حرب 1973

أ- الوضع العام والاستعداد للحرب: 1) الوضع العسكري بعد 1967: كان الوضع العسكري العربي غداة عدوان حزيران 1967* قاسياً ومؤلماً. فقد استولت القوات الإسرائيلية على فلسطين بكاملها، واحتلت في الجنوب سيناء ووصلت إلى قناة السويس، واحتلت في الشمال مرتفعات الجولان، على حين فقدت دول المواجهة العربية، مصروسورية والأردن، قسماً هاماً من إمكاناتها العسكرية وجزءاً من طاقاتها الاقتصادية. 1)كانت هذه هي النتائج المباشرة للعدوان 1967 على مساحة المواجهة. أما في المجال السياسي، وعلى صعيد الأمم المتحدة، فقد رفضت (إسرائيل) بعناد وتصميمهم قبول أي حل يؤدي إلى انسحاب قواتها من الأراضي التي احتلتها بالقوة، كما رفضت رفضا قاطعا الاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني* ويحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم (رَ: العودة، حق). في المواجهة هذا الوضع العسكري السياسي تأكد للحكومات العربية بعامة، والسورية والمصرية بخاصة، أن القوة هي الوسيلة الوحيدة لاسترداد الحق العربي المغتصب. 2) الاستعداد للحرب: بدأت سورية ومصر تستعدان للمعركة في مختلف المجالات. وكان من الطبيعي أن يحطى تسليح القوات المسلحة وتدريبها وإعادة تنظيمها بالاهتمام الأول.وقد بدأ تطبيق البرامج الخاصة بذلك، بالرغم من أن المعارك توالت على الجبهتين السورية والمصرية وبلغت ذروتها في حرب الاستنزاف* التي نشبت على الجبهتين. وفي هذه الظروف الصعبة ازداد بروز المقاومة الفلسطينية على ساحة النضال المسلح. بأعمال محدودة في بادىء الأمر ضد العدو المحتل. في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم ما لبثت المقاومة أن طورت أعمالها حتى أخذت شكل ضربات مواجهة للعدو التي كان يرد بضربات انتقامية في الأرض ومن الجو تحملت سورية والأردن القسط الأكبر منها بسبب وجود قواعد الفدائيين فوق أراضيهما. التقت سورية ومصر على إرادة تحرير الأراضي المحتلة والإسهام في توفير الظروف والعوامل لنيل الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية. وتجسدت هذه الإرادة في الاتفاقية العسكرية التي وقع عليها القطران السوري والمصري يوم 26/11/1970 وحددت فيها أهداف الصراع القادم وطرق قيادته وأجهزته التنفيذية. وكانت هذه الاتفاقية الأساس الذي بنيت عليه الخطة الاستراتيجية العسكرية والسياسية لحرب 1973. أخذت الخطة الاستراتيجية السورية المصرية المشتركة التي تكاملت جوانبها وعناصرها خلال المرحلة الواقعة بين تشرين الثاني 1970 وتشرين الأول 1973 في حسابها حدود الصراع المسلح وقيوده في الظرف الراهن آنذاك، فهو صراع يدور في وضع عالمي بالغ التعقيد قائم على أسس التوازن السوري والقدرة المتبادلة على الردع الاستراتيجي، إلى جانب اتجاه يزداد اتساعاً نحو الانفراج الدولي وتسير في طليعته الدولتان العظميان الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وتحكم الصراع المسلح عوامل وعناصر ومعادلات متعددة متشابكة تختلف قوة وضعفاً، وظهوراً واختفاء، حسب المكان الذي ينشب فيه الصراع والظروف المحيطة به، ويبدو الرأي العام العالمي، ولا سيما المتمثل بمنظمة الأمم المتحدة، أحد العوامل الهامة المؤثرة في الصراع. 3) الاستراتيجية الإسرائيلية: إن الإعداد لأي صراع مسلح لا بد من أن يأخذ بعين الاعتبار قوة العدو وإمكاناته وقدرته على تحمل الحرب وآثارها، وأن يحدد نقاط القوة لديه لضربها أو شلها. ونقاط الضعف فيه لاستغلالها والنفاذ منها. وللتعرف إلى الملامح الرئيسة للاستراتيجية العربية في حرب 1973 لا بد من التعرض بإيجار الى ملامح الاستراتيجية الإسرائيلية. وكانت الخطوط الرئيسة للاستراتيجية الإسرائيلية عند نشوب حرب 1973 امتدادا لنتائج عدوان حزيران 1967. فقد خططت (إسرائيل) للاحتفاظ بمكاسب تلك الحرب، ثم استيعابها حتى تضع نهاية للمطالب العربية وتحقق بعض أهداف الصهيونية في التوسع في المرحلة الراهنة. ويمكن تلخيص تلك الخطوط الرئيسة بما يلي: (1) الاحتفاظ بالوضع العسكري الناتج عن حرب 1967 في الجبهات المحيطة (بإسرائيل) والأراضي المحتلة مستقراً هادئاً، ومجابهة كل تحرك عربي، سواء كان فلسطينياً أو من إحدى الدول العربية، بردة فعل رادعة ضاربة أقسى وأعنف من الفعل ذاته. (2) استمرار حالة “اللاسلم واللاحرب”، والعمل على إجهاض أي عنصر يمكن أن يغير معالمها أو يؤثر فيها. (3) الاحتفاظ بقوة عسكرية متفوقة دائماً. (4) ترتيب الأوضاع في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، واستعمارها وتغيير معالمها وبنيتها الجغرافية والسكانية، تمهيداً لاستيعابها وضمها. (5) الارتباط بقرى دولية كبرى تعتبر حليفاً قوياً ومضموناً تتبادل معه الخدمات وتأمين المصالح. والولايات المتحدة هي الدولة الكبرى الرئيسة التي اتخذتها (إسرائيل) حليفاً صدوقاً لها في المرحلة الراهنة. (6)استثمار الفرص لضرب جيوش الدول العربية المحيطة (بإسرائيل) وتحطيم الجهاز العربي العسكري والحاق الهزيمة بالقوات العربية إذا أمكن ذلك.  (7) إضعاف الطاقات العربية وتهديدها وتفتيتها. وكانت القيادة العسكرية الاسرائيلية أسست الجيش ودربته وطورته وسلحته بشكل يؤهله للتدخل وفق مبادىء ثلاثة هي العمل الهجومي، والحرب الخاطفة، ونقل المعركة إلى أرض العدو. ثم جاءت نتائج حرب 1967 لتضيف عنصراً جديداً إلى المذهب العسكري الإسرائيلي هو عنصر الدفاع على خطوط دفاعية محصنة ومجهزة بأفضل ما تعرفه ترسانات الأسلحة من عتاد وتجهيزات ووسائل اتصال،على أن تكون تلك الخطوط مخافز صدامية تراقب وترصد حركات العدو، وتعيق تقدمه إذا ما بدأ الهجوم ريثما تتمكن قوات النسق الثاني والقوات العاملة والقوات الاحتياطية من التحرك على محاور العمليات وضد الهجوم. وهكذا كانت خطوط الدفاع الإسرائيلية على قناة السويس وهضبة الجولان وضفاف الأردن، سواء ما كان منها خطاً دفاعياً متصلاً أو شبكة مستعمرات دفاعية، الحد الأمامي الذي يحفظ الأمن الإسرائيلي في مرحلة الترقب والرصد وإعاقة أي هجوم عربي محتمل. كونت (إسرائيل) من نتائج عدوان 1967 ما سمي “نظرية الأمن الاسرائيلي”. وهي نظرية تقوم في جوهرها على أن أمن (إسرائيل) هو الأساس والغاية، وأن على “أمن الآخرين” أن ينسجم ويتلاءم مع ذلك الأساس وهذه الغاية. لذا فإن كل ما يحقق (لإسرائيل) الأمن يجب أن يعتبر مقبولاً ومبرراً، ويدخل في إطار ذلك استعمار الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) في حزيران 1967، وإقامة المستعمرات فيها وتغيير معالمها الجغرافية والسكانية والطبيعية، وفرض الشروط التي تراها هي مناسبة لها ومحققة لأغراضها من أجل إقامة “السلام الإسرائيلي” في المنطقة. استراحت (إسرائيل) إلى استراتيجيتها هذه أن توفر لديها الاقتناع بأن الدول العربية تفتقر إلى القوة الكافية والقدرة على التخطيط والتنظيم والتنفيذ، وبأن الفرقة بينها لا تؤهلها للالتقاء على هدف واحد محدد، أو لتوحيد صفوفها وتنظيم قواها واستحدام طاقاتها وفق استراتيجية موحدة شاملة. وإذا ما حدث ذلك فإن القوات الإسرائيلية الضاربة (الجوية والمدرعة) قادرة على تحطيم القوات العربية المهاجمة. يضاف إلى ذلك أن تجربة (إسرائيل) في الحروب والمعارك السابقة علمتها بأن التنسيق بين الجبهات العربية الشمالية والجنوبية والشرقية، فيما يتعلق بالعمليات الحربية، مفقود أو يكاد يكون مفقوداً. وهذا يساعد (إسرائيل) على تطبيق مبدأ استفراد هذه الجبهات الواحدة تلو الأخرى فتركز جهدها العسكري الرئيس على الجبهة التي تبدو أكثر خطراً من غيرها، حتى إذا أزالت الخطر أو أوقفت الهجوم أو ردته انتقلت بجهدها الرئيس إلى الجبهة الثانية، وهكذا دواليك. 4) الاستراتيجية العربية: وضعت سورية ومصر أسس الاستراتيجية العربية وملامحها العامة في الاتفاقية العسكرية التي مر ذكرها، ومن خلال، “القيادة العامة للقوات المسلحة الاتحادية” التي أنشأتها تلك الاتفاقية. خططت سورية ومصر للحرب على أنها حرب محلية شاملة طويلة المدى الزمني، تردفها الطاقات العربية المختلفة، وتستخدم فيها الأسلحة التقليدية، وتحدد أهدافها الاستراتيجية بوضوح بحيث تكون حاسمة تؤدي إلى تغيير ميزان القوى في المنطقة، وتجعل الكفة ترجح لصالح الجانب العربي، وتهدم نظرية الأمن الإسرائيلي، وتبطل أسطورة التفوق العسكري للعدو، وتعيد إلى العرب ثقتهم بنفوسهم وقدرتهم على حماية وطنهم وصيانة حقوقهم، وذلك بإقناع العدو، عن طريق استخدام القوة العسكرية، بأن استمرار احتلاله للأراضي العربية وإنكاره حقوق الشعب الفلسطيني أمران لا يمكن أن يستمرا. كان جوهر الخطة الاستراتيجية السورية – المصرية المشتركة هو الانتقال من مرحلة الدفاع الاستراتيجي إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي. وقد تطلب تحقيق هذا الانتقال عدة سنوات من الإعداد والتجهيز والتسليح والتدريب. وكان لا بد لهذه الخطة من أن تبنى على هيكل أهم عناصره. (1) عوامل القوة لدى الجانب السوري – المصري، والمستوى الذي بلغته قواته المسلحة. (2) مدى القدرة على تحقيق فكرة شمولية الحرب في الإطار العربي الواسع بحيث تردف الدول العربية – قدر المستطاع وحسب إمكان كل منها، وما تسمح به ظروف الحرب وتطور الوضع الدولي – ساحة المعركة بمختلف الطاقات العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها. (3) عوامل الضعف لدى العدو، وأبرزها: القوى البشرية الإسرائيلية المحدودة العدد، والشعور بالتفوق والغرور اللذان أصبحا يؤثران في صحة تقدير قدرات الخصم، والشعور بالاسترخاء الاستراتيجي لدى القيادتين السياسية والعسكرية في (إسرائيل). وقد أدى ذلك إلى نشوء فكرة عدم الحاجة الملحة إلى أخذ المبادرة الهجومية في جميع الظروف، وإلى الشعور بالاطمئان إلى قدرة الخطوط الدفاعية على امتصاص الضربة العربية الأولى في حال حدوثها. وإلى جانب ذلك كله استطاعت القيادة السورية-المصرية الاتحادية أن تحقق لنفسها خلال الفترة الواقعة بين عدوان 1967 وحرب 1973 بعض العناصر والعوامل التي تشكل ركائز للخطة الاستراتيجية الشاملة. ولعل أبرز هذه الركائز. (1) الاستفادة من دروس عدوان 1967 ونتائجه. (2) بناء القوة الذاتية الاقتصادية والعسكرية، وتنظيم الجبهة الداخلية تنظيماً يسند جبهات العمليات الحربية ويوفر لها الخدمات والإمداد والتموين. (3) توفير القيادة القادرة على تحمل مسؤولية اتخاذ القرار الحاسم وقيادة المعركة. (4) تصفية جو العلاقات العربية من الشوائب التي كانت عالقة به والتي كانت تحول دون توفير العوامل اللازمة لوحدة الصف العربي في مواجهة العدو الصهيوني. وقد أدى ذلك كله إلى تجميد الخلافات بين الدول العربية ورفع هدف المواجهة مع العدو وفوق جميع الأهداف والخلافات والمشكلات المحلية. وكان هذا هو مضمون شعار “قومية المعركة”وشعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، اللذين ارتفعا قبل الحرب وأثناءها. (5) تهيئة الجو الدولي بشكل يوفر اقتناع الرأي العام العالمي ومنظمة الأمم المتحدة بأن (إسرائيل)، برفضها المستمر لقرارات الأمم المتحدة وإصرارها على الاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها في عدوان 1967 وإنكارها حقوق الشعب الفلسطيني، تدفع المنطقة إلى الحرب، وتعرض السلم والأمن الدوليين إلى الخطر، وقد تدفع العالم كله إلى حافة حرب عالمية مدمرة. (6) التخطيط للمعركة بشكل يحرم العدو من مزايا البدء بالضربة المفاجئة الأولى والاستفراد بجبهة دون أخرى. (7) التمسك بالسعي لحل القضية حلاً سلمياً يحقق الأهداف العربية. (8) بذل أقصى الجهود السياسية عن طريق العلاقات الدباوماسية والمنظمات والمؤتمرات الدولية من أجل عزل (إسرائيل) في الإطار الدولي. (9) توجيه السياسية الإعلامية بشكل مدروس ومنسق لخدمة أهداف الخطة الاستراتيجية. ب- خطة بدر: عكفت القيادة العامة للقوات المسلحة الاتحادية على وضع خطة للعمليات أطلقت عليها الاسم الرمزي “خطة بدر”. وقد ضمنتها الأعمال القتالية الرئيسة التالية: 1) الهجوم الصاعق المفاجىء على العدو في كلتا الجبهتين السورية والمصرية في وقت واحد، واختراق الخطوط الدفاعية المحصنة، والاندفاع إلى داخل الترتيب الدفاعي المعادي. 2) شل فعالية العدو الجوية،أو منعه من التأثير في شدة الاندفاعة العربية، وذلك بالأسلحة المضادة للطائرات بالتعاون مع القوات الجوية. 3) شل فعالية القوات المدرعة المعادية، وذلك باستخدام شبكة واسعة وكثيفة من الأسلحة المضادة للمدرعات بالتعاون مع نيران كثيفة تطلقها المدفعية. 4) عرقلة خطوط مواصلات العدو وتموينه وإمداده. 5) تحقيق أكبر تعاون وتنسيق بين مختلف صفوف الأسلحة في المعركة. ومن أجل التنسيق بين القطرين السوري والمصري،والاعداد للحرب،قام الفريق الأول أحمد إسماعيل القائد العام للقوات الاتحادية بزيارة دمشق عدة مرات. وتم الاتفاق بين القيادتين السياسيتين السورية والمصرية يوم 27/8/1973 على أن يبدأ تنفيذ الخطة في الأسبوع الأول من شهر تشرين الأول 1973، وعلى أن يترك للقائد العام أمر تحديد اليوم والساعة.وقد قرر القائد العام يوم 8/9/1973 أن يبدأ تنفيذ الخطة في الساعة 14:00 من يوم 6/10/1973. كان أحد أهم العناصر التي بنيت عليها خطة بدر عنصر المفاجأة. وهذا كانت جميع التدابير التي اتخذتها سورية ومصر في مرحلة الإعداد والتحضير في مختلف المجالات تجري في إطار الكتمان والتمويه وتضليل العدو. وبالرغم من ذلك لاحت في الأفق أمور كادت تحبط المفاجأة. ومن ذلك زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان هضبة الجولان يوم 26/9/1973، وتهديده سورية بشن الحرب عليها بعد أن لاحظ مظاهر نشاط عسكري غير عادي على الجبهة السورية، وتعزيزه القوات الإسرائيلية في الجولان بوحدات إضافية من الدبابات والمدفعية.ومن ذلك أيضاً الخطأ الذي وقعت فيه وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية حين نشرت يوم 2/10/1973 خبراً يقول “إن الجيشين الثاني والثالث قد وضعا في حالة تأهب”. يضاف إلى ذلك أن التحركات الأخيرة التي كان لا بد للقوات المسلحة من أن تقوم بها بسرعة وكثافة أضعفت إجراءات التكتم والتضليل والتمويه.وقد دفع ذلك الحكومة الإسرائيلية إلى الإسراع في اتخاذ التدابير اللازمة، فأمرت يوم 5/10/1973 باستنفار القوات الجوية، وأعلنت في الساعات الأولى من يوم 6/10 التعبئة العامة، وأمرت بتطبيق خطط العمليات الحزبية، ووجهت الوحدات العاملة إلى الجبهتين الشمالية والجنوبية، وأخذت تسوق الوحدات الاحتياطية الواحدة تلو الأخرى إلى الجبهتين المذكورتين. وما إن أزفت ساعة الصفر (14:00) من يوم 6/10/1973 حتى انطلقت القوات السورية والمصرية من مواقعها على الجبهتين لتنفيذ خطة بدر. جـ- الجبهة السورية: 1) الهجوم: كان النسق الأول للهجوم السوري العام مؤلفاً من ستة ألوية من المشاة وكتيبتين من المغاوير وفوج من الجيش المغربي وكتيبة من جيش التحرير الفلسطيني* ووحدات من القوات الخاصة السورية. وكانت تدعم هذه القوات ست كتائب من الدبابات ومثلها من كتائب المدفعية. وقد دمجت هذه القوات ضمن إطار ثلاث فوق مشاة هي:الخامسة والسابعة والتاسعة، وعززت بالدبابات الجسرية (الدبابات القادرة على اجتياز الخنادق المضادة للدبابات) والجسور وكاسحات الألغام وفصائل النقابين وقاذفات اللهب ومدافع الرمي المباشر. وحينما انطلقت مئات المدافع الثقيلة والمتوسطية في الساعة 14:00 من يوم 6 تشرين الأول تقذف قنابلها على الترتيب الدفاعي للعدو كان التركيز المدفعي شديداً على الحصن المنيع الذي أقامه العدو على إحدى أعلى قمم جبل الشيخ. وبعد دقائق حلقت ثلاث حوامات سورية فوق الحصن حاملة وحدات من القوات الخاصة. وكانت مجموعات من هذه الوحدات قد قطعت ليلة 5/6 تشرين الأول المحور الموصل بين شبعا وجبل الشيخ، فاستطاعت أن تدمر جميع النجدات التي أرسلتها القيادة الإسرائيلية إلى الحصن. ولم ينقض سوى وقت قليل حتى حررت الوحدات الخاصة الحصن، واستسلم من بقي حياً من قوات العدو. 1) 2) 3) 4) 5) 6) 7) 8) 9) 10) 11) 12) 13) 14) 15) 16) 17) 18) 19)وفي الوقت ذاته كانت التجريدة المغربية التي وصلت الى سورية قبل بدء حرب تشرين ووضعت بقرب فرقة المشاة السابعة تحمي ميمة الهجوم السوري وتقاتل على السطح الشرقي لجبل الشيخ. 20) 21) 22) 23) 24) 25) 26) 27) 28) 29) 30) 31) 32) 33) 34) 35) 36) 37) 38) 39) 40) 41) 42) 43) 44) 45) 46) 47) اندفعت فرقة المشاة السابعة – وكانت تشكل ميمنة الهجوم – في القطاع الشمالي وهاجمت في أرض كثيرة التضاريس باتجاه شمالي مدينة القنيطرة وجنوبيها. وكان مما يزيد في صعوبة تنفيذ مهمتها بعدها عن الحد الأمامي للترتيب الدفاعي الإسرائيلي بمسافة تراوح بين 3 و4كم، الأمر الذي عرضها لنيران كثيفة من مدفعية العدو. وبالرغم من ذلك استطاعت أن تقيم الجسور وتقتحم الخنادق العريضة المضادة. وفي مواجهة النيران الكثيفة والمقاومة العنيفة زج قائد الفرقة اللواء المدرع (من النسق الثاني للفرقة) لاستغلال النجاح الذي حققه في فتح ثغرة في الترتيب الدفاعي المعادي، وللالتفاف على الترتيب الإسرائيلي الممتد من القنيطرة حتى سفوح جبل الشيخ. ونتج عن الهجوم تخلخل دفاع العدو، فتمكنت كتيبة المغاوير من الوصول إلى سهل اليعفوري (1كم غربي قرية مجدل شمس) وانسحبت الوحدات الإسرائيلية المواجهة لها.وفي اليوم الثاني للقتال دعم الإسرائيليون خطهم الدفاعي بقوات جديدة، في حين كان قائد الفرقة يعد لهجوم آخر ليلة 7-8 تشرين الأول. 48) 49) 50)اختصت فرقة المشاة التاسعة بالقطاع الأوسط من الجبهة. وتمكنت بسرعة من نصب الجسور وفتح الثغرات والاندفاع باتجاه جسر بنات يعقوب بسرعة فائقة بالرغم من المقارنات العنيفة. 51) 52) 53) 54) 55) 56) 57) 58) 59) 60) 61) 62) 63) 64) 65) 66) 67) 68) 69) 70) 71) 72) 73) 74)واستطاعت تحرير الرمثانية وعين وردة والسنديانة. وفي صباح اليوم الثاني للقتال عبرت إحدى كتائب الفرقة محور جسر بنات يعقوب جنوبي العليقة ووصلت إلى الدبورة واشتبكت مع العدو في تل شعاف وتل العرايس وتل فزارة بالتعاون مع لواء الدبابات 51 المعزز للفرقة. وفي الوقت ذاته تابعت الألوية الأخرى للفرقة تقدمها باتجاه تل يوسف الواقع جنوبي – غربي القنيطرة، في حين اتجه قسم من القوات إلى جنوبي القنيطرة لتطويقها. 75) 76) 77) 78) 79) 80) 81) 82) 83) 84) 85) 86) 87) 88)وقد تمكنت كتيبة من لواء حطين من جيش التحرير الفلسطيني كانت بامرة الفرقة التاسعة من تحرير تل شعاف المشرف على تل عباس بعد أن دمرت عدداً من الدبابات الإسرائيلية. 89) 90) 91) 92) 93) 94) 95) 96) 97) 98) 99) 100) 101) 102) 103) 104) 105) 106) 107) 108) 109) 110) 111) 112) 113) 114) 115) 116) 117) 118) 119) 120) 121) 122) 123)استثمرت القيادة السورية النجاح الذي حققته الفرقة التاسعة في القطاع الأوسط فدفعت فرقة الدبابات الأولى (من النسق الاحتياطي تحت تصرف القيادة العامة) إلى القتال في منطقة حرش عين زيوان –كفر نفاخ حيث تتمركز قوات معادية كبيرة، وذلك بالتعاون مع فرقة المشاة التاسعة 124) 125) 126) 127) 128) 129) 130) 131) 132) 133) 134) 135) 136) 137) 138) 139) 140) 141) 142). تمكنت فرقة الدبابات من تدمير قسم كبير من دبابات العدو، وتابعت سيرها حتى بلغت مشارف قرية كفر نفاح، وجرت معركة بينها وبين دبابات العدو اعتبرت من أعنف معارك حرب 1973 وانتهت بانتصار القوات السورية. 143) 144) 145) 146) 147) 148) 149) 150) 151) 152) 153) 154) 155) 156) 157) 158) 159) 160) 161) 162) 163) 164) 165) 166) 167) 168) 169) 170) 171) 172) 173) 174) 175)في القطاع الجنوبي من الجبهة اقتحمت فرقة المشاة الخامسة الترتيب الدفاعي الإسرائيلي في اتجاهين، أولهما على محور أم اللوقس، القصيبة الجديدة، والثاني على محور أم اللوقس – فيق واستطاعت فتح ثغرات في الدفاع المعادي، مما شجع قائد الفرقة على استغلال النجاح واشراك قوات النسق الثاني في القتال. 176) 177) 178) 179) 180) 181) 182) 183) 184) 185) 186) 187) 188)ولقد تميز القتال في هذا القطاع بالمعارك الليلية وكثرة الدبابات والأعتدة الحزبية. واستطاعت الفرقة في آخر اليوم الأول للقتال أن تصل إلى الخط الذي يمتد من البغالة إلى الجرنية فشمالي تل السفي بنحو 500م 189)  190)  191). 192)  193)  194)  195)  196)  197)و 198)  199)  200)في اليوم الثاني تابعت الفرقة تقدمها وكان عليها أن تحتل مرتفع تل الفرس الذي أقام عليه العدو موقعاً دفاعياً حصيناً، ومرصداً من عدة طوابق جدرانه سميكة مقاومته لرمايات المدفعية والقنابل ومزودة بأجهزة متقدمة للرصد والاتصال والقيادة والتوجيه والتشويش الالكترونيوكان المرتفع مسيطراً على قطاع عمليات الفرقة الخامسة. وقد كلفت القيادة إحدى سرايا لواء حطين من جيش التحرير الفلسطيني مهمة تحرير مرتفع تل الفرس بعد انوالها جواً من طائرات الهيليكوبتر. وقد تمت عملية تحرير وتطهيره من الأعداء. واستطاعت الفرقة في نهاية اليوم الثاني أن تبلغ خطاً يمتد من المشرفة إلى الباروك والمطار بعد أن حررت تل السقي وحسفين. 201) 202) 203) 204) 205) 206) 207) 208) 209) 210) 211) 212) 213) 214) 215) 216) 217) 218) 219) 220) 221) 222)اندفعت القوات السورية في اقتحامها الترتيب الدفاعي الإسرائيلي الحصين بعزم وإصرار، على الرغم من المقاومة العنيفة التي أيدتها قوات العدو، ومن وعورة الأرض وكثرة الخسائر في الجانبين. وحينما أشرف يوم 7/10 على الانتهاء كانت القوات السورية تطل على بحيرة طبرية* ونهر الأردن*، وتطوق مدينة القنيطرة وتتخطاها، وتحرر مرصد جبل الشيخ وقسماً كبيراً من الأرض المحتلة. 223) 224) 225) 226) 227) 228) 229) 230) 231) 232) 233) 234) 235) 236) 237) 238) 239) 240) 241) 242) 243) 244) كان إنجاز هذه المرحلة من خطة بدر يهدف إلى تطويق الجزء الأكبر من قوات العدو وتقسيمها إلى جزر منعزلة ثم القضاء عليها. وأمام هذا الهجوم السريع كانت القوات الإسرائيلية تتراجع وتنكمش داخل جزر المقاومة، وتحاول ضد الهجمات السورية بمساعدة الدعم الجوي الكثيف ووحدات الدبابات العاملة والاحتياطية التي كانت القيادة الإسرائيلية تدفعها إلى منطقة الجولان على عجل.       2) 245) 246) 247) 248) 249) 250) 251) 252) 253) 254) 255) 256) 257) 258) 259) 260) 261) 262) 263) 264) 265) 266) الهجوم المعاكس الاسرائيلي: في الوقت الذي كانت فيه القوات السورية تصفي المقاومات المعادية يوم7/10، كانت القيادة الإسرائيلية تنقل إلى الجبهة السورية القوات الاحتياطية وبعض القوات من الجبهة المصرية – الإسرائيلية. وتوفرت لدى القيادة الإسرائيلية على الجبهة الشمالية ثلاث فرق مدرعة كلفت القيام بهجوم معاكس هدفه ضد الهجوم السوري واستعادة الأرض التي حررتها القوات السورية يومي 6 و7/10. وهذه الفرق هي:         (1) 267) 268) 269) 270) 271) 272) 273) 274) فرقة مؤلفة من لواء ميكانيكي، ولوادي دبابات، ولواء المشاة غولاني، مهمتها الهجوم باتجاه قطاع فرقة المشاة السورية السابعة (القطاع الشمالي) وتهديد ميمنة القوات السورية. (2)  فرقة مؤلفة من لواءي دبابات، ولواء ميكانيكي مهمتها الهجوم باتجاه قطاع فرقة المشاة التاسعة وفرقة الدبابات الأولى السوريتين (القطاع الأوسط). (3) 275)  فرقة مؤلفة من لوادي دبابات،ولواء مشاة ،مهمتها الهجوم باتجاه قطاع فرقة المشاة الخامسة السورية (القطاع الجنوبي). وحتى تتمكن القيادة الإسرائيلية من تركيز الجهد القتالي في الجبهة الشمالية، نظراً لاقتراب القوات السورية من خطوط هدنة 1949 وإطلالها على المستعمرات الإسرائيلية في الحولة وطبرية، أمر رئيس الأركان الإسرائيلي بتثبيت الجبهة المصرية، أي باتخاذ موقف دفاعي فيها. 276) 277)بدأت القيادة الإسرائيلية تنفيذ خطة الهجوم المعاكس يوم 8/10. وجرت معارك حامية على طول الجبهة، وبخاصة قرب القنيطرة والسنديانة وكفر نفاخ والخشينة والجوخدار وتل الفرس وتل السقي. وبدأ ميزان القوى، وبخاصة الدبابات، يميل إلى صالح العدو في القطاعين الأوسط والجنوبي، إذ دفع العدو بألوية مدرعة حديثة لم تشترك في القتال في اليومين السابقين. وقد دفع ذلك القيادة السورية إلى إشراك جزء من احتياطها الاستراتيجي في المعركة. 278) 279) 280)استمر القتال في الأيام التالية عنيفاً وضارياً، إذ دفعت (إسرائيل)معظم قواتها العاملة والاحتياطية، البرية والجوية والبحرية لمجابهة القوات السورية. وأخذ سلاح الطيران الإسرائيلي يغير بشكل متواصل وكثيف على القوات المقاتلة في الجولان، وعلى دمشق وحمص وحلب واللاذقية، ويضرب الأهداف المدنية والعسكرية محاولاً شل المرافق الحيوية ومصادر الإمداد والدعم للقوات السورية. 281) 282)وقد ساعد القرار الذي اتخذته القيادة المصرية يوم 9/10/1973 بتوقف القوات المصرية عن التقدم في سيناء والتمركز الدفاعي. ساعد القيادة الإسرائيلية على نقل الجهد الرئيس لقواتها إلى الجبهة السورية. 283) 284)وفي نهاية يوم 10/10، اليوم الخامس للقتال، كانت القوات السورية تقاتل على تحوم الجولان وتصد الهجوم المعادي وتوقع به خسائر جسيمة، في حين كانت القيادة السورية تطلب بإلحاح من القيادة العامة للقوات الاتحادية في القاهرة تطبيق خطة بدر بجميع مراحلها، وبخاصة مرحلة استثمار النجاح في الهجوم المفاجىء والاندفاع في التقدم وتحرير الأرض حتى بلوغ ممري الجدي ومثلا في سيناء، لا سيما وأن الوضع في الجبهة السورية يتطلب تنفيذ هذه المرحلة التي تضمنتها خطة بدر. غير أن القيادة المصرية لم تستجب لهذا الطلب، ولم تنفذ الخطة المشتركة التي كان قد التزم الجانبان السوري والمصري بتنفيذها. 285)  286)  287)  288)  289)  290)  291)  292)  293)  294)  295)  296)  297)  نظمت القيادة السورية الدفاع أمام القوات الإسرائيلية على ثلاثة خطوط دفاعية: يمتد معظم الخط الأول على طول خط وقف إطلاق النار لعام 1967، ويقع الخط الثاني على بعد حوالي 30 كم شرقي الخط الأول على امتداد مدينة سعسع، ويقع الخط الثالث على مسافة 10 – 15كم شرقي الخط الثاني على امتداد خط قطنا – الكسوة. 298) 299) 300) 301) 302) 303) 304) 305) 306) 307) 308) 309) استطاعت القوات السورية والقوات العربية التي أخذت تصل من عدة دول عربية إلى الجبهة السورية أن توقف الهجوم الإسرائيلي المعاكس وأن تحتويه ضمن جيب لا يتعدى طوله 20 كم وعرضه 15 كم. وما إن حل يوم 16/10 (اليوم الحادي عشر للقتال) حتى أصاب الإنهاك القوات المعادية فلم تعد تستطيع التقدم نتيجة مقاومة القوات السورية والقوات العربية الأخرى. وبذلك تحقيق نوع من التوازن بين الطرفين، ولم يعد بإمكان القيادة الإسرائيلية أن تقلب التوازن الاستراتيجي على الجبهة السورية لصالحها. وبدأ منذ ذلك الحين الاستعداد لمرحلة جديدة من مراحل الحرب هي الإعداد للهجوم الاستراتيجي المعاكس لتصفية الجيب المحتل في منطقة سعسع وتدمير القوات الإسرائيلية والانتقال إلى مرحلة الهجوم لتحرير الجولان. 310) 311) 312) 313) 314) 315) 316) 317) 318) 319) 320) 321)  3) استعداد الجبهة السورية للقيام بهجوم معاكس استراتيجي: تمكنت القوات السورية والقوات العربية الأخرى العاملة في الجبهة السورية من استعادة كفايتها القتالية بسرعة بفضل الجهود التي بذلها القائمون على أعمال الإمداد والتموين وإيصال العتاد الجديد والاحتياطي إلى أيدي المقاتلين. وأصبحت هذه القوات جاهزة لشن الهجوم المعاكس الاستراتيجي اعتباراً من صباح 21/10/1973. وكانت القيادة العامة السورية قد أنهت في الوقت ذاته وضع خطة هذا الهجوم الذي تقرر أن يبدأ يوم 21/10 على أساس موقف العدو والمعطيات والعوامل التي جدت أثناء المرحلة السابقة للقتال. وقد تضمنت الخطة استخدام جميع القوات العاملة في الجبهة وفيها القوات العربية التي كانت قد وصلت حتى ذلك الحين إلى سورية. وقد ارتأت قيادة احدى هذه القوات أن يبدأ تنفيذ خطة الهجوم المعاكس الاستراتيجي يوم 23/10 لا يوم 21/10 حتى تستطيع استكمال بعض حاجاتها ويتاح الوقت اللازم للقادة ليستطلعوا أرض المعركة بأنفسهم بصورة دقيقة ومفصلة.قد استجابت القيادة السورية لهذا الطلب بالرغم من أنها كانت ترى الإسراع ببدء الهجوم المعاكس لسببين أولهما: حجب الفرصة عن العدو لزيادة تحصين مواقعه، وثانيهما: تخفيف الضغط عن الجبهة المصرية بعد نجاح الخرق الذي أحدثه العدو في الدفرسوار، وإجباره على تشتيت جهوده وتوزيع قواته على جبهتين. أصدرت القيادة العامة تعليماتها إلى القوات التي ستشترك في الهجوم المعاكس وأبلغتها الفرق السورية، وقوات صلاح الدين العراقية، والفرقة الثالثة الأردنية، (بقية القوات العربية كانت ستشترك، حسب الخطة، في الهجوم المعاكس ضمن قوام التشكيلات السورية)، وقيادة القوات الجوية والدفاع الجوي وسائر أجهزة القيادة وصنوف الأسلحة. وكان حجم القوى والوسائط المشتركة في الهجوم المعاكس الاستراتيجي كافياً للقضاء على القوات الإسرائيلية في جيب سعسع في المرحلة الأولى من الهجوم، ثم لمتابعة لتحرير هضبة الجولان بكاملها في المرحلة الثانية، وذلك بالاستعانة بجميع القوى الاحتياطية التي هيأتها القيادة العامة لهذا الغرض. لم تسنح الفرصة لتنفيذ الخطة وانطلاق الهجوم المعاكس الاستراتيجي يوم 23/10 كما كان مقرراً، إذ حدثت يوم 22/10/1973 مفاجأة لم تكن في الحسبان هي قبول مصر وقف إطلاق النار على الجبهة المصرية بدون أن تعلم سورية بقرارها أو تتشاور معها وهي شريكتها في المعركة. وهكذا وجدت القيادة السورية نفسها أمام أمر واقع، ولا سيما أن وقف إطلاق النار صدر بقرار من مجلس الأمن (رقم 338 في 22/10/1973). وقد اضطرت سورية إلى إعادة النظر في الموقف، وانتهى الأمر بقبول القرار المذكور. 4) القوات العربية في الجبهة السورية: أسهمت قوات من العراق والأردن وفلسطين مع القوات السورية في حرب تشرين، وأبلت بلاء حسناً، وتحملت عبء المعركة والتضحية في سبيل الأمة العربية وقضية فلسطين. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه القوات التحقت بميدان المعركة بعد بدء القتال، باستثناء القوات المغربية ولو أن التحاقها بالجبهة السورية تم قبل بدء القتال لكان مردودها القتالي أكثر عطاء وفائدة، وبلاؤها أحسن، وأداؤها أكمل. وصلت القوات المغربية ( فوج مشاة وكتيبة دبابات) إلى سورية في أواخر شهر تموز 1973، أي قبل بدء القتال بأكثر من شهرين، وعملت مع فرقة المشاة السابعة السورية وتحت قيادتها. دخلت طلائع القوات العراقية إلى سورية يوم 10/10/1973 واكتمل حشدها بعد أسبوعين من هذا التاريخ. وبلغ حجمها فرقتين مدرعتين هما الفرقة الثالثة والفرقة السادسة، وثلاثة ألوية هي لواء المشاة 20 واللواء الجبلي الخامس ولواء القوات الخاصة مع وحداتها الإدارية. ولقد اعترضت القوات العراقية، وهي في طريقها إلى ميدان القتال، صعوبات كثيرة منها بعد المسافة (وهي تزيد على ألف كيلومتر)، وطبيعة الطرق الصحراوية، والنقص في عدد ناقلات الدبابات، مما اضطر عدداً كبيراً من الدبابات إلى قطع مسافات شاسعة وهي تسير على سلاسلها. وصل اللواء المدرع 40 الأردني إلى سورية يوم 14/10/1973 واشترك فور وصوله في القتال. ثم بدأت قوات أردنية جديدة قوامها قيادة فرقة المدرعات الثالثة، ولواء دبابات 92، والكتيبة 17 (مدفعية محمولة)، وسرية المهام الخاصة، تجتاز الحدود السورية يوم 22/10 للاشتراك في الحرب. وقد تمركزت هذه القوات الجديدة قرب قرية نوى السورية، وأسندت إليها مهام وفق خطة الهجوم المعاكس الاستراتيجي التي لم يتم تنفيذها. وصلت طلائع القوات السعودية إلى سورية يوم 14/10 مؤلفة من فوج مدرعات واشتركت في القتال تحت قيادة فرقة المشاة السابعة السورية. وفي يوم 23/10 اكتمل وصول القوات السعودية وتم حشدها في منطقة شمالي الكسوة. وبلغ قوامها آنذاك، بالإضافة إلى فوج المدرعات، فوج المظلات الرابع، وفوج المشاة الثالث، وفوج مدفعية الميدان 11، وبطاريتي مدفعية 155مم، وبطارية مدفعية مضادة للطائرات 40 مم، وسرية هاون 4.2 بوصة، ووحدات إمداد وصيانة. أخذت القوات الكويتية تصل إلى سورية بدءاً من يوم 21/10، واكتمل وصولها بعد يومين من ذلك الموعد، وتجمعت في منطقة البويضة جنوبي دمشق. وبلغ حجمها: 29 دبابة من نوع فيكرز، و7 مدرعات للاستطلاع، و35 عربة مدرعة، وسرية هاون 160مم، و20 مدفعاً مضادة للطائرات، وفصيلتي مغاوير، ووحدات إمداد وصيانة. ولم تستطع القوات الكويتية أن تشارك في القتال الذي جرى بسبب وقف إطلاق النار. ولكنها أسهمت بشجاعة وكفاية في المعارك التي تلت حرب تشرين واتخذت شكل حرب استنزاف استمرت 82 يوماً. د- الجبهة المصرية: 1) فكرة المناورة: تتلخص فكرة المناورة على الجبهة المصرية في خطة بدر بما يلي: (1) تقوم خمس فرق مشاة، كل منها مدعومة بلواء مدرع، باقتحام قناة السويس في خمس نقاط، وبتدمير خط بارليف. وقبل انقضاء 24 ساعة على بدء الهجوم تكون هذه الفرق قد عمقت ووسعت رأس الجسر الخاص بكل منها. (2) بعد انقضاء 48 ساعة تكون أثناءها بقية الفرق قد عبرت القناة تندمج الفرق في إطار الجيشين الثاني والثالث، وتسد الثغرات فيما بينها، حتى إذا انقضت 72 ساعة على بدء الهجوم يكون كل من الجيشين الثاني والثالث قد وسع رأس الجسر الخاص به، ووصل إلى مسافة في عمق سيناء تتراوح بين 10 و15كم. وعند ذلك تتخذ الوحدات وضع الدفاع استعداداً للمرحلة الهجومية الثانية لتحرير سيناء. بلغ حجم القوات المصرية المعدة لتنفيذ الخطة في مختلف مراحلها: القوات البرية: 19 لواء مشاة منقولاً، 8 ألوية مشاة ميكانيكية، 10 ألوية مدرعة، لواء منقول جوا، لواء برمائي، لواء صواريخ أرض – أرض. القوات الجوية: 400 طائرة قتال، 70 طائرة نقل، 140 طائرة هيليكوبتر. القوات البحرية: 13 غواصة، 5 مدمرات، 3 فرقاطات، 12 زورق قنص، 17 قارب صواريخ، 30 قارب طوربيد، 14 كاسحة ألغام، 14 قارب إنزال. وكان إلى جانب القوات المصرية في الجبهة وحدات من الجزائر وليبيا والسودان وتونس والكويت وقوات من جيش التحرير الفلسطيني (عين جالوت). 2) العبور: في الساعة المتحدة للهجوم (الساعة 14:00 من يوم 6 تشرين الأول) عبرت مائتا طائرة مصرية قناة السويس متجهة نحو أهدافها في سيناء، وأطلق أكثر من ألفي مدفع (مدافع ميدان ومتوسطة وثقيلة) وقاعدة صواريخ قذائفها على مواقع العدو، ولا سيما خط بارليف. وقد استمر هذا التمهيد الناري مدة 53 دقيقة ألقيت خلال الدقيقة الأولى منها 10.500 قنبلة، مما أجبر القوات المعادية على الاختفاء في ملاجئها بعد أن فوجئت بالهجوم وبكشافة النار وغزارتها وعنفها. تحت ستار هذا السد الناري الكثيف عبرت وحدات الصاعقة ومفارز اقتناص الدبابات قناة السويس على قوارب مطاطية للتمهيد للموجة الهجومية الأولى التي تحركت في الساعة 14:20 وكانت مؤلفة من خمس فرق عبرت القناة على حوالي ألف قارب مطاطي. وتسلق الجنود الساتر الترابي الذي يشكل الجدار الأمامي لخط بارليف، في حين كانت وحدات الهندسة العسكرية تفتح الممرات عبر هذا الساتر الترابي باستخدام مصفحات مائية ضخمة وتقيم الجسور بين ضفتي القناة. وفي أقل من ست ساعات، أي في الساعة 19:30، أتمت فرق المشاة الخمس اقتحام القناة على جبهة عرضها 170 كم، وبموجات متتالية بلغت 12 موجة، واستولت على 15 نقطة حصينة معادية، وحاصرت بقية النقاط، وتقدمت إلى مسافة بلغت 3 – 4كم. وفي اليوم الثاني (7 تشرين الأول) عززت القوات المصرية مواقعها شرقي القناة بأعداد كبيرة من المدرعات والمدافع والأسلحة الثقيلة، وتابعت تقدمها إلى مسافة بلغت 8 كم وسطياً. أنجزت القوات المصرية تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة في اليوم الرابع (9 تشرين الأول) حين اكتمل تمركز الجيشين الثاني والثالث في الضفة الشرقية للقناة ، وبلغ تقدم القوات المصرية مسافة تراوح بين 10 و12 كم، وتم صد هجمات العدو المضادة وتدمير معظم قواته. لقد كانت عملية عبور القناة والاستيلاء على خط بارليف الحصين عملية عسكرية رائعة أعد لها إعداداً حسناً ونفذت بدقة وتصميم وشجاعة. 2) الوقفة التعبوية: بعد أن نجحت المرحلة الأولى من خطة بدر نجاحاً باهراً، في الجبهتين السورية والمصرية، أصيبت القيادة الإسرائيلية، في شقيها السياسي والعسكري بالارتباك والاضطراب، واختلف القادة حول أفضل السبل لمواجهة هذا الانهيار المفاجىء الذي تعرضت له القوات الإسرائيلية في الجبهتين، وأصبح الوضع العسكري والمعنوي مهيئاً ومساعداً لتتابع القوات المصرية اندفاعها في عمق سيناء، وتستثمر النصر الذي حققته في المرحلة الأولى، فطارد فلول العدو، وتصل إلى خطوط دفاعية أفضل وأعمق في سيناء. كممرات الجدي ومثلا، فتحقق بذلك هدفاً استراتيجياً تستند إليه لتنطلق من ثم إلى تحرير كامل التراب العربي. ولكن قرار القيادة السياسية المصرية يوم 9/10/1973 فرض على هذه القوات المنتصرة الوقوف في مواقعها. وجاء هذا القرار مخالفاً لخطة بدر التي اتفق عليها الجانبان السوري والمصري وكانت تقتضي بتطوير الهجوم نحو الممرات في سيناء. ولو أن القيادة المصرية التزمت تنفيذ الخطة لما بقيت الجبهة السورية تتحمل وحدها عبء الهجوم الإسرائيلي الكثيف، ولا سيما بعد أن أخذت الأسلحة والمعدات الأمريكية تصل إلى (إسرائيل) بسرعة وكثافة كبيرتين إثر إقامة الجسر الجوي بين الولايات المتحدة (وإسرائيل). ولقد استمرت الوقفة التي وصفت بأنها “وقفة تعبوية” من 9 إلى 13 تشرين الأول، واتضح فيما بعد أن هذا القرار السياسي المصري الخاص “بالوقفة التعبوية” لم يكن وليد الساعة، أو نتيجة الظروف والعوامل التي سادت المعركة آنذاك، بل جاء تنفيذاً لتصميم مسبق أخفاه الجانب المصري عن القيادة السورية في مرحلة التخطيط المشترك للحرب. ويمكن القول إن القيادة السياسية المصرية خدعت القيادة السورية بعرضها خطة تنص على تطوير الهجوم في العمق بعد عبور قناة السويس. وقد اعترف الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان القوات المسلحة المصرية في حرب تشرين بهذه الواقعة في مذكراته. وجهت القيادة السورية عدة رسائل إلى القيادة العامة الاتحادية في القاهرة تذكرها بواجب القوات المصرية في استئناف الأعمال القتالية ومتابعة الهجوم، وكانت بعض هذه الرسائل تنصف بالحدة. وكجزء من الاستجابة لهذه الرسائل، ولما كانت تحويه من تذكير بواجب تنفيذ الخطة المتفق عليها، صدرت الأوامر يوم 14 تشرين الأول إلى قائدي الجيشين الثاني والثالث المصريين بمعاودة الأعمال القتالية. وما ان بدأت القوات المصرية هجومها حتى تصدت لها القوات الإسرائيلية بعد أن أخذت تستخدم الأسلحة والمعدات الأمريكية التي وصلت إلى ساحة القتال على الجسر الجوي الأمريكي، فتوقف تقدم القوات المصرية على مسافة تراوح بين 12 و15 كم من نقطة بدايته، وتكبدت هذه القوات خسائر كبيرة. وحينذاك تلقت القوات المصرية المهاجمة أمراً بالتراجع إلى الخطوط التي بدأت منها الهجوم. وهكذا اصطدم تنفيذ المرحلة الثانية من خطة بدر في الجبهة المصرية بظروف وعوامل جديدة لم تكن مناسبة، إذ فقدت القيادة المصرية في الأيام الخمسة للوقفة التعبوية من 9 – 13 تشرين الأول زمام المبادرة، ونتج عن ذلك أن تمكنت القيادة الإسرائيلية من إعادة تنظيم قواتها وتعويض خسائرها بأحدث الأسلحة والمعدات الأمريكية. 4) الجسر الجوي الأمريكي: منذ عام 1967، عندما أصبحت الولايات المتحدة المصدر الرئيس للتسليح الإسرائيلي، لم تنقطع المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش الإسرائيلي بأحدث الأسلحة المعروفة. ولكن الجسر الجوي الضخم الذي أقامته الولايات المتحدة بينها وبين (إسرائيل) خلال حرب تشرين فاق جميع المعدلات السابقة، بل فاق من حيث حجم العتاد المنقول ونوعه خلال فترة محددة أية مساعدة خارجية أمريكية لأية دولة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن. جاء الجسر الجوي الأمريكي  لينقذ (إسرائيل) من الانهيار العسكري، إذ كانت الدلائل والوقائع كافة تشير إلى أن (إسرائيل) كانت على وشك الانهيار العسكري خلال الأيام الأولى من الحرب، مع ما يستتبع ذلك من انهيار داخلي، لأن خسائرها في هذه الحرب كانت كبيرة (5.000 قتيل، 400 أسير، 800 دبابة، 120 طائرة، وغير ذلك) بشكل يفوق بكثير إمكان تعويضها، ولا سيما أن استراتيجيتها كانت تعتمد على أن تكون الحرب قصيرة الأمد، مما دفع رئيسة وزراء (إسرائيل) يومذاك إلى طلب النجدة من الحكومة الأمريكية. بدأ الجسر الجوي بنقل الأسلحة والأعتدة بصورة علنية يوم 13 تشرين الأول. لكن المساعدات العسكرية بدأت في الواقع قبل ذلك التاريخ، وبالضبط يوم 8 تشرين الأول، وتم خلال الفترة من 8 إلى 13 تشرين الأول نقل 5.500 طن من الأسلحة والأعتدة. وأما من 13 تشرين الأول إلى يوم وقف إطلاق النار فقد تم نقل 22.395 طناً من الإمدادات، وبذلك بلغ المجموع 27.895 طناً. وقد ذكر الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته أن الجسر الجنوبي السوفييتي (إلى مصر وسورية) يعتبر متواضعاً إذا قورن بالجسر الجوي الأمريكي (إلى إسرائيل). نقلت الولايات المتحدة إلى (إسرائيل) دبابات وطائرات مقاتلة وطائرات هليكوبتر وصواريخ مضادة للدبابات وصواريخ جو – أرض، وصواريخ أرض – جو، ومدافع ذاتية الحركة، ومدافع ميدان من عبارات مختلفة، ومعدات الكترونية، وأجهزة تشويش، وقطع غيار، وذخائر متنوعة، وغيرها. 5) ثغرة الدفرسوار: كانت القيادة العسكرية الإسرائيلية قد وضعت قبل بدء حرب تشرين خططاً لعبور القناة إلى الضفة الغربية منها لتطبقها حين الحاجة، وأعدت لها العدة اللازمة، وأجرت مناورات وتدريبات عليها، وذلك تمشياً مع أحد مبادىء استراتيجيتها، وهو نقل المعركة إلى أرض الخصم بأسرع وقت ممكن. ولم تستطع القيادة تنفيذ أي من تلك الخطط في الأيام الأولى من حرب تشرين لأن العبور المصري الكثيف والصاعق فاجأها، وحول اهتمامها إلى التركيز على إيقاف الهجوم وتطويقه ورده، بانتظار توفر الظروف المناسبة للقيام بعبور معاكس. وفي يوم 9 تشرين الأول، اليوم الرابع للقتال، ومنع بدء “الوقفة التعبوية” المصرية، شرعت قيادة الجبهة الجنوبية الإسرائيلية تدرس خطة العبور المعاكس، وقررت أن تستثمر الثغرة القائمة بين الجيشين المصريين الثاني والثالث عند موقع الدفرسوار. ورأت القيادة أن يحدد زمن العبور في وقت لاحق،على أن يبدأ باتخاذ الترتيبات اللازمة لتنفيذ الخطة. انتقت قيادة الجبهة موقع الدفرسوار لخلوة من القوات المصرية تقريباً، بعد أن تم استطلاعه براً وجواً. واستندت خطة العبور على إحدى الخطط الموضوعة في القيادة العامة الإسرائيلية قبل حرب تشرين، وتحمل الاسم الرمزي “الغزالة”. نصت الخطة على العمليات التالية: (1) تتولى فرقة مدرعة (3 ألوية دبابات، أي 280 دبابة) معززة بلواء مظليين مهمة العبور دافعة لواء المظلات مع عدد من الدبابات في الطليعة للقيام باحتلال رأس جسر على الضفة الغربية للقناة. وفي الوقت ذاته تتولى بقية وحدات الفرقة حماية طرق الاقتراب إلى منطقة العبور، مع شن هجمات خداعية باتجاه الشمال على الضفة الشرقية لإبهام القوات المصرية أن هدف العملية هو الهجوم على ميمنة الجيش الثاني. (2) بعد أن تنفذ الفرقة المدرعة المهمة المذكورة، وتنصب جسرين على القناة، تعبر فرقة مدرعة ثانية إلى الضفة الغربية وتتبعها بقية وحدات الفرقة الأولى على أن تتولى فرقة أخرى مهمة حماية طريق الاقتراب إلى منطقة العبور. تلقت قيادة الجبهة الجنوبية الإسرائيلية الأمر من القيادة العامة وببدء تنفيذ خطة “الغزالة” في الساعة 17:00 من يوم 15/10/1973 بعد أن فشلت القوات المصرية في استئناف عملياتها الهجومية في اليوم السابق. بدأت القوات الإسرائيلية تنفذ الخطة، وواجهت مقاومات ونيران مدفعية مصرية أثناء توجهها إلى منطقة العبور على الضفة الشرقية بين الجيشين الثاني والثالث. ولم تتمكن تلك القوات من الوصول إلى منطقة العبور إلا بعيد منتصف الليل. وكادت الخطة تفشل لسببين رئيسين: أولهما أن خطة الغزالة كانت تعتمد لدى وضعها قبل الحرب على قاعدة قوية للعبور هي خط بارليف القريب من القناة، في حين أصبحت وسائط النقل والعبور في يوم التنفيذ بعيدة عن القناة نحو 20 كم في أرض صحراوية، وتحت نيران المدفعية المصرية. وثاني السببين هو أن حجم المقاومة المصرية لعملية العبور كان أكثر مما توقعته القيادة الإسرائيلية. تمكنت الموجة الأولى للقوات الإسرائيلية من العبور إلى الضفة الغربية في الساعة 1:35 من صباح تشرين الأول. ومع يزوع الفجر كان اللواء المظلي قد أتم عبوره وتبعته وحدات الدبابات. وأخذت القوات العابرة توسع الجيب على الضفة الغربية تمهيداً لاستيعاب بقية القوات التي أخذت تطور الهجوم نحو الغرب مركزة نيرانها على مواقع الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات. وقد أشار الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان القوات المسلحة المصري آنذاك في مذكراته إلى أن الخطة المصرية لم تستبعد أن يقوم العدو بعبور معاكس في عدة مواقع، منها موقع الدفرسوار. وتضمنت الخطة، لمواجهة هذ الاحتمال أن يتم الاحتفاظ بـ 350 دبابة غربي القناة لسحق أي خرق عابر معاد. غير أنه لم يكن في الضفة الغربية لحماية ظهر الجيشين الثاني والثالث يوم 14/10 سوى لواد مدرع واحد (أي أقل من 100 دبابة). وصلت المعلومات الأولى عن الخرق الإسرائيلي إلى القيادة العامة المصرية صباح يوم 16/10، ومؤداها أن جماعات صغيرة من العدو نجحت في العبور، وأن الجيش يقوم باتخاذ الإجراءات اللازمة للقضاء عليها. وبالرغم من تواثر المعلومات بعذ ذلك عن خطورة الخرق واتساع العبور عجزت القيادة المصرية عن تحديد حجم القوة المعادية ومساحة البقعة التي تحتلها. وفي 17 تشرين الأول تحرك لواء مشاة ولواء مدرعات مصريان لمواجهة العدو العابر الذي كان وسع رأس الجسر حتى أصبح بعرض 5 كم وعمق كيلومترين. يستطع اللواءان رد العدو، ودمر لواء مدرع مصري تدميراً شبه كامل بالمدرعات والطائرات والمدافع الإسرائيلية. وما إن حل يوم 18/10 حتى استطاع العدو أن يحشد أربعة ألوية ولواء مشاة مظلين غربي القناة، وتمكن من تطوير هجومه باتجاه مدينة السويس جنوباً. وقد فشل العدو في احتلال هذه المدينة،ولكنه نجح في تطويق الجيش الثالث المصري ،الأمر الذي مكن القيادة الإسرائيلية فيما بعد من فرض شروطها، وانتهى الأمر إلى وقف إطلاق النار. هـ- خصائص حرب تشرين: تميزت حرب تشرين عن سابقاتها من الحروب العربية – الإسرائيلية بظواهر عدة يمكن الإشارة إلى ثلاث منها هي دور المقاومة الفلسطينية المسلحة، واستخدام النفط العربي سلاحاً لصالح المعركة وأهدافها، وتكثر سياسة الانفراج الدولي بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بالحرب ونتائجها. 1) المقاومة الفلسطينية: تتمثل الظاهرة الأولى بالدور الفعال الذي أدته المقاومة الفلسطينية في حرب تشرين. فيما إن ابتدأ القتال حتى ضاعفت المقاومة بمختلف منظماتها وفصائلها نشاطها العسكري، واشترك جيش التحرير الفلسطيني في المعارك التي جرت على الجبهتين السورية والمصرية ضمن إطار خطة العمليات الخاصة بهاتين الجبهتين. وكان لهذا الجيش دوره البارز، إذ أوكلت قيادتا الجبهتين إلى قطعاته مهام قتالية عدة (رَ: جيش التحرير الفلسطيني). ويمكن القول إن المقاومة الفلسطينية فتحت جبهة عمليات ثالثة إلى جانب الجبهتين السورية والمصرية. وقد كانت أراضي فلسطين المحتلة منطقة تلك الجبهة الثالثة ومسرح عملياتها حيث نشطت فصائل المقاومة ووحدات الفدائيين، وبخاصة في الجليل الأعلى والضفة الغربية، ونفذت خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب أكثر من مائة عملية كان لها تأثيرها المباشر في رفع الروح المعنوية للشعب العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وفي الحاق الضرر بمرافق العدو وخطوط مواصلاته ومراكز تموينه وقوافل وحداته. 2) النفط العربي: تميزت حرب تشرين عن غيرها من مظاهر الصراع العربي- الإسرائيلي باستخدام النفط العربي سلاحاً ضاغطاً شديداً فعالاً يسهم مع أدوات الحرب الأولى في تحقيق الأهداف العربية من القتال. عقد وزراء النفط في الدول العربية الأعضاء في “منظمة الدول العربية المصدرة للبترول” (أوبيك) اجتماعاً في الكويت يوم 17/10/1973 وتدارسوا أمر استخدام النفط العربي سلاحاً في المعركة الناشية مع العدو. وتوصلوا إلى اتفاق عبروا عنه في قرار، أهم نقاطه: (1) “إن الهدف المباشر للمعركة التي تدور رحاها حالياً هو تحرير الأرض العربية المحتلة في حرب حزيران/ يونيو 1967 واستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفقاً لقرارات الأمم المتحدة”. (2) الولايات المتحدة هي المصدر الرئيس لقوة (إسرائيل). وتسهم الدول الصناعية الكبرى في بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه. (3) إقرار تخفيض الإنتاج النفطي لكل دولة عربية مصدرة للنفط “فوراً نسبة شهرية متكررة لا تقل عن 5 في المائة” من الإنتاج الفعلي لشهر أيلول 1973. ويستمر تخفيض الإنتاج بالنسبة المذكورة في كل شهر على أساس الإنتاج الفعلي للشهر الذي سبقه، “وهكذا حتى تفرض المجموعة الدولية على إسرائيل التخلي عن أراضينا المحتلة”. (4) الدول التي تساند العرب، أو تتخذ إجراءات هامة ضد (إسرائيل)، لن تضار من تخفيض الإنتاج. (5) نسبة التخفيض من الإنتاج واحدة بالنسبة إلى جميع الدول. إلا أن هذه النسبة تزيد حسب تعاطف الدول المستهلكة وتعاونها مع العدو. (6) التوصية بقطع النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية. نفذت الدول العربية المنتجة للنفط هذا القرار، وتوقف إرسال النفط العربي إلى الولايات المتحدة، كما توقف إرساله أيضاً إلى هولندا بسبب موقفها المؤيد (لإسرائيل) وعدائها الصريح للعرب. كان لإدخال سلاح النفط العربي ساحة المعركة أثر فعال في المجال الدولي. فقد واجهت الدول الغربية والولايات المتحدة والدول الصناعية بصورة عامة أزمة شديدة في الإنتاج وتشغيل الآلة وشؤون الحياة اليومية، ومست المقاطعة النفطية العربية، بالرغم من أنها كانت نسبية ومؤقتة، رفاه كل إنسان يعيش في تلك البلدان، وولدت في نفسه الخوف من المستقبل والخشية من شظف العيش وقساوة الحياة وتعرض اقتصاد بلده إلى الأزمات الحادة، لا لسبب إلا لأن حكومة بلده تدعم (إسرائيل) في سلوكها العدواني. انتهى الخطر العربي إثر ظهور عوامل سياسية جديدة على الصعيدين الدولي والعربي تاركاً أثره في تعديل مواقف بعض الدول والكتل الإقليمية والدولية (مثل الدول الأوروبية التسع أو ما يعرف بالجماعة الاقتصادية الأوروبية)* من الصراع العربي – الإسرائيلي، وبخاصة ما يتعلق منه بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وتأمين الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني*. 3) أثر الحرب في العلاقات بين الدولتين العظميين: من الطبيعي أن يكون لحدث خطير كحزب تشرين أثر في العلاقات بين الدولتين العظميين، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وبخاصة في عهد الانفراج الدولي الذي مارسته هاتان الدولتان وأخذتا تنظران إلى معظم المشكلات الدولية وتعالجانها بمنظاره. وقد جاءت حرب تشرين لتكون اختباراً عملياً لسياسة الانفراج، بالرغم من الاختلاف في موقف الدولتين المذكورتين من الصراع العربي – الإسرائيلي بمحمله ومن حرب تشرين، ولا سيما أن كلاً منهما أخذت تمد الجانب الذي تؤيده بالأسلحة والأعتدة. ومن الجدير بالذكر أن الدولتين المذكوريتين تقدمتا معاً بعد 16 يوماً من القتال بمشروع قرار مجلس الأمن صدر يوم 22/10/1973 برقم 338 يدعو إلى وقف القتال، ويحدد مبادىء لإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط. ونظر لأن (إسرائيل) لم تتقيد بوقف إطلاق النار، وإنما تابعت عملياتها الخربية، فقد أصدر المجلس قراراً آخر في اليوم الثاني برقم 339 أكد فيه وجوب وقف القتال فوراً، وعودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها لخطة سريان وقف طلاق النار الذي أمر به القرار 338. ولكن (إسرائيل) رفضت أيضاً الانصياع لهذا القرار، مما دعا المجلس إلى إصدار قرار ثالث رقمه 340 في 25/10/1973 طلب فيه المراعاة الكاملة لوقف إطلاق النار وعودة الأطراف إلى المواقع التي كانت تحتلها 16:50 (بتوقيت غرينتش) يوم 22/10/1973. وفي الفترة ما بين القرارين الثاني والثالث كانت (إسرائيل) تندفع بقواتها، خلافاً لقراري مجلس الأمن، داخل الأراضي المصرية على الضفة الغربية لقناة السويس، مما اضطر الرئيس أنور السادات إلى توجيه نداء إلى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، باعتبارهما صامتين لقرار وقف إطلاق النار، لإرسال قوات منهما إلى المنطقة فوراً. وقد أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تنوي إرسال قوات إلى الشرق الأوسط، وأنها تأمل في ألا ترسل دولة أخرى قوات إلى المنطقة. وأعقب ذلك إرسال الرئيس السوفييتي بريجنيف مذكرة إلى الرئيس الأمريكي نيكسون يعلمه فيها أنه إذا لم يكن بإمكان الولايات المتحدة أن تشترك مع الاتحاد السوفييتي في مجال تنفيذ قرارات مجلس الأمن بوقف إطلاق النار واستمرار انتهاك (إسرائيل) لتلك القرارات، فإن الاتحاد السوفييتي سيواجه ضرورة دراسة اتخاذ الخطوات المناسبة بصورة منفردة. وكان رد الفعل الأمريكي متمثلاً بقرار الولايات المتحدة إعلان حالة التأهب والطوارىء بين القوات الأمريكية في جميع أنحاء العالم، وفيها القوة النووية الضاربة التابعة للقيادة الجوية الاستراتيجية. لم تتطور الأزمة بعد ذلك، ولا سيما بعد أن تبين أن أية قوة أجنبية عن المنطقة سوى قوة الطوارىء الدولية التي شكلها مجلس الأمن بقراره 340 بتاريخ 25/10/1973 وأوكل إليها مهمة الإشراف على تنفيذ وقف إطلاق النار لم تصل إلى أرض المعركة. انتهت حرب تشرين على ساحة القتال، ولكنها تركت آثارها ونتائجها في ساحات أخرى، ولا سيما في المنظمة الدولية. فقد شهدت قضية فلسطين، في أصلها وفروعها، منعطفا واضحاً وهاماً في الأمم المتحدة بعد تلك السنوات الطوال التي شهدت محاولات الصهيونية والدول الاستعمارية والإمبريالية طي قضية فلسطين واعتبارها في المحافل الدولية. وقد حققت قضية فلسطين لنفسها نجاحات ذات قيمة عالية فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، ودفع الصهيونية بأنها شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري (رَ: العنصرية والصهيونية)، وإدانة (إسرائيل) بأنها قوة احتلال، ومنح منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة (رَ: منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة). و- خلاصات ونتائج: استطاع العرب في حرب تشرين 1973 أن ينتزعوا زمام المبادرة من أيدي العدو، وأن ينتقلوا بنجاح من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي، وأن يباغتوا العالم ويأخذوا العدو على حين غرة، وأن يحطموا نظرية الأمن الإسرائيلي وغرور العدو وأسطورة تفوقه، وأن يثبتوا قدرتهم على التضامن والعمل المشترك لتحقيق هدف موحد محدد. وإذا لم تكن حرب تشرين قد انتهت إلى نصر عسكري حاسم لأي من طرفي الصراع، فإنها استطاعت أن تبلغ هذه النتائج. ولعل ما أثبتته الحرب من قدرة العرب على التضامن ووحدة الصف والقوى والطاقات في مواجهة العدو المشترك هو من أهم النتائج وأكثرها قيمة وتأثيراً. المراجع:   –         حسن البدري وآخرون: حرب رمضان، القاهرة 1975. –         مؤسسة تشرين: الحرب العربية الأولى، دمشق 1978. –         محمد حسنين هيكل: الطريق إلى رمضان، بيروت 1975. –         مجلة السياسية الدولية: العدد 35، القاهرة، 1974. –         مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي، مجلة الوطن العربي، أعداد عامي 1978 و1979، باريس. –        Duppuy, T.N. Elusive victory, New York 1978. –         Institute fo Strategic studies: strategic Survey 1974, London 1975. –         Institute fo strategic studies: The Military: Balance 1974 1975, London 1975. –         Peter Mangold: Superpower Intervention in the Middle East, London 1978. حرب 1973 في منظمة الأمم المتحدة: حينما انطلقت الحرب العربية – الإسرائيلية الرابعة يوم 6/10/ 1973 تخلخلت الأرضية السياسية الدولية وبدأت بعض معالمها تتغير. وكان أبرز تلك المعالم التي تعرضت للتغير المناخ العالمي الذي بدأ – بعد انحياز كامل (لإسرائيل) في الغرب – يستمع إلى وجهة النظر العربية، وبخاصة ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني والجلاء عن الأراضي العربية التي احتلتها (إسرائيل) في عدوان حزيران سنة 1967 (رَ: حرب 1967). وهكذا برزت مرة أخرى قضية فلسطين وما تفرع عنها من مشكلات على رأس الاهتمامات الدولية الملحة العاجلة، فشهدت منظمة الأمم المتحدة تحركات واتصالات ناشطة وسريعة على أعلى المستويات المسؤولة طوال مدة الحرب وبعدها. ذلك أن حرب تشرين كشفت منذ إعلانها عن الارتباط الوثيق بين أمن منطقة الوطن العربي وأمن العالم بصورة عامة. فور اندلاع القتال تحركت الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة محاولة أن تزيل أو تخفف من آثار المعركة عن الكيان الصهيوني، بالرغم مما كانت قد أمدته به من أسلحة ومعدات، وساعية إلى تضييق ساحة القتال في المكان والزمان وعدد القوات وكميات الأسلحة المشتركة فيها.وقد بدأت الولايات المتحدة تحركها باتصالات ثنائية، ثم قدمت في اليوم الثاني للقتال، أي في 7 تشرين الأول، كتاباً إلى رئيس مجلس الأمن في الأمم المتحدة تطلت فيه انعقاد المجلس بشكل سريع لدراسة “الحالة في الشرق الأوسط”. وكان مجلس الأمن في العام 1973 مؤلفاً من خمس عشرة دولة، خمسة منها ذات عضوية دائمة هي: الاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة، والصين الشعبية، وبريطانيا، وفرنسا، والعشر الأخرى ذات عضوية مؤقتة، وهي: استراليا والنمسا، وغينيا، والهند، وأندونيسيا، وكينيا، وباناما، وبيرو، والسودان، ويوغسلافيا. وحينما اتصل رئيس المجلس بالأعضاء للاتفاق على انعقاد المجلس تلبية للطلب الأمريكي لم يلق الرغبة الكافية للإسراع في عقد جلسة في اليوم ذاته. وهكذا التأم المجلس في “اليوم التالي”، أي في 8 تشرين الأول، في جو سيطرت عليه عدة عوامل أهمها: 1) عامل المفاجأة في الحرب: وقد اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بتأثير هذا العامل على الصعيد الدولي. 2) عامل الانتصارات السريعة المتتالية التي حققتها القوات السورية والمصرية ومن ساندها من القوات العربية على الجبهتين الشمالية والجنوبية. 3) عامل الرغبة لدى معظم أعضاء المجلس في خلق وضع جديد في المنطقة يساعد على إيجاد مناخ دولي يؤدي إلى الشروط اللازمة والكافية لإقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط بعدما تعذرت إقامة مثل هذا السلم في ضوء الرفض الإسرائيلي القائم على الاحتلال والتوسع. 4) عامل المواقف الضاغطة لعدة مجموعات دولية تشكل بعدد الدول المنضمة إليها أكثرية أعضاء منظمة الأمم المتحدة. وكان أبرز المواقف تلك التي التزمت بها مجموعة دول عدم الانحياز. ومجموعة الدول الإسلامية، ومجموعة الدول الاشتراكية وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي. وكان موقف الدولتين الكبريين، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، أحد العوامل المؤثرة أيضاً في معالجة موضوع حرب تشرين في مجلس الأمن. ومن الممكن تلخيص موقف الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة خلال الأيام الأولى من الحرب بالنقاط التالية: 1) استنكاراً “العدوان الإسرائيلي المستمر” وتحميل “السياسة الإسرائيلية” طوال السنوات الماضية مسؤولية تجدد القتال. 2) عدم فسح المجال في الفترة الأولى من الحرب أمام أي مشروع قرار في مجلس الأمن يدعو إلى وقف القتال أو عودة القوات إلى المواقع التي كانت فيها قبل 6 تشرين الأول، وذلك لمواجهة الجهود الحثيثة التي كانت الولايات المتحدة تبذلها في الاتجاه المعاكس. 3) انسجام مواقف دول أوروبا الاشتراكية مع الموقف السوفييتي. أما الموقف الأمريكي فيمكن تلخيصه بالنقاط التالية: 1) الدعوة في المرحلة الأولى من الحرب إلى وقف إطلاق النار عن طريق مجلس الأمن وعودة القوات إلى مواقعها التي كانت فيها قبل 6 تشرين الأول. 2) الاتصال بطرفي الصراع  لإنهاء القتال وإيجاد حل للنزاع. 3) الالتزام بحماية كيان (إسرائيل)، وذلك بمنع العوامل التي تؤدي إلى إضعافه أو تهديده. في ظل هذه العوامل والمواقف انعقد مجلس الأمن يوم 8 تشرين الأول، وبدأ المندوب الأمريكي بعرض أسباب دعوته المجلس إلى الانعقاد، وانتهى إلى ذكر ثلاثة مبادىء ترى حكومته الأخذ بها لحل مشكلة الآلية للحرب القائمة. 1) إيجاد أنسب الوسائل لإيقاف القتال، وبذلك يمكن تجنب حدوث مزيد من الآلام الإنسانية، ثم البدء في البحث عن السلام. 2) إقامة أوضاع في المنطقة تساعد على التوصل إلى تسوية الخلافات التي طال أمدها في الشرق الأوسط. كما يجب البدء بتحويل المجابهة الحادة بين المطالب والمطالب المضادة إلى حوار يهدف إلى تحقيق مصالحة حقيقية. وإن إحدى الوسائل للوصول إلى ذلك هي جعل الأطراف المعنية تعود إلى أماكنها التي كانت فيها قبل نشوب القتال. 3) وجوب احترام حقوق جميع دول المنطقة ومواقفها. وعلى مجلس الأمن أن يعي ضرورة الاحترام العالمي للوثائق والمبادىء المتعلقة بتسوية نزاع الشرق الأوسط بعد أن نالت قبول الأطراف المعنية ودعم المجلس. وإن الأسس التي تم التوصل إليها في الماضي بمشقة من أجل التفاوض الرامي إلى تحقيق السلام في الشرق الأوسط يجب أن لا تدمر تحت ضغط الطوارئ العسكرية. تحدث بعد ذلك المندوب السوفييتي فتلا نص البيان الذي أصدرته حكومته يوم 7 تشرين الأول ونشرته الأمم المتحدة كوثيقة رسمية من وثائقها. وقد جاء  فيه “أن ما يجري في الشرق الأوسط الآن يؤكد تلك الحقيقة الواقعة، وهي أن تصفية بؤرة التوتر المستمر في المنطقة وإشاعة سلم مضمون فيها أمران غير ممكنين بدون التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية المحتلة منذ حزيران 1967، وبدون ضمان الحقوق الشرعية للشعب العربي الفلسطيني”. وقد حملت الحكومة السوفييتية في بيانها الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن تطور الأحداث في الشرق الأوسط، وأعلنت أنها ستقف بثبات صديقاً أميناً للدول العربية. وقال المندوب السوفييتي في ختام بيانه إنه ما لم تحل مشكلة الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة وتأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني فإن أي قرار يصدره المجلس سيستغله المعتدي للمماطلة في الانسحاب. عقد مجلس الأمن خلال الفترة الواقعة بين 8 و12 تشرين الأول أربع جلسات استمع أثناءها إلى وجهات نظر الدول الأعضاء في المجلس، كما استمع إلى آراء الأطراف المعنية. وكانت المناقشة حادة وعنيفة بقدر ما كانت المعركة في ساحة القتال قاسية ومريرة. وقد بلغ النقاش أشده حينما انتهكت (إسرائيل) اتفاقيات جنيف الإنسانية بقصقها من الجو الأهداف المدنية والأحياء السكنية، وبخاصة في دمشق، والمنشآت الاقتصادية التي لا علاقة لها بالمجهود الحربي في سورية ومصر. ولجأ المندوب الإسرائيلي إلى الانكار والكذب فأقحمه مندوبا القطرين العربيين بالوثائق والصور والشواهد والأرقام التي تدين (إسرائيل) في انتهاكها الوحشي للاتفاقيات الدولية والمبادىء الإنسانية. تميزت هذه المرحلة من مناقشات المجلس التي استمرت خمسة أيام بوضوح عدة حقائق أكدتها أكثرية أعضاء المجلس، وهي: 1) أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي الذي تم في حزيران سنة 1967 لأراضي بعض الدول العربية يعتبر عدواناً مستمراً. 2) أن استمرار الاحتلال كان السبب المباشر لاندلاع الحرب. 3) أن موقف سورية ومصر يوم 6 تشرين الأول من هذا العدوان المستمر كان دفاعاً مشروعاً بموجب أحكام ميثاق الأمم المتحدة. 4) أن موقف (إسرائيل) الرافض لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 تاريخ 22/11/1967 هو الذي أدى إلى عودة الاضطراب إلى المنطقة وتعريض السلم والأمن فيها وفي العالم إلى الخطر. 5) أن (إسرائيل) مدانة بخرقها اتفاقيات جنيف وانتهاكها المبادىء الإنسانية حين ضربت الأهداف المدنية والأحياء السكنية والمنشآت الاقتصادية التي لا علاقة لها بالمجهود الحربي في سورية ومصر. 6) لا يمكن تأويل قرار مجلس الأمن 242 إلا على أساس الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة وضمان الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. ومن الجدير بالذكر أن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في دورتها الثامنة والعشرين كانت منعقدة في مقر المنظمة في نيويورك حينما نشبت الحرب. فكان انعقادها فرصة سائحة لكي تعبر دول العالم عن مواقفها، وتعلن بعض وفودها، وبخاصة الوفود الإفريقية، عن قرارات حكوماتها بقطع علاقاتها مع (إسرائيل)، وتنبه إلى خطورة الموقف، وتظهر خشيتها من أن تتطور الأمور إلى الأسوأ فيتسع نطاق الحرب وتقع مجابهة بين الدولتين الكبيرين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، ويتعرض السلم والأمن الدوليان إلى أخطر أزمة منذ الحرب العالمية الثانية. وعبرت بعض الوفود عن خشيتها من انهيار منظمة الأمم المتحدة ونظام الأمن والتعاون الدولي إذا لم تسارع المنظمة، بحهازيها الرئيسين مجلس الأمن والجمعية العامة، إلى إنقاذ الموقف واجتثاث أسباب النزاع. وكانت مواقف معظم الدول الأعضاء في الجمعية تؤكد أن السبب الرئيس للصراع ولجميع الكوارث المحتملة هو رفض (إسرائيل) الانسحاب من جميع الأراضي وتنكرها للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. ولقد كانت مناقشات الجمعية العامة في أثناء انعقاد مجلس الأمن ما بين 8و12 تشرين الأول بمثابة مظاهرة عالمية لتأييد الموقف والحق العربيين أثرت تأثيراً هاماً في مناقشات مجلس الأمن في الفترة المذكورة. لم يتمكن أعضاء مجلس الأمن وقد بلغت المناقشة نهايتها من الاتفاق على مشروع قرار يتدارسونه، فقد كانت هناك قوتان تتجاذبان أية نتيجة يمكن أن يتوصل إليها المجلس. فالولايات المتحدة، ومعها عدد قليل من الدول الأعضاء المؤيدة لها، ترى أن مشروع القرار يجب أن يتضمن عودة القوات المسلحة إلى مواقعها التي كانت فيها قبل 6 تشرين الأول، والتشديد على تنفيذ القرار 242، في حين كانت أكثرية الأعضاء ترى أن تؤخذ العوامل الجديدة التي سببت عودة القتال في الحسبان، فتبرز في أي مشروع قرار ويؤدي بروزها في النهاية إلى زوال جميع الأسباب التي يمكن أن تعيد، كلها أو بعضها، الاضطراب إلى المنطقة، كما يقيم مشروع القرار المأمول أسساً راسخة لسلام عادل ودائم. وإزاء هذين الاتجاهين وجد المجلس نفسه مبلبلاً، ولا سيما بعد ان عبر مندوب الولايات المتحدة عن تصميم حكومته على استعمال حق النقض لإسقاط أي مشروع قرار يتعدى حدود ما تراه حكومته. وهكذا انقض المجلس دون اتخاذ أي قرار. ومن الجدير بالذكر أن بيانات عدة قدمت إلى مجلس الأمن أو ألقيت أثناء هذه المرحلة من المناقشات باسم مجموعات دولية ووزعت كوثائق رسمية للمجلس. وأهم هذه البيانات: 1) بيان مجموعة دون عدم الانحياز يوم 10 تشرين الأول، وفيه تدين الدول العدوان الإسرائيلي على سورية ومصر، وتعلن تأييدها للنضال العادل والجهود البطولية التي يبذبها هذان البلدان من أجل تحرير أراضيهما المحتلة، وتعبر عن اقتناعها بعجالة القضية العربية وانتصارها. 2) بيان الجماعة الاقتصادية الأوروبية* (دول السوق الأوروبية المشتركة) يوم 13 تشرين الأول، وفيه دعت الدول التسع أعضاء الجامعة إلى وقف القتال وفتح الباب أمام “مفاوضات حقيقية ضمن إطار مناسب، تسمح بالعمل على تسوية النزاع بما يتلاءم مع أحكام القرار 242 الذي اتخذه مجلس الأمن في 22 تشرين الثاني سنة 1967”. 3) بيان منظمة الوحدة الإفريقية: وقد ألقاه في المجلس وزير خارجية كينيا، وفيه عزا عودة القتال في المنطقة إلى استمرار احتلال (إسرائيل) للأراضي العربية، ودانها لتجاهلها قرارات الأمم المتحدة، وطالب ببدء التفاوض لتطبيق القرار 242 مع الاهتمام بحقوق الشعب الفلسطيني. قدم الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن أثناء انعقاده يوم 11 تشرين الأول بياناً قال فيه انه يخشى من أن يخلق الوضع الحالي في الشرق الأوسط “تهديداً متزايداً للسلام والأمن الدوليين”، وطلب من الحكومات المتحاربة “أن تنظر في طرق بديلة قبل فوات الأوان ليكون في الإمكان وقف القتال وإراقة الدماء”. أعضاء المجلس على بذل جهد آخر للتغلب على “العقبات في وجه عمل فعال وسلمي”. وقال إنه ليس لديه حل تفصيلي، ولكنه يناشد الحكومات المعنية بإخلاص “أن تنظر صورة مستعجلة في إمكان تحويل هذا النزاع المفجع إلى نقطة انطلاق نحو جهد جديد لإيجاد تسوية حقيقية”. هذا عن المرحلة الأولى لمناقشة وضع الشرق الأوسط في ضوء حرب تشرين في مجلس الأمن. وكانت الاتصالات بين موسكو وواشنطن منذ بدء الحرب  وطولها مستمرة بوسائل متعددة. وبدأت المرحلة الثانية بعد انتهاء مناقشات مجلس الأمن (من 8 إلى 12 تشرين الأول) فتميزت باتخاذ الدواتين الكبيرين مبادرة مشتركة تمثلت في مشروع قرار اتفقتا على نصه أثناء زيارة سريعة قام بها وزير الخارجية الأمريكية إلى موسكو يوم 20 تشرين الأول. ودعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي مجلس الأمن إلى الانعقاد بشكل سريع يوم 21 تشرين الأول فالتأم مساء اليوم ذاته في ظل ظروف عسكرية وسياسية جديدة، لا سيما وأن احتمالات التوتر والمواجهة بين الدولتين الكبيرين كانت قد أثرت في التحرك السياسي ضمن إطار الأمم المتحدة، الأمر الذي دفع موسكو وواشنطن إلى اقتراح صيغة توفيقية تضع حدا لتطورات محتملة يصعب ضبطها والتحكم في مسارها، وتنهي القلق والتخوف من نشوء عوامل جديدة خطيرة سواء في إطار منطقة الشرق الأوسط أو في الاطار الدولي. افتتح المندوب الأمريكي المناقشة في مجلس الأمن فشرح الغاية عن الاجتماع العاجل على أنها “اتخاذ إجراء عادل، وتقديم مشروع قرار إلى المجلس يهدف إلى ايجاد توقف فوري عن إطلاق النار وبقاء القوات في الأماكن التي تحتلها، والمشروع فوراً في مفاوضات بين الأطراف بإشراف مناسب، مفاوضات تتطلع نحو سلام عادل ودائم يرتكز على قرار مجلس الأمن الصادر في تشرين الثاني سنة 1967”. ثم قدم مشروع القرار السوفييتي – الأمريكي، وهذا نصه: “ان مجلس الأمن، ” 1) يدعو جميع الأطراف المشتركة في القتال الدائر حالياً إلى وقف إطلاق النار بصورة كاملة، وإنهاء جميع الأعمال العسكرية فوراً في مدة لا تتجاوز 12 ساعة من لحظة اتخاذ هذا القرار وفي المواقع التي تحتلها الآن. “2) يدعو جميع الأطراف المعنية إلى البدء فوراً، بعد وقف اطلاق النار، بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) بجميع أجزائه. ” 3) يقرر أن تبدأ، فور وقف إطلاق النار وخلاله، مفاوضات بين الأطراف المعنية باشراف ملائم لإقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط”. وتحدث المندوب السوفييتي فطلب من المجلس الموافقة على مشروع القرار، وأشار إلى التطور الخطير للأحداث ومساره في اتجاه معاكس للانفراج الذي تحقق منذ زمن قريب، مما يتطلب من جميع أنصار السلام أن يبذلوا الجهد لتغير اتجاه هذا المسار في المنطقة ليسير في منحى تسوية سلمية عادلة. وتحدث بقية مندوبي الدول الأعضاء الدائمة في المجلس، فأيد المندوب البريطاني المشروع، وطالب بأن تكون الجهود المبذولة للوصول إلى الحل السلمي بإشراف الأمم المتحدة. وكان المندوب الفرنسي أكثر دقة في موقفه حين قال ان تعبير “إشراف ملائم” يعني بالنسبة لحكومته “إشراف مجلس الأمن”. وقال إن حكومته تتمسك بوجهة نظرها فيما يتعلق بتفسير أحام القرار 242، ولا سيما الأحكام الخاصة بالانسحاب من الأراضي المحتلة (رَ: حرب 1967 في منظمة الأمم المتحدة)، كما تؤكد رأيها بشأن “دور مجلس الأمن وأعضائه الدائمين” في التسوية السلمية. وأما مندوب الصين الشعبية فقد أعلن أنه لن يشترك في التصويت على مشروع القرار، وعلل موقفه هذا بأنه كان من واجب المجلس أن يدين “إسرائيل” على عدوانها المستمر، وإن يطلب منها الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة، وأن يضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. وبما أن مشروع القرار لا يتضمن ذلك كله فإنه لا يشترك في التصويت. أدلى مندوبو الدول الأعضاء غير الدائمة بآرائهم، وكانت معظمهم تركز على ضرورة تحقيق المبادىء الثلاثة الآتية: 1) انسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة. 2) الاعتراف بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. 3) الاعتراف بالسيادة الإقليمية لجميع دول المنطقة، وعيشها ضمن حدود آمنة ومعترف بها. وبعد ذلك طرح رئيس المجلس مشروع القرار على التصويت فأيدته 14 دولة، ولم تشترك الصين في التصويت. وصدر القرار برقم 338 وتاريخ 22/10/1973. أعلنت مصر مواقفها على القرار فور صدوره. وأما سورية فقد أبلغت الأمين العام للأمم المتحدة يوم 23 تشرين الأول في كتاب وزعته الأمانة العامة كوثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن أن الحكومة السورية وافقت على القرار المذكور مؤكدة أن فهمها للقرار يرتكز على (1) الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة في حزيران 1967 وما بعد، (2) ضمان الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وفقاً لقرارات الأمم المتحدة، على أن يلتزم الجانب الآخر بتنفيذ القرار المشار إليه”. لم تنصع (إسرائيل) لقرار مجلس الأمن بالرغم من إعلانها قبوله في اثر صدوره، بل تابعت عدوانها منتهكة المادة الأولى من القرار 338، معبرة بذلك، مرة أخرى، عن استمرارها في الاستهانة بالمجتمع الدولي، وعدم اكتراثها ما يمكن أن يترتب على موقفها هذا من مسؤوليات وعواقب، كاشفة عن نياتها العدوانية التوسعية. وكان لا بد من العودة إلى مجلس الأمن الذي طلبت مصر انعقاده يوم 24 تشرين الأول. وحينما التأم المجلس في اليوم المذكور عرض المندوب المصري تطورات الموقف على الجبهة المصرية واستمرار (إسرائيل) في انتهاك قرار المجلس. وقال ان القرار إذا سقطت مادته الأولى الخاصة بوقف إطلاق النار فإن مواده الأخرى تكون قد سقطت أيضاً. ووقف معظم أعضاء المجلس إلى جانب ضرورة ردع (إسرائيل) عن التمادي في استهتارها بقرار المجلس وتعريضها السلم والأمن الدوليين للخطر. وطالب المندوب السوفييتي بإرسال قوات دولية للإشراف على تطبيق القرار 338، وضرورة التفكير بتطبيق ما نص عليه الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة من عقوبات وتدابير زاجرة تفرض على (إسرائيل)، ونادى بأن تقطع جميع الدول علاقاتها بها. ثم تحدث المندوب المصري مرة أخرى فطلب بأن ترسل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قوات للإشراف على تنفيذ القرار 338، وقال “إن ما يجري الآن في مصر ليس فقط خرقاً لوقف إطلاق النار وإنما حرب جديدة فعلاً”. وقد رفض المندوب الأمريكي الاقتراحين السوفييتي والمصري، وكرر موقف حكومته بضرورة عودة القوات إلى مواقفها عند بدء نفاذ وقف إطلاق النار، ولكنه شك في إمكان تحديد هذه المواقع، إذ أنه لم يكن هناك ظرف ثالث يسهم في تحديدها. وانتهت المناقشة بإصدار المجلس قراراً جديداً برقم 339 وتاريخ 24 تشرين الأول مؤيداً من 14 دولة، إذ لم تشترك الصين في التصويت. وقد كرر المجلس في قراره هذا ضرورة الإيقاف الفوري لإطلاق النار، وعودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها حين بدأ تنفيذ القرار 338. وطلب من الأمين العام أن يسرع في إرسال مراقبين للإشراف على مراقبة وقف إطلاق النار بين القوات المصرية والقوات المعادية. لم ترتدع (إسرائيل)، ولم تنفذ قراري مجلس الأمن، مما أدى إلى عودة المجلس إلى الانعقاد مرة أخرى يوم 25 تشرين الأول ليبحث من جديد في أمر تمرد (إسرائيل) على قراريه. وانتهت المناقشة بإصدار قرار جديد برقم 340 وتاريخ 25 تشرين الأول. وقد طالب المجلس فيه بوقف إطلاق النار وقفاً كاملاً وفورياً وعودة القوات إلى المواقع التي كانت تحتلها في الساعة 16:50 (بتوقيت غرينتش) من يوم 22 تشرين الأول، وقرر إنشاء قوة للطوارىء تتألف من عناصر من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ما عدا الدول الخمس الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن، وأوكل إليها مهمة مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار. المراجع: –         وثائق ومحاضر اجتماعات مجلس الأمن، من 6 – 25 تشرين الأول 1973. الحرب الوقائية: رَ: الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الحرس الأهلي الفلسطيني (قانون -): رَ: غزة (العمل الفدائي من – )