الحزب الوطني

بعد أن أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور*، بعد أن أتم الإنكليز احتلالهم فلسطين. برزت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الوجود لمقاومة الاحتلال وإحباط المشروع الصهيوني في استعمار فلسطين. وكان من الطبيعي أن يسعى الإنكليز والزعماء الصهيونيون إلى البحث عن أنصار لسياستهم واستعمالهم وتكتيلهم في حزب أو جمعية أو منظمة سياسية. وقد ساعدت عدة عوامل وظروف منها وجود عصبيات عائلية وعقلية قبلية سلطة الانتداب على السير في هذا الطريق. وقد تجمعت الظروف والعوامل لتفرز جماعة من المتعاونين مع الإنكليز يسعون إلى معارضة الحركة الوطنية أو إلى عرقلة مسيرتها والحد من انتشارها على الأقل. وقد بذل الإنكليز أقصى الجهود من أجل تكتيل هؤلاء المتعاونين في أحزاب سياسية معارضة للمجلس الإسلامي الأعلى* ومناهضة للحركة الوطنية، كما كان الأمر في الحزب العربي*، وذلك من قبيل تطبيق سياسة “فرق تسد” الاستعمارية، وانشغال العرب بأنفسهم. لعب الصهيونيون دوراً فعالاً وخطيراً في هذا المضمار بالتعاون مع الإنكليز. فقبل اندلاع نيران الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) كان عدد من زعماء الصهيونيين ووجهائهم في فلسطين قد أنشأوا صلات حسنة وعلاقات ودية مع فريق معين من العلماء والوجهاء والأعيان العرب. فلما تقرر تمزيق شمل العرب وتصديع وحدة الصف الوطني، وفشل الاستعمار في بلوغ جميع أهدافه، اندفع الصهيونيون لمعاونة الإنكليز في هذه المهمة، وأوكلوا إلى بعض الزعماء الصهيونيون أمر العمل في هذا السبيل. وكان السمسار الصهيوني الكبير خانكين والوجيه الصهيوني الروسي الأصل كلفريسكي على رأس هؤلاء الزعماء الصهيونيين فراحا يلعبان أخطر الأدوار للوصول إلى الغرض المنشود. واستعان كلفريسكي بأموال طائلة وضعت تحت تصرفه، وبوسائل لا أخلاقية أخرى، لبلوغ الهدف المنشود. وتمكن بهذه الوسائل من اقتناص بعض ضعاف النفوس من الوجهاء والعلماء وأبناء الأعيان فشكلوا ما أسموه “الجمعيات الإسلامية الوطنية”. ولكن المسلمين أعرضوا عن هذه الجمعيات (الكلفريسكية) فأنتهى أمرها. ثم شكل الإنكليز والصهيونيون حزب الزراع* فابتعد عنه العرب وقاطعوه، وقتل رئيسه فارس المسعود. وبعد ذلك ألفوا “جمعيات السلام العربية – اليهودية” فاعتبر العرب كل من يشارك فيها خارجاً على الأمة، وقضت نحبها. بعد الفشل الذي صادفه الإنكليز والصهيونيون في إنشاء التشكيلات والأحزاب الآنف ذكرها، وازدياد الحركة الوطنية الفلسطينية قوة وصلابة، تم الاتفاق على إنشاء الحزب الحر المعتدل الذي سمي فيما بعد الحزب الوطني، وعقد مؤتمراً له في القدس* في 9 و10/11/1923، وانتخب لرئاسته الشيخ سليمان التاجي الفاروقي*، وهو عالم ضليع ومحام قدير. ولكن لم تكد مدة قصيرة تنقضي على تشكيل هذا الحزب، وعلى انعقاد مؤتمره، حتى جرفته الحركة الوطنية الفلسطينية وانتهى أمره.