حرب 1948

هي الجولة العسكرية الأولى التي خاضها العرب مع الغزو الصهيوني لفلسطين وشاركت فيها الجيوش النظامية لخمس دول عربية هي مصر وسورية والأردن والعراق ولبنان. وقد أرسلت المملكة العربية السعودية قوة من جيشها لتعمل ضد قوات الجيش المصري وتحت إمرته. وقد بدأت في 15/5/1948 وانتهت بعقد اتفاقيات هدنة فردية مع الكيان الصهيوني (رَ: الهدنة الدائمة، اتفاقية -). وكان السبب المباشر لنشوب هذه الحرب تصميم الصهيونية والقوى الدولية المؤيدة لها على إقامة الدولة اليهودية في فلسطين بناء على قرار التقسيم (رَ: تقسيم فلسطين) الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29/11/1947. وقد سعت الجيوش العربية إلى حماية الشعب العربي الفلسطيني من الاحتلال الصهيوني وتخليصه من الإرهاب والظلم اللذين حلا به من جراء الغزوة الصهيونية وطغيانها. كما سعت، في الوقت ذاته، إلى إعادة الأمن والسلم إلى فلسطين. قبل ذلك كانت جامعة الدول العربية قد عقدت اجتماعاً بتاريخ 16/9/1947 في صوفر (لبنان) تقرر فيه تقديم أقصى ما يمكن من الدعم العاجل لأهل فلسطين في حال إقرار التقسيم. ثم قررت في اجتماع آخر عقد في عاليه (لبنان) بتاريخ 15/10/1947 (رَ: عاليه، اجتماع) تقديم ما لايقل عن عشرة آلاف بندقية مع ذخائرها إلى أهل فلسطين وتأليف لجنة عسكرية لإعداد الدفاع عن عروبة فلسطين وتنظيمه. وعند صدور قرار التقسيم، وفي غمرة الهياج الشعبي، دعت الجامعة إلى اجتماع عقد في القاهرة يوم 8/12/1947 حضره رؤساء وزراء الدول العربية وصدر في ختامه بيان جاء فيه: “أن الحكومات العربية لا تقر قرار الأمم المتحدة، وتعتبر التقسيم باطلاً من أساسه، وهي تقف إلى جانب استقلال فلسطين وسيادتها، وستتخذ من التدابير الحاسمة ما هو كفيل بإحباط مشروع التقسيم وخوض المعركة من أجل ذلك”. وهكذا أعلن العرب عزمهم على مقاومة التقسيم، وفي الوقت نفسه عقد الصهيونيين عزمهم على إنشاء دولة يهودية في فلسطين بعد أن استمدوا قوة من قرار الأمم المتحدة. فهب عرب فلسطين، من خلال جيش الجهاد المقدس* (8 -10 آلاف مقاتل)، وبمساعدة جيش الانقاذ* (3 – 4 آلاف مقاتل)، يدافعون عن وطنهم ضد القوات الصهيونية التي بلغت آنذاك نحو 67 ألف مقاتل. وقد اعتمدت هذه القوات في تسليحها على ما كانت تستورده من أوروبا وتحصل عليه من القوات البريطانية، بالإضافة إلى صناعة بعض الأسلحة الخفيفة محلياً. وقد استعدت القوات الصهيونية فحصنت مستعمراتها تحصيناً قوياً، ودربت سكانها على الدفاع الذاتي ضد أي هجوم عربي. وبدأت مرحلة من مراحل الصراع الدامي بين الجانبين تمثلت بعمليات النسف والتدمير والإغارات. وكان البريطانيون يتظاهرون خلال هذا الصراع بالوقوف على الحياد، في حين كانوا يدعمون عملياً المنظمات الإرهابية الصهيونية ويزودونها بالسلاح والذخائر. أعلن دافيد بن غوريون يوم 14/5/1948 قيام (دولة إسرائيل) على شطر من أرض فلسطين العربية وشكل حكومة مؤقتة لها. وسارعت الولايات المتحدة الأمريكية* إلى الاعتراف بها، وتلاها الاتحاد السوفييتي*، ثم توالت بقية الاعترافات من الدول الأخرى المؤيدة للصهيونية. وقد أكدت لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين* آنذاك أن الحكومة البريطانية، بوصفها الدولة المنتدبة، اعتزمت سحب قواتها العسكرية وإنهاء مهام قوة الشرطة الفلسطينية المحلية المؤلفة من عرب يهود يوم 15/5/1948، على أن تترك معداتها وأسلحتها ومخازنها للسلطات التي تخلفها. والواقع أنه لم تكن هناك سلطة عربية فلسطينية تخلفها، في حين كانت المنظمة الصهيونية قد وضعت خطة متكاملة استعداداً لمثل هذا الموقف، فاستغلت حالة الفراغ الناجمة عن انسحاب السلطات البريطانية لتستولي على جميع مخلفاتها من المعبدات والسلاح والمؤسسات الإدارية والمنشآت. وإزاء هذا الوضع، وإزاء تكرار الاعتداءات الوحشية الصهيونية على القوى العربية، وتقاعس السلطات البريطانية عن تنفيذ واجباتها في الإشراف على الأمن وحفظه حتى قيام سلطة محلية، لم يعد أمام الدول العربية غير التصدي لهذا العزو الصهيوني الاستعماري لفلسطين بالقوة، فاضطرت إلى دفع قواتها المسلحة النظامية لحماية شعب فلسطين من القتل والتشريد، وبلغ التقسيم. وقد أوضح الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسباب التي حملت الحكومات العربية على التدخل العسكري في مذكرة بعث بها إلى الأمين العام للأمم المتحدة جاء في الفقرة السادسة منها: “لذلك، ونظراً لأن أمن فلسطين وديعة مقدسة في عنق الدول العربية، ورغبة في وضع حد لهذه الحالة، وفي منعها من أن تتفاقم وتتحول إلى فوضى لا يعلم مداها أحد، ورغبة في منع انتشار الاضطراب والفوضى في فلسطين إلى البلاد العربية المجاورة، وفي سد الفراغ الحادث في الجهاز الحكومي الفلسطيني نتيجة لزوال الانتداب وعدم قيام سلطة شرعية تخلفه، فقد رأت حكومات الدول العربية نفسها مضطرة إلى التدخل في فلسطين لمجرد مساعدة سكانها على إعادة السلم والأمن وحكم العدل إلى بلادهم، وحقناً للدماء”. أ- الموقف العسكري قبيل بدء الحرب: 1) الجانب الصهيوني: إذ كانت الصهيونية قد وجدت في وعد بلفور* 1917، وفي صك الانتداب*1920، غطاء شرعياً لغزو فلسطين بهجرات يهودية متتالية، فإنها اعتبرت قرار التقسيم دعوة شرعية لإقامة (الدولة). وقد أدركت إستحالة تحقيق ذلك بالطرق السلمية، ولذا سارعت في استكمال استعدادتها لفرض دولتها بالقوة داخل حدود مؤقتة، مرددة شعار هاشومير* الذي نادى به بن غوريون: “بالدم والنار سقطت اليهودية، وبالدم والنار سوف تعود من جديد”. وكانت قيادة الهاغاناه* قد أكملت وضع تفاصيل خطة عسكرية للاستيلاء على أوسع مساحة ممكنة من فلسطين قبل انسحاب القوات البريطانية. وقد رمزت إلى هذه الخطة باسم الخطة الإسرائيلية “دال*”. وبإيعاز من الوكالة اليهودية* أعلنت التعبئة العامة بين القوات الصهيونية من مطلع نيسان 1948. وكان هذا القرار إيذاناً بالبدء بتطبيق الخطة دال. وانتقلت القوات الصهيونية إلى مرحلة الهجوم، وتمكنت خلال شهر ونصف، أي حتى تاريخ 15/5/1948، من السيطرة على المنطقة المخصصة للدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم، بالإضافة إلى مناطق أخرى خارج حدودها، وأصبحت على استعداد للتصدي للقوات العربية النظامية عند دخولها لنجدة عرب فلسطين. وقد توزعت القوات العسكرية الصهيونية على الشكل التالي: 40 ألف مقاتل جيد التسليح من الهاغاناه والبالماخ* وهاشومير*، وقوات ميدانية مدربة تتمتع بقدرة حركة كبيرة تعدادها 16 ألف مقاتل، وقوة ضاربة خفيفة الحركة عالية التدريب من البالماخ تبلغ 6 آلاف مقاتل، بالإضافة إلى قوات العصابات الإرهابية من الارغون* وشتيرن ونيللي البالغة 5 آلاف مقاتل موزعين على عشرة ألوية في كل منها ثلاث كتائب على رأسها قادة مؤهلون في دورات عسكرية على مختلف المستويات. وهكذا كانت القوات الصهيونية عند بدء الحرب المعلنة جاهزة عسكرياً، سواء من ناحية العدد أو التدريب أو التسليح، وقد سيطرت على أهم المناطق الاستراتيجية في فلسطين. 2) الجانب العربي: أصدرت بريطانيا، رغم الموقف الأمني المتدهور في فلسطين واستمرار مناقشة الوضع في الأمم المتحدة، على تنفيذ قرارها بالانسحاب النهائي من فلسطين بتاريخ أقصاه 15/5/1948. وكانت واثقة من نجاحها في إقرار التقسيم في النهاية حتى بعد تغير مواقف بعض الدول منه. ونظراً لاقتناعها بعدم قدرتها على فرضه بالقوة مع وجود المقاومة العربية العنيدة المتصاعدة، وضعت مخططاً جديداً يتلخص في تمكين العصابات الصهيونية من الاستيلاء على أكبر عدد من القواعد والمعسكرات البريطانية في فلسطين خلال فترة وجود القوات البريطانية، وبدعم منها، مع خلق الظروف الدافعة للعرب إلى الجلاء عن المناطق التي رأت بريطانيا أنها ضرورية لقيام الدولة اليهودية ولتحقيق سلامتها، وانتزاع قيادة الكفاح العربي من الشعب الفلسطيني ومن هيئته الوطنية ونقله إلى قيادة يمكن لبريطانيا توجيهها والهيمنة على تصرفاتها. وتنفيذاً لهذا المخطط بدأت القوات البريطانية تنسحب على مراحل اعتباراً من يوم 19/2/1948. ولم تتم عملية الانسحاب من المناطق العربية واليهودية في آن واحد، وإنما بدأت الجلاء عن المناطق اليهودية مع تسليم السلطات الإدارية إلى الوكالة اليهودية، بالإضافة إلى تسليمها المعسكرات والمستودعات والمطارات. وأما في المناطق العربية فقد ظلت جميع القوات البريطانية، حتى آخر أيام الموعد المحدد للانسحاب، تمارس صلاحياتها واضطهادها الشعب العربي الفلسطيني واستعداداته العسكرية للدفاع عن نفسه أمام الهجمات المنظمة التي أخذت القوات البريطانية تشنها على السكان العرب. وقاومت السلطات البريطانية إدخال الأسلحة إلى المناطق العربية ودخول المتطوعين العرب إلى فلسطين. وبالتالي كانت القوات العربية الفلسطينية الموجودة في فلسطين قبيل الحرب مقتصرة على المناضلين المحليين الذين يفتقرون إلى السلاح والذخيرة والقيادات الفعالة الخبيرة والقيادة الموحدة التي تنظم عملياتهم وتوجهها، بالإضافة إلى تعرضهم للملاحقة والسجن أو الإبعاد من قبل السلطات البريطانية. وفي الوقت الذي كانت القوات الصهيونية تزداد قوة واستعداداً وتوسع مناطق احتلالها، كانت المقاومة الفلسطينية تضعف وتنقص وتخسر القدرة على المبادأة وتتحول إلى الدفاع في محاولات يائسة للمحافظة على مواقعها. ب- القوات النظامية العربية التي دخلت فلسطين: 1) الجيش المصري: بقيادة العميد الأميرالاي أحمد علي المواوي. وقد بلغ عدد أفراد الوحدات المصرية خمسة آلاف مقاتل ضمن مجموعة لواء مشاة واحدة مؤلفة من ثلاث كتائب مشاة وسرية مدرعة ولواء مدفعية ميدان. ولم تستكمل هذه الوحدات تدريبها إلا على مستوى الفصائل والسرايا فقط. 2) الجيش الأردني: بقيادة الجنرال جون باجوت غلوب (بريطاني). وبلغ تعداده 4.550 مقاتلاً موزعين على أربع كتائب ميكانيكية ضمن ملاك لواءين وبطاريتي مدافعية ميدان في كل منهما أربعة مدافع. 3) الجيش العراقي: بقيادة الزعيم محمد الزبيدي، وعدده 2.500 مقاتل موزعين على كتيبة مدرعة، وفوج مشاة آلي، وفوجىء مشاة، وكتيبة مدافعية ميدان، وبطارية مدافعية مضادة للطائرات. 4) الجيش السوري: بقيادة العقيد عبد الوهاب الحكيم. وقد بلغ عدد أفراده 1.876 مقاتلاً ضمن كتيبتي وكتيبة مدافعية ميدان. 5) الجيش اللبناني: بقيادة الزعيم فؤاد شهاب. وكان مؤلفاً من ألف مقاتل ضمن كتيبة مشاة وبطارية مدافعية ميدان. وبهذا يبلغ مجموع القوات العربية النظامية التي دخلت فلسطين يوم 15/5/1948 حوالي 14.926 مقاتلاً ضمن 12 كتيبة مشاة أو ميكانيكية. وقد زاد حجم بعض الجيوش مع استمرار الحرب، في حين بقي حجم بعضها الآخر ثابتاً أو تناقص. وقد أوكلت جامعة الدول العربية يوم 10/5/1948 قيادة هذه القوات إلى ملك الأردن عبدالله تساعده هيئة أركان عامة. ويبدو واضحاً أن إطلاق اسم الجيوش على هذه القوات ر ينسجم مطلقاً وحجمها، إذ لم يتجاوز حجم بعضها الكتيبة الواحدة، وحجم أكبرها اللواءين. أما درجة استعدادها للحرب فقد أجمع رؤساء أركان الجيوش العربية آنذاك على أن قواتهم غير مستعدة لخوض الحرب، سواء من حيث التدريب أو من حيث التسليح. وفي الوقت نفسه لم تكن هناك خطة عمل واضحة لهذه الجيوش مجتمعة أو منفردة. واقتصر الأمر على إسناد مهمة حربية لكل جيش. وكانت المهام على النحو التالي: 1) الجيش اللبناني: يحتشد حول منطقة رأس الناقورة، ومن ثم يتقدم على امتداد الساحل، ويحتل نهاريا*، ثم يتابع تقدمه نحو عكا*. 2) الجيش السوري: يحتشد في منطقة بانياس وبنت جبيل، ويتحرك عبر الحدود الفلسطينية نحو صفد* – الناصرة* – العفولة*. 3) الجيش العراقي: يتحرك من منطقة تحشده غربي إربد، ويعبر نهر الأردن* نحو غور بيسان والعفولة. 4) الجيش الأردني: وقد كلف دفع لواء منه نحو نابلس* في الوقت الذي يتقدم فيه لواء ثان نحو باب الواد عن طريق رام الله. ومن هناك، وبعد التقاء اللواءين، يتجهان نحو الساحل لاحتلال الخضيرة وناتانيا* فتنشطر القوات الصهيونية إلى شطرين. 5) الجيش المصري: كان على الجيش المصري أن يجتاز الحدود الفلسطينية عند رفح* والعوجا* ثم يزحف للاستيلاء على المجدل وبئر السبع*. غير أن هذا كله تعرض لتعديل جذري. فبعد أن تم إقرار هذه المهام، وبدأت القيادات العسكرية العربية تنفيذ التدابير والتحركات اللازمة، أصدر الملك عبد الله، بصفته القائد العام للجيوش العربية، يوم 13/5/1948، أي قبل دخول القوات العربية إلى فلسطين بيومين، بناء على توصية من الجنرال غلوب، أمراً بتعديل مهام الجيوش العربية ومحاور عملياتها، فأصبح اتجاه عمل الجيش السوري إلى جنوبي بحيرة طبرية* نحو سمخ*، بعد أن كان عليه أن يعمل من منطقة بنت جبيل إلى جوار الجيش اللبناني باتجاه صفد والناصرة. وتحول قسم من الجيش اللبناني من رأس الناقورة إلى المالكية* للعمل باتجاه مرج ابن عامر*. وألغيت مهمة الجيش الأردني باتجاه جنين* والعفولة. وترتب على هذا التعديل حدوث ثغرات واسعة بين الجيوش عانى منها بصفة خاصة جيش لبنان الصغير الذي ترك بمفرده في الشمال. كما تركت منطقة بيسان بلا تأمين. وترتب على هذا التعديل أيضاً أن أصبح الهجوم هجوم مباشرة بعد أن كان هجوم مناورة بالالتفاف يكون في مرحلته الأخيرة على شكل كماشة. يضاف إلى ذلك أن هذا التعديل أوجد ثغرة واسعة بين الجيشين السوري والعراقي. وعندما اعترضت اللجنة السياسيية لجامعة الدول العربية على هذا التعديل وفاتحت الملك عبد الله بذلك ليلة 14/5/1948 وافق القائد العام على إلغاء التعديل، ولكن الجنرال غلوب لم يول هذا الأمر الجديد اهتماماً واستمر في العمل وفقاً للخطة المعدلة. وهكذا لم يقتصر الأمر على غموض المهام وضعف التنسيق والتعاون بين الجيوش العربية، بل زاده سوءا تبديل المهام في الساعات الأخيرة قبل بدء الحرب، مما كان له أثر سلبي على سير الأعمال الحربية، خاصة أنه لم تكن هناك أية خطة عمليات موحدة للجيوش العربية، وإن كل جيش كان يعمل بأوامر دولته، وإن تلك الأوامر كانت تحكمها السياسات القطرية لا خطة عمليات موحدة ذات أهداف مشتركة. ج- الخطط الإسرائيلية: لما كان هدف الصهيونيين الاستيلاء على كل ما يمكن الاستيلاء عليه من أرض فلسطين فقد أصبح لزاماً على قياداتهم العليا إعداد جيش هجومي قادر على تحقيق مهامه، جاهز للتصدي للجيوش النظامية العربية. لذا ركزت هذه القيادة على وضع خطة استعداد قتالية على درجة عالية من التنظيم، مع اشراك جميع السكان اليهود في المجهود الحربي. ونظراً لافتقار الصهيونيين إلى العمق الجغرافي فقد خلقوا عمقاً استراتيجياً عن طريق تنظيم هيكل الدفاع الشامل القائم على أساس الارتكاز على المستعمرات وسكانها، والمحافظة على زمام المبادرة، مع السعي الدائم لنقل المعركة إلى أرض الخصم (العرب). وقامت هيئة الأركان العامة الإسرائيلية بالسيطرة المركزية على جبهات القتال خلال الحرب، وأشرفت على عمل الوحدات، مهما كانت صغيرة، كي توجه كل عمل نحو الهدف العام للحرب. ولولا تدخل القوات النظامية العربية لاكتسحت القوات الصهيونية فلسطين كلها: عندما اجتازت القوات العربية الحدود الفلسطينية واجهتها القيادة الإسرائيلية بقفل محاور التحرك معتمدة على المستعمرات الدفاعية التي زرعتها مسبقاً، كما أقامت هيكلاً دفاعياً، من الجليل* شمالاً حتى النقب* جنوباً، مؤلفاً من ثلاثة خطوط: 1) الخط الأول: يمر بيبنة* (5 كم شمال غزة*) – اللطرون – قلقيلية* -طولكرم* – جنين – الناصرة – بحيرة طبرية – بحيرة الحولة* – رأس الناقورة. 2) الخط الثاني: يمر من بيبنة* – رحبوت* – ريشون لتسيون* – بيت دجن – ولهملة – رأس العين – العفولة – حيفا*. 3) الخط الثالث: يمر بيافا – رامات غان* – هرتسليا* – الخضيرة* – عتليت* – حيفا. واستند الدفاع الإسرائيلي إلى نحو 297 مستعمرة تم انتخاب مواقعها بعناية لتؤدي المهام التالية: 1) فصل المناطق العربية من البحر المتوسط. 2) صد وامتصاص أي هجوم عربي على مختلف الجبهات، واستنزاف قدراته بعمليات حصار عديمة الجدوى توطئة لانتزاع المبادرة والتحول إلى الهجوم. 3) الاحتفاظ بالطرق صالحة للحركة لتسهيل المناورة بالقوات. 4) العمل كقاعدة انطلاق للهجوم الذي تشنه القوات الميدانية الإسرائيلية. انتقلت القوات الصهيونية فعلاً إلى الهجوم بدءاً من مطلع نيسان 1948، أي قبل دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وسيطرت على معظم النقاط الاستراتيجية الهامة. وأجبرت، عبر المذابح الوحشية، عدداً كثيراً من سكان فلسطين على مغادرة بيوتهم وأراضيهم إلى البلدان المجاورة (رَ: إخراج الفلسطينيين من ديارهم 1948). وعندما دخلت الجيوش العربية فلسطين كانت معظم المدن الفلسطينية الكبرى قد أصبحت تحت سيطرة الصهيونيين، الأمر الذي مكن القيادة العسكرية الإسرائيلية من توزيع قواتها على مختلف الجبهات للتصدي للهجوم العربي المعلن عنه يوم 15/5/1948 على النحو التالي: 1) في الشمال ثلاثة ألوية بالإضافة إلى قوة المستعمرات الموجودة في المنطقة. 2) في الوسط لواءان يسيطران على تل أبيب ومنطقتها. 3) في الجنوب لواءان آخران. 4) في منطقة القدس ثلاثة ألوية. في صباح يوم 15/5/1948 دخلت الجيوش العربية أرض فلسطين. وعلى الرغم من المعوقات والنواقص حققت هذه الجيوش في الأيام الأولى من عملياتها العسكرية نجاحاً دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن تطلب من مجلس الأمن التدخل لوقف إطلاق النار. د- المرحلة الأولى (15/5 – 11/6/1948): 1) الجبهة المصرية: بدأت العمليات على الجبهة المصرية بالهجوم على مستعمرة الدنجور الواقعة على مسافة 6 كم جنوبي شرق مدينة خان يونس، وعلى مستعمرة كفار داروم إلى الشمال من خان يونس بنحو كيلو مترات، وهما تسيطران على محور المواصلات الرئيس من غزة. وقد دفع العميد أحمد المواوي الكتيبتين الأولى والسادسة (مشاة) في الساعة السادسة من صباح 15/5/1948 للهجوم على المستعمرتين. وكان الهدف من احتلالهما حماية محور القوات المصرية وتقدمها. وتم قصف الدنجور بنيران المدفعية ثم طوقتها قوة خفيفة، ولما تعذر على الجيش المصري احتلال الدنجور وكفار داروم فقد تركها وواصل تقدمه نحو الشمال وكان هذا أكبر خطأ ارتكبه المصريون. ثم  تابعت القوات المصرية الرئيسة، تقدمها باتجاه غزة. وأخذت الطائرات المصرية منذ فجر اليوم ذاته تقصف تل أبيب*. وفي صباح ذلك اليوم دخلت القوات المصرية مدينتي خان يونس وغزة ثم واصلت الزحف إلى المجدل وأسدود وكانتا لا تزالان بيد العرب الفلسطينيين. تابعت القوات المصرية تقدمها شمالاً يوم 19/5، وهاجمت مستعمرة يد مرداي (دير سنيد اليهودية)، ودارت هناك معركة عنيفة كانت الأولى بين القوتين النظاميتين المصرية والإسرائيلية. وترجع أهمية هذه المستعمرة إلى أنها كانت المركز الرئيس لتموين مستعمرات النقب، وأنها وقفت سداً في طريق أية قوة تحاول التقدم شمالاً أو جنوبا على امتداد السهل الساحلي*، كما تحكمت من موقعها المرتفع بالأرض المجاورة وبطريق غزة – يافا المعبدة الرئيسة. وكان يحبط بالمستعمرة حاجز من الأسلاك الشائكة والألغام، وفيها حوالي عشرة مواقع محصنة. بدأت الكتيبة الأولى المصرية هجومها، ونجحت في احتلال موقع جنوبي المستعمرة يهيمن عليها. ولكن عندما حاول جنود المشاة احتراق حصون المستعمرة نفسها صدوا بنيران غزيرة، وتكبدوا خسائر فادحة، فأعادت القيادة المصرية تنظيم قواتها، وزجت في المعركة بكتيبتين تدعمهما سرية مدرعة وكتيبة مدفعية ميدان. وبعد محاولة أولى فاشلة نجحت القوات المصرية اثر معركة ليلية في السيطرة على المستعمرة ورفعت عليها العلم المصري يوم 24/5/1948. وبتاريخ 22/5، وفي أثناء معركة يدمردخاي، تقدمت كتيبة مصرية أخرى نحو المجدل والتي كانت لا تزال بيد الفلسطينيين. كما تم يوم 24/5 احتلال عراق سويدان، وكانت تعسكر فيه قوة من المجاهدين الفلسطينيين، وبذلك سيطرت القوات المصرية على الطريق المؤدية إلى المستعمرات اليهودية الجنوبية. كانت الخطوة الثانية للقوات المصرية احتلال أسدود* لتخفيف الضغط عن الجيش الأردني الذي كان يجابه هجمات قوية على محور باب الواد -اللطرون. وفي يوم 29/5 تحرك اللواء المصري الثاني نحو أسدود والتي كانت لا تزال بيد الفلسطينيين، ثم تابعت القوة الرئيسة تقدمها واحتلت أسدود. وعندما حاولت طائرتان إسرائيليتان مهاجمة القوات المصرية تصدت لها وسائل الدفاع الجوي وأسقطت احداهما. وفي اليوم التالي، أي 30/5، بدأت المدفعية المصرية تقصف مستعمرتي نجبا وبئيروت اسحق، وهاجمت الطائرات المصرية مدينة رخبوت “عيون قارة” بالإضافة إلى ميناء تل أبيب. وفي تلك الأثناء كان الرتل المصري الذي اتبع الطريق الداخلية يتحرك بسرعة،ووصلت طلائعه إلى بئر السبع يوم 17/5/1948 والتي كانت لا تزال بيد الفلسطينيين. أما القوة الرئيسة منه فقد وصلت إلى بئر السبع يوم 20/5. وفي اليوم ذاته تم الاتصال بين هذا الرتل والوحدات الأردنية في بيت لحم*، وتولى المصريون مسؤولية الإشراف على المدينة. تابعت القوات المصرية العاملة على الاتجاه الساحلي تقدمها شمالاً حتى جسر أسدود الواقع على مسافة 3 كم شمالي قرية أسدود، وبذلك أصبحت على مسافة 32 كم من مدينة تل أبيب التي بدأت تتعرض لقصف جوي مصري. وعند الجسر اصطدم المصريون بقوات إسرائيلية كبيرة كانت قد وصلت من رخبوت ونسف الجسر وتمركزت دفاعياً شمالي أسدود في قطاع جديرا – بوشيت. وقد دفعت بموقع متقدم إلى مكان يقع جنوبي شرق أسدود مهدداً خطوط المواصلات المصرية، ونشطت دوريات الطرفين حول المدينة. وتعرضت القوات المصرية لقصف جوي معاد قامت به أربع طائرات “مسرشميت” وصلت حديثاً من أوروبا، فتصدت لها المقاومات الأرضية واسقطت إحداها. كما بدأت تتساقط على القوات المصرية قنابل من عيار 65 مم التي تلفتها القوات الإسرائيلية. فأصدر اللواء المواوي أوامره بحفر الخنادق وبناء التحصينات، وأبلغ القيادة أن أي تقدم أبعد من ذلك أصبح مستحيلاً ما لم يتلق تعزيزات جديدة ولذلك لم يتقدم إلى قرية بيت دراس التي كانت مع الفلسطينيين. قررت القيادة الإسرائيلية شن هجوم معاكس لتدمير القوات المصرية الموجودة في منطقة أسدود، وكلفت بذلك ثلاث كتائب، بالإضافة إلى سريتي مشاة محمولتين على عربات جيب. وقد بدأ الهجوم المعاكس عند منتصف ليلة 3/6/1948، وتحرك القسم الأكبر من هذه القوات محاولاً تطويق أسدود من الجنوب، ولكنه اصطدم بمقاومة مصرية عنيفة. وبسبب سوء تنظيم التعاون بين هذه القوة والوحدات المتبقية التي هاجمت من الشمال، تكبد الإسرائيليون خسائر كبيرة بلغت نحو 400 قتيل وجريح، وفشل الهجوم المعاكس، وانسحبت القوة الإسرائيلية. طلبت القيادة المصرية من قواتها في فلسطين احتلال خط المجدل –الفالوجة – بيت جبرين* – الخليل*، وخط أسدود – قسطينة، بهدف فصل المستعمرات الجنوبية في النقب عن شمالي فلسطين وإرغام هذه المستعمرات على الاستسلام. فصدرت الأوامر إلى الكتيبة الأولى بالتقدم شرقاً لاحتلال الفالوجة* وبيت جبرين، فتحركت بسرعة ونجحت في السيطرة على المواقع المحددة قبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من الوصول إليها. كما تقدمت بعض الوحدات بعد ذلك لاحتلال دير نخاس* وترقومبا*، وطردت العدو منهما، ثم تابعت تقدمها باتجاه الخليل لتأمين الاتصال بينها وبين المجدل. ركزت القوات المصرية جهودها الرئيسة نحو الشرق على محاور المجدل-عراق سويدان – الفالوجة – بيت جبرين عوضاً عن التوجه شمالاً نحو تل أبيب، وذلك لرغبتها في تحقيق الاتصال بين القوات المصرية النظامية وقوة المتطوعين بقيادة العقيد أحمد عبد العزيز التي وصلت إلى بعد 7 كم جنوبي القدس، ودخلت بيت لحم، واتصلت في 24/5 بالقوات الأردنية. وكانت قوة المتطوعين تتلقى تموينها عبر محور طويل يمتد من العوجة حتى بيت لحم مروراً ببئر السبع. ثم إن القيادة المصرية أيضاً رغبت في تعزيز عراق سويدان حيث تلتقي الطرق التي تربط النقب بشمالي فلسطين. هذا بالإضافة إلى خضوع القيادة المصرية لعوامل شتى، منها الضغوط الدولية لإيقاف القتال، مما دفعها إلى محاولة اكتساب عدد من المواقع. ونجح المصريون في إرغام العدو على الخروج من جنوب فلسطين. وكانت العمليات الأخيرة لهذه المرحلة عمليات نيتسانيم ونجبا. تقع مستعمرة نيتسانيم في واد عميق، وكانت من أقوى المواقع التي اعترضت القوات المصرية في تلك المنطقة. وقد وضع المصريون لاحتلالها خطة مدروسة بدقة مستفيدين من خبرتهم السابقة بأسلوب التعامل مع العدو، ومن دروس الفشل والنجاح في المعارك التي خاضوها. وقد اعتمدت الخطة على هجوم متعاون بين كتيبة مشاة وفصيلة دبابات وسرية مصفحات وفوج مدفعية ميدان. وخصص سرب جوي لدعم العملية. بدأ التمهيد المدفعي على نيتسانيم في منتصف ليلة 6-7/6/1948، وانطلقت الموجة الأولى من الهجوم البري في الساعة السادسة من صباح 7/6. وعندما تعثرت محاولة الخرق الأولى تدخل الطيران المصري، وتمكنت المدرعات في ظل القصف الجوي من الخرق، ودخلت المستعمرة والمشاة على أثرها. وعندما أبقن المدافعون استحالة الصمود حاولوا الانسحاب فوجدوا أنفسهم مطوقين. وفي الساعة الرابعة من بعد الظهر، وبعد عدة محاولات فاشلة لخرق الحصار المصري، استسلمت نيتسانيم بعد أن فقدت عدداً كبيراً من القوات المدافعة عنها، وتم أسر 120 مقاتلاً منها. وبالاستيلاء على نيتسانيم أمكن حماية القوات المصرية الموجودة في أسدود من العزل. وقد قام العدو بعد ذلك بثلاث محاولات لاسترجاع نيتسانيم يومي 9و10/6، ولكنها باءت كلها بالفشل، وتكبد الإسرائيليون خسائر فادحة. أما مستعمرة نجيا القريبة من المجدل، والواقعة على طريق المجدل – بيت جبرين – القدس*، فكانت تهدد التحركات المصرية على هذه الطريق الهامة التي تؤمن الاتصال بالجيش الأردني، وكان لا بد من احتلالها. في يوم 1/6/1948 صدرت الأوامر بالهجوم على المستعمرة إلى كتيبة مشاة وكتيبة دبابات خفيفة ببطاريتي مدفعية ميدان وبطارية مدفعية مضادة للطائرات وفصيلة من المناضلين العرب. بدأت المدفعية المصرية الرابضة في منطقة المجدل تقصف المستعمرة، وتكرر القصف العنيف يوم 2 حزيران، ثم تقدمت الموجة الأولى للهجوم ونجحت في فتح ثغرة في الأسلاك الشائكة، ولكنها لم تكن كافية، فقامت إحدى الدبابات بفتح ثغرة أخرى ودخلت منها إلى داخل المستعمرة تتبعها بقية الدبابات والمشاة في أثرها ودمرت المعاقل الحصينة التي صادفتها. ولكنها لم تحقق نجاحاً كبيراً لغزارة النيران. وفي فجر يوم 3 حزيران تحركت الموجة الثانية للهجوم لاستثمار نجاح الموجة الأولى واحتلال القسم الأيمن من المستعمرة. ولكنها لم تتمكن من التقدم بسبب غزارة النيران المعادية فصدرت الأوامر في الساعة العاشرة صباحاً بالانسحاب. وقد تم انسحاب المشاة تحت ستار نيران الدبابات التي انسحبت بدورها تحت ستارة دخانية، وعادت القوة إلى المجدل في الساعة الرابعة عشرة. 2) الجبهة الأردنية: بتاريخ 13/5/1948، أي قبل اليوم المحدد لدخول الجيوش العربية إلى فلسطين، وبناء على أوامر الجنرال غلوب، أتمت معظم القوات الأردنية – وكانت قليلة وصغيرة الحجم – انسحابها من الضفة الغربية لنهر الأردن. وفي صباح يوم 14/5 انسحبت الوحدة المشتبكة مع الصهيونيين في مستعمرات كفار عصيون. وفي صباح 15/5/1948، ومع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، أصدر الجنرال غلوب أوامره، كرئيس لهيئة أركان الجيش الأردني، بعبور القوات الأردنية نهر الأردن من جديد إلى داخل فلسسطين عن طريق جسر اللنبي لاحتلال مواقع داخل المنطقة المحددة لعمل الجيش الأردني على تخوم القطاع العربي وفق قرار التقسيم. وتحركت الآليات الأردنية بمهاجمة مستعمرة عطاروت التي كان سكانها قد أخلوها متجهين نحو مستعمرة نبي يعقوب. كانت حدة النيران المتبادلة بين العرب واليهود في مدينة القدس وضواحيها على أشدها بعد أن جلا عنها البريطانيون. وفي حين ركزت الهاغاناه قواتها الرئيسة على المنطقة الواقعة جنوبي شرق القدس في فندق الملك داود ومنطقة السكة الحديدية، قامت قوات الارغون باحتلال الشيخ جراح وأعادت الاتصال بمستعمرات جبل المشارف (سكوبس). وفي الساعات الأولى من صباح 15/5 وصلت طلائع القوات الأردنية إلى شرقي القدس وبدأت تقصف القدس الجديدة المحتلة بالمدفعية والهاونات. كما انطلقت وحدة أردنية من جبل الزيتون نحو الشيخ جراح فأعادت قطع الاتصال بين يهود القدس ومستعمرات جبل المشارف (سكوبس). قررت القيادة الأردنية مهاجمة القدس الجديدة من الاتجاهين الشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي معاً في الوقت الذي تبقي فيه القدس تحت نيران المواقع العربية المتمركزة في الشيخ جراح. وقد اصطدمت القوة الأردنية بمقاومة إسرائيلية شديدة شمالي بوابة مندلوم. وبعد بضع محاولات صدرت الأوامر بإيقاف الهجوم على القدس الجديدة. في تلك الأثناء حاولت وحدة أردنية، بعد احتلالها لمستعمرة عطاروت، متابعة التقدم ومهاجمة مستعمرة نبي يعقوب. وعلى الرغم من فشل الهجوم الأول انسحب سكان المستعمرة خلال الليل نحو مستشفى هداسا على جبل المشارف. من جهة ثانية، قام لواء أردني ثان في 17/5/1948 باحتلال مواقع على الذرى المشرفة على طريق تل أبيب – القدس بين اللطرون ودير أيوب*، وبذلك أصبحت القوات الأردنية على مسافة أقل من 30 كم من تل أبيب، في حين دخلت وحدة من الجيش الأردني مدينة بيت لحم وسيطرت عليها. أما إلى الجنوب، فكانت مناجم البوتاس الإسرائيلية الواقعة عند النهاية الشمالية للبحر الميت* قد عزلت تماماً بعد أن استولت القوات الأردنية على مستعمرة بيت عربة وتمركزت فيها. وجرى إجلاء يهود المنطقة ليلة 20/5/1948 بالزوارق إلى سدوم على الشاطىء الجنوبي للبحر الميت. وبتاريخ 19/5 احتلت القوات الأردنية محطة ضخ المياه قرب بتاح تكفا*،وصدت في اليوم التالي هجوماً إسرائيلياً معاكساً، وأصبح الوضع يشكل تهديداً قاتلاً لقلب (الدولة الإسرائيلية الجديدة). 3) الجبهة العراقية: تألفت القوة العراقية من لواء مشاة وكتيبة دبابات احتشدت قرب المفرق في شرقي الأردن منذ شهر نيسان 1948. وفي مطلع شهر أيار تحركت القوات العراقية غرباً بين اربد ونهر الأردن استعداداً لدخول المعركة في القطاع المحدد لها، وهو القطاع الشمالي والأوسط من وادي الأردن وشمالي المثلث (جنين – طولكرم – نابلس). وفي الساعات الأولى من يوم 15/5/1948 عبرت القوات العراقية غرباً، انطلاقاً من نابلس ومروراً بطولكرم العربية، ووصلت الطلائع المدرعة للقوات العراقية إلى خط كفار يونان – عين قارط (بين طولكرم وناتانيا). وبذلك أصبحت على مسافة 10 كم مسافة من ناتانيا حيث تصدت لها القوات الإسرائيلية يوم 30/5/1948. وكانت القيادة الإسرائيلية، تحسباً لهجوم عراقي عام، قد أوعزت للوادي “جولاني وكارميللي” بتنسيق عملهما مع اللواء “الكسندروني” المدافع عن المنطقة. وقرر الإسرائيليون شن هجوم من وسط منطقة السامرة نحو جنين. بدأ اللواء جولاني يوم 28/5 العمليات بمهاجمة مواقع المناضلين العرب غير النظاميين شمالي شرق جنين، واحتل قرية زرعين، ونجح في اليوم التالي في طرد المناضلين، واحتل قريتي مجدو واللجون يوم 31 أيار. وبذلك أصبح الموقف الإسرائيلي ملائماً لشن هجوم واسع النطاق على جنين. فكلفت القيادة اللواء كارميللي هذه المهمة بعد أن عززته بكتيبة من اللواء جولاني وطلبت من القوى الجوية الاستعداد لدعم هذا الهجوم. انطلق الهجوم على جنين عند غروب يوم 31/5/1948، فتقدمت كتيبة اللواء جولاني في الطليعة، وسار وراءها اللواء كارميللي. وتمكنت هذه الكتيبة خلال اليومين التاليين من احتلال قرى صندلة وعرانا وجلمة والمقيبلة شمالي جنين ممهدة الطريق لهجوم اللواء كارميللي الذي بدأ ليلة 3/6/1948 باحتلال مرتفعين مشرفين على الطريق الرئيسة المؤدية إلى جنين من الجنوب. وفي صباح 4/6 قامت الوحدة العراقية الموحودة جنوبي غرب جنين بشن هجوم معاكس على مواقع اللواء كارميللي قبل أن يتمكن من التحصين وكبدته خسائر فادحة. ولكنه، على الرغم من ذلك، بقي متمسكاً بمواقعه وصد الهجوم العراقي. ونجحت كتيبة جولاني باحتلال جنين. عند ظهر اليوم نفسه وصلت كتيبة عراقية أخرى من نابلس وعززت قوى الهجوم المعاكس، وساهم الطيران العراقي في المعركة، وخسر الإسرائيليون بعض المواقع التي احتلوها. ووجد قائد اللواء الإسرائيلي أن موقف قواته قد أصبح في خطر فأصدر أوامره بالانسحاب ليلاً، وعادت جنين إلى أيدي العرب. 4) الجبهة السورية: بتاريخ 14/5/1948 كان لواء المشاة الأول السوري بقيادة العقيد عبد الوهاب الحكيم موجوداً في جنوبي لبنان – حسب الخطة المقررة – مستعداً لمهاجمة المالكية. وفي اليوم نفسه تلقى قائده أمراً بالعودة مع قواته إلى سورية، والتحرك من ثم جنوباً عبر هضبة الجولان*، والدخول إلى فلسطين من جنوبي بحيرة طبرية باتجاه سمخ العربية التي طرد سكانها بقوة السلاح. وتنفيذاً لهذا الأمر تحرك اللواء السوري نحو موقعه الجديد، وقامت كتيبتان منه بشن هجوم على القوات الإسرائيلية في الساعة التاسعة من صباح 15 أيار. ولكن الهجوم تعثر إذ قوبل بنيران غزيرة من القوات الإسرائيلية التي استعدت لمجابهة فأقامت موقعاً دفاعياً حصيناً قرب سمخ. وتوقفت القوات السورية التي أتعبها التحرك المفاجىء من جنوبي لبنان، واكتفت بالرد على النيران المعادية، مع قصف مدفعي للموقع للحصن لمستعمرة عين غيف الواقعة على الشاطىء الشرقي لبحيرة طبرية. وفي صباح 16 أيار قصفت الطائرات السورية سمخ ومستعمرات الحولة بالإضافة إلى القصف المدفعي. كما تصدت قوة سورية لوحدات إسرائيلية قادمة لنجدة موقع سمخ، في حين قامت سرية سورية معززة بالعربات المدرعة بالتقدم نحو مستعمرتي مسعدة وشعار هاجولان وتوقفت عن مشارفهما بسبب غزارة نيران المدافعين عنهما. وفي صبيحة يوم 18 أيار شن اللواء الأول السوري (الذي أصبح بقيادة الزعيم حسني الزعيم) هجوماً جديداً على الموقع الإسرائيلي المحصن قرب سمخ فانسحب المدافعون عنه نحو مستعمرة دغانيا، ودخله السوريون في صباح اليوم نفسه. اعتقدت القيادة الإسرائيلية أن هذا هو اتجاه الهجوم السوري الرئيس فدفعت إلى المنطقة تعزيزات جديدة وحشدت مختلف القوات المتوافرة عندها، حتى الحرس المحلي للمستعمرات. طلبت القوات العراقية من القوات السورية القيام بهجوم خداعي باتجاه مستعمرة دغانيا لحماية الجانب العراقي الأيمن عند تنفيذ القوات العراقية هجومها غرباً نحو طولكرم. وتلبية للطلب العراقي شن اللواء الأول السوري في الساعة 4:30 صباح 20 أيار هجوماً على مستعمرتي دغانيا آ وب. وحدد اللواء مهمة احتلال الجسر الكائن على نهر الأردن شمالي دغانيا – آ لإحباط أي هجوم إسرائيلي من طبرية على خطوط المواصلات العراقية. انطلقت القوات السورية نحو هدفها تتقدمها الدبابات والعربات المدرعة. وسرعان ما اخترقت دفاعات دغانيا – آ. ولكن قوات المشاة السورية لم تتمكن من مجاراة الدبابات في سرعة التقدم، مما أتاح الفرصة للمدافعين لاستخدام قنابل المولوتوف والمدافع المضادة للدبابات والنجاح في صد الهجوم المدرع السوري وتدمير عدة آليات في الوقت الذي تعرضت فيه المشاة لنيران الأسلحة الخفيفة فتوقفت في بيارة ليمون على مسافة بضع مئات من الأمتار عن المستعمرة، وانسحبت الدبابات وفشل الهجوم. عند ذلك وجه السوريون اهتمامهم إلى دغانيا – ب، وتقدمت نحوها ثماني دبابات تحت حماية نيران الهاونات، ووصلت حتى مسافة 150م من دفاعات المستعمرة حيث توقفت لتغطي بنيرانها تقدم المشاة. ولكن هذه لم تكن كافية أو مجهزة للتغلب على نيران المدافعين. وبعد محاولتين فاشلتين لخرق الدفاع انسحبت إلى الوراء. وبعد ظهر اليوم نفسه وصلت إلى المستعمرة تعزيزات جديدة من صنوف الأسلحة المختلفة، ولا سيما المدفعية التي فتحت نيرانها بغزارة على القوات السورية وأجبرتها على التراجع. حاولت القوات الإسرائيلية أخذ زمام المبادرة فشنت هجوماً ليلياً على المواقع السورية في منطقة جسر بنات يعقوب، ولكنها صدت بنيران غزيرة. ثم ساد الهدوء المنطقة. وفي صباح 6/6 قام اللواء الثاني السوري بقيادة العقيد علم الدين قواص بهجوم مفاجىء عابراً النهر بهدف احتلال مستعمرة مشمار هايردن وإقامة رأس جسر على الضفة الغربية لجسر بنات يعقوب، ومن ثم تأمين الاتصال بالقوات اللبنانية وقوات جيش الإنقاذ في منطقة المالكية. ولكن الرمايات الإسرائيلية أحبطت عملية العبور وتوقف الهجوم. وفي الوقت ذاته تحركت كتيبة سورية معززة، بقيادة المقدم سامي الحناوي، من بانياس باتجاه مستعمرة دان، لكنها توقفت بسبب غزارة نيران المدافعين وتحصنت حيث وصلت. على أثر الهجمات السورية قام الاسرائيليون بحشد مزيد من قواتهم على مقربة من مشمار هايردن ودفعوا في 8/6 باحدى كتائبهم لتعزيز الدفاع عن المستعمرة. في 10/6/1948 شن السوريون أول هجوم منسق، ونجح لواء المشاة الثاني في خرق الدفاع الإسرائيلي، واحتل ثلاث نقاط محصنة محيطة بمشمار هايردن، وتابع ضغطه على القوات الإسرائيلية، ثم نجحت المدرعات السورية في عبور النهر، وتمكنت بالتعاون الوثيق مع المشاة من التغلب على المواقع المعادية المتقدمة، ودارت رحى معركة عنيفة انتهت بسقوط مشمار هايردن بعيد  ظهر اليوم نفسه في يد السوريون. وكان اللواء الأول السوري قد قام في الوقت نفسه بشن هجوم خداعي على مستعمرة عين غيف. 5) الجبهة اللبنانية: دخلت القوات اللبنانية فلسطين باتجاه ما يسمى باصبع الجليل الممتد شمالاً من نهر الأردن ووادي الحولة نحو دان. وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي سارت فيها العمليات الحربية العربية وفق ما يمكن اعتباره تجاوزاً خطة عامة. فقد وضعت القوات الإسرائيلية تحت ضغط جبهتين عربيتين في آن واحد، إذ عبر السوريون نهر الأردن نحو شرق اصبع الجليل، في حين اتجهت القوات اللبنانية نحو غربه. كان مقرراً أن يمر المحور الذي سلكه الجيش اللبناني في تحركه عبر قرية المالكية. ولكن القوات الإسرائيلية ردت على هذا التحرك فهاجمت إحدى كتائبها ليلة 15/5/1948 كلاً من المالكية وقدس* انطلاقاً من رامات نفتالي، وتمكنت من احتلالهما صباح يوم 15/5 قبل وصول الجيش اللبناني. وبعيد الفجر شن اللبنانيون هجوماً معاكساً على المالكية وأجبروا الإسرائيليون على إخلاء القرية والانسحاب منها. وقد تقدم اللبنانيون فدخلوا القرية، ثم دخلوا قرية قدس. واكتفى الجيش اللبناني بهذين الانتصارين وتحول إلى تحصين مواقعه الجديدة. لم يشعر الإسرائيليون بتوقف الجيش اللبناني وتوقعوا منه متابعة التقدم، ولذلك أسرعوا ليلة 18/5 إلى احتلال مركز شرطة قرية النبي يوشع، وبدأوا يعدون التحصينات في تلك المنطقة لقطع الطريق بين قدس وسهل الحولة*. وبعد أن مر أسبوع كامل والجيش اللبناني قابع في مواقعه لا يتحرك قرر الإسرائيليون الهجوم. وقامت خطتهم على أساس شن هجوم خداعي على النبي يوشع وقدس من الجنوب، في حين يشن الهجوم الرئيس على المالكية عبر الأراضي اللبنانية. وفي ليلة 29/5 أرسل الإسرائيليون قوة من العربات المدرعة والمشاة المحمولة على عربات نقل عبر الحدود انطلاقاً من المنارة*، وسارت القافلة بدون أنوار حتى بلغت طريقاً موازية للحدود غربي المالكية. وقد التقت هذه القوة الإسرائيلية شمالي المالكية بوحدة لبنانية صغيرة تصدت لها بالنيران ولكنها انسحبت بسرعة لعدم قدرتها على الصمود في وجه القوة الإسرائيلية المتفوقة. وقد أدى هذا الاشتباك القصير إلى إنذار القوات اللبنانية في المالكية. ولكن الإسرائيليين هاجموها من الخلف قبل أن تتمكن من اتخاذ الاستعدادات اللازمة، فسقطت القرية بعد معركة قصيرة، ثم تبعتها قدس التي أخلاها اللبنانيون وانسحبوا إلى ما وراء الحدود. وفي يوم 6/6 شنت وحدات من الجيش اللبناني وجيش الإنقاذ والجيش السوري هجوماً مشتركاً مفاجئاً على المالكية فاستردوها رغم كثرة الحواجز والألغام التي أقامها العدو حول القرية. وفي اليوم التالي استولت القوات العربية على رامات نفتالي وقدس. وهكذا فتحت الطريق نحو سهل الحولة ونحو الجنوب. من هذا العرض السريع للأوضاع على مختلف الجبهات الرئيسة يلاحظ أن الجيوش العربية، رغم قلة استعدادها وتسليحها، نجحت خلال الأيام الأولى للحرب في السيطرة على أقسام كبيرة من أرض فلسطين، إذ وصلت الخطوط الأمامية المصرية شمالاً حتى بيت لحم ومستعمرة تلبيوت في ضواحي القدس الجنوبية، وغرباً حتى حدود منطقة يافا الجنوبية. كما سيطر الجيش المصري على منطقة النقب الجنوبي وخليج العقبة* بأكمله. وسيطر الجيش السوري وجيش الإنقاذ على الجليل كله حتى جنوب بحيرة طبرية ما عدا بعض المستعمرات في الجليل الشرقي. ووقف الجيش اللبناني غير بعيد عن عكا. وامتدت خطوط جيش الإنقاذ الأمامية إلى جنوب قرى مدينة الناصرة. وسيطر الجيش العراقي على قلب فلسطين، وأحدق بتل أبيب، وامتدت خطوطه الأمامية في الشمال إلى ما وراء مدينة جنين، وفي الغرب إلى بيارات طولكرم وقلقيلية على بعد أقل من ثلاثة عشر كيلومتراً من ساحل البحر المتوسط. وسيطر الجيش الأردني على غور الأردن الجنوبي ومنطقة القدس والقدس القديمة ومنطقة رام الله واللد والرملة، حتى التقى بالجيش العراقي وبالجيش المصري. ولكن سرعان ما توقف اندفاع الجيوش العربية، وجاءت الهدنة الأولى (11/6/1948) لتتغير الأوضاع بعدها وتنقلب موازين القوى. هـ- الهدنة الأولى 11/6-9/7/1948: حاولت الأمم المتحدة منذ الأيام الأولى لدخول الجيوش العربية إلى فلسطين الوصول إلى اتفاق بين الطرفين لوقف إطلاق النار. فاختار مجلس الأمن بتاريخ 20/5/1948 الكونت فولك برنادوت السويدي وسيطاً دولياً بين العرب (والإسرائيليين) في فلسطين يساعده في هذه المهمة فريق من المراقبين الدوليين. ووجه المجلس في 22/5/1948 نداء لوقف القتال في فلسطين خلال 36 ساعة. ولكن العرب من جهتهم رفضوا هذا النداء، ووقفت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في وجه وقف إطلاق النار أملاً في أن تنجح القوات الإسرائيلية أنها أصبحت في وضع خطر جداً، فمستعمرات النقب معزولة، والقدس كذلك، والجليل بكامله تحت سيطرة القوات السورية واللبنانية وقوات جيش الإنقاذ، فاستنجدت بالولايات المتحدة وبريطانيا اللتين أعلنتا أن الحالة في فلسطين تهدد السلم وتنذر بالخطر، وأسرعتا إلى مجلس الأمن تطالبان بالتدخل السريع الحاسم لإيقاف القتال ولو بالقوة. وأخذتا تضغطان على الدول العربية وتبذلان لها الوعود كي توافق على وقف إطلاق النار. وبنتيجة ذلك قبلت جامعة الدول العربية قرار مجلس الأمن رقم 50 تاريخ 29/5/1948 القاضي بوقف إطلاق النار لمدة أربعة أسابيع، وأبلغت المجلس في 2/6/1948 قرارها بالقبول، مع أملها في أن يتمكن الوسيط الدولي من إيجاد حل عادل لقضية فلسطين (رَ: الهدنة الأولى والهدنة الثانية بين الدول العربية وإسرائيل، اتفاقيتا -). في صباح 11/6/1948 توقف القتال في فلسطين لمدة أربعة أسابيع. وقد نص قرار مجلس الأمن على أنه، بالإضافة إلى وقف إطلاق النار، يمنع كل طرف من تحسين مواقعه الراهنة، ويتعهد بألا يحرك قوات أو معدات حربية، وألا يعزز قواته المقاتلة بوحدات أخرى. كما لا يسمح للمهاجرين اليهود البالغين سن الخدمة العسكرية بالدخول إلى فلسطين إلا بموافقة خاصة من الوسيط الدولي. ونص القرار أخيراً على أن يجري تموين مدينة القدس بقوافل يشرف عليها الصليب الأحمر الدولي. تقيد العرب ببنود قرار مجلس الأمن. ولكن (إسرائيل) استغلت هذه الأسابيع الأربعة أفضل استغلال ضاربة عرض الحائط بالالتزامات التي أخذتها على نفسها، وبقرارات مجلس الأمن، وساعدتها في ذلك بعض الدول التي سعت لوقف إطلاق النار. فقد أتاحت الهدنة الفرصة (لإسرائيل) بإعادة تنظيم قواها المسلحة وتدريبها واستيعاب الأعتدة الحربية التي بدأت تتدفق عليها من أوروبا. كما أتاحت لها فرصة إعادة النظر في جميع مؤسساتها، وتنظيم الخدمة المدنية وتوسيع سلطة الحكومة المركزية. وفي إطار هذا التنظيم عينت القيادة العامة للقوات المسلحة أربع قيادات ميدانية عسكرية تشرف على تخطيط وتنفيذ العمليات المقبلة، كل ضمن قطاعها. واستغل بن غوريون حادثة الباخرة التالينا* ليفرض سلطته على منظمة الإرغون ويوحد الجهود كلها للاستعداد لمتابعة الحرب. وخلال الهدنة وصلت إلى (إسرائيل) كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الحربية والطائرات الحديثة. وأصبح بإمكان القيادة العامة الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. وخلافاً لقرار مجلس الأمن قامت القوات الإسرائيلية بتحسين مواقعها وتموين مستعمراتها ومدها بالأسلحة والذخائر مستغلة أحياناً موافقة الوسيط الدولي على إرسال قوافل تموين بريئة المظهر. ووصلت إلى فلسطين المحتلة أفواج كبيرة من المتطوعين المدربين. وفي حين تجاهلت الدول الكبرى هذه الانتهاكات لنصوص قرار مجلس الأمن، وقفت جميعها في وجه كل محاولة عربية للحصول على السلاح. وطبق معظمها بدقة بتأثير من بريطانيا وأمريكا قرار حظر إرسال الأسلحة إلى البلدان العربية. و- المرحلة الثانية (9/7-18/7/1948): 1) الجبهة المصرية: خلال الهدنة خطط الإسرائيليون لفتح الطريق المؤدية إلى منطقة النقب وقطع خطوط الامداد والتموين المصرية وإخراج المصريين من أسدود. وكان على قسم من قواتهم أن تجذب انتباه المصريين في الليلة الأولى (ليلة 10/7/1948) نحو منطقة أسدود – بيت جبرين، في حين يقوم القسم الباقي باحتلال مركز شرطة عراق سويدان. لاحظ المصريون هذه الاستعدادات الإسرائيلية فقرووا مفاجأة القوات الإسرائيلية يسبقها إلى الهجوم قبيل انتهاء الهدنة، لأن الانتهاكات الإسرائيلية لشروط الهدنة تكررت. وقد بدأت القوات المصرية صباح 8/7 هجوماً مفاجئا، فاحتلت موقع كوكبا* المتقدم الذي كان يشغله الإسرائيليون، فانسحب هؤلاء إلى حليقات ولكنهم طردوا منها أيضا تحت ضغط القوات المدرعة المصرية. وفي الوقت نفسه استولت القوات المصرية على المرتفع 113، وهو تل مسيطر على عقدة طرق هامة، ومنه هاجمت بيت داراس. وعلى الرغم من نجاح العدو في صد أربع هجمات متتالية عليها فإن القوات المصرية حصنت المرتفع 113 وهاجمت مستعمرة نقبا الواقعة إلى الشرق من مدينة المجدل. عندئذ قررت القيادة الإسرائيلية البدء بتنفيذ ما رسمت، فتحركت قواتها بعيد حلول الظلام يوم 8/7 نحو الأهداف المحددة لها، ونجحت في احتلال بيت عفة وعيدس وجزء من عراق سويدان. ولكنها ما لبثت أن انسحبت تحت ضغط النيران المصرية. شن المصريون هجوماً معاكساً مساء يوم 9/7/على مستعمرة نقبا، ولكنهم لم يلقوا إلا نجاحاً محدوداً. وبعد قتال استمر طوال الليل والنهار التالي لجأ الطرفان إلى الراحة وإعادة تنظيم قواتهما. وعند فجر يوم 12/7 عاود المصريون هجومهم على نقبا بعد تمهيد ناري بالمدفعية والطائرات، في حين نفذت بعض الوحدات المصرية هجمات خداعية على مستعمرتي عبدس وجولس. وقد اشتركت في هذا الهجوم كتيبة مشاة وكتيبة مدرعات وفوج مدفعية. ولكن هذا الهجوم فشل أيضاً، إذ كانت القوات الإسرائيلية قد عززت مواقعها وتلقت دعما من وحدات جديدة. عند ذلك أولى المصريون اهتمامهم لمستعمرة “بئيروت اسحق” قرب غزة، وكانت تهدد خطوط مواصلاتهم، وهاجموها من ثلاثة اتجاهات بعد تمهيد مدفعي وجوي فكادت تسقط. غير أن القوات المصرية توقفت لإعادة التنظيم وتلقي الدعم، فاستغلت القوات الإسرائيلية هذا التوقف، واستطاعت، بعد أن وصلتها النجدات، أن تصد المصريين وتجبرهم على الانسحاب. وقد أثر هذا الإخفاق المزدوج في نقبا وبئيروت اسحاق على معنويات القوات المصرية، ولكنها نجحت على الرغم من ذلك في التصدي لمختلف الهجمات الإسرائيلية على المواقع المصرية وردتها على أعقابها. 2) الجبهة الأردنية: كانت القوات الأردنية تسيطر على اللد والرملة ومطار اللد على بعد نحو 10 كم فقط من تل أبيب. وقد احتشدت كتيبتان أردنيتان من المشاة معززتان بالمدفعية والدبابات شمال وشرق اللطرون، في حين كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على قرى البادية والكباب، بالإضافة إلى مستعمرة بن شيمن المحصنة جيداً والواقعة على مسافة كيلومترين شرقي اللطرون والمعزولة عن باقي القوات الإسرائيلية. وضعت القيادة الإسرائيلية خلال فترة الهدنة خطة تهدف إلى رفع الضغط العربي عن القدس والطريق المؤدية إليها بالاستيلاء على منطقة اللد والرملة واللطرون ورام الله، إذ بسقوط هذه المواقع يزول التهديد العربي لمدينة تل أبيب. وقد دعيت هذه الخطة باسم “داني”. وخطط تنفيذها على مرحلتين يجري في الأولى احتلال اللد والرملة والمطار، ويجري في الثانية فتح طريق القدس باحتلال اللطرون ورام الله. وقد خصصت لتنفيذ المرحلة الأولى ثلاثة ألوية وكتيبة مغاوير محمولة،بالإضافة إلى كتيبتي مشاة. وتدعم هذه القوات كلها الطائرات والمدفعية الميدانية التي وصلت حديثاً من أوروبا. بدأت القوات الإسرائيلية هجومها عند غروب شمس يوم 9/7 فاستولت على ثلاث قرى عربية شمالي ممر القدس. وقامت الطائرات الإسرائيلية بقصف اللد والرملة، في حين التفت كتيبة إسرائيلية من شمال مطار اللد. ولما هبط الظلام وصلت القوات الإسرائيلية إلى مستعمرة بن شيمن المعزولة واستولت على مطار اللد، ولكنها اخفقت في اجتلال دير طريف* لضراوة المقاومة التي قوبلت بها. عند ذلك اندفعت الكتيبة الإسرائيلية الآلية باتجاه اللد وتغلبت على المقاومات المتقدمة ودخلت البلدة مطلقة النار في كل اتجاه، ثم خرجت منها، وعادت إليها من جديد. ولم تكد القوات العربية الموجودة فيها تتخلص من تأثير المفاجأة وتعيد التنظيم نفسها حتى وصلت بقية القوات الإسرائيلية المهاجمة، ودارت بينها وبين المدافعين عن المدينة معركة ضارية من منزل إلى منزل انتهت في اليوم التالي لصالح العدو الإسرائيلي المتفوق في العدد والسلاح. وسقطت بنتيجتها مدينة اللد. ثم استولى الإسرائيليون في 12/7 على مدينة الرملة المجاورة. وهكذا تم تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة الإسرائيلية. وعندما حاولت القوات الإسرائيلية احتلال اللطرون فجر يوم 15/7 تنفيذاً للمرحلة الثانية من هذه الخطة أخفقت. وكررت الهجوم عدة مرات خلال اليومين التاليين، واضطرت في النهاية إلى الانسحاب بعد أن تكبدت خسائر فادحة. وفي الوقت الذي كانت تدور فيه هذه المعارك جرت عدة معارك داخل مدينة القدس وحولها. وكان هدف الإسرائيليين منها احتلال قريتي المالحة* وعين كارم جنوبي القدس القديمة واحتلال حي الشيخ جراح. وفي ليلة 14/7/1948 احتلت كتيبة إسرائيلية جزءاً من قرية المالحة، ولكنها طردت منه في اليوم التالي بعد أن خسرت عدداً كبيراً من رجالها. وخلال الليل عززت القيادة الإسرائيلية قوة الهجوم واحتلت القرية. حاول الإسرائيليون احتلال القدس القديمة، ومهدوا لذلك بقصف المدفعية، ثم هاجمت كتيبة إسرائيلية المدينة من باب صهيون في الجنوب، وأخرى من الباب الجديد في الشمال. وقد ردت الكتيبة الثانية بعد أن تقدمت مسافة قصيرة داخل المدينة، في حين فشلت الكتيبة الأولى في الوصول إلى باب صهيون. 3) الجبهة السورية: وضعت القيادة الإسرائيلية استعادة السيطرة على رأس الجسر الذي احتلته القوات السورية في منطقة مشمار هايردن هدفاً أساسياً لقواتها بعد انتهاء الهدنة. وكانت القوات السورية المدافعة عن رأس الجسر لواء مشاة تعززه الدبابات والمدفعية وتدعمه نيران مدفعية لواء آخر منتشر على المرتفعات المشرفة على الضفة الشرقية لنهر الأردن. عزز الإسرائيليون قوتهم في المنطقة، ورسموا لتحقيق هدفهم خطة تبدأ بتطويق القوات السورية في رأس الجسر وتدميرها بأن تهاجم بعض قواتهم رأس الجسر من الغرب لجذب انتباه القوات السورية إلى هذا الاتجاه، في الوقت الذي تقوم قواتهم الرئيسة بتطويق رأس الجسر من الشمال، وتتولى إحدى كتائبهم عبور نهر الأردن شرقي مستعمرة حولاتاه لتجميد القوات السورية الموجودة في الضفة الشرقية للنهر، ثم لمهاجمة مشمار هايردن من ذلك الاتجاه وقطع خطوط إمداد القوات السورية الموجودة هناك. بدأ تنفيذ الخطة الإسرائيلية مساء 9/7/1948، ونجحت الكتيبة في عبور النهر، ولكنها تراجعت إلى مواقعها الأصلية بعد أن صبت عليها المدفعية السورية نيرانها من الشرق والغرب. وفي تلك الأثناء تحركت القوات الإسرائيلية في هجزم ليلي على مشمار هايردن من ثلاثة اتجاهات. وأخفق الهجوم أمام المقاومة الصلبة وتراجعت القوات الإسرائيلية قبل أن يطلع النهار وتنكشف أمام نيران المدافع السورية. كرر الإسرائيليون محاولتهم لتطويق  مشمار هايردن بعد ثلاثة أيام  كفوا خلالها عمليات الاستطلاع والاستعداد، ولكنهم وجدوا عند الهجوم القوات السورية على أتم استعداد لهم، وبذلك فشلوا فشلاً نهائياً، وتعزز مواقف القوات السورية في مشمار هايردن. ز- الهدنة الثانية (18/7/1948): أصدر مجلس الأمن القرار رقم 54 يوم 15/7/1948 بفرض هدنة في فلسطين للمرة الثانية. وقد بدىء بتطبيقها من الساعة 17:00 يوم 18/7/1948، بعد أن تمكنت (إسرائيل) خلال عشرة أيام من القتال من احتلال مساحات أخرى من الأرض، ومن تحسين مواقعها وأخذ المبادأة من أيدي العرب. ولم يجعل مجلس الأمن لهذه الهدنة زمناً محدداً، على أمل أن تتحول بمرور الوقت إلى هدنة دائمة يحل فيها النزاع بالطرق الرئيسة بمعاونة الكونت برنادوت وسيط وسيط الأمم المتحدة الذي انهمك بوضع خريطة جديدة لفلسطين. وقد عقد هذا عزمه على تعديل قرار التقسيم بشكل يحقق في رأيه بعض العدل، فأعد مشروعاً عرف باسم مشروع الكونت برنادوت*، وقدمه إلى الأمين العام للأمم المتحدة. غير أن الإسرائيليين لم يرضوا عن المشروع فاغتالوا الكونت برنادوت في القدس يوم 17/9/1948. تابعت القيادة الإسرائيلية، رغم قبولها الهدنة، عدوانها وتنفيذ مخططاتها التوسعية المرحلية خارقة بنود الهدنة. فقد نظمت هجوماً على الفالوجة ضد القوات المصرية في 27-28/7/1948، ولكنه أحبط. كما هاجمت في الوقت ذاته عراق المنشية* واخفقت في هجومها. وعند ذلك قررت فتح الطريق نحو الجنوب للاتصال بمستعمرات النقب وإخراج الجيش المصري من المنطقة. وقد نفذت عدة عمليات على الجبهة المصرية أدت إلى احتلال النقب والوصول إلى مرفأ أم الرشرش العربي (سماه الصهيونيون فيما بعد إيلات*) على خليج العقبة. وبتاريخ 15/10/1948 قامت القوات الجوية الإسرائيلية بقصف مطار العريش وغزة وبيت حانون والمجدل والفالوجة لإخراج القوات المصرية من المعركة. وفي الوقت نفسه انطلقت قوة إسرائيلية للسيطرة على التلال التي لم يحتلها المصريون في منطقة بيت جبرين. وفي 16/10/1948 أصبحت خطوط المواصلات المصرية مقطوعة من الشمال ومهددة من الغرب. ثم انطلقت القوات المدرعة والآلية الإسرائيلية نحو عراق المنشية، ودارت رحى معركة عنيفة تمكنت خلالها المدفعية المصرية تحصن مواقعها في منطقة الفالوجة نجحت القوات الإسرائيلية باحتلال حلقيات* (19 – 20/10 وأصبح بإمكانها التقدم نحو الجنوب. وخوفاً من التطويق أخلت القوات المصرية منطقة المجدل وانسحبت إلى غزة وخان يونس. لم تجد القوات المصرية أمامها، بعد تدهور الموقف، سوى التحول إلى الدفاع والتمسك بالمواقع التي تحتلها، على أن يستند جناحها الأيسر على الطريق الساحلي، والأيمن على طريق العوجة – الخليل حتى بئر عسلوج غربي بئر السبع. وقد وضعت القيادة الإسرائيلية خطتها على أساس دفع القوات المصرية من الجنوب والضغط عليها مع توجيه ضربة قوية لها من الشمال، وفي الوقت نفسه تجميد أكبر قوة مصرية في القطاع الغربي ثم العمل على تدمير الجناح الأيمن المصري أو إرغامه على الانسحاب. وفي يوم 22/11/1948 شنت القوات الجوية الإسرائيلية غارات مركزة على المواقع المصرية في رفح وغزة وخان يونس*، وركزت نيران المدفعية على مرابض المدفعية المصرية على امتداد الجبهة. وفي الليلة نفسها احتلت القوات الإسرائيلية المرتفعات الواقعة على مسافة نحو 12 كم جنوبي غزة مهددة بقطع محور رفح – غزة، فقامت القوات المصرية بهجوم معاكس نجح في طرد العدو من البقعة 86 شمال شرق خان يونس بعد معركة ضارية. وجذبت هذه المعركة انتباه القيادة المصرية إلى ذلك القطاع في حين كان الهجوم الإسرائيلي الرئيس في القطاع الشرقي يحقق المفاجأة ويجبر القوات المصرية على الانسحاب عن طريق بئر السبع – العوجة مع إخلاء العوجة نفسها. وقد استخدمت القوات الإسرائيلية طريقاً رومانية قديمة أوصلتها إلى ما وراء العوجة. ثم سقطت بئر السبع في 21/10/1948. وبسقوطها سقط النقب كله وانكمشت المساحة التي يسيطر عليها الجيش المصري إلى قطاع غزة بشكله الحالي. نتيجة لاندلاع القتال في فلسطين مجدداً على نطاق واسع أصدر مجلس الأمن في 29/12/1948 قراراً بوقف إطلاق النار. وبتاريخ 30/12 أعلنت الحكومة البريطانية أنها تجد نفسها مضطرة لمساعدة مصر ما لم تتقيد (إسرائيل) بقرار مجلس الأمن. ووقعت بعد هذا التاريخ بضعة اشتباكات، ثم توقف القتال، في حين استمر الصراع السياسي حتى انتهى الأمر بعقد اتفاقيات هدنة دائمة فردية في رودس. وانتهت بذلك الجولة العسكرية الأولى بين العرب و(إسرائيل). ح- الخلاصة: وقعت الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى في ظروف دولية وإقليمية خاصة. فقد كانت جامعة الدول العربية في مرحلة التكوين حين أخذت قضية فلسطين بالبروز والتأزم. وكانت بعض الدول العربية حديثة العهد بالاستقلال، ولم تكن الدول الأعضاء في الجامعة قد توسعت في علاقاتها الدولية وأرستها على أسس متينة قائمة على تبادل المصالح. وفي مقابل ذلك، كانت الصهيونية تعمل، منذ مؤتمر بال* (1897)، على إنشاء دولة يهودية، وتنشط في مختلف المجالات الدولية، وتقيم العلاقات وتستخدم الوسائل المتعددة من أجل بلوغ هذا الهدف. وقد استغلت الصهيونية ما تعرض له يهود أوروبا على أيدي النازيين من اضطهاد لتستدر عطف بعض الدول، ورهنت جهودها وقدمت خدماتها لبعض الدول الأخرى في إطار إقامة كيان استعماري استيطاني في قلب الوطن العربي تستخدمه تلك الدول لتحقيق أغراضها في المنطقة العربية. وهكذا توافرت مجموعة عوامل مساعدة ومؤيدة للصهيونية في حين لم تتوافر مثل هذه العوامل للدول العربية. بل يمكن القول أن الدول العربية سعت إلى شراء السلاح من بعض الدول الصانعة له فلم يقبل طلبها، في حين استطاعت الصهيونية أن توفر لرجالها في فلسطين، ثم (لإسرائيل)، السلاح الحديث الكافي للغلبة على العرب. كان من نتائج هذه الحرب أن اخرج قسم كبير من الشعب العربي الفلسطيني من وطنه، وأن أتمت (إسرائيل) سيطرتها على المنطقة المخصصة لها في قرار التقسيم، وعلى مناطق أخرى مخصصة لدولة العربية بموجب القرار ذاته. ومن أهم أسباب فشل العرب في هذه الحرب: 1) عدم إشراك السياسيين القادة العسكريين في أي نقاش حول الحرب، مما جعل هؤلاء الآخيرين في وضع غريب، فهم لم يطلعوا على قرار دخول الحرب إلا قبل وقت جد قصير من اندلاعها، ولم يتح لهم الوقت الكافي لاتخاذ الاستعدادات اللازمة لتهيئة القوات. 2) ضحالة المعلومات المتوافرة في أجهزة قيادات الجيوش العربية عن القوات المعادية، في الوقت الذي كان الصهيونيين يعرفون أموراً وأشياء كثيرة عن العرب. 3) رجحان ميزان القوى لصالح (إسرائيل) رغم الكثرة السكانية العربية، وذلك بسبب تفهم الصهيونيين الأعمق لمعنى الحرب ومتطلباتها، وإشراكهم كل القوى المتوافرة، وإعلانهم التعبئة العامة، في حين اقتصرت الدول العربية على زج جزء من قواتها ونسبة لا تذكر من سكانها. 4) ضعف القدرة والخبرة العسكريتين لدى القوات العربية، فبعضها كان حديث التشكيل، وبعضها كان بقيادة أجنبية، وكلها لم يسبق لها الاشتراك الفعلي في القتال، في حين توافرت للقوات الإسرائيلية خيرات قتالية اكتسبها بعض قوادها وأفرادها من الحرب العالمية الثانية. 5) افتقار العرب إلى قيادة عسكرية موحدة جادة قادرة على التخطيط والتنسيق بين الجيوش والإشراف على سير العمليات، مما أدى إلى إصدارها لأوامر تفتقر إلى الدقة في تحديد الأهداف والمهام. بل لقد أدى تعدد القيادات وتضارب المصالح القطرية إلى تبديل القيادة لقراراتها فجأة خالفة فوضى وبلبلة بين القوات، في حين كانت القوات الإسرائيلية كلها، من نظامية وغير نظامية، ذات قيادة واحدة أحكمت سيطرتها على العمليات الحربية ووجهتها وفق الخطة العامة. 6) عجز الدول العربية عن استغلال فترات توقف القتال لتحسين أوضاع قواتها المسلحة وتأمين السلاح والعتاد اللازمين كما فعلت (إسرائيل). 7) قصور الدول العربية عن فهم استراتيجيات الدول العظمى للمحكمة في السياسة العالمية، واطمئنانها للوعود، وتقبلها المماطلات، مما أدى إلى عجزها عن الارتفاع إلى مستوى مجابهة الأخطار التي تهددها، في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية العالمية قد حشدت كامل طاقاتها المحلية والدولية لخدمة أهدافها الاستراتيجية بالتعاون مع الدول العظمى نفسها. المراجع: –         هنري كتن: فلسطين في ضوء الحق والعدل، بيروت 1970. –         المؤسسة العربية للدراسات والنشر: الموسوعة العسكرية، بيروت 1977. –         مركز الدراسات السياسية والاستراتيجة، العسكرية الصهيونية، القاهرة 1979. –         حسن البدري: الحرب في أرض السلام، بيروت والقاهرة 1976. –         وزارة الإرشاد القومي: ملف الوثائق الفلسطينية، القاهرة 1966. –         Dupuy, T. N. Elusive Victory, New York 1978.