الحدود الآمنة

ظهر مفهوم “الحدود الآمنة” في الصراع العربي – الإسرائيلي لأول مرة في قرار مجلس الأمن رقم 242 بتاريخ 22/11/1967 الذي صدر إثر حرب 1967* (رَ: حرب 1967 في منظمة الأمم المتحدة). بل لم يسبق قبل ذلك أن ورد في قرارات الأمم المتحدة ووثائقها تحديد للخطوط النهائية أو الحدود التي تفصل بين أقاليم أطراف النزاع، إلا في قرار تقسيم فلسطين* الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/1947 وتضمن رسماً واضحاً لحدود الدولتين المقترحتين، العربية واليهودية. ثم جاء القرار 242 فلم يرسم حدوداً جديدة واضحة، وإنما أكد حق كل دولة في منطقة الشرق الأوسط “في أن تعيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها حرة من أعمال القوة أو التهديد بها”. وبذلك يمكن القول أن منظمة الأمم المتحدة لم تعبر قط عن قبولها لأية حدود (لإسرائيل) غير الحدود اليهودية المرسومة على خريطة ملحقة بقرار التقسيم. وقد قبلت (إسرائيل) عام 1949 عضوا في الأمم المتحدة على أساس إعلانها الاستعداد لتنفيذ قرار التقسيم هذا (رَ: إسرائيل في الأمم المتحدة، عضوية). فهمت (إسرائيل) القرار 242 على أنه يعني – من بين ما يعنيه – انسحاب القوات الإسرائيلية من أجزاء من الأراضي التي احتلتها في عدوان 1967 لا منها جميعاً. ومنذ صدور القرار 242 حتى الآن أدلى المسؤولون والسياسيون الإسرائيليون، سواء من كان منهم في الحكم أو خارجه، بمئات التصريحات المختلفة حول مفهوم الحدود الآمنة. وبالرغم من اختلاف تصور هؤلاء السياسين لهذا المفهوم فانهم جميعاً متفقون على ثلاث نقاط: أولها أن الحدود الآمنة ليست أبداً خطوط ما قبل 5/6/1967. وثانيها أن الانسحاب من أي جزء من الأراضي المحتلة لا يمكن أن يتم قبل الاتفاق على الحدود النهائية الآمنة بين (إسرائيل) وجاراتها. وثالثها أن البحث في الحدود الآمنة هو البحث في أمن (إسرائيل) وسلامتها وحدودها، دون الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الأمن وشروط السلامة للأطراف الأخرى. واستناداً إلى هذه الأسس وضع عدد من الأحزاب والسياسيين في (إسرائيل) مشروعات رسم فيها أصحابها “الحدود الدولية” و”الحدود الآمنة” و”الحدود الرادعة” و”الحدود التي يمكن الدفاع عنها”. ولعل تصريح رئيسة وزراء (إسرائيل) السابقة غولدا مائير الذي قالت فيه عام 1971 “إن الحدود الدولية لإسرائيل تتحدد حيث يتوطن اليهود”، ومشروع رئيس وزراء (إسرائيل) مناحيم بيغن عن الضفة الغربية في فلسطين الذي أعلنه يوم 28/12/1977 والذي يؤدي إلى ضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى (إسرائيل)، يرسمان صورة أقرب لحقيقة مفهوم قادة (إسرائيل) عن الحدود الآمنة، وبخاصة بعد أن أبلغ بيغن الولايات المتحدة الأمريكية في شهر آذار سنة 1978 أن القرار 242 لا ينطبق على الضفة الغربية، على أساس أنها أراض “محررة” لا “محتلة”. نضيف إلى ذلك أن (إسرائيل) لم تلتزم أمام منظمة الأمم المتحدة بنص  مكتوب يوضح مفهومها للحدود الآمنة. وقد تهربت من تحديد هذا المفهوم في جوابين قدمتهما إلى الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة السفير غونار بارنغ. ففي مذكرة قدمها يارنغ إلى (إسرائيل) في 9/3/1969 طرح السؤالين التاليين”: “1) ما هو مفهوم الحدود الآمنة والمعترف بها الذي تتمسك به إسرائيل؟. “2) هل توافق إسرائيل على سحب قواتها المسلحة من أراض احتلتها في الحرب الأخيرة؟”. وقد أجابت (إسرائيل) بمذكرة مؤرخة في 2/4/1969 بما يلي: “1) لا توجد حدود آمنة ومعترف بها بعد بين إسرائيل والدول العربية. ولذلك يجب إقامة هذه الحدود الآن كجزء من عملية إقامة السلام. ويجب أن يستعاض عن وقف إطلاق النار بمعاهدات سلام تنشأ بموجبها حدود دائمة وآمنة ومعترف بها يتم الاتفاق عليها عن طريق المفاوضات بين الحكومات المعنية: “2) عندما يتم الاتفاق على الحدود الدائمة والآمنة والمعترف بها، وتقام بين إسرائيل وكل دولة عربية مجاورة، فان تنظيم أمر القوات سيتم وينفذ بما يتوافق تماماً والحدود المتفق عليها في معاهدات السلام”. وفي مذكرة قدمها يارنغ إلى مصر (وإسرائيل) في 8/2/1971 بشأن الالتزامات المتبادلة بينما أجابت (إسرائيل)، في مذكرة مؤرخة في 26 شباط، بأنها تقدم التعهد التالي: “انسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من الخط الإسرائيلي – المصري لوقف إطلاق النار إلى حدود آمنة ومعترف بها تقرر في اتفاقية السلام. ولن تنسحب إسرائيل إلى خطوط ما قبل الخامس من حزيران سنة 1967”. وتستند (إسرائيل) في دعواها بأن الحدد الآمنة التي عناها القرار 242 هي غير خطوط ما قبل حزيران سنة 1967 إلى أن القرار اقتصر في نصه الإنكليزي على طلب انسحاب “قوات إسرائيلية مسلحة من أراض احتلت في النزاع الأخير”، ولما يحدد بالتالي الأراضي الواجب الانسحاب منها أو الخطوط التي يتم الانسحاب إليها. وأول ما يلاحظ هنا هو أنه ليس صحيحاً، من الناحيتين القانونية واللغوية، ما يرد في هذه الحجة من أن النص الإنكليزي للقرار يقتصر على المطالبة بالانسحاب الجزئي. فالقرار يطلب الانسحاب من أراض حددها بوصف معين، وهو أن تكون قد احتلت في “النزاع الأخير”، وبالتالي فالانسحاب يسري على أية أرض توفر فيها هذا الوصف. وأي استثناء لأرض أو أراض محتلة من حكم الانسحاب المقرر في القرار استثناء لا يجيزه نص القرار، بل يمنعه صراحة بتحريم “جواز الاستيلاء على أراض عن طريق الحرب”، وهو نص ورد في مقدمة القرار ذاته. كما أن النصوص الفرنسية والإسبانية والروسية والصينية للقرار – وهي اللغات الرسمية لمنظمة الأمم المتحدة، ولكل منها القوة ذاتها للغات الأخرى – تشير بوضوح إلى أن الانسحاب هو “من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير”. ويضاف إلى ذلك أن فهم يارنغ للحدود الآمنة كما وردت في القرار ينطبق على ما ذكرناه. والدليل على ذلك أنه طلب من (إسرائيل) في المذكرة في 8/2/1971 التي أرسلها اليها أن “تتعهد بأن تسحب قواتها من أراضي الجمهورية العربية المتحدة (أي مصر) المحتلة إلى الحدود الدولية السابقة التي كانت قائمة بين مصر وحكومة الانتداب البريطاني على فلسطين”. وفوق هذا كله فانه ليس في قواعد القانون الدولي أية نظرية تسمى نظرية الحدود الآمنة. فقواعد هذا القانون مستقرة على أن حدود أية دولة يجب أن تحدد وتعرف سواء كان هذا التحديد عرفياً أو اتفاقياً. كما أن القانون الدولي مستقر على رفض مبدأ الاعتراف بالآثار المترتبة على الاحتلال، وبخاصة ما تعلق منها بضم الأراضي تحت أية ذريعة، على أساس المبدأ المعروف بأن ما بني على الباطل فهو باطل. وهكذا تنتقي الحجج التي تتذرع بها (إسرائيل) لتفسير الحدود الآمنة على أنها الحدود التي تكفل لها التوسع بضم أراض جديدة إليها. والحقيقة أن مثل هذا التفسير لا يمكن أن يستند إلا إلى اعتبارات العدوان والرغبة في التوسع بقوة السلاح. وهو في النهاية ذريعة إسرائيلية للتوسع ومد الحدود، وترديد جديد لنظريات النازية البائدة التي تنادي بأن الحدود التي ينشئها الإنسان يمكن أن يعدلها الإنسان بالقوة، وأن نمو الدولة وتوسعها علامة أساسية على حيويتها. المراجع: –         إبراهيم شحاتة: الحدود الآمنة والمعترف بها، بيروت 1974. –         تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، الوثيقة رقم س/10929 بتاريخ 18/5/1973.