الحزب الشيوعي الفلسطيني

أ- خصوصية النشأة والموقف من القضية القومية العربية. تأسس الحزب الشيوعي الفلسطيني على أيدي مجموعة من العمال الثوريين اليهود في تشرين الأول 1919 تحت اسم “حزب العمال الاشتراكي في فلسطين”. وبعد مرحلة استمرت عدة سنوات من التخبط الايديولوجي والفكري، خصوصاً بالنسبة إلى الموقف من الصهيونية*، أعلن الحرب في تموز 1923 إدانته للصهيونية، ورفضه المطلق لمقولة “الصهيونية البروليتارية”، وأعرب عن استعداده لدعم الحركة القومية العربية في نضالها التحرري. وقد انضم الحزب الشيوعي الفلسطيني رسمياً في شباط 1924 إلى صفوف الأممية الشيوعية بعد أن وافق على تعريب صفوفه والانخراط بنشاط في النضال الوطني التحرري المعادي للامبريالية والصهيونية. وقد استطاع الحزب بالفعل منذ أواسط عام 1924 استقطاب وتنظيم عدد من العمال والمثقفين العرب، وساهم في عدد من حركات النضال الوطنية التي كانت تخوضها الجماهير العربية، ودعم تحركات الفلاحين ضد سياسة مصادرة أراضيهم. وعلى الرغم من ذلك بقيت قيادة الحزب طوال مرحلة العشرينات مركزة في أيدي اليهود، وبقي النشاط الشيوعي موجهاً بشكل رئيس إلى التجمع العمالي اليهودي في فلسطين. ولهذا السبب لم يتمكن الحزب في تلك المرحلة من اتخاذ موقف سليم من القضية الوطنية العربية في فلسطين. لقد قدر الحزب الذي كان يشكك آنذاك بإمكانيات نجاح المشروع الصهيوني تقديراً خاطئاً جوهر الحركة الصهيونية فاكتفى بالنظر إلى الصهيونية كأداة في يد الامبريالية لقمع العمال اليهود والهائهم عن الصراع الطبقي، ولم ينظر إليها كحركة لها مطامعها ومصالحها الخاصة في فلسطين فعجز بالتالي عن تلمس خطر المشروع الصهيوني الذي كان يرمي إلى استعمار فلسطين والسيطرة الاقتصادية على البلاد، وإلى اقتلاع عرب فلسطين من وطنهم. ومن هنا غالى الحزب في إمكانية فصل العمال اليهود عن جسم الحركة الصهيونية، واعتقد أن تحقيق “التضامن الأخوي” بين العمال اليهود والعرب في معركتهم المشتركة ضد الاستغلال الرأسمالي والاضطهاد الاستعماري، كفيل وحده بحل معضلات ما أسماه “المسألة القومية الكولونيالية في فلسطين”. ب- الانعطاف في سياسة الحزب تجاه القضية الوطنية: فاجأت ثورة 1929* الحزب الشيوعي الفلسطيني على حين غرة فارتبكت قيادته في تقويم مضمونها، وعجزت عن لعب دور مؤتمر في أحداثها. وقد انتقدت الأممية الشيوعية تقاص الحزب من لعب دور طليعي في الثورة، وربطت ذلك بعجز قيادته عن تعريب صفوف الحزب. وقد أكدت الأممية الشيوعية أن تعريب الحزب الشيوعي الفلسطيني لا يعني تغيير قيادته اليهودية واستبدال قيادة عربية بها فحسب، بل يعني أساساً توجيه نشاط الحزب إلى العمال والفلاحين العرب، والسعي للعب دور طليعي في النضال الوطني التحرري الذي كانت تخوضه الحركة الوطنية العربية الفلسطينية. واستناداً إلى توجيهات الأممية الشيوعية انتقدت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني نقداً ذاتياً موقفها السابق تجاه القضية الوطنية وتجاه مسألة التعريب، وباشرت في الإعداد لعقد مؤتمر عام للحزب يكرس سياسة التعريب في المجال العملي. كان المؤتمر السابع للحزب الذي انعقد في مدينة القدس* في كانون الأول 1930 حدثاً تاريخياً في حياة الحزب ومنعطفاً في مسيرة الحركة الشيوعية في فلسطين. قد اتخذ المؤتمر خطوات عملية عديدة على طريق التعريب مكنت الحزب للمرة الأولى في تاريخه من مقاربة القضية الوطنية العربية في فلسطين. فقد انتقد المؤتمر السابع مواقف القيادة القديمة للحزب “التي عجزت عن اتخاذ موقف صائب من المسألة القومية في فلسطين”، وأكد أن محور هذه المسألة “يرتكز على الموقع الخاص الذي تحتله الأقلية اليهودية في البلاد”. وقد أشار المؤتمر إلى أن الأقلية اليهودية في فلسطين الواقعة تحت التأثير الصهيوني “تلعب دور عميل مباشر اللإمبريالية الإنكليزية، تستخدمه في قمع الحركة الوطنية التحررية”، كما أشار إلى أن الصهيونية “لا تمثل أداة للإمبريالية الإنكليزية فحسب بل تمثل أيضاً قاعدة إمبريالية متقدمة الاضطهاد واستثمار الجماهير العربية”. – – -حدوتأأ (1) (2) (3) (4) (5) (6) (7) (8) (9) (10) (11) (12) (13) (14) (15) (16) (17) (18) (19) وقد سعى الحزب في أعقاب مؤتمره السابع إلى ربط النضال الوطني التحرري ضد الامبريالية والصهيونية بالنضال الاجتماعي الدائر في الأرياف، كما سعى إلى ربط النضال الفلسطيني بالنضال العام المعادي للامبريالية في الوطن العربي. ففي الوثيقة التي أصدرها في عام 1931 الحزب الشيوعي الفلسطيني بالاشتراك مع الحزب الشيوعي السوري تحت عنوان “مهمات الشيوعيين في الحركة القومية العربية” طرحت قضية الوحدة العربية بشموليتها على أساس وحدة المشرق والمغرب العربيين، انطلاقاً من حقيقة أن الوطن العربي قد قسم بصورة مصطنعة إلى دول متعددة، مما يفرض بالتالي ضرورة النضال في سبيل الوحدة العربية من خلال توحيد النضال المعادي للامبريالية على صعيد الوطن الواحد ككل. ج- دور الحزب في ثورة 1936 – 1939* وبوادر الانقسام القومي: استطاع الحزب الشيوعي الفلسطيني بعد نجاحه في تعريب صفوفه أن يلعب دوراً بارزاً في انتفاضة تشرين الأول 1933، خصوصاً في التظاهرات العمالية التي استمرت ثلاثة أيام متتالية في مدينة يافا*. وقد اعتبر الحزب أن الثورة التي اندلعت في نيسان 1936 (رَ: ثورة 1936 – 1939) تمثل حلقة رئيسة في سلسلة الانتفاضات العربية ضد الإمبريالية والصهيونية، وأشار إلى أن النضال ضد “سياسة الغزو الصهيونية” هو المهمة العاجلة المطروحة أمام الحركة الوطنية العربية في ظروف تلك المرحلة. ففي البيان الذي أصدره في 10/6/1936 أشار الحزب إلى “أن الاحتلال البريطاني – الصهيوني بات يتطلب مقاومة سريعة وفعالة، وإلا فإن الشعب العربي، في حال استمرار سياسة النهب الصهيونية، سيفقد بلاده فلسطين إلى الأبد. وقد دعا الحزب منذ الأيام الأولى لاندلاع الثورة جماهير العمال اليهود إلى الالتحاق بنضال الحركة الوطنية العربية التحرري، وأعرب عن اقتناعه بأن التحاق الجماهير اليهودية بالنضال “ضد الصهيونية وضد الاحتلال البريطاني كفيل وحده بضمان الحقوق الكاملة للأقلية القومية اليهودية في فلسطين بعد تحررها من سيطرة الإمبريالية”. وقد دعا الحزب بعد تصاعد الثورة في جميع أرجاء البلاد إلى “دعم النضال الشجاع لمجموعات الأنصار بكل السبل الممكنة”، كما دعا أعضاءه إلى المساهمة بنشاط في أعمال هذه المجموعات، وأكد أن لجوء الحركة الوطنية العربية الفلسطينية إلى هذا الشكل النضالي له ما يبرره في ظروف تلك المرحلة التي واجهت فيها الحركة جيشاً مجهزاً بأحدث الأسلحة. وهكذا “ستجعل الحركة التحررية العربية الاستمرار في الاستيطان الصهيوني عملية مستحيلة”. لقد ساعد الموقف الذي اتخذه الحزب الشيوعي، خلال ثورة 1936 -1939، على دعم الحركة الوطنية العربية، ولكنه أضعف في الوقت ذاته تأثيره بين صفوف العمال اليهود. وهكذا بدأت تظهر بوادر الانقسام في صفوف الحزب بدءا من عامي 1938 و1939 حين اتخذت بعض المنظمات الحزبية اليهودية، ولا سيما في مدينتي القدس وتل أبيب، مواقف متميزة من مواقف اللجنة المركزية. وقد أدى تطور هذه المواقف إلى حدوث الانقسام داخل الحزب في أيار 1943، وإلى خروج الشيوعيين العرب من صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني وتشكيلهم فيما بعد عصبة التحرر الوطني. المراجع: –         موسى البديري: الحزب الشيوعي الفلسطيني 1919 – 1948، العرب واليهود في النضال من أجل الأممية، لندن 1979. –         ماهر الشريف: الأممية الشيوعية وفلسطين 1919 – 1928، بيروت 1980. –         سميح سمارة: العمل الشيوعي في فلسطين، الطبقة والشعب في مواجهة الكولونيالية، بيروت 1979.   الحزب الشيوعي اليهودي (1921): رَ: هيكرافت (لجنة -) الحزب الشيوعي اليهودي (1943): رَ: الحزب الشيوعي الإسرائيلي