حركة المقاومة الإسلامية

تعد (حماس) الامتداد الفكري والحركي لجماعة الإخوان المسلمين* في فلسطين، التي شهدت أولى لبنات بنائها في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. حيث تأسست شعب الإخوان في عدد من مدن فلسطين. ولقد كان لهزيمة حزيران 1967*، وما تبع ذلك من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة ولأراضي عربية أخرى هي سيناء والجولان*، تداعيات عديدة على القضية الفلسطينية، ومن أهم هذه التداعيات: 1- تراجع دور الحكومات العربية على صعيد القضية لصالح الدور الشعبي في المقاومة العسكرية للاحتلال. 2- تعزيز وتعميق دور الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال حيث أصبح الشعب بكل أفراد وفئاته على تماس مباشر مع الاحتلال في الضفة والقطاع وما يترتب على ذلك من تحديات على مستوى الفكر والممارسة. 3- مراجعة شاملة لكل التيارات الفكرية والسياسية في تلك المرحلة، مما فسح المجال واسعاً للبرنامج المقاومة ولانطلاق الصحوة الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية كتعبير عن حاجة شعوب الأمة – ومنها الشعب الفلسطيني – للبحث عن هويتها التاريخية وانتمائها الحضاري في ظل الفراغ والصدمة اللذين أحدثتهما هزيمة 67 المدوية. في ظل ذلك اتجهت الجماعة في فلسطين وامتداداتها في الشتات نحو مسارين: المسار الأول: المشاركة في العمل العسكري المباشر ضد الاحتلال الصهيوني على الجبهة المتاحة آنذاك وهي جبهة نهر الأردن، فيما عزف آنذاك “بمعسكرات الشيوخ” المنضوية تحت لواء حركة فتح*، والتي بدأت عام 1968 واستمرت حتى 1970، حيث توقفت نتيجة أحداث أيلول الأسود. وقد شاركت في تلك التجربة مجموعات من إخوان مصر وسوريا والأردن واليمن والخليج وغيرها. المسار الثاني: إقامة البنية التنظيمية التحتية لمشروع جهادي ضد الاحتلال الصهيوني في فلسطين بشكل خاص، ومواجهة المشروع الصهيوني بشكل عام. ولتحقيق ذلك عملت الجماعة على التحرك في المجالات التالية: 1- استنهاض همم هؤلاء الإخوان للعمل في المجال الدعوي والتغيير الاجتماعي. 2- استقطاب العناصر الشابة، وخاصة خريجي الجامعات لصفوف الجماعة، وقد استفادت الجماعة من فرص التعليم الجامعي المتاحة في الخارج لاستقطاب كوادر متعلمة مثلت فيما بعد القاعدة الصلبة والقيادية للحركة. 3- تنشيط بناء المساجد في فلسطين باعتبارها مصدراً رئيساً للتأثير في المجتمع. 4- بناء العديد من المؤسسات الخيرية والاجتماعية على رأسها المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية في قطاع غزة وعدد من لجان الزكاة والمؤسسات الخيرية في الضفة الغربية. 5- التحرك في أوساط الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات على صعيد الاستقطاب والدعوة، وبناء القناعات باتجاه العمل لقضية فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني وتأكيد البعد الإسلامي للصراع. 6- بناء أطر ومؤسسات داعمة للشعب الفلسطيني في الداخل، وتأسيس عدة واجهات للعمل الطلابي الفلسطيني في الساحات المختلفة على امتداد العالم. وقد استطاعت الحركة في هذه المرحلة بناء القاعدة التنظيمية الصلبة، والتي ترفدها بنية مؤسساتية  موزعة جغرافيا على كافة مناطق الضفة والقطاع، كما استطاعت أن تعيد بعض مظاهر الالتزام الإسلامي إلى الشارع الفلسطيني. كانت السنوات من 1980 – 1987 مرحلة تأسيس شهدت التلازم بين مواصلة البناء والانخراط في فعاليات العمل الوطني المقاوم، فقد اعتمدت الجماعة في تلك المرحلة التوازن بين التوسع الأفقي الاستقطاب، وبين التوسع الرأسي في تعميق التربية وتعزيز التخصص داخل التنظيم وتشكيل الأجهزة المناسبة لخوض مرحلة المقاومة المفتوحة ضد الاحتلال، وهي بذلك المرحلة التي تبلور فيها فكرياً وتنظيمياً مشروع “حماس” الجهادي السياسي الشامل. ولعل من أبرز المحطات في هذه المرحلة: 1- انطلاق العمل الطلابي الإسلامي عبر الكتل الإسلامية في جامعات الأرض المحتلة، وبعض دول العالم العربي والغربي. 2- التوسع في بناء المساجد وتعميق دورها في الدعوة والتوجيه والتغيير الاجتماعي. 3- الاستعداد والتحضير لانطلاق العمل العسكري ضد الاحتلال حيث تم كشف وتفكيك بعض التشكيلات العسكرية للحركة، خاصة التنظيم العسكري بقيادة الشيخ أحمد ياسين عام 1984. 4- التوجه نحو العمل الجماهيري المقاوم وتعبئة الصف الداخلي في هذا الاتجاه عبر ما سمي بثورة المساجد في السنوات 1981، 1982، 1983، وبلغت ذروتها باستشهاد الشهيدين جواد أبو سليمة، وصائب ذهب في جامعة بير زيت* عام 1986، وتلا ذلك العديد من المواجهات في الجامعة الإسلامية* بغزة* مما أدى إلى حصارها أكثر من مرة وإصابة العديد من أبنائها واعتقالهم. 5- تشكيل الأجهزة المتخصصة داخل الحركة، منها ما عرف بمنظمة الجهاد والدعوة “مجد” ويمثل الجهاز الأمني للحركة في عام 1985، والجهاز العسكري “المجاهدون الفلسطينيون” في عام 1987م، ومباشرة العمل ضد الاحتلال وعملائه. 6- عملت الحركة في هذه المرحلة تحت عدد من اللافتات أو المسميات منها الاتجاه الإسلامي، والحركة الإسلامية وغيرها. 7- أما خارج فلسطين فقد واصلت الحركة وفروعها في الشتات جهودها لاستكمال بناء وتأسيس مشروعها لمواجهة العدو الصهيوني بالتناغم والتكامل مع جهود الحركة داخل فلسطين، وتركز الجهد في الخارج على: أ- بناء الواجهات الطلابية والفكرية والاجتماعية. ب- تطوير وتنويع وسائل العمل الخيري لدعم الشعب الفلسطيني في الداخل ومساعدته على الصمود. ج – استكمال رؤية المشروع وخططه العامة وتشكيلاته. د- بناء لجان وأجهزة العمل اللازمة للمشروع في مختلف المجالات. هـ – تحفيز الحركات الإسلامية والوطنية في العالم العربي والإسلامي باتجاه تركيز أولوياتها للعمل من أجل قضية فلسطين ومواجهة الخطر الصهيوني. وقد استطاعت الحركة في هذه المرحلة أن توسع نطاق عضويتها بصورة لافتة، وأكثرها من شرائح المثقفين وطلاب الجامعات، كما استطاعت الحركة أن تشكل جهازاً أمنياً قوياً، نظراً لقوة البناء التنظيمي وهياكله وعمق انتماء عناصر وكوادر الحركة لها، كل ذلك كان يدفع بقوة وتسارع نحو إعلان هذا المشروع الجديد على الساحة الفلسطينية مشروع “حماس”. انطلق مشروع حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بعد إعداد تراكمي لمراحل عديدة، وقد كان أول إعلان عن ذلك المشروع في بيان صدر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، تم توزيعه على الجماهير للتحذير من خطر العملاء وتبيان أساليب العدو في الإسقاط. لكن التاريخ الذي اكتسب الرمزية باعتباره يوم انطلاقة الحركة فهو يوم 14/12/1987، نظراً لارتباطه بانطلاقة الانتفاضة * الأولى، ورغم أن ذلك البيان لم يقصد به الإعلان عن نشوء الحركة، حيث أنها كانت قائمة وفاعلة على الساحة، إلا أنه يؤرخ للتاريخ الذي أعلن فيه الجماهير عن وجود الحركة وتفعيل دورها في مواجهة الاحتلال، ويؤذن بانبثاق مرحلة تبدلت فيها الأولويات ولتحسم جدلية التحرير أم التغيير لمصلحة التحرير، فأصبحت مقاومة الاحتلال هي البرنامج الأساسي للحركة دون أن يتعارض ذلك مع برنامج الدعوة والجهود المتعلقة بالتغيير الاجتماعي، وكان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة تتبوأ فيها الحركة مكاناً متميزاً في ميدان المقاومة الرحب. فكانت للحركة مشاركة فعالة في أحداث الانتفاضة إلى جانب فصائل المقاومة، وسعت إلى تطويرها من خلال جهازها العسكري (كتائب الشهيد عز الدين القسام) وقد أصاب الحركة عدد من الضربات كان من أبرزها اعتقال الشيخ أحمد ياسين وقيادة الحركة عام 1989 ثم إبعاد عدد من قيادي الحركة وأعضائها إلى مرج الزهور في لبنان عام 1990، وبلغت تلك الضربات أوجها في عام 1996 متمثلة في التحالف المحلي والإقليمي والدولي من الحركة عقب عمليات الثأر للشهيد يحيى عياش بعد مؤتمر (محاربة الإرهاب) في شرم الشيخ. ولكن الحركة تجاوزت تلك الضربات، وأعادت تنظيم صفوفها بعد كل أزمة. تعتبر “حماس” الصراع مع المشروع الصهيوني صراعاً حضارياً وجودياً لا يمكن إنهاؤه إلا بزوال سببه، وهو قيام الكيان الصهيوني الاستيطاني العنصري الاستئصالي على أرض فلسطين. كما تتمثل رؤية الحركة لهذا المشروع بالمحددات التالية: 1- المشروع الصهيوني يمثل تلاقي المصالح الاستعمارية الغربية في المنطقة مع مصلحة الحركة الصهيونية وأطماعها في أرض فلسطين، ويعزز ذلك أوهام عقائدية لدى الصهاينة اليهود والمسيحيين المتصهينين. 2- الكيان الصهيوني كيان إحلالي استيطاني، يقوم على استئصال شعب وتهجيره من أرضه قسراً، وإحلال مستوطنين محلهم باستخدام وسائل الإرهاب والتآمر كافة. 3- المشروع الصهيوني كيان توسعي يسعى للسيطرة على المنطقة وثرواتها، لذلك فإنه يمثل خطراً حقيقياً ليس على فلسطين فحسب، بل يشمل خطره العالم العربي والإسلامي. 4- هذا المشروع لا يقبل التعايش مع الآخرين بل تحكمه نزعة السيطرة والتحكم في الآخرين لخدمة مصالح الحركة الصهيونية في المنطقة والعالم لذلك لا تجدي معه دعاوى السلام والتسوية. 5- يشكل الكيان الصهيوني وسيلة استعمارية فعالة لكسر التواصل الجغرافي بين دول العالم العربي في آسيا والدول العربية في إفريقيا، لمنع أي مشروع حضاري نهضوي في المنطقة، وبذلك يحقق الأهداف الاستعمارية في الحيلولة دون تحقيق مشروع الوحدة والنهضة العربية والإسلامية. ترى “حماس” أن معركة التحرير الشاملة لفلسطين من البحر إلى النهر، لا تتحقق إلا بتظافر جهود ثلاث دوائر رئيسة هي: أ- الدائرة الفلسطينية: وتمثل رأس الرمح في معركة التحرير، ويتلخص دورها في الاستمرار في الجهاد والمقاومة والاستمرار في التمسك بالحقوق والثوابت الوطنية. وإبقاء جذوة الجهاد مشتعلة للحفاظ على وهج القضية وحيويتها، في إطار برنامج وطني أساسه المقاومة والتناقض الوجودي مع الاحتلال، لحين استكمال دور الدوائر الأخرى. ب- الدائرة العربية: وحيث إن المشروع الصهيوني يمثل خطراً على الأمة العربية جمعاء، وبالنظر إلى ما تمثله فلسطين من بعد عقائدي وقومي فإن دور الدائرة العربية في التحرير يأتي أساسياً ومركزياً، حيث تمثل الأمة العربية القوة الرئيسة التي يعول عليها للنهوض بعبء التحرير. ج- الدائرة الإسلامية: وكما أن قضية فلسطين قضية عربية فهي أيضاً قضية إسلامية تهم كل مسلم على وجه الأرض، حيث إنها أرض وقف إسلامي تضم في ربوعها أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فعلى كل المسلمين أفراداً وجماعات واجب المساهمة بكل ما يستيطعون لتحرير فلسطين، وتعتبر الأمة الإسلامية العمق الاستراتيجي والرديف المساند للشعب الفلسطيني والأمة العربية لتحرير فلسطين وإزالة الكيان الصهيوني عن أرضها. يمثل العمل العسكري في مشروع حركة “حماس” الوسيلة الاستراتيجية لتحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، وهو الضمانة لاستمرار الصراع وإشعال العدو الصهيوني عن التمدد خارج فلسطين، كما تعتبره الحركة التعبير الحقيقي عن مشروعية رفض الاحتلال ومقاومة وجوده على أرض فلسطين، هذه المشروعية مصدرها الشرائع السماوية والأعراف الدولية والتجارب الإنسانية.