الحدود السياسية

اكتسب اسم فلسطين صفة سياسية دولية محددة بعد الحرب العالمية الأولى إثر انهيار الدولة العثمانية وتقسيم بلاد الشام إلى مناطق تقود إنكليزية وفرنسية. أ- حدود فلسطين في اتفاقية سايكس بيكو*: تبدأ حدود فلسطين وفقاً لهذه الاتفاقية من نقطة الزيب* جنوبي رأس الناقورة على ساحل البحر المتوسط. وتتجه صوب الجنوب الشرقي تاركة منطقة منابع نهر الأردن* وبحيرة الحولة* ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. وتتجه بعد  ذلك على طول الساحل الغربي لبحيرة طبرية*، وتسير جنوباً مع الضفة الغربية لنهر الأردن حتى الساحل الشمالي الغربي للبحر الميت*. وتتجه بعدئذ نحو الجنوب الغربي في خط مستقيم لتمر بئر السبع*، وتنتهي على ساحل البحر المتوسط بين غزة* ورفح*. وأما في الغرب فيحدها البحر المتوسط. ب- حدود فلسطين في اتفاقية 23 كانون الأول 1920: نصت اتفاقية الحدود المعقودة بين إنكلترا وفرنسا في 23 كانون الأول سنة 1920 على أن يصل الحد الفاصل بين النفوذين الانكليزي والفرنسي إلى سمخ* على الشاطىء الجنوبي لبحيرة طبرية، ثم يسير وسط بحيرة طبرية متجهاً إلى مصب وادي المسعودية*. فيكون سهل البطيحة (شمالي شرق بحيرة طبرية)، وسهل النقيب* (على الساحل الشرقي لبحيرة طبرية)، والسمرا* (جنوبي شرق بحيرة طبرية) ضمن الأراضي السورية، في حين يكون مصب نهر الأردن ومخرجه من بحيرة طبرية، وكذلك سمخ، ضمن الأراضي الفلسطينية. ومن مصب وادي المسعودية في بحيرة طبرية يتجه الحد مع مجرى الوادي نحو أجزائه العليا. وبعد ذلك يسير الحد في وادي جرابا حتى منبعه، ثم يصل إلى قرية سكيك الواقعة في منتصف المسافة بين مدينة القنيطرة وقرية بانياس تقريباً. ويسير الحد بعد ذلك مع طريق القنيطرة – بانياس ضامناً بقاء هذه الطريق في المنطقة الواقعة تحت الانتداب الفرنسي حتى قرية بانياس. وبعد ذلك يتجه الحد غرباً حتى المطلة التي تبقى ضمن فلسطين. ولقد تعين الحد في هذا القطاع بطريقة تؤمن للمنطقة الواقعة تحت الانتداب الفرنسي سهولة الاتصال بين مراكزها الداخلية من جهة، وإقليمي صور وصيدا من جهة أخرى. ويتجه الحد من المطلة إلى منطقة خط تقسيم المياه بين نهري الأردن والليطاني ثم يسير متجها نحو الجنوب مع خط تقسيم المياه بين وادي فارة حوران ووادي قرقرة اللذين يبقيان في المنطقة الواقعة تحت الانتداب البريطاني، ووادي الدويلة ووادي العيون ووادي زرقا التي تبقى في منطقة الانتداب الفرنسي. ج- تعديلات على الحد السياسي الشمالي والشمالي الشرقي لفلسطين: لم ترض الصهيونية عن حدود فلسطين وفقاً لاتفاقية 23 كانون الأول 1920، ولذا قدمت انكلترا مرة ثانية بإجراء تعديل على حدود فلسطين في الشمال والشمال الشرقي لتضمن أكبر قدر من مياه نهر الأردن وروافده. وشملت التعديلات المناطق التالية: 1) شرق بحيرة الحولة: تزحزح الحد نحو الشرق داخل الأراضي السورية، وأصبح خط التسوية 180م داخل فلسطين تسهيلاً لمد قنوات الري اللازمة في المستقبل. وبمقتضى هذا التعديل فقدت سورية ثلاث قطاعات أرضية، أحدها طوله 17كم وعرضه كيلومتر واحد، والثاني طوله 5 كم وعرضه 200م، والثالث طوله 9 كم وعرضه 300م. وأصبحت هذه القطاعات جزءاً من الأراضي الفلسطينية. 2) بحيرة طبرية: حرصت إنكلترا على أن تنال فلسطين كل هذا السطح المائي العذب (بحيرة طبرية).وسمحت فرنسا بأن يسير الحد هناك على الشاطىء الشرقي لبحيرة طبرية، وقد أتاح ذلك لانكلترا امتلاك شاطىء البحيرة الشرقي تمكيناً للصهيونيين في المستقبل من رفع منسوب الماء فيها لأغراض الري وتوليد الكهرباء. يبدأ الحد بالقرب من مصب نهر الأردن في بحيرة طبرية، ويسير مع ساحل البحيرة الشرقي على بعد 10م من شط البحيرة حتى عيون مسفير الكبريتية (تخم 61)، علماً بأنه يتحرك مع مستوى الماء فيها. وبعد ذلك يتجه الحد شرقاً إلى (تخم 62) على بعد 1.200 م شرقي مسفير، ثم يواصل سيره حتى (تخم71) على شكل شريط عرضه يراوح بين 1و2 كم شرقي البحيرة. 3) وادي اليرموك الأدنى (المثلث): استطاعت إنكلترا أن تسلخ مثلث اليرموك الأدنى من سورية لحساب فلسطين لتشترك الأخيرة أيضاً في هذا الرافد المهم لنهر الأردن وتستفيد من مياهه في الري وإقامة السدود وتوليد الكهرباء. 4) منطقة المطلة: أدخلت إنكلترا منطقة المطلة الواقعة شمالي بحيرة الحولة ضمن فلسطين، وهو أمر لا يتفق مع ظروف السكان الاقتصادية والاجتماعية. وقد اشتملت تلك المنطقة على 26 قرية. ويسير الحد من بانياس إلى المطلة، وتبقى الطريق الواصلة بينما في المنطقة الواقعة تحت الانتداب الفرنسي. د- اتفاقية الحدود المعقودة في 3 شباط 1922 بين إنكلترا وفرنسا: 1) الحد الشمالي: أصبح الحد الشمالي لفلسطين عند رأس الناقورة، ويسير في خط مستقيم تقريباً نحو الشرق. ثم يتجه فجأة بزاوية حادة نحو الشمال ملتفاً حول المنابع العليا لنهر الأردن ومحاولاً اللحاق بها ليضمها إلى فلسطين في صورة مستطيل ضيق يمتد بين سورية شرقا ولبنان غرباً لمسافة تراوح بين 20 و25كم، وبمساحة تبلغ 325كم2. ويزداد توغل الحد شمالاً صوب صهل مرج عيون، وكذلك ناحية الشمال الشرقي صوب نهر بانياس. ثم يتجه من بانياس صوب الجنوب حتى الحمة تاركاً نهر الأردن الأعلى وروافده في فلسطين، كذلك بحيرة الحولة، وبحيرة طبرية، ويخرج نهر الأردن من بحيرة طبرية حتى نهر اليرموك. 2) الحد الشرقي مع الأردن: يبدأ الحد الفاصل بين فلسطين والأردن من نقطة تبعد 3.2 كم غربي العقبة، ويمر في وادي عربة ملازماً جانبه الغربي ومسايراً للأجزاء المنخفضة فيه. وهذا يجعل ثلث الوادي تقريباً لفلسطين وثلثيه للأردن. ويدخل الحد البحر الميت ويسير في وسطه، أي على بعد متساو من كلا الشاطئين. ثم يتابع خط الحدود سيره وسط مجرى نهر الأردن، أي على بعد متساو من ضفتيه. ولما كان نهر الأردن يغير مجراه باستمرار لكثرة انحناءاته ترتب على ذلك تغيرات دورية صغيرة في الخط. ثم يدخل الحد نهر اليرموك الأدنى ليسير في وسطه ابتداء من نقطة الحدود السورية الأردنية الفلسطينية على النهر. 3) الحد الجنوبي الغربي مع مصر: يعد حد فلسطين الجنوبي الغربي مع مصر: يعد حد فلسطين الجنوبي الغربي مع مصر أول قطاع حدي تم تحديده لفلسطين إثر أزمة طابة عام 1906 بين الامبراطورية العثمانية من ناحية وانكلترا ومصر من ناحية أخرى. وقد نصت الاتفاقية الخاصة بذلك على أن يرسم خط للحدود ويبتدىء من رفح ويتجه جنوباً بشرق على خط مستقيم تقريباً إلى نقطة على خليج العقبة* تبعد على الأقل 4.8 كم عن العقبة. وقد فوضت لجنة تعيين الحدود تفويضاً مطلقا بإجراء ما تراه مناسباً من تعديلات طفيفة في خط الحدود لتسهيل الأعمال الإدارية لكلا الطرفين. وكان تعيين الخط يساير القواعد الطبوغرافية إلى حد كبير. وبذلك نالت فلسطين صحراء النقب وأصبح لها ساحل على خليج العقبة طوله 6.5 كم. وهكذا كانت حدود فلسطين التي تم تحديدها بدقة وأقرتها الوثائق الدولية نتيجة لصراع القوى المختلفة في محاولات لتحقيق مصالحها دون الالتفاف إلى رغبات السكان المقيمين على جوانب هذه الحدود أو مصالحهم. هذا باسثتناء حدود فلسطين مع الأردن. فقد عينتها انكلترا بمفردها ضمانا للمنطقة التي نص وعد بلفور* على أن يقام فيها وطن قومي لليهود. وتتميز حدود فلسطين بأنها متنوعة، فقطاعات منها تسير مع قمم جبلية عالية، وبعضها يسير مع خطوط تقسيم المياه بين أنهار مختلفة الانحدار، ويجري بعضها الآخر في وسط أنهار وعلى ضفافها، أو في أودية جافة. ويمر بعضها وسط البحار الملحية المغلقة، ومع البحار والخلجان الساحلية. ويسير حدها الجنوبي الغربي وسط منطقة صحراوية بين النقب في فلسطين وسيناء في مصر. ولم يعثر على وثائق تدل على الحدود البحرية لفلسطين وفقاً لصك الانتداب. فقد كانت حدود المياه الإقليمية لفلسطين تتبع لإنكلترا في هذا المضمار. إن إلقاء نظرة على حدود فلسطين السياسية كما أقرتها وثيقة الانتداب يدل على تجاهل بعض قطاعات هذا الحدود لمظاهرات الطبيعية في المنطقة التي تجتازها. وقد ترتب على هذا الأمر وجود شذوذ ونقائص كثيرة في هذه الحدود. وهذا ما دعا لورنس إلى أن يقول “كانت حدود مناطق النفوذ في اتفاقية سايكس -بيكو منافية للعقل والواقع، إلا أنها كانت أفضل ألف مرة من الحدود التي يتم التوصل إليها عام 1922”. وقد أثرت حدود فلسطين على سكان المناطق التي تجتازها، وحدث تبادل لبعض القطاعات الأرضية، وترتب على ذلك فصل المزارع والممتلكات والقرى والقبائل. وهذا ما يؤكد وجود الشذوذ في بعض أجزاء الحدود الفلسطينية. واستدعى الأمر عقد اتفاقية حسن الجوار عام 1926 بين فلسطين وسورية لتخفيف من النتائج التسلبية التي أوجدتها هذه الحدود على جوانبها. وأخيراً يمكن الاستدلال على خمسة معايير أخذت في الاعتبار عند رسم الحدود السياسية لفلسطين، وهي: 1) الاعتبار العسكري والاستراتيجي لحماية قناة السويس ومصر من تركيا والقوى الأوروبية. 2) الاعتبار الاقتصادي بعناصره المختلفة ممثلة في المياه العذبة والأرض الخصبة والثروات المعدنية وشبكة المواصلات والموانىء وغيرها من المصادر الطبيعية والموارد الاقتصادية. 3) الصهيونية ومخططاتها الرامية إلى تهويد فلسطين في المستقبل. 4) الهجرة اليهودية إلى فلسطين لاستيطانها وتجميع ما يزيد على خمسة ملايين يهودي فيها. 5) المصالح الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا في المنطقة. في ضوء هذه المعايير تم تعيين الحدود السياسية لفلسطين التي بلغ مجموع طول البرية فيها 719كم، منها 360 كم مع الأردن، و210 كم مع مصر، و79 كم مع لبنان، و70كم مع سورية. وتعد هذه الحدود طويلة بالنسبة إلى مساحة فلسطين البالغة 27.000 كم2. المراجع:   –         خيرية قاسمية: قضية الحدود بين مصر وفلسطين قبل الحرب العالمية الأولى، مجلة شؤون فلسطينية، عدد5، بيروت 1971. –         عادل محمود رياض: الفكر الإسرائيلي وحدود الدولة، القاهرة 1977. –         محمود كامل خلة: فلسطين والانتداب البريطاني 1922 – 1939، بيروت 1974. –         محمد محمود الديب: حدود فلسطين، القاهرة 1979. الحديث (دار -): رَ: القدس (المباني الأثرية والتاريخية في -)