حيفا

كانت حيفا* في عام 1947 من أكبر موانىء شرقي البحر المتوسط بعد الاسكندرية. وزاد من أهميتها وجود مصفاة لشركة نفط العراق فيها، بالإضافة إلى وقوعها على عقدة طرق هامة حديدية وبرية. وبالتالي اكتسبت أهمية خاصة بالنسبة إلى السلطات البريطانية التي خططت لإجلاء قواتها عبر ميناء حيفا. وكانت لهذه المدينة أيضاً قيمة كبيرة في نظر الصهيونيين لكونها حلقة الوصل بين خطي المستعمرات الصهيونية الذين يمتد الأول منهما من مرج ابن عامر* إلى طبرية*، ومن ثم المطلة على الحدود اللبنانية، ويمتد الثاني عبر السهل الساحلي* الأوسط إلى يافا*، ولأنهم طامعون في استغلال مرفئها لجلب المهاجرين الصهيونيين، في استغلال نفط المصفاة. وأما بالنسبة إلى العرب فإن مدينة حيفا وسواها من مدن وقرى فلسطين تشكل أرضهم ووطنهم وحياتهم منذ أجيال، وبالتالي فهي أكثر أهمية من كونها ميناء أو مصفاة أو مدينة كبرى. بدأ العرب فور صدور قرار التقسيم في 29/11/1947 (رَ: تقسيم فلسطين)، يستعدون للدفاع عن أنفسهم ومدينتهم، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى السلاح والعتاد، شأنهم في ذلك شأن عرب المدن الفلسطينية الأخرى، لأن حكومة الانتداب البريطاني حرمت على السكان العرب اقتناء السلاح أو حمله في حين تكدست الأسلحة لدى الصهيونيين. وبالتالي ضمت مدينة حيفا قوة عسكرية صهيونية مدربة من الهاغاناه* والأرغون* تبلغ حوالي خمسة آلاف مقاتل منظمين ضمن وحدات وتشكيلات نظامية بقيادات كاملة من الناحية الجغرافية كانت الأحياء العربية واقعة في أرض منبسطة أسفل جبل الكرمل* في حين كان الصهيونيون الأفضل تنظيماً وتسليحاًَ يقطنون حي “هدار هاكرمل” على سفوح جبل الكرمل، وعلى المرتفعات وبجوار الميناء، ويطوقون بذلك الأحياء العربية. وبالإضافة إلى هذا كانت مدينة حيفا محاطة من جهاتها الأربع بعدد من المستعمرات الصهيونية القادرة على عرقلة المواصلات بين حيفا والمدن العربية المجاورة. صمم العرب على الدفاع مهما كلفهم الأمر، وشعروا بأن وضعهم يفرض عليهم الاعتماد على النفس، فتألقت لجنة وطنية مسؤولة سياسياً أمام الهيئة العربية العاليا*، واعتمدت في تموينها بالسلاح على وعود اللجنة العسكرية* الموجودة في دمشق. وكان يترأس اللجنة الوطنية رشيد الحاج إبراهيم* وكلف الملازم محمد حمد الحنيطي مهمة قيادة الحرس الوطني وتنظيم الدفاع عن المدينة فقسمها إلى عشرة قطاعات جعل في كل منها جماعة مسلحة بقيادة شخص مسؤول واحد يتولى الاتصال بقيادة المدينة المركزية. ولم يزد عدد أفراد الحرس الوطني عن 350 شاباً معظمهم غير متفرغ للمهام العسكرية. وقد لقي الحنيطي صعوبات جمة في الحصول على السلاح اللازم. تولت اللجنة إلى جانب قضايا الأمن مهمة الإشراف على مختلف المصالح العربية فأصدرت نظاماً للتقنين ومراقبة الأسعار، وأشرفت على جمع النبرعات وصرفها. وعندما احتدمت المعارك نظمت الخدمات الطبية ومساعدة المنكوبين وتأمين المأكل والمأوى لأبناء الشهداء. بدأت الاشتباكات اليومية بين العرب والصهيونيين فور صدور قرار التقسيم،ووقعت عدة اشتباكات أساسية زادت من توتر الموقف، ولا سيما بعد انفجار قنبلة وضعها الإرهابيون الصهيونيون في القطاع العربي من المدينة بتاريخ 30/12/1947، فكان من نتيجة الانفجار مقتل 6 وجرح 41 من العمال العرب العاملين في مصفاة النفط انتقم لهم رفاقهم بالانقضاض على الصهيونيين العاملين في هذه المصفاة وقتل 41 منهم. وبتاريخ 14/1/1948 فجر العرب عربة بريد في القطاع الصهيوني وأصيب من جراء ذلك 45 صهيونياً. وكان أسوأ حدث بالنسبة إلى عرب حيفا استشهد الملازم محمد الحنيطي الذي كان عائداً مع قافلة محملة بالسلاح والذخيرة من لبنان فتصدى له كمين صهيوني بتاريخ 18/3/1948 على مقربة من مستعمرة “كريات موتسكين”. وقيل إن ضابطاً بريطانياً هو الذي نقل أخبار هذه القافلة إلى الصهيونيين فجهزوا لها كميناً وتمكنوا من تفجير إحدى العربات وقتل عدد من المناضلين في حين تمكنت عربتان تنقلان السلاح والذخيرة من التملص والعودة. أثر حدث استشهاد قائد الدفاع عن حيفا في معنويات سكانها العرب، ولكن اللجنة الوطنية أسرعت بتكليف أمين عز الدين مهمة القيادة فوصل إلى حيفا يوم 27/3/1948 ومعه حوالي 40 مجاهداً. وفي أواخر شهر آذار 1948 نصب العرب كميناً لقافلة صهيونية متجهة نحو كيبوتس “يحيام” وقضوا عليها تماماً. توالت الاشتبكات يومياً وزاد في إضرابها الحاكم البريطاني الذي كان يوعز إلى قواته، بداعي منع الصدام، ان تطلق النار على العرب تارة وعلى الصهيونيين تارة أخرى، موحياً بأن كل طرف يطلق على الآخر، مما كان يزيد الموقف توتر. ومع اقتراب موعد جلاء القوات البريطانية عن حيفا وضع الجنرال ستوكويل القائد البريطاني خطة لحشدها في المرفأ وأبلغ الأهلين أنه لن يتدخل في المنازعات وأن كل همه هو تأمين تحرك قواته بسلام نحو الميناء. ورفض رفضاً قاطعاً الاستماع إلى العرب عندما ذكروا بأن الحكومة البريطانية هي المسؤولة عن الأمن حتى جلاء قواتها. بل انه عندما شن الصهيونيون هجوماً قوياً على منازل العرب في 19/4/1948 عمل على منع وصول النجدات العربية من القرى المجاورة وصادر كل سلاح وحده بين أيدي العرب. وفي يوم 21/4/1948 أبلغ الحاكم العسكري البريطاني المسؤولين العرب قراره الجلاء عن حيفا في حين قد أبلغ الجانب الصهيوني بذلك قبل أربعة أيام (17/4). وكان هذا الإعلان إشارة البدء للقوات الصهيونية لتطبق الخطة التي وضعتها منذ مدة للاستيلاء على حيفا بكاملها واطلقت عليها اسم “مسباراييم” (المقص). وتتلخص فكرتها في تمزيق الحي العربي إلى ثلاثة أقسام توطئة لاحتلاله وفقاً للأسلوب التالي: 1) تقوم سرية من اللواء “كارميللي” (هاغاناه) باقتحام وادي رشمية شمالي شرق المدينة وإقامة رأس جسر على جانبه الآخر. 2) تهبط قوة كبيرة من “هدارا هاكرمل” متجهة مباشرة نحو الحي العربي القريب من الميناء. 3) تنطلق قوة ثالثة من الحي التجاري الملاصق للميناء فتلتقي القوة الثانية الهابطة من “هدارا هاكرمل” لتضغط معاً على الحي العربي من الطرفين. وقد ذكر نيتانبيل لورش في كتابه “حرب الاستقلال الإسرائيلية” أن أفراد هذه القوة الثالثة كانوا قد وضعوا سابقاً في المنطقة على أساس أنهم عمال زراعة وأخفوا أسلحتهم لاستخدامها عند تنفيذ الخطة. ومع فجر يوم 22/4\1948 اندفعت سرية من اللواء كارميللي بشكل مفاجىء، وعبرت جسر وادي رشمية طبقاً للخطة وتمكنت بعد معركة ضارية جداً من الوصول إلى بيت النجادة، وهو بناء حجري مشرف على الوادي، وتمركزت فيه وأخذت تطلق النار على المجاهدين الذين أسرعوا من مختلف الجبهات وطوقوا هذه القوة وأصلوها نيراناً حامية أدت إلى مقتل الكثير من القوة الصهيونية، فاستنجدت هذه عبثاً بقيادتها التي حاولت فك الحصار دافعة بعض الدبابات المصفحة، ولكن العرب كانوا لها بالمرصاد. وبقيت السرية مطوقة طوال اليوم، وإن كانت قد أدت إلى جانب العديد من المناضلين نحوها مما سهل عمليات القوة الرئيسة من اللواء كارميللي التي اندفعت مساء اليوم نفسه، وتمكنت بعد قتال من منزل إلى منزل إلى أهدافها والالتقاء بالقوة الثالثة. وما إن انبلج صباح يوم 23/4/1948 حتى كان الحي العربي قد تم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام وبدأت قوات كارميللي تهاجم كل قسم على حدة، ناسفة كل منزل تصدر عنه أية مقاومة، مدمرة إياه على ساكنيه. عند ذلك تدخل الجنرال ستوكويل، بعد أن تأكد من سيطرة القوات الصهيونية على المدينة، وبعد أن بذلت قواته كل جهودها لمنع وصول النجدات العربية، ولا سيما مناضلي الطيرة* التي وصل منها حوالي 300 مناضل إلى مشارف حيفا، تدخل وطلب من الطرفين عقد هدنة بينهما. وعندما اجتمع الطرفان لدى الحاكم العسكري البريطاني أبلغ هذا الأخير الجانب العربي أنه لن يسمح للقوات العربية المسلحة يدخل للمدينة، وأنه على استعداد فقط للتوسط بينهم وبين الصهيونيين على أن يقبلوا الهدنة، وقدم لهم شروط الجانب الصهيوني وهي عشرة، تتخلص بتسليم العرب كامل أسلحتهم وعتادهم خلال ثلاث ساعات، وإزالة جميع الحواجز في الطرق، وتسليم إدارة المدينة للسلطات الصهيونية التي تفرض منع التجول وتقوم خلاله بتفتيش المنازل بحثاً عن السلاح غير المسلم. فطلب الجانب العربي مهلة للتشاور حول هذه الشروط. وعند مغادرة الجنرال البريطاني دار البلدية قال إنه لن يكون مسؤولاً عن ذبح العرب إذا لم توقع تلك الشروط حتى الساعة السادسة والنصف مساء. وبعد التشاور قرر العرب بالإجماع رفض هذه الشروط وفضلوا إخلاء المدينة على تسليم أسلحتهم لاقتناعتهم بأنهم سيعرضون للمذابح إذا سلموا السلطات الصهيونية سلاحهم. عمد الصهيونيون فور سيطرتهم على المدينة إلى مساجدها اسطبلات، ونزعوا شواهد القبور الرخامية ليستخدموها في عمليات البناء، وألقوا جثث الشهداء على الأرصفة إشاعة للرعب في نفوس من بقي من العرب في حيفا وفي سواها من المدن والقرى العربية. وهكذا غادر المدينة حوالي 70 ألف عربي وتوزعوا على البلدان المجاورة. وكان سقوط حيفا بيد الصهيونيين خسارة كبيرة أثرت بعد ذلك في سير الحرب بكاملها.   المراجع: –         عارف العارف: النكبة، ج1، بيروت 1956. –         حسن البدري: العرب في أرض السلام، القاهرة 1976. –         الموسوعة العسكرية: ج1، بيروت 1977.