حكماء إفريقيا

تصدت منظمة الوحدة الإفريقية لتسوية أزمة الصراع العربي –  الإسرائيلي بعد فشل مشروعات التسوية الأخرى، لا سيما مشروع روجرز* ومهمة بتاريخ. فبدأت جهوداً حثيثة لتقريب وجهات النظر بين مصر و(إسرائيل)، لأن مصر، وهي جزء من القارة الإفريقية وعضو مؤسس في المنظمة، تعاني من الاحتلال الإسرائيلي وتتعرض لتهديد بالعدوان المستمر عليها من جانب (إسرائيل). وفي 22/6/1971 اتحاد مؤتمر ملوك ورؤساء دول وحكومات المنظمة المنعقد في أديس أبابا (وهو أعلى هيئة فيها)، اتخذ قراراً يعد من أقوى القارات التي صدرت عن المنظمة في دعم مصر وإدانة (إسرائيل) منذ عدوان 1967. وقد طالب القرار بما يلي: 1) الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية من جميع المناطق العربية إلى حدود 4 حزيران 1967 إعمالاً لقرار مجلس الأمن رقم 242. 2) الدعم الكامل لمهمة غويار يارنغ عامة، ولمقترحات السلام التي تقدم بها في شهر شباط 1971 بصورة خاصة، وهي المقترحات التي وافقت عليها مصر ورفضتها (إسرائيل). 3) التشديد مجدداً على تضامن المنظمة مع مصر، وترحيب المنظمة بموقف القاهرة الإيجابي من مقترحات يارنغ كخطوة عملية لإقامة سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط. 4) التسديد بتحدي (إسرائيل) لمبادرة يارنغ، ومطالبتها بتقديم أجوبة إيجابية على مقترحاته. واقتناعاً من القادة الإفريقيين بأن إسرائيل ماضية في التصلب في موقفها، وأن من اللازم ممارسة الضغط عليها لزحزحتها عن هذا التصلب، اختار اجتماع القمة لجنة مؤلفة من عشرة زعماء أفارقة برئاسة المختار وليد دادا رئيس جمهورية موريتانيا، وعضوية رؤساء كل من إثيوبيا، وتانزانيا، وكينيا، وليبيريا، ونيجيريا، والسنغال، والكمرون، وساحل العاج، وزائير، لحمل (إسرائيل) على تقديم بعض التنازلات. وقد اختارت لجنة العشرة أربعة رؤساء من بينها ليقوموا بزيارة مصر و(إسرائيل) وتوجيه أسئلة محددة ومقترحات دقيقة لكل من الرئيس السادات وغولدا مائير حول مستقبل محادثات السلام. وقد تألفت اللجنة الرباعية التي سميت “لجنة حكماء إفريقيا” من رؤساء السنغال، وزائير، والكاميرون، ونيجيريا، وترأسها ليبوبولد سنغور رئيس جمهورية السنغال. وبدأت عملها في بداية شهر تشرين الثاني من عام 1971. وبعد عدد من الزيارات لكل من مصر (وإسرائيل) رفعت اللجنة تقريراً بنتائج مساعيها إلى الأمين العام للأمم المتحدة “يوثانت” والدول الخمس الكبرى والدول الإفريقية المعنية. وقد تضمن التقرير مواقف مصر و(إسرائيل) إزاء النقاط الست التالية التي أثارتها اللجنة. 1) استئناف مهمة يارنغ على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242: أجابت مصر بالترحاب وبدون تحفظات. وأما (إسرائيل) فقد أبدت موافقتها شريطة عدم فرض أية شروط مسبقة، أي عدم مطالبتها بتبديل رفضها لمبدأ الانسحاب إلى ما وراء حدود 5/6/1967، كما كان يارنغ قد طلب منها. 2) التوصل إلى اتفاق مؤقت لإعادة فتح القناة على أساس انسحاب إسرائيلي جزئي. مع حلول قوات دولية على الضفة الشرقية للقناة على القوات الإسرائيلية المنسحبة: وافقت مصر على هذا الترتيب بشرط أن تلتزم (إسرائيل) بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة حالاً. وكذلك وافقت (إسرائيل) على هذا الترتيب شريطة أن يتم التفاوض بين الطرفين على شروط هذا الانسحاب الجزئي، دون أي التزام منها بالانسحاب الكامل. 3) قضية الحدود الآمنة والمعترف بها: أصرت مصر على أن التسوية النهائية تعني انسحاب (إسرائيل) الكامل من الأراضي العربية المحتلة وفق قرارات منظمة الوحدة الإفريقية. وأما (إسرائيل) فقد أبدت استعدادها للتفاوض على شروط قيام هذه الحدود الآمنة، ليس أكثر. 4) الضمانات التي يمكن أن تقدمها منظمة الأمم المتحدة لدعم أية تسوية بين طرفي النزاع، بما في ذلك وجود قوات دولية في المناطق الاستراتيجية. كررت مصر موافقتها على تمركز القوات الدولية على جانبي الحدود في هذه المناطق. وأما (إسرائيل) فقد اكتفت ببيان استعدادها للتفاوض حول هذا الموضوع، ولكنها بينت أن لها شروطاً وتحفظات بشأنه. 5) وجود نص في التسوية النهائية حول إجراءات الانسحاب الكامل: وافقت مصر مشددة على أن الانسحاب يجب أن يكون كاملاً إلى حدود 4/6/1967، بحيث تعود جميع الأراضي العربية المحتلة إلى السيادة العربية القانونية عليها. وأما (إسرائيل) فاكتفت بإظهار استعدادها للتفاوض على الحدود التي سيتم الانسحاب إليها. 6) حرية الملاحة في مضائق تيران ووجود قوات دولية في شرم الشيخ: وافقت مصر على المبدأ. وأما (إسرائيل) فقد اشترطت التفاوض لتحقيق شروط هذا الترتيب. أمام هذا التفاوت البين في الموقفين المصري والإسرائيلي كان محتماً أن تفشل مهمة “حكماء إفريقيا”. وقد أعلن الرئيس ليوبولد سنغور هذا الفشل صراحة في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (كانون الأول 1971) ووجه فيه نقداً شديداً (لإسرائيل) بسبب “موقفها من مهمة البعثة الافريقية للسلام وانعدام رغبتها الجدية في تحقيق تسوية سياسة للنزاع”. ويتضح مما تقدم: 1) أن محاولة حكماء إفريقيا لم تكن أكثر من مساع لتقصي الحقائق وتنشيط مهمة يارنغ، فلا يمكن تسميتها “مشروع سلام” بالمعنى الدقيق للتعبير. 2) إن مساعي الزعماء الأفارقة انصبت على التسوية الجزئية بين مصر و(إسرائيل) لا على التسوية الشاملة للقضية. 3) إن الجانب المصري أظهر خلالها أقصى درجات “الليونة الاستراتيجية” وأما (إسرائيل) فمارست “تصلباً استراتيجياً” مع “ليونة في التكتيك” فحسب، إذ ردت على جميع المسائل الحساسة باستعدادها للتفاوض حولها فقط.   المراجع: –         مجلة السياسة الدولية، العدد 27، كانون الثاني 1972، القاهرة. –   ليلى سليم القاضي: تقارير حول مشاريع التسويات السلمية للنزاع العربي – الإسرائيلي 1948 – 1972، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 22، حزيران 1973، بيروت. حكماء صهيون: رَ: بروتوكولات حكماء صهيون