حرب 1956

جعلت ثورة 23/7/1952 في مصر إقامة جيش وطني قومي أحد أهدافها السنة. وأخذت قيادة الثورة تعيد تنظيم الجيش، وتزوده بأحدث الأسلحة، وتدربه على أنجح الأساليب والطرائق القتالية الحديثة. وهكذا عقدت مصر في أيلول 1955 مع الاتحاد السوفييتي وبعض الدول الاشتراكية وبخاصة تشيكوسلوفاكيا صفقات لشراء الأسلحة. وتبع ذلك تأميم مصر قناة السويس في 26/7/1956. وحينذاك قررت فرنسا وإنكلترا (وإسرائيل) التعاون في القيام بعدوان على مصر. وكان لكل طرف من هذه الأطراف الثلاثة هدف خاص به يسعى إلى تحقيقه من وراء العدوان. فقد وجدت (إسرائيل) في تسليح الجيش المصري سبباً يخل بتوازن القوى القائم آنذاك. كما أن توجيه ضربة قوية إلى مصر ستؤدي إلى وضع حد لعمليات الفدائيين الفلسطينيين المنطلقة من قطاع غزة (رَ: غزة، العمل الفدائي من -). وهدفت فرنسا إلى انزال الضرر بمصر لدعمها الثورة الجزائرية، ولتأميمها شركة القناة. وسعت إنكلترا إلى جانب الانتقام من التأميم، إلى استعادة مركزها السابق في مصر قبل ثورة تموز (يوليه). تلاقت هذه القوى الثلاث على تحقيق أهدافها. واجتمع ممثلوها في ضاحية سيفر (قرب باريس)، ووقعوا على برتوكول سري ينظم عملية العدوان ويحدد واجبات ومسؤوليات كل طرف من الأطراف الثلاثة وفق الخطة التالية: 1) يقوم الجيش الإسرائيلي بخلق حالة صراع مسلح محدود على مشارف قناة السويس لتستغلها إنكلترا وفرنسا كذريعة للتدخل العسكري ضد مصر، على أن تسعى (إسرائيل) إلى ألا يبدو عملها العسكري لخلق ذريعة كبيرة الحجم بالدرجة التي قد تبلغ مصر إلى توجيه قوتها الرئيسة فتنفرد بذلك (بإسرائيل) وتوقع بها الضرر البليغ قبل أن تدركها حليفاتاها إنكلترا وفرنسا بعد انصرام 36 ساعة من بدء هذا القتال. 2) توفر القوات الجوية والبحرية البريطانية والفرنسية الحماية لسماء (إسرائيل) ومياهها الإقليمية. 3) بانقضاء 24 ساعة على خلق الذريعة تصدر بريطانيا وفرنسا إنذاراً مشتركاً لكل من مصر (وإسرائيل) بوقف القتال والابتعاد عن قناة السويس مع قبول مصر احتلال القناة مؤقتاً لحماية الملاحة البحرية العالمية فيها. 4) بانقضاء 12 ساعة على الإنذار، الذي صيغت كلماته بما لا يدع لمصر سبيلاً إلى قبوله تقوم القوات الجوية الإنكليزية والفرنسية بتدمير الغطاء الجوي المصري والأهداف الحيوية لتحقيق السيطرة الجوية على سماء مصر، بينما ينطلق الجيش الإسرائيلي في أعماق سيناء ليستدرج القوات البرية المصرية الرئيسة إلى شراك مدبر ينصبه لها هناك. 5) بعد انقضاء 7 أيام، تعتبر كافية لإنجاز (إسرائيل) مهمتها على الوجه الأكمل ولاستغلال إنكلترا وفرنسا لها في شن حملة حرب نفسية عارمة ضد مصر بكل وسائل الإعلام المتوافرة، يبدأ الغزو الإنكليزي والفرنسي لاحتلال قناة السويس وقطع خط الرجعة على جيش مصر الذي يكون قد تم استدراجه إلى سيناء توطئة للقضاء عليه هناك. وبهذا تجد الحكومة نفسها في القاهرة بغير جيش يحميها. 6) خلال كل هذه الأحداث تبذل فرنسا جهودها في الدفاع عن موقف (إسرائيل) في الأمم المتحدة، كما تبذل إنكلترا جهودها لمساعدة (إسرائيل) سراً دون الكشف عن ذلك علانية حتى لا يضار مركزها في العالم العربي. وضع الأطراف الثلاثة خطة العدوان التي أسموها “موسكينو” وقد حدد فيها حجم القوات المكلفة تنفيذ العمليات الحربية بالشكل التالي: 1) (إسرائيل): 18 لواء مشاة – 3 ألوية مدرعات – 10 كتائب ناحال – 16 كتيبة مدفعية – 192 طائرة مقاتلة – 50 طائرة قاذفة. 2) إنكلترا: 45 ألف جندي – 12 ألف عربة – 300 طائرة – 135 سفينة حربية منها 5 حاملات طائرات. 3) فرنسا: 34 ألف جندي – 900 عربة – 200 طائرة – 30 سفينة حربية منها حاملتا طائرات وبارجة وثلاثة طرادات. وخصصت إنكلترا وفرنسا قواعدهما في قبرص ومالطة والجزائر وجنوبي الجزيرة البريطانية وجنوبي فرنسا لحشد قوات الغزو توطئة لدفعها عبر البحر المتوسط إلى شواطىء بور سعيد. كما اتفقت الدولتان على تشكيل قيادة مشتركة بينهما، عين لرئاستها يوم 11/8/1956 الجنرال تشارلز كيتلي قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط آنذاك. كما عين نائب فرنسي لكل قائد عام بريطاني وضع على رأس أحد الفروع الرئيسة لقوات الغزو. وفي 25/10/1956 أصدرت القيادة المشتركة قراراً بأن تبدأ (إسرائيل) عصر يوم 29/10/1956 العدوان لخلق الذريعة، وذلك بإسقاط كتيبة مظلات فوق ممر مثلا في سيناء، على أن يعقب ذلك صدور الإنذار الإنكليزي – الفرنسي يوم 30 تشرين الأول، ثم وقوع الضربة الجوية في اليوم التالي، وأخيراً انطلاق الجيش الإسرائيلي إلى داخل سيناء. فإذا نجح الجيش الإسرائيلي في احتلال المنطقة الأمامية حول رفح* والعريش والقسمية وجبل لبنى كمهمة مباشرة على جبهة عرضها 40 كم وعملها 80 – 90 كم طور الجيش الإسرائيلي هجومه، واستغل نجاحه، وواصل تقدمه حتى يصل إلى مشارف الضفة الشرقية لقناة السويس ليحمي الجانب الأيسر للهجوم الإنكليزي – الفرنسي على جبهة عرضها 50 كم وعمقها 150كم. وخلال ذلك تطلق وسائل الإعلام الإنكليزية والفرنسية حملتها النفسية والإعلامية ضد مصر قبل أن تنقض قوات الغزو البحري على شاطىء بور سعيد يوم 7/11/1956 وتنطلق في تقدمها على امتداد قناة السويس حتى الإسماعيلية. وتتابع قوات الغزو عملياتها حسب وضع الجبهة الداخلية في مصر، فإذا سقط الحكم في القاهرة استمرت القوات في تقدمها حتى تكمل سيطرتها على القناة بكاملها. وأما إذا صمد الحكم فإن على القوات أن تندفع نحو جنوبي القاهرة لتكون المعركة الحاسمة حولها، وتعمل لقطع خط الرجعة على جيش مصر الذي يفترض أنه سينسحب أمام الهجوم الإسرائيلي، هذا إذا لم يقض عليه في صحراء سيناء. ضرب الأطراف الثلاثة سياجاً من السرية والكتمان حول ما اعتزموه من عدوان، كما اهتموا برسم خطة للخداع الاستراتيجي والتكتيكي يتم تنفيذها جنباً إلى جنب مع خطة موسكيتو. لقد التزمت أطراف العدوان الثلاثي بأسلوب الحرب المحلية المحدودة زماناً ومكاناً وحجماً وهدفاً، وبذلك يشن الهجوم الاستراتيجي الثانوي عبر سيناء بواسطة (إسرائيل)، والهجوم الرئيس عبر قناة السويس بواسطة انكلترا وفرنسا، مع اتخاذ الحيطة والحذر لئلا يفلت الزمام وتتحول عمليات العدوان إلى حرب عالمية. وفي الجانب الآخر كانت مصر اثر تأميم قناة السويس واستعادتها سيادتها الوطنية عليها قد أدركت الأخطار التي برزت بوضوح كاف في مطلع آب 1956، مما استدعى أن تدخل تغييراً جذرياً على الهيكل العام لاستراتيجيتها الدفاعية طبقاً لتقدير موقف جديد أساسه انتقال منطقة الخطر الرئيس من شبه جزيرة سيناء إلى قناة السويس، وذلك بعدما تزايدت احتمالات دخول بريطانيا وفرنسا إلى حلبة القتال بمجرد أن تبدأه (إسرائيل). ولقد ترتب على ذلك تخفيف القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء إلى الحد الذي يكفي لردع (إسرائيل) عن التورط في مغامرة لحسابها الخاص، ليتسنى تركيز الجهد الرئيس للقوات المسلحة المصرية على الدفاع الاستراتيجي عن المثلث الحيوي بورسعيد – السويس – القاهرة، وتعزيز الدفاع الشعبي فيه، مع حشد الاحتياطات العامة القوية حول منطقة القاهرة الكبرى والاستعداد للعمل على خطوط داخلية، وتخصيص أكبر جهد للدفاع الجوي ولدعم العمليات الدفاعية. وكان معنى ذلك أن سياسة الدفاع المصري اقتنعت بأن مصدر التهديد الرئيس لأمن الدولة قد أصبح الخطر الإنكليزي – الفرنسي الذي قد يستهدف منطقة القناة. ولذلك صدرت الأوامر بوضع الخطط لإقامة جبهات دفاعية قوية ذات اكتفاء ذاتي قتالي وإداري، مع استمرار تأمين خطوط المواصلات فيما بينها للمناورة بالقوات والإمكانات طبقاً لتطورات الموقف. وفي 1/9/1956 تم تقسيم الجمهورية – عدا الوجه القبلي – إلى ست جبهات هي: جبهة سيناء، وجبهة خليج العقبة، وجبهة القناة وشرقي الدلتا، وجبهة الدلتا، وجبهة الإسكندرية، وجبهة القاهرة. وقد وضعت جبهات سيناء والقناة وشرقي الدلتا تحت أمرة القيادة الشرقية التي أوكل إليها مهام إدارة الدفاع عن قطاع غزة وجبهة سيناء لاستنزاف القوات الإسرائيلية إذا ما شنت العدوان، بالإضافة إلى إعداد جبهة القناة وشرقي الدلتا لمواجهة أي هجوم جوي أو بحري إنكليزي – فرنسي وتأمين حركة المرور في قناة السويس. أوكل إلى جبهة شرقي الدلتا بصورة خاصة مهمة تنسيق جهود المقاومة الشعبية مع قوات الجيش التي تعمل على مختلف الجبهات المجاورة، ومداولة قطع خطوط مواصلات العدو، وإزعاج مؤخرته على محور الإسكندرية – القاهرة، أو الإسماعيلية – القاهرة، أو السويس – القاهرة، يشن الغارات الجريئة ضده. وقد وضع تحت قيادتها 35 ألف متطوع انتظموا في 175 كتيبة مقاومة شعبية و24 كتيبة شباب و3 ألوية من جيش التحرير الوطني. تم توزيع القوات المسلحة المصرية، البرية والجوية والبحرية، على مختلف الجبهات والمحاور المتوقعة للعمليات، وحددت لها مهامها بشكل يحقق أهداف الخطة الدفاعية. واستبقت القيادة العامة جزءاً من هذه القوات كاحتياطي تحت تصرفها تستخدمه حسب الحاجة وتطور الموقف الميداني. ويبين الجدول المرفق حجم القوات المصرية والقوات المعادية (الإسرائيلية – الإنكليزية – الفرنسية) التي اشتركت في العمليات. كما يبين مدى الخلل الاستراتيجي في ميزان القوى لصالح قوات العدوان. إن نظرة إلى هذا الجدول تبين مدى اختلال الميزان الاستراتيجي للقوى ضد مصر، وهو أهم ما حرصت (إسرائيل)على تحقيقه كشرط لدخولها في عملية العدوان، لإدراكها أن هذه الحرب تشكل، بالنسبة إلى الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية*، مرحلة وسيطة بين استراتيجية الإغارات الانتقامية التي مارستها قبل ذلك واستراتيجية الحرب الشاملة القادمة. ومن هنا كانت ضرورة اعتمادها على التواطؤ مع إنكلترا وفرنسا لتغطية مخاطر مرحلة الانتقال هذه عن طريق توفير التفوق العددي الساحق والسيطرة الجوية الكاملة. غير أن عدم توحيد قيادة دفة الحرب توحيداً كافياً، إمعاناً من إنكلترا في إخفاء التواطؤ، أضعف الترابط والتنسيق بين القوات الإسرائيلية والقوات الإنكليزية والفرنسية. وقد أدى ذلك إلى تعرض خطة العدوان، أثناء التنفيذ، إلى عدة هزات صبغت سير العمليات بالبطء حينا وبالجمود حينا آخر أمام المواقف السريعة التطور. البيان القوات المصرية قوات العدو المقارنة إنكلترا فرنسا إسرائيل المجموع مصر العدو قوات برية ألوية مشات وألوية مدرعة دبابات مدافع ميدان ومدافع هاون 12 300 776 12 400 1.300 5 100 220 21 250 990 38 750 2.510 1 1 1 3.3 2.5 3.2 قوات بحرية بارجة حاملة طائرات طراد مدمرة فرقاطة غواصة زورق طوربيد سفن أخرى – – – 2 7 – 24 40 – 5 6 14 7 7 – 94 1 2 2 4 8 2 – 14 – – – 2 5 – 22 26 1 7 8 20 20 9 22 134 – – – 1 1 – 1 1 – – – 10 3 – 0.9 3.4 قوات جوية سرب مقاتلات سرب قاذفات مقاتلة سرب قاذفات سرب نقل جوي سرب استطلاع سرب حوامات اقتحام (هيلوكوبتر) سرب إمداد واتصال جوي 7 1 2 3 – – 1 10 15 19 7 3.5 2 1 9 3 – 9 3 – 2 9 7 4 3 3 – 2 28 25 23 19 9.5 2 5 1 1 1 1 – – 1 4 25 11.5 6 – – 5 واجهت مصر العدوان تحت قيادة وطنية وجبهة متحدة التحمت فيها قواتها المسلحة مع قوى النضال الشعبي، تساندها طاقات الوطن العربي، وتشد أزرها قوى التحرر والتقدم والسلام في مختلف أرجاء العالم. جرت الحرب من وجهة نظر الاستراتيجية المصرية وطبقاً لتطوارتها السياسية والعسكرية في أربع مراحل رئيسة هي: المرحلة الأولى: حصر العدوان الإسرائيلي والاستعداد لتدميره. المرحلة الثانية: النضال من أجل تحقيق التوازن الاستراتيجي في مسرح الحرب. المرحلة الثالثة: الصراع في اتجاه المجهود الرئيس. المرحلة الرابعة: تصعيد الجهود السياسية والعسكرية حتى انسحاب قوات العدوان. 1) المرحلة الأولى: حصر العدوان الإسرائيلي والاستعداد لتدميره: دام الصراع المسلح خلال هذه المرحلة 47 ساعة، وبدأ في الساعة الخامسة عصر يوم الاثنين 29/10/1956 عندما بدأت 16 طائرة داكوتا إسرائيلية بإنزال كتيبة المظلات 890 فوق ممر مثلا لتخلق ذريعة التدخل الإنكليزي – الفرنسي فيما بعد، واستمر حتى الساعة الرابعة عصر يوم الأربعاء 31 تشرين الأول عندما تأكدت القيادة المصرية من نية إنكلترا وفرنسا العدوان عليها. وقد حرصت القيادة الإسرائيلية على إنزال جنود المظلات في منطقة تخلو من القوات المصرية على مسافة 65 كم شرقي القناة، ثم زجت على أثرها اسم قناة السويس في بيان أذاعه المتحدث الرسمي للجيش الإسرائيلي في الساعة التاسعة مساء 29 تشرين الأول ليوهم العالم بوجود حالة صراع مسلح على مشارف القناة تعرض الملاحة الدولية فيها للخطر. وقعت في هذه المرحلة عدة معارك محدودة بين اللواء الإسرائيلي المطلي 202 الذي عبر الحدود الشرقية عند الكنتيلة في آخر ضوء من يوم 29 تشرين الأول ليدرك ويدعم الكتيبة 890 الهابطة في مثلا واللواء الثاني الآلي المصري الذي اصطدم اللواء الإسرائيلي بمواقعه في الكنتيلة والتمد ونخل. وقد تابع اللواء الإسرائيلي تقدمه فوصل في الساعة 22:30 من يوم 30 تشرين الأول إلى منطقة صور الحيطان وانضم إلى الكتيبة 890. وكانت القيادة الشرقية المصرية عند سماعها نبأ إنزال كتيبة المظلات 890 الإسرائيلية قد أمرت لواء المشاة الثاني بعبور القناة، والتوجه نحو ممر مثلا للقضاء على القوة المعادية. ولكن طلائع اللواء لم تصل إلى المنطقة المقصودة حتى الساعة السادسة من صباح 30 تشرين الأول بسبب كثافة القوافل البحرية التي كانت تعبر القناة طوال ليلة 29 – 30 تشرين الأول، وإعطاء القيادة السياسية الأسبقية الأولى لها كضرورة سياسية، مع عبور القوات المصرية على الفواصل الزمنية بين هذه القوافل. وفي الوقت نفسه كان لواء الاستطلاع المدرع الثاني يعبر القناة من منطقة الإسماعيلية ويجري مناورة تطويق واسعة عبر وادي المليز ليصل إلى مؤخرة جنود المظلات في صور الحيطان حيث يقوم بتدميرها بالتعاون الوثيق مع لواء المشاة الثاني الذي يقوم بمقاتلة العدو قتالاً جبهياً. ومع أول ضوء من نهار تشرين الأول تعرضت كتيبة المظلات 890 الإسرائيلية لغارات جوية مصرية عنيفة، كما هاجمت الطائرات المصرية عناصر اللواء المظلي 202 المتقدمة على محور الكنتيلة – نخل. وفي مواجهة مواقع لواء المشاة السادس المصري في أبي عجيلة قام لواء المشاة الرابع الإسرائيلي في منتصف الساعة العاشرة من صباح 30 تشرين الأول بحركة التفاف من العوجة مروراً بالقسيمة للوصول إلى الجناح الأيمن لدفاعات أم قطف. ورغم أن خطة موسكينو المعدلة كانت تقضي بعدم التورط في قتال واسع النطاق قبل أن تقع الضربة الجوية الإنكليزية – الفرنسية يوم 31 تشرين الأول لتتم جميع الأعمال الإسرائيلية الرئيسة في حمى التفوق الجوي، فات القائد الإسرائيلي تعمد الخروج على هذه التعليمات فدفع اللواء المدرع السابع لدعم لواء المشاة الرابع في هجومه على دفاعات أم القطف. ولكن القوات المصرية صدت هذا الهجوم، وأوقعت بالعدو خسائر كبيرة، مما اضطر اللواء المدرع السابق إلى قطع الاشتباك والتحول نحو الغرب في اتجاه الحسنة. وطوال يوم 30 تشرين الأول نشط الطيران المصري فوق سيناء، وكال الضربات المركزة للأرتال الإسرائيلية المتحركة فوق  محاورها الجنوبية والوسطى، كما قصف مطارات عفير وقسطينة ورامات دافيد وسان جين الإسرائيلية. وفي الساعة السادسة من مساء 30 تشرين الأول صدر الإنذار الإنكليزي – الفرنسي المشترك الذي لم يكن سوى دعوة صريحة (لإسرائيل) كي تكمل احتلال سيناء. وعندما تأخر وقوع الضربة الجوية الإنكليزية – الفرنسية صباح 31 تشرين الأول طبقا لبروتوكول سيقر جزع بن غوريون رئيس وزراء (إسرائيل) آنذاك على مصير قواته في سيناء فأصدر أمراً يسحبها خلف الحدود. وأخذت القيادة العامة الإسرائيلية تضع خطة الانسحاب الشامل من سيناء، في حين كانت القيادة الشرقية المصرية قد اتمت التحضير للضربة المضادة التي اعتزمت أن تقضي بها على القوات العدو التي اخترقت الحدود، وحددت لها غروب شمس 31 تشرين الأول. غير أن بيانات حكومتي إنكلترا وفرنسا أمام مجلسيهما النيابيين كشفت عن اعتزامهما القيام بعمل فدائي ضد مصر، كما أن زيادة نشاط قواتهما الجوية في المنطقة، واتخاذ أساطيلهما أوضاعاً مربية قرب الميناء الإقليمية المصرية، ومدها يد المساعدة (لإسرائيل) في عملية أسر المدمرة إبراهيم الأول، وموقف مندوبيهما في مجلس الأمن،وتأييدهما المطلق لعدوان (اسرائيل)،والتهديد باستخدام النقض (الفيتو) لصالحهما، كل ذلك كان دليلاً كافياً للقيادة المصرية على قرب تدخلهما في الحرب الدائرة لعزل سيناء عن مصر على امتداد قناة السويس، وللقضاء على قوات مصر المسلحة التي استدرجها العدوان الإسرائيلي هناك، وبذلك يصبح الطريق مفتوحاً إلى قلب مصر. وكانت التجربة التاريخية التي أكدت للقيادة السياسية المصرية دور (إسرائيل) الاستعماري من أهم العوامل التي ساعدتها على اكتشاف التواطؤ الثلاثي مبكراً، فأصدر الرئيس جمال عبد الناصر* توجيهاته بوقف جميع أنواع النشاط العسكري التي تهدف إلى دفع قوات جديدة إلى سيناء مع الاستعداد لإعادة التوازن الاستراتيجي إلى المسرح بحشد القوات الرئيسة المصرية على جبهة المجهود الرئيس الجديد في مواجهة الغزو الإنكليزي – الفرنسي المنتظر. وقد صدرت هذه التوجيهات في الساعة الرابعة من عصر 31/10/1956 فوضعت النهاية للمرحلة الأولى من الحرب. 2) المرحلة الثانية: النضال من أجل تحقيق التوازن الاستراتيجي في مسرح الحرب: كانت الساعة السابعة من مساء 31/10/1956 اللحظة الحاسمة في سحق العدوان الثلاثي، إذ كشقت القنابل التي انهالت من الطائرات الإنكليزية والفرنسية على مصر عن خطة المؤامرة الثلاثية ضدها وأبعاد العدوان الإمبريالي الصهيوني المبيت لها. لذلك صدر في الساعة 22:00 من اليوم ذاته قرار حشد القوات المصرية غربي قناة السويس لتحقيق التوازن الاستراتيجي في مسرح الحرب، ومقابلة الغزو الإنكليزي – الفرنسي المتوقع، مع تركيز حشد القوات المسلحة المصرية وقوى النضال الشعبي داخل المثلث الحيوي بور سعيد – القاهرة – السويس. وبصدور هذا القرار تحولت الصورة العامة للحرب من صراع عسكري محدود إلى حرب تحرير شعبية قوامها القوات المسلحة ومنظمات المقاومة المصرية الشعبية. وما أن بدأ العدوان الثلاثي، وانكشفت خططه، حتى التأمت قلوب الأمة العربية جمعاء حول مصر وقيادتها، ووقفت الدول العربية مؤيدة لمصر في نضالها ضد العدوان وأطرافه، واتخذت من التدابير ما هي قادرة عليه في تلك المرحلة، ووضعت سورية إمكاناتها وجيشها تحت تصرف القيادة المصرية، وتم نسف أنابيب النفط العراقي التي تملكها شركات أجنبية وتمر في الأراضي السورية كوسيلة للضغط على فرنسا وإنكلترا المعتديتين. وأعلن عدد كبير من الدول في العالم، وبخاصة الدول الإسلامية والإفريقية والاشتراكية، شجبها واستنكارها للعدوان، ووقفت إلى جانب مصر في نضالها، وأيدتها حينما بحثت الأمم المتحدة العدوان والتدابير الواجب اتخاذها لوقفه وإزالة آثاره. تركز النشاط العسكري خلال هذه المرحلة حول تنفيذ قرار إيقاف الأعمال التعرضية بمنطقة سيناء الاستراتيجية، ثم قرار إخلائها لتوحيد الجبهة الرئيسة غربي القناة. وقد استغرق ذلك كله نحو 86 ساعة، فيما بين الساعة 16:00 من يوم 31 تشرين الأول والساعة 6:00 من صباح يوم 4 تشرين الثاني. وقد تصاعد نشاط العناصر الفدائية لتغطية عملية إخلاء سيناء، كما تم نقل القوات الجوية من قواعدها المعرضة في المناطق الأمامية إلى قواعد أكثر أمنا في الداخل، ثم إلى قواعد في أقطار عربية، وتوضعت وحدات الأسطول المصري داخل القواعد البحرية. وتعرضت مصر على امتداد هذه المرحلة للضرب الجوي الإنكليزي – الفرنسي المركز، كما شنت الدعاية الإمبريالية الصهيونية حرباً نفسية لم يسبق لها مثيل من حيث العنف ودرجة الاستمرار وحجم الوسائل المستخدمة. وعندما سقطت القنابل الإنكليزية – الفرنسية على مصر اطمأن بن غوريون إلى احترام انكلترا وفرنسا لشروط التواطؤ، ولهذا ألغى أمره السابق يسحب قواته من سيناء. دارت معركة ضارية في منطقة ممر مثلا بين لواء المظلات الإسرائيلي 202 ولواء المشاة الثاني المصري امتدت أكثر من 7 ساعات تلاحم فيها الطرفان بالسلاح الأبيض، وتكبدا خسائر فادحة. وفي النهاية هذه المعركة كانت القوات الإسرائيلية قد فشلت في اقتحام الممر ويئست من جدوى أية محاولة جديدة. كذلك تعرض موقع  أبي عجيلة لهجوم إسرائيلي عنيف شنه لواء المشاة الرابع والعاشر واللواءان المدرعان السابع والسابع والثلاثون. غير أن هذه القوات لم تتمكن من القضاء على القوة المصرية المدافعة، بالرغم من أنها قامت بأربع هجمات عليها، مما دعا القيادة الإسرائيلية إلى عزل قائد العملية. وعلى امتداد ليلة 31 تشرين الأول راحت مدفعية الأسطول الفرنسي تقصف دفاعات رفح توطئه لمهاجمتها فجر اليوم الأول من تشرين الثاني بلواء المشاة الأول واللواء المدرع السابع والعشرين. وخلال ذلك كانت الاحتياطات التعبوية المصرية وقوات أبي عجيلة ورفح والعريش تتخلص من المعركة في سرية وإخفاء تأمين وتنتقل لتأخذ أماكنها داخل المثلث الحيوي الجديد غربي القناة تنفيذا للقرار السياسي الاستراتيجي. أما قطاع غزة فكان قد تأثر بسقوط رفح. وبالرغم من ذلك فقد استماتت مواقعه الدفاعية في الصمود حينما هاجم لواء المشاة الإسرائيلي الحادي عشر مدينة خان يونس ابتداء من 1/1/56 وقد أبلت الكتيبة الفلسطينية مع سكان يونس حسن البلاء وظلوا يدافعون عن المدينة ثلاثة أيام فاضطرت القوات الإسرائيلية إلى قصفها بالطيران وفي اليوم الثالث 3/1/56 تمكنت القوات الإسرائيلية من دخول المدينة وارتكبت مجزرة رهيبة راح ضحيتها 3000 شهيد. غير أن تفوق العدو بكمية قواته وأسلحته أدى إلى دخول القوات الإسرائيلية إليه إلى قطاع غزة في ضحى يوم 3 تشرين الثاني. لم تشعر القوات الإسرائيلية بإجلاء القوات المصرية لدفاعات أبي عجيلة، فاندفع اللواءان الإسرائيليان المدرعان السابع من الغرب، والسابع والثلاثون من الشرق لاحتلال الموقع، فاصطدما ظهر 2 تشرين الثاني داخل الموقع الحالي، واشتبكا معاً في معركة لم تتوقف حتى نبهتهما الطائرات الإسرائيلية إلى خطتهما، وكانا قد فقدا عندئذ نحو 8 دبابات. وقف الرئيس جمال عبد الناصر يوم الجمعة 2 تشرين الثاني يؤكد من فوق منبر الجامع الأزهر في القاهرة أنه سوف يقاتل أي غزو والآخر طلقة وآخر نقطة دم، ليبني بلداً وتاريخياً، ومستقبلاً، وأنه سوف يبذل كل جهده حتى ينتصر العرب بعون الله. وفي هذه المرحلة، قطعت معظم الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية بفرنسا وانكلترا،وتدفق المتطوعون العرب للمشاركة في معركة المصير،وأضرب العرب عن التعامل مع الإمبريالية. كما تحركت ضمائر الأحرار في العالم فقدم الأمين العام للأمم المتحدة استقالته استنكاراً للعدوان، واعترض أقطاب الحياد الإيجابي، ثم صدر الاتحاد السوفيتي (بولجالين) إنذاراً، كما ارتفعت أصوات المعارضة البرلمانية والشعبية في إنكلترا وفرنسا ضد حكوميتهما، واهتزت الروابط بين دول حلف الأطلسي. وقد عارض الرئيس ايزنهاور العدوان وطالب بإيقافه. وفي اللحظات الأخيرة من هذه المرحلة وقعت معركة البرلس البحرية فجر 4 تشرين الثاني عندما خرجت 3 زوارق طوربيد مصرية لتبحث عن الحاملة التي تقلع منها الطائرات الإنكليزية والفرنسية لتغير على مصر. وإلى الشمال من  فنار البرلس دارت المعركة السريعة الحاسمة التي فقد فيها الأسطول البريطاني إحدى مدمراته. 3) المرحلة الثالثة: الصراع في اتجاه المجهود الرئيس للحرب: دار الصراع المسلح خلال هذه المرحلة بين القوات الإنكليزية والفرنسية، من جهة، والقوات المسلحة المصرية تدعمها قوى النضال الشعبي من جهة أخرى. وتركز على المحور التعبوي “قناة السويس” وفي منطقة بورسعيد. واستغرقت هذه المرحلة مدة 68 ساعة، بدءأ من الساعة 6:00 من صباح يوم 4 تشرين الثاني حتى الساعة 2:00 من صباح تشرين الثاني. بدأت المرحلة بالتمهيد الجوي الابتدائي للعزو البحري الإنكليزي – الفرنسي، ثم بتنفيذ الاقتحام الجوي فالبحري لإنشاء رأس جسر في بور سعيد. وفي الوقت ذاته كانت المعركة السياسية والإعلامية قد بلغت أقصى درجات الحدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، وفي أروقة الأمم المتحدة. وفي جنوبي سيناء كان اللواء الميكانيكي الإسرائيلي التاسع يتقدم نحو شرم الشيخ بمحاذاة الشاطىء الغربي لخليج العقبة*. وفي صباح يوم 5 تشرين الثاني قام هذا اللواء باقتحام المنطقة من الشمال بالتعاون مع وحدات إسرائيلية أخرى أطبقت من الغرب قادمة من منطقة الطور حيث تم نقلها جوا ظهر يوم 2 تشرين الثاني. نجحت مصر في حصر الغزو الإنكليزي – الفرنسي عند رأس الجسر في بور سعيد. ثم صدر قرار وقف إطلاق النار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنصاعت حكومات العدوان الثلاثي له. وكان أبرز ما تم في هذه المرحلة من الناحية القتالية تركيز الطائرات المعادية على قصف شاطىء الغزو في بور سعيد اعتباراً من فجر يوم 4 تشرين الثاني دون تفريق بين الأهداف العسكرية والمدنية. وفي منتصف الثامنة من صباح تشرين الثاني نزلت قوات المظلات الإنكليزية والفرنسية حول المحيط الخارجي لبور سعيد في مطار الجميل ومنطقة الرسوة وبور فؤاد في أعقاب أول عملية اقتحام جوي رأسي، إذ أنزل أفراد القوات الخاصة خلال الليلة السابقة على أسطح المنازل في بعض المواقع ذات الأهمية الحيوية من مدينتي بورسعيد وبور فؤاد تحت حماية نيران مدافع الأسطولين وقنابل الطائرات. ثم تتابعت موجات الاقتحام البرمائي من أساطيل الغزو، وتلا ذلك وصول قائد القوات البرية الإنكليزية والفرنسية المشتركة. أخذت المعدات والأسلحة الثقيلة تتدفق لدعم القوات استعداداً لانطلاقها من رأس الجسر الضيق الذي أقامته. ونزلت القوات اللاحقة على أرصفة المياه مباشرة، إلا أنها لم تتمكن من التغلب على المقاومة العنيفة التي تعرضت لها في رأس الجسر. وفي الساعة 2:00 من صباح 7 تشرين الثاني جرت محاولة بائسة وأخيرة للوصول إلى الإسماعيلية قبل أن يحل موعد إيقاف النار، فاندفعت القوات الإنكليزية جنوباً، ولكنها اصطدمت بمقاومة عند الكتاب أجبرتها على التوقف والتحول إلى القطاع. وانحدرت الحرب النفسية الإنكليزية والفرنسية إلى مستوى تهديد الشعب المصري بالإبادة في مدنه وقراه، متناسبة العرض الأصلي من العدوان، كما أعلنت عنه، وهو التدخل للفصل بين المتحاربين وصيانة المجرى المائي العالمي قناة السويس من التعرض للتدمير. 4) المرحلة الرابعة: الضغوط السياسية والعسكرية وانسحاب قوات العدوان: استغرقت هذه المرحلة 120 يوماً بدأت بوقف إطلاق النيران الساعة 2:00 من صباح 7 تشرين الثاني وانتهت بانسحاب القوات الإنكليزية والفرنسية عبر شاطىء الغزو يوم 22/12/1956، وجلاء (إسرائيل) عن سيناء وقطاع غزة يوم 6/3/1957. ويمكن تلخيص السمات البارزة لهذه المرحلة الختامية في ما يلي: (1) نشاط دولي واسع حفل بالمناورات السياسية والدبلوماسية والاتصالات الدولية، سواء داخل أروقة الأمم المتحدة أو خارجها، بهدف إجبار القوات المعتدية على الجلاء، بينما راحت حكومات التواطؤ تراوغ وتماطل في محاولة يائسة للحصول على أية مكاسب. (2) تدفق التعزيزات على منطقة رأس الجسر، وعكوف هيئات أركان العدوان على دراسة خطط جديدة لاستئناف العدوان والانطلاق به جنوباً بمجرد أن تلوح أمامها بارقة أمل. (3) نشاط القوات المسلحة المصرية في تدعيم تنظيماتها الدفاعية، في الجبهة وفي العمق، بما يكفل إحباط أي مغامرة جديدة. (4) دفع عناصر صاعقة وفدائيين داخل رأس جسر بورسعيد لتصعيد المقاومة الشعبية فيه. وفي ختام هذه المرحلة أمكن إجبار الدول المعتدية على الانسحاب بفضل الجهود المضنية التي بذلتها الدول العربية ودول عدم الانحياز وكل الدول المحبة للسلام. وكانت قوات الطوارىء التي صدر قرار الأمم المتحدة بتشكيلها وتكليفها الإشراف على هذا الانسحاب قد توالى وصولها إلى منطقة الصراع منذ يوم 15/11/1956 تحت قيادة الجنرال ايدسون بيرنز، وقد بلغ حجمها نحو 4.000 ضابط وجندي من كندا وكولومبيا والدانمارك والنرويج والسويد وفنلندا ويوغسلافيا والهند وأندونيسيا. وتحت إشراف هذه القوة تم انسحاب قوات العدوان وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل العدوان، ما عدا منطقة خليج العقبة التي رابطت فيها قوات الطوارىء لتضمن (إسرائيل) حق المرور البحري والجوي الذي كان أهم ما خرجت به من مكاسب في حرب العدوان الثلاثي. أما إنكلترا وفرنسا فكان العدوان بالنسبة إليهما بداية النهاية لوجودهما كقوة استعمارية في الوطن العربي، وايذانا بنزول الستار على إمبراطوريتيهما الاستعماريتين. المراجع:   –         حسن البدري وآخرون: حرب العدوان الثلاثي على مصر في خريف 1956، القاهرة 1965. –        Andre Beawfre: The Suez Expedition 1956, New York 1969. –        Antony Eden: The Crisis of 1956, Boston 1960. –        Selwyn Lloyd: Suez 1956, London 1978.