الحولة (سهل)

اكتسب سهل الحولة اسمه من بحيرة كانت تحتل قسماً من جنوبيه عرفها اليونان باسم “أولاتا”. وتسميها الوثائق التي اكتشفت في رأس شمرا “بحيرة سمخو”. ويذكر ياقوت الحموي الحولة إنها “كورة بين بانياس وصور من أعمال دمشق ذات قرى كثيرة”. يقع سهل الحولة في الزاوية الشمالية الشرقية من فلسطين، ويحتل مستطيلاً من الأرض محصوراً بين مرتفعات تحيط به من الشرق والغرب والشمال. فمن جهة الشرق تشرف هضبة الجولان* السورية على السهل، وتشرف سفوح نهايات جبل عامل وجنوبي لبنان عليه من جهة الغرب. وأما في الشمال فتؤلف نهايات جبل الشيخ والجبل الغربي وسفوحهما الجنوبية أطراف السهل الشمالية. وينفصل جنوبي السهل عن حوض طبرية وبحيرتها بنظرة قليلة الارتفاع مؤلفة من التقاء أقدام سفوح صفد الغربية ولسان اندفاعي بركاني قادم من هضبة الجولان. وبالتالي يعد الخط الواصل بين موقع جسر بنات يعقوب في الشرق وموقع نجمة الصبح في الغرب الحد الجنوبي لسهل الحولة. وإذا جعلت أراضي السهل جميع الأراضي المنبسطة الواقعة دون مستوى ارتفاع 120 م فوق سطح البحر فإن مساحته تصل إلى 180كم2 تقريباً، ويقدر طوله من الشمال إلى الجنوب بنحو 24 كم في حين يبلغ متوسط عرضه 8 كم. أ- أشكال الأرض: سهل الحولة أقرب إلى شكل حفرة مغلقة لولا اختراق نهر الأردن* الصادر عن بحيرة الحولة أطرافه الجنوبية وجريانه إلى بحيرة طبرية*. وبسبب هذا الوضع الجغرافي – التضاريسي تنساب كميات كبيرة من المياه إلى هذه الحفرة، وتلتقي فيها على شكل أودية سيلية أو جداول ونهرات، بل أنهار تغذي نهر الأردن وبحيرة الحولة قبل تجفيفها. 1) أرض سهل الحولة: تتالف أرض سهل الحولة من سطح منبسط انبساطاً كبيراً يندر أن تتخلله التموجات أو المرتفعات البارزة فوقه. ويصبح المنظر التضاريسي رتيباً بالاتجاه نحو الأجزاء الوسطى والجنوبية من السهل. وفي الإمكان، رغم هذا، تصنيف أرض السهل ثلاثة أصناف: (1) القسم الشمالي: وهو المساحات المحصورة بين ارتفاع 80 و120م فوق سطح البحر. ويقع بين قرية الزوق التحتاني* في الغرب ومزار النبي هود وقرية المنصورة في الشرق، من جهة الشمال، وبين خط العرض المار بقرية الناعمة* من جهة الجنوب. وأما من جهتي الغرب والشرق فينحصر هذا القسم بين أقدام المرتفعات الهاشمية للسهل على امتداد منحتي التسوية (120م) الذي يعد بداية حدود السهل المنبسط. إن الضفة الرئيسة لهذا القسم من سهل الحولة هي كون الأرض منحدرة من الشمال نحو الجنوب انحداراً واضحاً يقدر بـ 1 : 100. والانحدار مستمر بلطف لا تظهر على مقطعه أية انقطاعات أو حافات تضريسية. ولكن الأرض متموجة تموجاً خفيفاً يظهر فروق ارتفاعات لا تتجاوز الامتياز القليلة. وقد استفادت خطوط المياه والأنهار من هذه الفروق فسلكت الأقسام الواطئة بين العلوات الواسعة المساحة والقليلة الارتفاع، فأدى ذلك إلى تغطية القسم الشمالي من سهل الحولة بشبكة مائية كثيفة جداً تقدر نسبتها المتوسطة بنحو 4 – 5 كم من مجاري المياه لكل 1 كم2. وهي نسبة كثافة عالية سببها الغزارة الكبيرة للمياه المنبجسة ينابيع كبيرة تغذي أنهار بانياس والدان والحاصباني وبريغيث (أو نهر مرجعيون)، أو عيوناً أقل أهمية تؤلف رؤوس النهيرات والجداول الكثيرة التي ترفد أحد الأنهار الأربعة المذكورة، أو جداول مستقلة تسير باتجاه الجنوب راسمة لنفسها مجرى خاصاً كان ينتهي في مستنقعات بحيرة الحولة سابقاً. وتحفر المجاري المائية كلها أودية في أرض السهل الطرية، بعمق 1 – 2 م تقريباً. ويزداد عمق الأودية بالاتجاه شمالاً حيث ترتفع الأرض ويزداد الانحدار. ولقد حفر نهر بانياس خانقاً صغيراً عند قرية العابسية*، متوسط ارتفاع جوانبه 5 – 7م تقريباً. (2) القسم الأوسط: ويمكن تسميته سهل عرب الغوارنة نسبة إلى القبيلة التي كانت تسكنه قبل أن يطردها الصهيونيون ويحلتوا أراضيها. ويمتد هذا القسم من جنوبي خط عرض قرية الناعمة حتى أطراف مستنقعات* بحيرة الحولة سابقاً، أي حتى خط عرض قرية خيام الوليد*. وهو محصور بين المرتفعات السورية في الشرق واللبنانية في الغرب. ويبلغ متوسط فرق الارتفاع بين شمال وجنوب هذا القسم 5 م على مسافة تناهز 7.5 كم، أي أن متوسط الانحدار هو في حدود 1 : 1.500، وهو انحدار ضعيف جداً إذا ما قورن بانحدار سطح القسم الشمالي. ولذلك فإن سطح القسم الأوسط شديد الانبساط تقل أو تكاد تنعدم فيه فروق الارتفاعات. والارتفاع الوحيد الذي يجلب الانتباه هو التل الأثري القائم على بعد 1.5 كم جنوبي قرية الناعمة. ويعلو فوق سطح السهل من 4 – 5م. وعدا ذلك لا ترى إلا حافات الأنهار والمجاري المائية الصغيرة التي رسمها حفر المياه لأرض السهل. وهي لا تتجاوز 2 م في الأنهار الكبرى. وتنخفض كثافة الشبكة المائية في هذا القسم من السهل، ويرجع سبب انخفاضها إلى ترافد المجاري المائية المختلفة الحجم القادمة من الشمال والأطراف الشرقية والغربية، واجتماعها على شكل أنهار كبيرة نسبياً، كنهر الأردن ونهر كالي ونهر بريغيث. وأما نهر طرعان (التورة) أو (الطور أيضاً) فهو فرع من نهر الأردن يتفرع عنه عند قرية الصاحية* في منتصف القسم الأوسط للسهل. ومما يميز الأجراء الشرقية خاصة ظهور ربوات صغيرة مروحية الشكل تلتصق بأقدام المرتفعات السورية وتنفرش غرباً باتجاه سهل الحولة. وتقع هذه المراوح عند مخارج الأودية السيلية القادمة من الجولان، وليست من الناحية الجيومورفولوجية إلا مراوح (مخاريط) انصباب السيول والأنهار الصغيرة كما هي الحال في منطقة المفتخرة* وقرية خيام الوليد والرصيف. ويبلغ فرق الارتفاع بين بداية ونهاية هذه المرواوح الانصبابية (الفيضية) نحو 15م، مما يجعل منها ظاهرة تضاريسية واضحة في أجزاء السهل الشرقية. وتظهر معالم أشكال متشابهة لها على أطراف السهل الغربية ولكنها صغيرة الحجم والانتشار بصورة عامة. (3) القسم الجنوبي: يشغل هذا القسم قرابة نصف مساحة سهل الحولة بأكمله. ويختلف عن الأقسام السابقة احتلالها بينا في كثير من أشكال سطح الأرض رغم الانسجام العام بين الأقسام الثلاثة. ويرجع السبب في هذا الاختلاف إلى انغمار معظم سطح القسم الجنوبي بمسطح مائي مؤلف من بحيرة الحولة ومن مستنقعات تحيط بها من الشمال والشمال الغربي. وتقدر مساحة البحيرة بنحو 14 كم2، وتبلغ المساحة المغمورة بمياه المستنقعات 25 – 30كم2. وهذه المساحات متغيرة، ولا سيما مساحات المستنقعات، لتغير غزارة المياه القادمة إليها من الشمال والشرق والغرب، ولتغير كميات الأمطار والثلوج الذائبة للأنهار والينابيع من سنة إلى أخرى. ويبلغ فرق الارتفاع بين حدود المستنقعات الشمالية وضفاف بحيرة الحولة 3 – 4 م على مسافة 8 كم تقريباً، أي بانحدار يراوح بين 1/2.000 – “2.660”. وأما سطح البحيرة فيقع على ارتفاع 70 م فوق سطح البحر، وهو أخفض مستوى السطح السهل كله، باستثناء مجرى نهر الأردن الخارج من النهاية الجنوبية للبحيرة. وللبحيرة شكل مثلث قابع في الركن الجنوبي الشرقي من سهل الحولة، يقترب حتى يلتصق بالمرتفعات الهامشية الشرقية، ويبتعد عن الهوامش الغربية ليفسح المجال أمام مساحات سهلية ترتفع متدرجة دون انقطاع باتجاه الغرب والجنوب والجنوب الغربي في منطقة زبيد والحسينية* حتى ارتفاع 120 م فوق سطح البحر. وتتقارب التلال* والمرتفعات الواقعة جنوبي البحيرة لتغلق الطريق وتحصر مياه البحيرة في حوضها المثلثي وترسم النهاية الجنوبية لسهل الحولة. تتحدد المساحات الحرة من مياه المستنقعات والبحيرة بشريطين من الأراضي السهلية، غربي وشرقي يسايران أقدام المرتفعات المطلة على السهل. والشريط الغربي عريض نسبياً ويتزايد اتساعه باتجاه الجنوب حتى منطقة غرب زبيد. والشريط الشرقي ضيق جداً، ويراوح عرضه بين 0.5 – 1 كم. وباستثناء أراضي منطقة عرب زبيد – الحسينية يغلب على تضاريس هذين الشريطين ظهور المخاريط (المراوح) الفيضية المتقدمة بألسنة بارزة في اتجاه البحيرة ومستنقعاتها. والملاحظ أنها أكثر عدداً وأشد وضوحاً على امتداد الشريط الشرقي. وتتركز عند مخارج الأودية والأنهار القصيرة الهابطة من هضبة الجولان، وتتخذ هناك شكل دالات بارزة على سواحل البحيرة والمستنقعات، وبصورة خاصة عند مخرج وادي الحنظل ووادي الفاجر القادمين من الجولان. وهكذا فإن القسم الجنوبي من سهل الحولة هو حوض تجميع لمياه السهل كله، في حين كان القسم الشمالي منطقة المنابع وشبكة المياه الكثيفة، والقسم الأوسط، منطقة الترافد والعبور. ويضاف إلى ما يستقبله القسم الجنوبي من مياه الشمال كميات أخرى من المياه تحملها إليه الينابيع والأودية والأنهار التي تنتهي في منطقة المستنقعات، كمياه وادي العروس ونهر البارد ووادي الحنداج ووادي وقاص القادمة من الغرب، أو مياه وادي الدبوس ووادي الحنظل ووادي الفاجر ووادي جليبينة القادمة من الشرق. فسهل الحولة بالنسبة إلى مجرى نهر الأردن هو منطقة تجميع مياه منابعه العليا ومنطقة تخزين يخرج منها النهر المذكور بمجرى واحد. 2) المرتفعات الهامشية: ما كان لسهل الحولة أن يكون له الوضع الجغرافي الطبيعي الأنف الذكر لو لم تحصره المرتفعات الهامشية المحيطة به بين جوانبها وسفوحها. وهي مرتفعات شرقية، وغربية، وشمالية، وجنوبية تفصل بين حوضتي الحولة وطبرية. (1) المرتفعات الشرقية: تعرف هذه المرتفعات في المراجع المختلفة بهضبة الجولان، أو مرتفعات الجولان، أو المرتفعات السورية. والأفضل تسميتها هضبة الجولان لانطباق ذلك على اسم المنطقة أولاً وعلى الشكل التضاريسي الهضبي لها ثانياً. وتظهر هذه المرتفعات في الأفق الشرقي لسهل الحولة على شكل جدار تضاريسي ينصب فجأة فوق مستوى السهل العام مرتفعاً ارتفاعاً نسبياً يبلغ 220م  ثم 320م ثم 420م في الجنوب، ثم 300 م باتجاه الشمال والشمال الشرقي. وتسود الانحدارات الشديدة العامة على امتداد هذه الحافة التضريسية وتبلغ نسبتها بنحو 1 : 10. وقد تزيد على 1 : 5 أو تنقلب أحياناً جروفاً قائمة. وتقل نسبة الانحدار بالاتجاه شمالاً – شمالاً شرقياً، إذ تفقد الحافة صفة الجدار. وليست هذه الحافة التضاريسية إلا أطراف هضبة الجولان المطلة على السهل. ويتزايد ارتفاع هضبة الجولان كلما جرى الاتجاه شرقاً حتى جبال الجولان. وقد ساعد انحدار سطح هضبة الجولان باتجاه الغرب على جريان مياه الأمطار والثلوج الذائبة سيولاً تنتهي في سهل الحولة وأطرافه الشرقية. وتصبح هذه السيول على الحافة التضاريسية سريعة هادرة تزيد في قوة الحث الرأسي في بطون الأودية التي حفرتها، مما يعطي الأودية المتعمقة في سفوح الحافة شكل الخوانق والأودية العميقة الضيقة القصيرة، كما هي الحال مثلاً في المجاري الدنيا لأودية الجليبينة والفاجر والحنظل وغرابة. فسهل الحولة إذا هو مستوى أساس المياه السطحية للقسم الأكبر من مياه هضبة الجولان، ومنطقة انبجاس الكثير من الينابيع التي تغذيها المياه المتسربة في صخور الهضبة على امتداد خط تلاقي أرض السهل مع أقدام الحافة التضريسية للهضبة (رَ: عيون الماء). وهكذا تؤلف المرتفعات الشرقية حاجز تضاريسيه وعائقاً استراتيجياً هاماً بالنسبة إلى المسيطر على السهل. ولكنها المصدر الخير والخصب لسهل الحولة، إذ توفر له الماء والتربة* الناعمة الخصبة التي تقوم مياه السيول والأمطار بنقلها من سطح هضبة الجولان وترسيبها في السهل. وقد كانت وما زالت، لهذه المرتفعات أهمية كبيرة جداً في النزاع العربي –الإسرائيلي لدورها الاستراتيجي العسكري على امتداد الحدود السورية – الفلسطينية المسايرة لاقدام المرتفعات. (2) المرتفعات الغربية: تنتصب على الهوامش الغربية لسهل الحولة حافة تضاريسية مقابلة لحافة المرتفعات الشرقية تماماً، ولها المحور العام نفسه، والامتداد الشمالي – الجنوبي ذاته. والحافتان متشابهتان بصورة عامة، مع وجود بعض الفروق والاختلافات أهمها أن الحافة الغربية ترقى إلى علو أكبر. وتتدرج ارتفاعاتها من الجنوب باتجاه الشمال كما يلي 200م – 350م ثم 600 م ثم 650 – 700م فوق مستوى سهل الحولة. وانحدارات حافة المرتفعات الغربية هذه أشد من انحدارات الحافة المقابلة، إذ تراوح نسبة الانحدار بين 1 : 3 – 1 : 4. وتظهر الجروف القائمة في بعض قطاعات الحافة، وخاصة غربي الخالصة* والحافة المطلة عليها. وتتميز المرتفعات الغربية باستمرارها على شكل جدار طبيعي دون انقطاع مسافات أطول من استمرار الحافة الشرقية. وباستثناء بعض الأودية الصغيرة القصيرة جداً كوادي العروس ووادي اللوز تخلو المنطقة المقابلة للقسم الجنوبي والأوسط من سهل الحولة من الأخاديد أو الأودية المتوغلة في جسم المرتفعات الغربية. وتختلف الصورة في أقصى الشمال والجنوب. ففي أقصى الشمال اخترق وادي البداني الحافة ودفع رؤوسه ضمنها باتجاه الشمال الغربي، مما أدى إلى فصل كتلة جبل مرج الجواني عن المرتفعات الغربية بواد ضيق عميق تطل عليه جروف صخرية قائمة يراوح علوها بين 20 و60م  عند قرية هونين* وجنوبها الشرقي. ولكن الحافة تظل مستمرة مشكلة جداراً تضريسياً هاماً في الشمال. وعلى العكس من ذلك تتجزأ الحافة في أقصى الجنوب وتنفصل إلى كتل تمر بينها أودية كثيرة أعظمها وادي الحنداج  ووادي وقلص وروافده العليا. ويتوغل الواديان المذكوران في جسم المرتفعات الغربية وفي جبال الجليل* الأعلى مسافات بعيدة، مما يسهل عبور الحافة في أجزائها الجنوبية. وليس هذا فحسب، بل تتراجع الحافة في الجنوب نحو الغرب والجنوب الغربي لتلتحم فيما بعد بجبال صفد. إن المرتفعات الغربية وحافتها الساقطة بعنف على منبسط سهل الحولة هي في الواقع السفوح الشرقية لجبل عامل في لبنان، والنهايات الشمالية الشرقية لجبال الجليل الأعلى في فلسطين. ولكن معظم الحافة تابع لجبل عامل، ولا سيما الحافة المستمرة في الوسط والشمال. وأما الجزء الجنوبي المتقطع  من الحافة فيتبع جبال الجليل الأعلى. وتختفي في الجافة الغربية المخاريط (المراوح) الفيضية عند مخارج الأودية، على نقيض الطرف المقابل، حتى عند مخارج الأودية، على نقيض الطرف المقابل، حتى عند مخارج الأودية الهامة نسبياً، فلا تظهر إلا بدايات أعمال الترسيب المائي – الجاري. وأما الألسنة المخروطية النموذجية عند مخارج وادي الحنظل والفاجر في الشرق فليس في هذه الحافة مثيل لها. ويرجع ذلك إلى قصر الأودية ومجاري السيول والمياه الهابطة من جبل عامل بسبب الانحدار الشديد لسفوح جبل عامل الشرقية أولاً، ووقوع خط تقسيم المياه لجبل عامل قريباً جداً من الحافة الغربية – بل هو قمة الحافة والمرتفعات الغربية – ثانياً، خلالها لما هو قائم في المرتفعات الشرقية حيث يقع خط تقسيم المياه بعيداً عن الحافة متفقاً مع قمم جبال الجولان الفاصلة بين سهل حوران في الشرق وهضبة الجولان وسهل الحولة في الغرب. ويضاف إلى ذلك انخفاض كميه المياه الهابطة من المرتفعات الغربية إلى السهل. ولكن هذا لم يمنع ظهور الكثير من الينابيع على امتداد أقدام المرتفعات المذكورة التي تغذيها المياه الباطنية في الصخور الكلسية – الدولومينية السائدة في كتلة جبل عامل. (3) المرتفعات الشمالية: تتألف الجبال الغربية في بلاد الشام من سلسلتين متوازيتين يفصل بينهما وادي الغور* (الانهدامي). وقد تتقارب هاتان السلسلتان أو تتكون بينهما تلال وهضاب تفصل بين أجزاء وادي الغور. ويتطبق هذا الوضع على المرتفعات الواقعة شمالي سهل الحولة حيث تضيق الشقة الواقعة بين نهايات جبل الشيخ ونهايات جبال لبنان الغربية في منطقة مرجعيون – راشيا، ويبرز فيها مرتفع الجبل الغربي الذي يفصل بين سهل البقاع الجنوبي وسهل الحولة. وتصل نهايات جبل الشيخ والجبل الغربي وأطراف جبال لبنان الغربية وجبل عامل إلى شمال سهل الحولة على شكل تلال وجبال منخفضة تحوم ارتفاعاتها حول 300 و400م و500م، وخاصة في أقصى الشمال الغربي للسهل. ولذلك تنخفض المرتفعات الشمالية المطلة على سهل الحولة بالتدريج نحو الجنوب حتى تلتحم بالقسم الشمالي السهلي دون انقطاع في الانحدار. حتى تلتحم بالقسم الشمالي السهلي دون انقطاع في الانحدار. ويخترق هذه المرتفعات مجرى نهر الحاصباني الذي حفر واديه في وسطها من الشمال إلى الجنوب، على حين يحز نهر بانياس واديه في مرتفعات الزاوية الشمالية الشرقية، ويرسم ضفافاً عالية قائمة على مجرى النهر. وأما في الشمال الغربي فتحفر مياه نهر العيون (مرج عيون)، أو البريغيث، خط سيرها نحو الجنوب. وتتميز هذه المجاري النهرية في أقسامها العليا بالانحدار الشديد ورسم شلالات صغيرة أهمها شلال التنور على نهر العيون قرب المطلة. وهكذا فإن المرتفعات الشمالية أقل ارتفاعاً وأضعف انحداراً من المرتفعات الشرقية والغربية، مما يجعل المرور من السهل وإليه عن طريقها أقل صعوبة وعناء. (4) المرتفعات الجنوبية: لا يختلف الوضع التضاريسي في جنوبي السهل عن الوضع في المرتفعات الشمالية إلا من حيث كون المرتفعات في الجنوب تلالاً منخفضة (250 – 300م) تؤلف بمجموعها عتبة صغيرة تفصل بين حوض  الحولة على ارتفاع 70 م في الشمال، وحوض طبرية على ارتفاع  212م في الجنوب. ولما كانت المسافة بين مخرج نهر الأردن من بحيرة الحولة ومصبه في بحيرة طبرية لا تتجاوز 17 كم فإن هذا القطاع من النهر الشديد الانحدار يرسم وادياً عميقاً ضيقاً قريباً، بل ملاصقاً لأقدام المرتفعات الشرقية المشرفة على السهل والوادي. ب – نشوء السهل وتطوره: تنشأ تضاريس سطح الأرض نتيجة العوامل الباطنية (العوامل البنائية – التكتونية)، أو نتيجة العوامل الخارجية (العوامل الجيومورفولجية – المناخية ). وقد تشترك العوامل الباطنية والخارجية ينسب متفاوتة في تكوين التضاريس. وسهل الحولة، بأشكال سطح أرضه التي مر الحديث عنها، ناجم في الدرجة الأولى عن العوامل الباطنية. وهي الحركات البنائية التي رسمت خطوط ومحاور تضاريس بلاد الشام على امتداد الوادي الانهدامي السوري – الإفريقي. فسهل الحولة هو آخر حفرة انهدامية في شمال فلسطين انخفضت دون المرتفعات المحيطة بها. وقد رافقت الحركات الانهدامية اندفاعات بركانية، ولا سيما في شمال فلسطين، وكانت النتيجة بالنسبة إلى سهل الحولة انسياح لسان اندفاعي من الحمم البازلتية من هضبة الجولان باتجاه الوادي الانهدامي، وغمر المنطقة الفاصلة بين سهل الحولة شمالاً وبحيرة طبرية جنوباً. وقد حدث ذلك في نهاية الحقبة الثالثة الجيولوجية ومطلع الحقبة الرابعة. والظاهر ان الانسياح تم على مرحلتين مما أدى إلى تكوين العتبة التضاريسية الواقعة جنوبي سهل الحولة، ثم إلى انقلاب سهل الحولة حوضاً مغلقاً يضم بحيرة واسعة كانت تغطي معظم أراضي السهل محجوزة خلف هذا السد البازالتي الطبيعي. وبوصول مستوى مياه هذه البحيرة خلف السد إلى ارتفاع تجاوز اخفض نقاط السد، أخذت مياه البحيرة تجري منها إلى حوض بحيرة طبرية الأخفض منها عن طريق مجرى نهر الأردن. ولما كان فرق الارتفاع بين الحولة وطبرية كبيراً فقد أخذت مياه النهر تزداد سرعة وحفراً وتعميقاً لواديه، فساعد ذلك على تفريغ قسم كبير من مياه بحيرة الحولة القديمة، فلم يبق منها إلا بحيرة الحولة ومستنقعاتها في القسم الجنوبي من سهل الحولة. وترسبت في أرض البحيرة القديمة والحديثة بنتيجة هذا الوضع الطبيعي مواد ناعمة من الترسبات البحيرة واللحقية النهرية العائدة للحقبة الرابعة الجيولوجية. ورافق ذلك في منطقة المستنقعات والمياه الضحلة تشكل اللبد المستنقعي. وهكذا كثرت في أرض السهل اللحقيات واللبد والترسبات البحرية، في حين ألفت صخور البازالت الاندفاعي المرتفعات الشرقية والجنوبية، والصخور الرسوبية الكلسية – الدولوميتية المرتفعات الغربية. إن نشأة سهل الحولة وتطوره حادثة طبيعية فريدة من نوعها في فلسطين، وليس لها مثيل إلا في سهل الغاب في سورية على امتداد الوادي الانهدامي السوري – الإفريقي. ومع قيام الإنسان بتجفيف سهل الحولة، وتنظيم أقنية الري، والسعي إلى استغلال الأرض في الزراعة، أخذت المساحات المجففة من السهل تعاني من ظاهرة خفس سطح التربة بسبب التجفيف وتصريف المياه من جسم التربة بالأقنية وبالتبخر. ج- النشاط الاقتصادي في سهل الحولة: تحوم درجات الحرارة الوسطية السنوية سهل الحولة حول 20 درجة مئوية – 21 درجة مئوية. ويصل متوسطها في أشد الأشهر حرارة، وهو تموز إلى 25 درجة مئوية – 27 درجة مئوية، وتنخفض في شهر كانون الثاني إلى 12 درجة مئوية – 14 درجة مئوية. وأما الأمطار السنوية فتراوح بين 400 و600 مم، ويصل التبخر السنوي إلى 1.000 – 1.200 مم (رَ: المناخ). وإذا ربط هذا الوضع المناخي بكمية تصريف مياه السهل البالغة زهاء 740 مليون م3 سنوياً، وبالأراضي السهلية وتربتها اللحقية الخصبة الصالحة للزراعة، أصبح بالإمكان تصور الطاقات الاقتصادية لسهل الحولة في المجال الزراعي وتربية المواشي وإدراك جذب هذه البقعة من فلسطين للإنسان واستيطانه إياها منذ القدم. وقد عثر على آثار الإنسان الأول في منطقة جسر بنات يعقوب وغيرها من أنحاء السهل. وذكر المقدسي (985م) أن القطن كان ينمو ويحود في الحولة، وإن صناعة الحصر كانت ناشطة فيها. وهناك من يقارن سهل الحولة بالعراق الجنوبي من حيث زراعة الرز. ومر قول ياقوت إن كورة الحولة “ذات قرى كثيرة”. والحولة في الوقت الحاضر منطقة زراعية هامة تنتج الحبوب والذرة الصفراء والخضر والفواكه والأعلاف وتتميز بإنتاجها البواكير من الخضر بسبب ملاءمة الشروط المناخية في السهل. وتربى في السهل المواشي كالأغنام والأبقار. وإما الجواميس فقد انخفضت إعدادها بعد تجفيف المستنقعات. وفي مياه الحولة ثؤوة سميكة تنمم قائمة الموارد الاقتصادية لساكني السهل المتناثرين في قرى صغيرة على أطراف السهل عند أقدام المرتفعات الهامشية، وفي القسم الشمالي من السهل (رَ: الأسماك)، منها قرى الخالصة وتل حي والزوق التحتاني* والعباسية والحمرا* وخيام الوليد وغيرها.   المراجع: –         ياقوت الحموي: معجم البلدان، مادة الحولة بيروت 1957. –         مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، وج6، ق2، بيروت 1973 و1974.