الضباط، بينما وصل محمد علي نفسه ببعضهما على الأسطول من الإسكندرية إلى يافا. وهرع إبراهيم إلى لقاء أبيه (أول تموز)، واصطحب معه عدداً من وجهاء القدس لم يحسن محمد علي استقبالهم، بل أرسلهم إلى مصر للإقامة الجبرية. وبعد أن أعطى تعليماته، وكلف الأمير بشير الشهابي إخماد ثورة صفد، عاد إلى الإسكندرية. وانصرف ابنه إبراهيم بالقوات في 10/7/1834 من يافا إلى نابلس التي كان ثوارها، وهم العدد الأكبر والأخطر، قد نقضوا الاتفاق ومنعوا عنه مؤونة القمع المفروضة. ويذكرون أنه كان أرسل بكتاب من أبيه إلى قاسم الأحمد مع مبلغ جسيم من المال، ووعد بالإعفاء عن التجنيد وبالتسامح في الميري. وكان في الوقت نفسه يستميل آل أبي غوش، فلما استجاب هؤلاء له مقابل إطلاق زعيمهم إبراهيم أبي غوش قطع المفاوضة مع قاسم الأحمد، واستعان بخبرة آل أبي غوش في الطرق ومواقع المياه ليسير بالقوات إلى جبال نابلس (10 – 16 تموز). وقد سحق في طريقه بلدة الطيبة*، وأحرق قاقون*، وهزم جموع الثوار في معركة عند زيتا*، ثم أسرع إلى لقاء كتلتهم التي اجتمعت بقيادة قاسم الأحمد في دير الغصون* قرب طولكرم* (16 تموز). وتمكن إبراهيم من هزيمتهم هزيمة نهائية عاد بعدها إلى نابلس التي خرج أهلها يطلبون الأمان. فنول بظاهر البلد في 18/7/1834 وقتل من وقع في يده من الثوار المعروفين. وأما باقي الزعماء (الأحمد، والبرقاوي، وجرار) فقد أخذوا عائلاتهم من نابلس وهربوا إلى الخليل. وقد جرى تجريد السكان من السلاح. في الوقت نفسه كان الأمير بشير يلبي تكليف محمد علي فيسوق قواته إلى صفد. وقد تلقى قبل وصولها موفدها الشيخ صالح الترشيحي الذي قدم باسمها الطاعة. فاحتلها الأمير، وعين حاكماً لها. وقبض على 22 من وجوهها كانوا  كاتبوا ابنه بالثورة. وخضعت المناطق المجاورة، وتلقى الأمير طاعة طبرية* وقرى جبل الجليل والساحل حتى عكا، وكتب في 25/7/1834 إلى محمد علي “بانقطاع دابر الفساد ودخول الرعب إلى قلوب الجميع”. وعاد إبراهيم باشا إلى القدس يدخلها في 30 ألف جندي أقنعوا أهل المدينة أن ثورتهم انتهت فقدموا بدورهم الطاعة. وأرسل ثوار الخليل يعرضون الطاعة والأمان، فأبى إبراهيم إلا أن يسلموا زعماء الثورة أحياء. ورفض أهل الخليل هذا المطلب الصعب فتحرك بقواته إليهم في (5 آب)، والتقى بجموعهم في بيت جالا فهزمها. ثم أرسل بطلب التسليم من الخليل التي أصرت على المقاومة، فهاجم البلد الذي لم يستطع ثواره الصمود أكثر من بضع ساعات أبيحت الخليل بعدها للنهب والقتل والأسر، وخسرت ما لا يحصى من الأموال والرزق (6 آب). واعتقل إبراهيم باشا علماء الخليل ودارويشها وأبعدهم إلى مصر. وأما مشايخ نابلس فأخذوا طريقهم إلى الكرك الثائرة مع السلط في شرقي الأردن. بعد أسبوع من ذلك كان ابراهيم باشا يلحق بثورة الكرك ليسحقها، ويستولي على البلد، ويشعل في مساكنها النيران، ويقطع أشجارها، ثم يتوجه إلى السلط ويجبر السكان على طلب الأمان. وكان زعماء نابلس في ذلك الوقت يشردون في البادية للاحتماء بعشائر غزة. ولكن ملاحقة إبراهيم باشا السريعة أوقعتهم في الأسر، وأخذ قاسم الأحمد والبرقاوي إلى دمشق فقتلا فيها، وقطعت رؤوس أولادهما في عكا والقدس. لما عاد إبراهيم باشا إلى القدس في 10/9/1834 كانت الثورة قد انتهت تماماً، وكانت تدابيره القاسية قد ساقت الشباب للتجنيد في القلاع والأسطول، وكان جمع الأسلحة يتم في كل مكان. وإن خمدت ثورة فلسطين سنة 1834 فقد كلفت النظام المصري الكثير من الجهد والضحايا، كما جرأت عليه المناطق الأخرى التي ثارت في الشام بعد ذلك، وتركت ضده الكثير من الأحقاد الدموية التي سوف تتفجر في فلسطين نفسها فيما بعد. وقد دفعت البلاد ثمناً غالياً لثورتها، سواء من الدماء أو من الدمار الزراعي في الكروم والزيتون حول الخليل والقدس ونابلس. ولكن هزيمة الثائرين زعزعت بالمقابل البنى الاجتماعية – الاقتصادية التقليدية التي كان يستند إليها زعماء الثورة، وفتحت الأعين بعد ذلك لتقبل النظم والأفكار الحديثة التي أدخلتها إبراهيم باشا إلى البلاد. كانت ثورة 1834، إضافة إلى محاربة الدول الأوروبية لمحمد علي، والنظم الجديدة التي طبقها إبراهيم باشا في بلاد الشام، وضمنها فلسطين، من أسباب إجهاض المشروع المصري لإقامة مملكة عربية موحدة تواجه السلطنة العثمانية، مما فرض على محمد علي بعد عشر سنوات من الحكم المصري قبول الأمر الواقع والانسحاب من بلاد الشام. لقي إبراهيم باشا أشد المتاعب والخسائر في تنفيذ الانسحاب. وقد جمع جيشه بدمشق للانسحاب، فكان هناك سبعون ألف مقاتل، عدا عدة آلاف من الأسر والموظفين العاملين في إدارة البلاد. وقد قسمهم ثلاثة فيالق: واحد منها عبر غزة إلى العريش، والثاني سلك طريق الحج إلى معان ومنها إلى العقبة، والثالث ركب البحر من غزة. ولكن مجموع الذين خرجوا من فلسطين لم يكن أكثر من 40 ألفاً ترك آخرهم غزة في 19/2/1841. وفي كل الأحوال كانت محاولة محمد علي فتح فلسطين والشام تجديداً وتأكيداً لذلك الارتباط التاريخي المتصل في المصائر السياسية وفي التكامل الاقتصادي والثقافي بين الإقليمين المصري والشامي الذي يزيد عمره على خمسة وثلاثين قرناً كان خلالها الحكم في الإقليمين على الدوام في يد واحدة ضمن دولة مشتركة. وكانت تجربة محمد علي في الفتح أول مشروع في العصر الحديث لإنشاء مملكة واسعة في قلب الأقطار العربية. وقد تكالبت عليها القوى الاستعمارية، وبخاصة انكلترا، حتى سحقتها.   المراجع: –         أسد رستم: بشير بن السلطان والعزيز. –         أسد رستم: الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي، بيروت 1931 – 1934. –   أسد رستم وأبو شقرا: بيان وثائق الشام في عهد محمد علي الكبير في أسد رستم وثائق الشام في عهد محمد علي الكبير، بيروت 1940 – 1943. –         محمد كرد علي: خطط الشام، دمشق 1925 – 1928. –         عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي، القاهرة 1947. –         عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس، القدس 1961. –         بولس قرالي: فتوحات إبراهيم باشا في فلسطين ولبنان وسورية، (بيت شباب 1937). –         طنوس الشدياق: أخبار الأعيان في جبل لبنان، بيروت 1859. –         إسكندر ابكاريوس: المناقب الإبراهيمية والمآثر الخديوية، حمص 1910. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، بيروت 1973. –         سليمان أبو عز الدين: إبراهيم باشا في سورية، بيروت 1929. –         داود بركات: ذكرى البطل الفاتح إبراهيم باشا، مصر 1934. –         يوسف الدبس: تاريخ سورية، بيروت 1893. –         ميخائيل مشاقة: مشهد العيان بحوادث سورية ولبنان، القاهرة 1907. –         أسد رستم: ثورة 1834 ( بالإنجليزية). –         عبد الكريم رافق: العرب والعثمانيون، دمشق  1976. –         علي مبارك: الخطط  التوفيقية، القاهرة 1304 – 1306هـ. –         الموسوعة الإسلامية: مادة إبراهيم باشا.