يهود البلاد العربية

أ- مقدمة: اندمج يهود البلاد العربية في حياة البلاد وتمتعوا بجميع الحقوق التي تمتع بها المواطنون العرب. وهذا أمر لم يتوافر لليهود في أي مكان آخر. ففي الوقت الذي عاشوا فيه في أوروبا داخل اطار الغيتو* وتعرضوا للاضهاد الديني  كانوا في البلاد العربية يشعرون بأنهم جزء من المجتمع المحلي، مع احتفاظهم بحريتهم الدينية وتراثهم وانتمائهم الطائفي. وقد وجهت الحركة الصهيونية، ولا سيما بعد قيام الكيان الصهيوني حملة مركزة لزعزعة وجود اليهود في مجتمعاتهم العربية زحملهم على الهجرة الجماعية إلى (اسرائيل) لدعم قدراتها البشرية والاقتصادية. وأخذت الدراسات الصهيونية تركز على أوضاع الطوائف اليهودية في البلاد العربية وتظهرها مجتمعات منفصلة تعيش في الشتات* وتنتظر العودة إلى “أرض الميعاد”. حرص العرب في صراعهم مع الحركة الصهيونية على أن يؤكدوا دائما التمييز بين المواطنين اليهود الذين عاشوا معهم على مر العصور واليهود الصهيونيين الذين حملوا الفكرة السياسية العدوانية المتمثلة في الدعوة إلى الوطن القومي اليهودي. ب- الأصل واللغة والفرق والأعداد: يعود الوجود اليهودي في البلاد العربية إلى موجات متتالية أقدمها في القرن السادس قبل الميلاد. وقد دأب اليهود في كتلة أهل البلاد وتكلموا العربية. ثم كانت الموجة اليهودية الكبرى من اسبانيا بعد زوال الحكم العربي (وهم السفارديون* الناطقون بلغة اللادينو) فانتشر القادمون في البلاد العربية حتى آسيا الصغرى وأصبحت العربية اللغة المشتركة بينهم وبين يهود البلاد القدامى. ثم بدأت مع بداية القرن التاسع عشر هجرة اليهود من شرقي أوروبا إلى الدولة العثمانية (وهم الأشكنازيون* الذين يتكلمون في الغالب لغة الييديش). وقد زادت هذه الهجرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتوجهت مع ظهور الحركة الصهيونية نحو فلسطين (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين). ويقسم يهود البلاد العربية من حيث فرقهم الدينية إلى فئتين: الأولى فئة اليهود الحاخاميين Rabbinite، والثانية هي الفئة التي تضم جماعة القرائين Karaites وفرقة السامريين Samaritans. ولا يمكن معرفة عدد اليهود في البلاد العربية بدقة قبل عام 1948. وقد قدرت الوكالة اليهودية* عددهم (باستثناء يهود فلسطين) في الاحصاء الذي قدمته إلى لجنة التحقيق الأنكلو- أمريكية* عام 1946 بنحو 800 ألف يهودي. غير أن احصاءات أخرى أكثر دقة تشير إلى أن عددهم كان يراوح بين 644 ألفا و701 ألف وكانوا موزعين في الأقطار العربية المتعددة. أما يهود فلسطين فقد بلغ عددهم في عام 1948 حسب التقرير الذي أعدته اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين* وصدر على أساسه قرار التقسيم 208,000 نسمة، بينما كان عدد عرب فلسطين يومذاك، وكما ورد في التقرير ذاته، 1,237,000 (الوثيقة A/346). ج- أوضاع اليهود: تمتع اليهود  منذ القديم بحرية العبادة وحق تنظيم الأمور الشخصية والطائفية حسب شرائعهم الخاصة. واحتل كثير منهم في ظل الدولة العربية الاسلامية مراكز هامة في ميداني التجارة والعلم. وكانت اللغة العربية سائدة بينهم. وقد تعرض اليهود – كسائر أهل البلاد – للآثار الناجمة على تراجع السيادة العربية في جناحي الدولة العربية في المشرق والمغرب. عاش يهود البلاد العربية في العهد العثماني في ظروف جيدة على نقيض ما كانوا عليه في أوروبا. ولذلك هاجر من 100,000 يهودي من أوروبا إلى ممتلكات الدولة العثمانية، وفيها البلاد العربية. وقد وصلوا إلى مراكز عالية في ميادين التجارة والطب والدبلوماسية. وتمتعوا باستقلال في شؤونهم كطائفة دينية في ظل نظام “الملة”، ومثلهم “الحاخام باشي” أمام الباب العالي في استانبول. وكان لهم روساؤهم المحليون ومجالسهم الدينية الخاصة. وقد تضمن الخط الهمايوني سنة 1856 نصوصا هامة بحقوق اليهود وسلطة رؤسائهم وادارة مؤسساتهم. مع ازدياد النفوذ الأجنبي واغراء الحضارة العربية وانتشار مدارس الارساليات تبنى اليهود الثقافة والعبادات الغربية،مثاهم مثل كثير من الأقليات. وقد حصل عدد من يهود الطبقتين العليا والوسطى في مصر وسورية وشمالي افريقيا في ظل نظام الامتيازات على جنسيات أوروبية فنالوا الحماية الأجنبية وربطوا مصالحهم بمصالح الدول الاستعمارية الاوروبية الكبرى. وكان من أهداف الفكرة القومية العربية الناشئة أواخر العهد العثماني وضع أسس جديدة من الحكم الدستوري والحريات والمساواة لجميع الفئات والعقائد. وبعد زوال الحكم العثماني عمدت سلطات الاحتلال الأجنبية في البلاد العربية في كسب الأقليات، ومن بينهم اليهود، للعمل في الحياة العامة على حساب الأكثرية، في حين كانت جميع الحركات والأحزاب العربية تسعى إلى خلف وحدة وطنية. وقد نصت جميع دساتير وقوانين الدول العربية التي استقلت بعد زوال الاحتلال الأجنبي على المساواة في الحقوق المدنية والسياسية، وضمنت حرية التفكير والتعليم والعبادة فتمتع اليهود في ظلها بكامل حقوقهم بالاضافة إلى احترام شؤونهم الدينية، وتولى بعضهم مناصب عالية. وهكذا لم يحدث يهود أوروبا على مر التاريخ الطويل ما يعكر صفو العلاقات بين  العرب واليهود، ولم يكن هناك شعور محدد ضد اليهود “فاللاسامية” اختراع يهود أوروبا وفكرة طبقتها بعض الشعوب والأنظمة الأوروبية، وهي غريبة عن العقلية والسياسات العربية. 1) العراق: نعيش في العراق أقدم الطوائف اليهودية. وقد أتاح لهم قانون عام 1931 قدرا كبيرا من الاستقلال في الأمور الدينية وادارة مؤسساتهم الخيرية والتعليمية. وتعاظم دورهم الاقتصادي في عهد الاحتلال البريطاني، وظل هذا الدور بارزا بعد الاستقلال عام 1932. وكانت الحكومة العراقية تقدم الاعانات إلى المدارس اليهودية وتساعدها بالمعلمين رغبة منها في تشجيع الوحدة الوطنية وانتساب الطلاب اليهود إلى المدارس والكليات الرسمية. وكان اليهود في العراق نشاط سياسي في اطار الأحزاب العراقية، وطبق عليهم بعد عام 1933 نظام الخدمة العسكرية كسائر المواطنين العراقيين. لم توجه المشاعر العربية القومية لتأييد القضية الفلسطينية في العراق ضد الطائفة اليهودية. وقد أعلنت الشخصيات اليهودية العراقية مرارا معاداتها للحركة الصهيونية وولاءها للعراق. بيد أن الصهيونية حاولت تجنيد عملاء لها من يهود العراق. وسعت إلى تشجيع الهجرة إلى فلسطين. وظلت هذه الهجرة محدودة فلم يهاجر بين 1919 و1947 سوى 7,988 يهوديا. وتشكلت بين الشباب اليهودي العراقي عام 1945 جمعية مقاومة الصهيونية*. وعبر يهود العراق أمام لجنة التحقيق الانكلو – أمريكية عام 1946 عن رضاهم وتمتعهم بكافة حقوقهم. دفعت حرب 1948* الى اتخاذ تدابير أمنية واقتصادية في العراق أصابت بعض اليهود كما أصابت غيرهم من أبنائه. وقد استغلت (اسرائيل) والمنظمات الصهيونية ذلك لدفع يهود العراق إلى الهجرة إلى (اسرائيل) فبدأت أعداد من الشباب اليهود بالتسلل إلى ايران حيث كان مندوبو الوكالة اليهودية يتولون تنظيم هجرتهم. في أواسط عام 1949 بدأت حملة دعاية كبرى في الولايات المتحدة لجمع التبرعات بحجة انقاذ يهود العراق. وشن وكلاء الصهيونية في العراق حربا نفسية، ووزعوا المنشورات في الكنس وطالبوا فيها بجعل الهجرة شرعية وجماعية. فاتخذت الحكومة العراقية قرارا في 9/3/1950 يقضي بحق مجلس الوزراء في اسقاط الجنسية العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختياره في ترك العراق نهائيا،أو لمن سبق أن غادره بطريقة غير شرعية اذا لم يعد خلال شهرين. وقد افتتحت مكاتب لتلقي طلبات الراغبين في الهجرة، وقام وكلاء الصهيونية بأحداث عدد من الانفجارات في الأحياء اليهودية للتعجيل بها واثارة مشاعر الخوف من البقاء في الأوساط اليهودية. وقد بلغ عدد المهاجرين من آذار إلى كانون الاول عام 1950 نحو 113,545 يهوديا تم نقلهم بطائرات أمريكية في عملية أطلق عليها اسم (علي بابا). بقي في العراق بعد هذه الهجرة الجماعية قرابة 5 آلاف يهودي (عام 1955) معظمهم في بغداد والبصرة والديوانية، 30% منهم من الأغنياء وذوي الاختصاص والعاملين في التجارة والمؤسسات الأجنبية. وظل اليهود يعاملون معاملة سائر المواطنين ويمارسون شعائرهم الدينية بحرية. وشكلت لجنة ادارية من الطائفة لادارة الأوقاف والمؤسسات الخيرية والمدارس اليهودية وأملاك الذين هاجروا.ورغم ذلك ظلت الدوائر الصهيونية تتهم العراق زورا بسوء معاملة اليهود. وقد زادت الحملة اثر حرب 1967*. على أن الحاخام ساسون خضوري دان العدوان الصهيوني. وزادت الحملة الصهيونية عام 1969 حين أدين بعض اليهود بالتجسس. وقد فند العراق هذه التهم ودعا عددا من الصحفيين الأجانب لزيارة بالعراق والاطلاع على أحوال اليهود. هذا وقد لبت الحكومة العراقية دعوة منظمة التحرير الفلسطينية* بالسماح لليهود الذين هاجروا إلى (اسرائيل) بالعودة إلى العراق. 2) سورية: تمتع يهود سورية منذ العهد العثماني بحرية في الشؤون الدينية والاجتماعية والتعليمية، وظلت سلطة رجال دينهم قومية في أيام الانتداب الفرنسي. واحتل بعضهم مراكز مالية هامة، احتكرت عائلات منهم صناعات يدوية معينة ونشطت طائفة حلب في التجارة الخارجية. وقد أثرت فيهم الأوضاع الاقتصادية السيئة التي شملت البلاد في مطلع القرن العشرين فتدفعت بعض يهود سورية إلى الهجرة إلى مصر والأمريكتين كغيرهم من المواطنين. كان ليهود سورية عدد من المدارس الابتدائية التقليدية. وقد أدخلت الثقافة الأجنبية، ولا سيما الفرنسية، عن طريق مدارس الأليانس*. وأعيد تنظيم المدارس اليهودية بعد استقلال سورية باسم المدارس الوطنية للاتحاد الاسرائيلي العالمي (الأليانس). وظلت المدارس الدينية التقليدية وعددها أربع مدارس ابتدائية وواحدة ثانوية تعمل بعد عام 1948. وقد أكدت الدساتير السورية المتعاقبة منذ عام 1930 حتى اليوم مساواة جميع الطوائف، وفيها اليهود في الحقوق المدنية والسياسية. وكان لليهود منذ عام 1936 ممثل في المجلس النيابي السوري. وقد عارض معظم يهود سورية الدعاية الصهيونية ورفضوا أهدافها السياسية وأكدوا انتمائهم إلى بلدهم عارضوا الهجرة. وشرح زعماؤهم آرائهم للجنة التحقيق الأنكلو – امريكية عام 1946. كما استنكر نائب دمشق اليهودي في مجلس النواب (1/12/1947) قرار التقسيم ودان الصهيونية كعقيدة سياسية غربية. ولم يتأثر وضع اليهود في سورية خلال حرب 1948، حتى انهم قاموا في حلب ودمشق بحملة تبرعات من أجل فلسطين. وحاولت المنظمات الصهيونية منذ الثلاثينات الضغط على يهود سورية للهجرة إلى فلسطين مهاجر حتى عام 1948 حوالي 9,000 يهودي بأساليب غير مشروعة عن طريق لبنان. وبدعم من (اسرائيل) للهجرة غير المشروعة هاجر5,660 يهوديا بعد عام 1948. ولكن الملاحظ أن معظم من هاجر بعد عام 1948 استقر في لبنان أو فرنسا أو أمريكا. وقد عاد اليهود بعد الغاء اجراءات الأمن أثناء حرب 1948 إلى ممارسة أعمالهم التجارية والمالية. ويبلغ عدد اليهود في سورية عام 1961 نحو 5,800 نسمة. وقد زاد اقبالهم على دخول المدارس الحكومية والجامعات. وكان عدد اليهود في سورية في السبعينات 4,000 نسمة يتمتعون بحرية العبادة وادارة مؤسساتهم الخيرية، ويعملون بالتجارة والمهن الحرة، ولهم مجلس محلي يشرف على شؤونهم. ورغبة (اسرائيل) في تشجيع هجرة اليهود اليها بكل وسيلة حملتها على تأليف جمعية اسرائيلية – فرنسية برئاسة مجلس الشيوخ الفرنسي آلان بوهر غرضها المعلن حماية يهود سورية من الظلم الواقع عليهم في  زعم (اسرائيل). على أن الحكومة السورية دعت كثيرا من وسائل الاعلام العالمية لاثبات بطلان هذه المزاعم وتفنيدها. وقد جاهز بعض من حققوا في الاتهامات ببطلانها وأعلنوا ذلك على الملأ. 3) لبنان: قدر عدد اليهود في لبنان عام 1924 بنحو 6,261 نسمة. وقد زاد عددهم بعد عام 1947 بقدوم مهاجرين يهود من سورية فبلغ 11,000 نسمة عام 1955، وقدر عام 1969 بنحو 5,000 يهودي. تمتع اليهود في لبنان أيام العثمانيين بحرية رعاية شؤون طائفتهم. واعترف صك الانتداب بحقوق الطوائف الدينية. وكان المجلس الملي في بيروت يتولى ادارة شؤون الطائفة اليهودية. وقد عملت غالبية اليهود بالتجارة والصيرفة والصناعة والمهن الحرة والسياحة والترفيه، ووصل بعضهم إلى مراكز عالية في بعض دوائر وزارة الاقتصاد، كما امتلك عدد منهم أراضي في الجنوب. يشكل اليهود القدامى في لبنان الطبقة العليا. وأما القادمون من سورية فيشكلون طبقة وسطى. ورغم تأثرهم بالمدينة الفرنسية فان معظمهم اندمج بالمجتمع العربي. وكانت لهم مدارس خاصة طورت مناهجها على نسق المدارس الأجنبية، كما أنشأت الأليانس مدارس تعلم بالفرنسية إلى جانب العربية والعبرية، بالاضافة إلى المدارس الدينية ومراكز التدريب المهني. وقد التحقق عدد من اليهود بالجامعتين الأمريكية واليسوعية في بيروت. منح الدستور اللبناني في عام 1926 اليهود – كغيرهم من الطوائف – الحقوق الادارية والسياسة الكاملة، وضمن لهم التمثيل النسبي في مجلس النواب. وقد احتج الزعماء اللبنانيون على احتواء سلطات فيشي ضد اليهود عام 1940. ولم يوجه الشعور المعادي للصهيونية في لبنان بعد عام 1945 ضد اليهود ولا أثر قانون مقاطعة البضائع الصهيونية عام 1945 على وضعهم الاقتصادي. وقد غير المجلس الملي من ولاية للبنان. ولم تمتع اجراءات الأمن أثناء حرب 1948 اليهود من الاستمرار في أعمالهم التجارية، ودعا ممثلوهم إلى جمع التبرعات لمناصرة القضية الفلسطينية وإلى استنكار الصهيونية. وقد ألغيت الاجراءات الأمنية الاحتياطية بعد الحرب. وفي اجتماعات لجنة الهدنة اللبنانية – الاسرائيلية عام 1949 سمح لعدد محدود من اليهود بالهجرة من لبنان. ظلت أحوال اليهود في لبنان مزدهرة بعد عام 1948. الا أن (اسرائيل) قامت بحملة اعلانية واسعة في المحافل الدولية بحجة التدقيق في أوضاع يهود لبنان، ودبرت بعد عام 1965 خطة لجعل عدد من العاملين في الشركات والمصارف على تصفية أعمالهم في لبنان لزعزعة اقتصاده. وأما ما حدث من هجرة يهودية من لبنان فكان للبحث عن فرص أفضل، ولا سيما لدى يهود سورية والعراق وايران الذين هاجر قسم منهم إلى أستراليا والأمريكتين بمحض ارادتهم ولم يستجيبوا لمحاولات (إسرائيل) جذبهم اليها. 4) مصر: قدر عدد اليهود في مصر عام 1947  بنحو 70,000 من أصل 16 مليون نسمة كانوا يشكلون سكان مصر. وقد سكن معظمهم القاهرة والاسكندرية، وكان نصفهم يحمل الجنسية الأجنبية. تمتع اليهود في ظل نظام الملة العثماني بحقوق الطوائف الدينية، وتمتع كثيرون منهم نظام الامتيازات الأجنبية*. وقد أثر دستور 1923 مبدأ المساواة بين جميع الطوائف مع حرية الاعتقاد والعبادة، ومنحت سلطات اليهود الدينية الحق في تسوية قضايا الأحوال الشخصية للطائفة. شغل اليهود في ظل الحماية البريطانية مراكز هامة في الاقتصاد المصري، بل استطاعت بضع أسر يهودية أن توجه اقتصاد مصر زمنا طويلا من احتلال ادارة التبرعات والمصارف والبورصة وتمويل المشروعات الصناعية والتجارية ومختلف المهن الحرة. وقد تقلص الى حد ما تأثيرهم بعد عام 1936 ونمو الشعور الوطني في مصر واتخاذ الحكومة اجراءات ضد استغلال الأجانب وفيهم اليهود الذين يحملون الجنسيات الأجنبية. وقد شكل أغنياء اليهود في مصر، ولا سيما القادمين الجددطبقة ارستقراطية ارتبطت بالثقافة الفرنسية عموما، في حين كان كثير من المستوطنين القدامى فقراء يعملون باعة متجولين وحرفيين صغارا. أنشأت الأليانس منذ أواخر القرن التاسع عشر شبكة من المدارس الابتدائية والثانوية ورياض الأطفال ومراكز التدريب المهني، وكانت كلاها ذات مناهج أوروبية تعلم بالفرنسية والانكليزية. وكانت ليهود مصر عدة مجلات وصحف ودور نشر. وأسس بعض مثقفيهم “جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية”. لم يتدخل اليهود كطائفة في الأمور السياسية لأن قسما كبيرا منهم كان يحمل جنسيات أجنبية. وأما على الصعيد الفردي فقد لعبوا أدوارا سياسية هامة. وقد سعت الحركة الصهيونية منذ وقت مبكر إلى مد نشاطها إلى مصر، الا ان ذلك انحصر في دائرة ضيقة. وفي أثناء الحرب العالمية الاولى وبعدها زاد النشاط الصهيوني فتم تجميد لواء منهم أنضم إلى قنوات الحلفاء، وجمعت التبرعات لشراء الأراضي في فلسطين. وجاء إلى مصر عدد من زعماء الصهيونية لبث الدعوة، ثم جاءت الفرقة اليهودية الملحقة بالجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من ذلك لم يتجاوز عدد المهاجرين من يهود مصر إلى فلسطين حتى عام 1948 1,845 فردا. وواجه النشاط الصهيوني في مصر تيارا معارضا كان يرى في تحقيق أطماع الصهيونية في فلسطين خطرا على يهود مصر. وأعلن حاخام اليهود وزعماء الطائفة ولاءهم لمصر اثر قرار التقسيم عام 1947. بالاضافة إلى ذلك كانت هناك جمعيات يهودية شيوعية عارضت الحركة الصهيونية وقاومت دعوة جمعيات أخرى كانت تناصر الصهيونية (رَ: الرابطة الاسرائيلية لمكافحة الصهيونية). استغلت الدعاية الصهيونية اجراءات الأمن التي اتخذت عام 1948 وأعمال العنف ضد المحلات الأجنبية، وفيها اليهودية، في حزيران 1948 لاتهام مصر بتهديد أمن اليهود وحريتهم. وقد أدى الضغط الصهيوني المكثف إلى هجرة عدد من يهود مصر بلغوا حتى شهر تشرين الأول عام 1949 نحو 20,000. غير أن معظمهم اتجه إلى فرنسا وايطاليا ولم يصل منهم إلى (إسرائيل) الا 7,268 شخصا. ظل من بقي في مصر من اليهود يستمتعون بحرية العمل والتعليم. وقد أكدت ثورة 1952 ودستورها المؤقت (شباط 1953) ودستور عام 1956 المساواة في الحقوق والواجبات وحرية العقيدة بين الجميع. وحرصت حكومة الثورة على التمييز بين اليهودية والصهيونية. ومنحت المدارس اليهودية مساعدات حكومية مالية. روجت الدوائر الصهيونية الشائعات عن سوء أوضاع اليهود في مصر بعد ثورة 1952. وقد فند هذه المزاعم الحاخام الأمريكي ألمر برغر والكاتب اليهودي ألفرد ليلنثال. وعادت هذه الدوائر تشن حملة أخرى عن اضطهاد اليهود بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 (رَ: حرب 1956) ولكن الذين رحلوا من مصر أيامها كانوا في معظمهم من حملة الجنسيات الأجنبية. وقد قدر عدد حاملي الجنسية الفرنسية والانكليزية من هؤلاء اليهود المصادرين بنحو 25 ألفا توجه قسم كبير منهم نحو أمريكا وأستراليا وفرنسا رغم جهود الوكالة اليهودية لتوجيههم إلى (اسرائيل). وكما فعلت الدعاية الصهيونية في سائر الأقطار العربية حاولت ترويج اشاعات عن سوء أحوال اليهود في مصر بعد حرب 1967 وطلبت التحقيق في معاملتهم. غير أن محاولاتها هذه سقطت أمام شمس الحقيقة. 5) يهود اليمن: تراوح عدد اليهود في اليمن في مطلع القرن العشرين بين 20 و30 ألفا. وقدر عددهم قبل 1948 بين 45 و50 ألفا. وقد تمتعوا بقدر كبير من الاستقلال الذاتي في ادارة شؤونهم الداخلية وممارسة عباداتهم. توزع اليهود في مدن اليمن الرئيسة في الحياة خاصة. وأقام عدد منها بين القبائل وتمتعوا بحمايتها.ولم يكونوا يحتفلون عموما على أهل البلاد في اللباس والعبادات. وقد اختصوا بالحرف اليدوية واحتكروا عدة صناعات كالصياغة والتطريز والزخرفة والصابون والأسلحة وبرعوا في سك العملة والتجارة. حافظ يهود اليمن على التوازن وسط الصراع السياسي بين الأئمة الزيديين والحكم العثماني. وظل وضعهم الاقتصادي جيدا بعد الحرب العالمية الأولى. ولم تؤثر تطورات القضية الفلسطينية على أوضاعهم. ولكن الحركة الصهيونية مارست الضغط عليهم منذ مطلع القرن العشرين وأغرتهم بالهجرة إلى فلسطين مستغلة سذاجتهم الدينية واعتقادهم بقرب ظهور المسيح المنقذ. وقد بلغ عدد المهاجرين في عهد الانتداب البريطاني 15,360 غادروا اليمن إلى فلسطين عن طريق عمان. وبعد حرب 1948 دبر مندوبو الوكالة اليهودية عملية هجرة جماعية،وفتحت السلطات البريطانية معسكرات خاصة لاستقبالهم في عمان. وسمح الاماما أحمد لليهود بمغادرة البلاد بحرية تامة بعد بيع ممتلكاتهم. وتولت الجمعية اليهودية American Jewish Joint Distribution Committee  نقلهم جوا على متن طائرات أمريكية في عملية أطلق عليها اسم “البساط السحري”. وهكذا تم نقل أكثر من 40,000 يهودي من اليمن، و20 من جيبوتي و20 من أسمرة، و1,770 من عدن، وكون هؤلاء في (إسرائيل) مادة بشرية صالحة للعمل، ولا سيما الزراعة. وفي عدن قدر عدد اليهود أواخر عام 1947 بنحو 9,000 نصفهم من اليهود اليمنيين المتجهين نحو فلسطين. وقدر عدد اليهود الذين كانوا يقطنون في المناطق الواقعة غربي عدن بنحو 2,600 – 2,750، وفي حضرموت بنحو 700. كان لدى الطائفة في عدن أربعة كنس ومدرستان ومجلس يشرف على شؤون الطائفة. ويتكلم أفراد الطائفة العربية. وقد سيطر عدد منهم على مرافق عدن الاقتصادية وشغل بعضهم عددا من الوظائف الادارية أيام الحكم البريطاني وعملت طبقة منهم بالحرف الصغيرة. استغلت الوكالة اليهودية التظاهرات الشعبية في عدن ضد قرار التقسيم  لضم عدد من اليهود إلى عملية “البساط السحري”. وتقلص عدد اليهود في عدن وما حولها بعد ذلك فقدر عام 1955 بنحو 831 يهوديا. ولما اقترب موعد جلاء القوات البريطانية عن عدن باع معظم اليهود ممتلكاتهم وهاجروا، وانتهى وجود اليهود برحيل آخر 150 يهوديا توجه 80 منهم إلى بريطانيا والباقي الى فلسطين المحتلة قبل أن يتم جلاء القوات البريطانية في 29/11/1967. 6) ليبيا: بلغ عدد اليهود في ليبيا في احصاء عام 1938 حوالي 30 ألفا تركز معظمهم في طرابلس وبنغازي. وقد تمتعوا بنوع من الحكم الذاتي المعروف في الدولة العثمانية كسائر الطوائف والأقليات، واستمر ذلك زمن الاحتلال البريطاني وأيام الادارة البريطانية بعد عام 1943. عاش يهود ليبيا في يسر نسبي، وعملوا في التجارة وبعض الصناعات والحرف الدقيقة. وقد كانوا تجاه قانون الاحتلال الايطالي ثلاث فئات: مواطنين ايطاليين، أي يهودا من ايطاليا، ومواطنين ليبيين من الديانة اليهودية، ويهودا أجانب (غير ايطاليين) يتمتعون بامتيازات الأجانب. وكان لهم مدارسهم الخاصة الدينية التابعة للأليانس، وكانت نسبة التعليم بينهم عالية. وقد أغلقت السلطات الايطالية مدارسهم أيام الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد فتحها عام 1943 في عهد الادارة البريطانية. ظلت العلاقات بين العرب واليهود ودية محاولة الايطاليين خلق الفرقة بينهم. وقد رحب اليهود عام 1943 بدخول قوات الحلفاء ومعها الوحدات اليهودية من فلسطين. وبدأت الحركة الصهيونية تنشط في ليبيا بانشاء الوادي وفرق الكشافة الصهيونية ودفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، الأمر الذي أثار قلق العرب وأدى إلى اضطرابات عام 1945 أثناء مظاهرات التنديد بوعد بلفور* ولكن زعماء ليبيا أكدوا أن هذه الأعمال موجهة ضد الصهيونية ولا صلة لها بالعلاقات العربية – اليهودية في ليبيا. استمر الضغط الصهيوني لجعل اليهود على الهجرة، ولا سيما بعد اعلان قيام (دولة اسرائيل). وأنشأت الوكالة اليهودية في عام 1949 مكتبا للهجرة في طرابلس بتشجيع من السلطات البريطانية فهاجر خلال هذا العام نحو 15,130 يهوديا. وبعد استقلال ليبيا عام 1951 نص الدستور على المساواة والحرية ومنح كثير من اليهود الجنسية الليبية. وأصدرت الحكومة أوامرها بمنع الهجرة من الموانىء الليبية إلى (اسرائيل). وظل اليهود يمارسون نشاطهم الاقتصادي وحياتهم الدينية بحرية. ولكن المنظمات الصهيونية تابعت ضغطها لدفع اليهود إلى الهجرة، وأصبح عدد من وصل إلى (اسرائيل) من ليبيا حتى عام 1958 نحو35,144 يهوديا. وفي عام 1967 بقي في طرابلس بين 4,500 و5,000 يهودي، وفي بنغازي 300 يهودي. وبعد حرب 1967منح الراغبون منهم تأشيرات خروج (كان نحو 6,500 منهم يحملون جنسيات أجنبية). وعين مجلس الثورة سنة 1970 حارسا على ممتلكات اليهود الذين غادروا ليبيا بعد حرب عام 1967. 7) تونس: قدر عدد يهود تونس سنة1921 بنحو 48,436 شخصا، وأصبح العدد عام 1946  105,000 منهم عدد كبير يحملون الجنسية الفرنسية ومجموعة صغيرة من جنسيات مختلفة. ويتركز61% منهم في العاصمة تونس. وكانوا يستغلون بحرية العبادة، وضمنت حقوقهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية على مر العصور والعهود. وقد أصدرت السلطة الفرنسية في تونس عام 1922 قانونا يسهل لهم الحصول على الجنسية الفرنسية. كان يهود تونس يعملون قبل الحماية الفرنسية في التجارة والصناعة والأعمال الادارية. وقد زاد دورهم أهمية أيام الحماية الفرنسية فاختصوا بالتجارة والصراة وأعمال البنوك وشركات التأمين والسياحة وبعض المهن الحرة المتخصصة. وكان معظمهم يعيش في أحياء خاصة من المدن الرئيسة. وغدا مثقفوفهم وأغنياؤهم جزءا متسما للمجتمع الأوروبي في تونس. وقد أتيحت لليهود في تونس فرص تعليم أكثر من المتاحة لأبناء البلاد. وقد أنشأت الاليانس عام 1863 عددا من المدارس الحديثة قدمت لها فيما بعد سلطة الحماية الفرنسية الدعم المادي والمعنوي، الأمر الذي رفع نسبة المؤهلين والمثقفين ثقافة فرنسية بين يهود تونس. وتمتع اليهود بحقوقهم السياسية قبل الحماية. ثم ضمن الوجود الفرنسي كثيرا من الامتيازات لهم. وقد تعاطف بعض مثقفيهم مع حركة الدستور الجديد من أجل الاستقلال. وكان زعماء الحركة الوطنية التونسية يسعود إلى كسب اليهود إلى جانب قضيتهم ويؤكدون المساواة في ظل دولة ديمقراطية علمانية. ولم تكن أعمال العنف التي أصابت الممتلكات اليهودية خلال فترة النضال الوطني الا  لارتباط أصحابها بفرنسا وسياستها في تونس. احتل اليهود في تونس المستقلة مناصب هامة. ومنحوا حق الانتخاب في المجلس التأسيسي والمجالس البلدية، وألغي النظام الطائفي، وعينت لجان خاصة للاشراف على التعليم الديني. وكان المؤتمر اليهودي العالمي* على اتصال بالحكومة للبحث في أوضاع اليهود. وضمنت حقوق اليهود المدنية والدينية، وكفلت لهم حرية التنقل واصدار الصحف. لكن تونس شهدت بعد عام 1956 هجرة اليهود إلى الخارج. وقد قدر عدد المهاجرين حتى عام 1949 بنحو 40,000 يهودي، أي 40% من يهود تونس. وفي عام 1963 كان عدد اليهود 32,000 فأصبح 23,0000 عام 1967. ولم تتدخل الحكومة لمنع الهجرة، ولكنها عدتها أمرا غير مرغوب فيه وحذرت اليهود من الاتصال بالمنظمات الصهيونية. ويرجع السبب في هجرة يهود تونس وسائر بلاد شمالي افريقيا إلى أن المكاسب التي تمتعوا بها زمن الحماية الفرنسية زالت أو قلت، وأخذ أبناء البلاد يستغلون المراكز الادارية والاقتصادية التي كانت حكرا على الأجانب. وقد رحلت غالبية يهود تونس إلى فرنسا فاستقر فيها 60,000 يهودي تونسي بين 1956 و1959، ولم تتمكن المنظمات الصهيونية الا من كسب الفئات الفقيرة للهجرة إلى (اسرائيل). ويعيش اليهود في تونس اليوم بهدوء ويمارسون أعمالهم وعباداتهم بحرية. 8) الجزائر: يقدر احصاء عام 1851 عدد اليهود في الجزائر بنحو 21,000. وفي عام 1920 بلغ عددهم 74,000، ثم أصبح 110,127 عام 1930 و140,000 في عام 1951، أي نحو12,7% من عدد الأوروبيين في الجزائر. ويصعب الوصول إلى احصاءات دقيقة لأنهم كانوا يعملون جزءا من الفرنسيين. ويتركز ثلاثة أرباعهم في المدن الساحلية الكبرى. وقد عاش بضعة آلاف منهم في الصحراء جنوبي الجزائر. تمتع اليهود قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر بالاستقلال الذاتي بشؤون طائفتهم. ولكن سلطات الاحتلال منحتهم امتيازات كثيرة فكان لهم ادارة مستقلة ورئيس يتبع مباشرة للادارة الفرنسية ويتمتع بصلاحيات كبيرة ويعونه مجلس يهودي. وتولت المحاكم الحاخامية شؤون القضاء. ثم صدر قانون فتح اليهود الجنسية الفرنسية عام 1870 (بعد أن جعلت الجزائر جزءا من فرنسا). وقد ألغي القانون عام 1940 في عهد حمومة فيشي، ثم أعيد العمل به عام 1943. كانت أوضاع اليهود الاقتصادية في الجزائر أفضل منها في سائر شمالي افريقيا بسبب ما منحوا من امتيازات. وقد برزوا في مجالات التجارة والصناعة، وهاجر بعضهم إلى الجنوب لدى اكتشاف البترول والمعادن الأخرى، وتحول بعضهم إلى الزراعة وتربية الحيوان. وقد مثلوا  في الجزائر طبقة وسيطة بين العرب والمستوطنين الأوروبيين. لعب اليهود دورا كبيرا في الحياة السياسية في الجزائر، وسعت الأحزاب الفرنسية لكسب أصواتهم. وكان موقفهم من الصراع بين الاحتلال الفرنسي وجبهة التحرير الجزائرية منحازا إلى فرنسا رغم حرص بعضهم على البعد عن القضايا السياسية، ورغم على أقلية من المثقفين اليهود اليساريين إلى دعم قضية التحرر، ورغم محاولة جبهة التحرير الجزائرية منذ البداية كسب الطائفة اليهودية للانضمام إلى الثورة لأنها تعدوا جزءا من الشعب الجزائري بدون تمييز عنصري أو ديني. ويعود ذلك إلى أن يهود الجزائر كانوا فرنسيين تربطهم مصالحهم بفرنسا وأكثر مؤسساتهم الاقتصادية برحيلها من الجزائر. ولهذا استغل المتطرفون من المستوطنين والمنظمات اليهودية في الخارج الأمر ونظموا حملات دعائية عملت على تردي العلاقات بين العرب واليهود وأدت إلى وقوف90% من يهود الجزائر إلى جانب بقاء الجزائر فرنسية ووقوف بعضهم إلى جانب منظمة الجيش الفرنسي البرية التي قامت بحملة ارهاب لابقاء الوجود الفرنسي. وهذا يفسر رغبة اليهود في مغادرة الجزائر مع رحيل الفرنسيين بعد الاستقلال. غادر اليهود الجزائر كفرنسيين. وبلغ عددهم حتى تموز عام 1960 نحو 40,000. وقد حاولت المنظمات الصهيونية توجه هجرتهم إلى (اسرائيل) ولكنها فشلت فلم يصل إلى (اسرائيل) من أصل 130 ألف يهودي جزائري سري أعداد قليلة، وفضل معظم المهاجرين الاقامة في فرنسا. لم يبق في الجزائر عام 1963 سوى 3,800 يهودي منهم ألفان في مدينة الجزائر والباقون في وهران. وقد غادر بعضهم الجزائر إلى فرنسا بعد عام 1967. 9) المغرب: قدر عدد اليهود في المغرب عام 1927 بنحو 175,000 نسمة. وبلغ عدد يهود المنطقة الواقعة تحت الحماية الفرنسية وفق احصاء عام 1947 حوالي 203,835 معظمهم في المدن وثلثهم في الدار البيضاء، يضاف اليهم 14,195 يهوديا في المنطقة الواقعة تحت الاحتلال الاسباني من المغرب و20,000 في منطقة طنجة. وقد تمتع يهود المغرب قبل الاستعمار بالاستقلال في شؤونهم كما كانت الحال في سائر الأقطار العربية. ولم يمنحوا الجنسية الفرنسية الحماية الفرنسية (1912-1956) بل منحوا الامتيازات ونظمت شؤون طائفتهم بمرسوم عام 1918، كما نظمت شؤون الطائفة في منطقة طنجة ومنطقة الحماية الفرنسية. لعب اليهود دورا اقتصاديا كبيرا قبل الحماية فنشطوا في التجارة الخارجية منذ القرن الثامن عشر وازدياد نشاطهم زمن الحماية وتفوقوا في التجارة والصناعة والمهن الحرة الأخرى. وعمل بعض القدامى منهم في الزراعة وتملكوا  الأراضي. وقد انقسم يهود المغرب إلى طبقة عليا صغيرة من الاداريين والخبراء وكبار التجار وأصحاب الصناعات كانت تمثل مع التخبة الأوروبية الطبقة الغنية المترفة أيام الحماية الفرنسية. وإلى طبقة واسعة من أصحاب الحرف والفقراء كانوا يعيشون في القرى أو في أحياء خاصة في المدن تسمى “الملاح”. وقد عمدت المنظمات اليهودية المحلية والعالمية إلى الاهتمام بسكان “الملاح”. وتعود بداية التعليم الحديث بين يهود المغرب إلى شبكة المدارس التي أنشأتها الأليانس في المدن. وإلى جانبها أحدثت أيام الحماية مدارس رسمية يهودية حسب المناهج الفرنسية. وقد بلغ مجموع الطلاب اليهود عام 1947 نحو 25,560 طالبا، أي ما نسبته 12,53% من أصل عدد اليهود، في حين لم تتجاوز نسبة عدد التلاميذ العرب 1,08% من عدد السكان. وكانت لليهود حرية التعليم الديني والعبري الذي تتولاه الطوائف المحلية والأليانس. وقد أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية كلية لتدريب المعلمين على الدراسات العبرية، وافتتحت مراكز للتدريب المهني والمدارس المختلفة فأصبحت نسبة الطلاب اليهود 100% من عدد الذين هم في سن التعليم. وقد عملت الحكومة منذ عام 1959/1960 على تعريب التعليم بالتدريج، وعلى توحيد نظمه والاشراف على مدارس الأليانس وادخال الطلبة العرب إلى صفوفها. تمتع اليهود في المغرب على مر العهود بالتسامح والعدالة والمساواة، ونجح السلطان في حمايتهم حين اضطدتهم سلطات حكومة فيشي عام 1940. وحاولت الطائفة اليهودية الوقوف على الحياد في بداية حركة النضال الوطني من أجل الاستقلال، ولا سيما بعد نفي السلطان محمد الخامس. ولكن الطبقة الغنية كانت منحازة إلى فرنسا لارتباط مصالحها بوجودها. ولم يبد أي مظهر عدائي ضد اليهود خلال الاضطرابات السياسية. وقد أجرى المؤشر اليهودي العالمي قبل الاستقلال مشاورات مع زعماء الحركة الوطنية المغربية فأكد هؤلاء ضمان الحرية والمساواة لجميع المواطنين. وأعلن زعماء اليهود تأييدهم مطلب الاستقلال في مفاوضات واتفاقية سنة 1956 التي أنهت الحماية الفرنسية. وقد ضمت الحكومة المغربية الأولى الوزير اليهودي “بن زكوان” للبريد والبرق والهاتف، وشغل اليهود في الجهاز الحكومي مراكز كبرى، ولا سيما في وزارة الخارجية والبعثات التجارية والاقتصادية. وشارك اليهود كذلك في الانتخابات العامة وحصلوا على مقاعد في المجالس النيابية والبلدية والقروية والغرف التجارية والصناعية. وأما زعماؤهم منذ عام 1956 “رابطة الوفاق” لتوثيق التقارب بين العرب واليهود. لم يكن في المغرب نشاط صهيوني كبير قبل عام 1947 رغم وجود منظمة منظمة صهيونية منذ عام 1930 لجمع التبرعات. ولم يتجاوز عدد اليهود المهاجرين إلى فلسطين حتى عام 1948 ألف مهاجر. ومع قيام (إسرائيل) بدأ مندوبو الوكالة اليهودية ينشرون فكرة الهجرة الجماعية، وأسست مكاسب هجرة في الدار البيضاء ومراكش أخذ تسجل أسماء المرشحين للهجرة بمساعدة منظمة “كاديما” المحلية. وقد استجاب الفقراء للدعوة  فنقلوا إلى معسكرات في الدار البيضاء إلى (إسرائيل). وما أن اقترب موعد الاستقلال حتى زاد النشاط الصهيوني لتسريع عملية الهجرة الجماعية بتمويل من يهود الولايات المتحدة. ولم تقف السلطات المغربية في وجه الهجرة، ولكنها شيدت اجراءاتها على الحدود ضد بعض المؤسسات التي تولت تنظيم هجرة “غير مشروعة”. وهذا ما دفع المنظمات الصهيونية إلى شن حملات على المغرب  تتهمه بالتضييق على اليهود وتصورهم ضحايا “حملة لا سامية”، ولا سيما بعد حادثة غرق مركب على الساحل الغربي كان يقوم بتهريب اليهود في12/1/1961. نظمت الحكومة حملة صحفية لعرض وجهة نظرها على الرأي العام العالمي. وأعلن الملك الحسن الثاني بعد توليه الحكم في أيلول 1961 أن الطائفة اليهودية جزء من الشعب المغربي، وحضر شؤون عنهم حقل المنصب ولكن العناصر الصهيونية استمرت في حملتها لنشر الخوف من الاضطهاد بين يهود المغرب. وقد هاجر بين 1948 و1958 حوالي 45 ألفا توجه قسم منهم إلى أمريكا اللاتينية لا إلى (اسرائيل). وفي عام 1958 عاد إلى المغرب 7,000 يهودي. وقد قامت الحكومة باجراءات اجتماعية لحماية الطائفة اليهودية أثناء حرب 1967. وقدر عدد اليهود في المغرب عام 1969 بنحو 45 ألف كانوا يعيشون في أمان ويتمتعون بكامل حقوقهم حسب الدستور. وتمتعت مؤسساتهم الثقافية والدينية بالحرية. د- يهود البلاد العربية والحركة الصهيونية: لفلسطين مكانة دينية مقدسة في جميع الديانات السماوية. وقد كان لليهود، حتى ظهور الحركة الصهيونية السياسية. الحق في دخول فلسطين لزيارة أو الأغراض دينية. ولميلتفوا في الحركة الصهيونية عند قيامها بين يهود أوروبا كحركة سياسية منظمة لتوجيه الهجرة إلى فلسطين، ولا سيما أن زعماء الحركة الصهيونية وجهوا همهم الأول إلى يهود أوروبا الشرقية لتشجيعهم على هذه الهجرة. لكن مندوبي المنظمة الصهيونية توجهوا منذ ثلاثينات القرن العشرين إلى الطوائف اليهودية في البلاد العربية للتعارف على امكان الاستفادة منها. وتركزت جهودهم أثناء الحرب العالمية الثانية خاصة على تشجيع الهجرة إلى فلسطين. وقد استجاب عدد من الشباب اليهودي لهذه الدعوة. ولكن يهود البلاد العربية عامة لم يقوموا بدور هام في الهجرة إلى فلسطين، ولم تتجاوز أعمارهم بين 1919 و1948 42,000 مهاجر من أصل 46,000 مهاجر معظمهم من الاشكنازيين. أي أن نسبة المهاجرين من يهود البلاد العربية كانت 9% فقط من معدل الهجرة العام. في مقابل ذلك كان الرأي العام العربي يرى أن الصهيونية كحركة سياسية، واليهودية كديانة، شيئان مختلفان. وقد ظهر هذا التمييز منذ قرار المؤتمر السوري العام* في دمشق (تموز 1919). وكانت المطالبة العربية بفلسطين المستقلة تترافق دائما مع ضمانات حقوق الأقلية اليهودية في حال انشاء دولة عربية في فلسطين. هـ- يهود البلاد العربية وانشاء (اسرائيل): كانت معارضة العرب للحركة الصهيونية و(لاسرائيل) معارضة سياسية لا دينية. ف (اسرائيل) كيان استعماري أجنبي، والصراع العربي- الاسرائيلي لم يأخذ في أي مرحلة من مراحله شكلا دينيا أو عنصريا. وقد سعت (اسرائيل)، وتسعى، إلى خلط الجانبين الديني والسياسي واضفاء أهمية سياسية على المعتقد الديني، وجعل يهود العالم أجمعين متتمين بالولاء إلى سيادة سياسية قومية تتمثل ب(إسرائيل)، وهذا يعني أن تصبح (اسرائيل) نقطة تجمع كل يهود العالم. وكان يهود البلاد العربية المرشحين الرئيسيين في هذه المرحلة للهجرة إلى (إسرائيل) تلبية حاجاتها الملحة إلى الطاقة البشرية بعد أن فشلت جهود زعماء الصهيونيين في جلب المهاجرين من أمريكا. ولذلك تولت المنظمات صهيونية أمريكية عملية جمع المهاجرين من أنحاء العالم الأخرى ومنها البلاد العربية. وقد تمكن وكلاء المنظمات الصهيونية عن طريق اثارة شعور الخوف من اضطهاد وشيك الوقوع من تحطيم الوجود الآمن الذي تمتع به اليهود بين العرب منذ القدم. وعلى الرغم من أن ظروف الصراع العربي- الاسرائيلي لم تؤثر في موقف العرب تجاه اليهود فقد خرج في السنوات الأولى لقيام (اسرائيل) ما لا يقل عن 700 ألف يهودي لم تجبرهم الدول العربية على الهجرة، كما لم تنكر عليهم حقهم فيها. ولم يذهب هؤلاء جميعا إلى (اسرائيل). فمنهم من ذهب إلى كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أمريكا اللاتينية. واتجه منهم إلى (اسرائيل) نحو 500 ألف يشكلون 42% تقريبا من سكان (اسرائيل). وفي عام 1949 بلغت نسبة المهاجرين اليهود من البلاد العربية إلى مجموع الهجرة العام إلى (إسرائيل) 47,35%، ووصلت إلى 68,7% عام 1956. وينتمي يهود البلاد العربية داخل المجتمع الاسرائيلي إلى ما يعرف بفئة “السفارديم”، أو اليهود الشرقيين. والهوة بينهم وبين اليهود الغربيين “الاشكنازيم” واسعة من حيث المكانة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وحياة هؤلاء صورة تغاير بجلاء الصورة التي عاشها أولئك وسط المجتمع العربي. و- يهود البلاد العربية بعد عام 1967: ركزت الدوائر الصهيونية في (اسرائيل) والعالم حملة دعاية قوية في المحافل الدولية ضد الدول العربية، ولا سيما سورية والعراق ومصر، تتهمها باساءة معاملة اليهود فيها وتبدي قلقها على مستقبلهم وترى أن الحل الوحيد لتجنب ما تزعمه من اضطهاد هو الهجرة إلى (إسرائيل) لأنها المكان الوحيد الطبيعي لجميع اليهود. وقد أصرت السلطات الاسرائيلية على ربط أوضاع اليهود في البلاد العربية بأوضاع العرب في الأرض المحتلة فرفضت السماح بالتحقيق في الظروف التي يعيش فيها السكان العرب في المناطق المحتلة (قرار مجلس الأمن 237 بتاريخ 14/6/1967) ما لم يشمل التحقيق يهود البلاد العربية. والغرض من ذلك تحويل الأنظار عن المعاملة السيئة التي يلقاها عرب الأرض المحتلة، والعمل على تهجير نحو 100 ألف يهودي من البلاد العربية لسكنى الأراضي المحتلة حديثا. وتدحض الأدلة والبراهين الواضحة مزاعم الصهيونية و(إسرائيل). فقد أكدت الشخصيات العالمية الكثيرة التي زارت البلاد العربية حسن المعاملة التي يلقاها اليهود في البلاد العربية، والحقوق والمساواة التي يتمتعون بها، مثلهم في ذلك مثل بقية المواطنين. ولقد طرحت الثورة الفلسطينية منذ عام 1969 شعار اقامة الدولة العلمانية الديمقراطية على أرض فلسطين كبديل للوجود الصهيوني. وقبلت بحق اليهود في المواظبة الفلسطينية مع رفض أي حق في الوجود القومي في فلسطين ودعت البلاد العربية إلى اعطاء اليهود حق العودة إلى البلاد العربية التي هاجروا منها مع ضمان حقوقهم الكاملة واعادة ممتلكاتهم. وقد غدت قضية دعوة “اليهود العرب” إلى العودة إلى البلاد العربية موضع اهتمام خاص منذ منتصف عام 1975 عندما قامت منظمة التحرير الفلسطينية مذكرة إلى الملوك والرؤساء العرب تقترح عليهم فيها تبني خطة متكاملة لتنظيم الهجرة المضادة من (إسرائيل). وبادرت بعض الحكومات العربية إلى تبني هذه الفكرة واصدار قرار سياسي بدعوة “اليهود العرب” إلى العودة، ومن هذه الحكومات المغرب واليمن وليبيا والسودان والعراق ومصر.وقد جاء ذلك في وقت مناسب انخفضت فيه معدلات الهجرة إلى (إسرائيل) في أعقاب حرب 1973* وتزايدت حدة التمييز العنصري داخل (إسرائيل) وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها الذي تقرر فيه أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري (القرار3379 بتاريخ 10/11/1975). وقد قدرت الاحصاءات عدد اليهود في البلاد العربية عام 1975 على النحو التالي: المغرب 31,000، تونس 8,000، لبنان 1,800، العراق 500، سورية 4,000، الجزائر 1,000، مصر 500، ليبيا 40، اليمن 5,000.   المراجع:   علي ابراهيم عبده وخيرية قاسمية: يهود البلاد العربية، بيروت 1971. شفيق الرشيدات: الأوضاع القانونية ليهود البلاد العربية، القاهرة. مركز الأبحاث الفلسطينية: ملف يهود البلاد العربية، بيروت. الأمانة العامة لجامعة الدول العربية: مذكرات بشأن الهجرة اليهودية من شمال افريقيا إلى (اسرائيل)، مقدمة إلى مؤتمر رؤساء أجهزة فلسطين في الدول العربية، من عام 1961-1965. الياس سعد: الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بيروت 1969. يوسف رزق الله غنيمة: نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق، بغداد 1914. P.: The Jews in the East, London 1859. E.: Who Knows Better Most Say So!New York 1955. Ben-Zvi.I.: The Exiled and the Redeemed, (Translated from Hebrew). London 1958. A.: Minorities in the Arab World, London 1947. S.: Jewish Communities in the Moslem Countries of the Middle East, London 1950. The Leaque of Arab States. Press and Information Dept.: The Rruth about Jews in Egypt, Cairo 1957. A: The Other Side of the Coin, New York 1965. J.B: On Wings of Eagles, New York 1960.     اليهودية: رَ: العبرية واليهودية   اليورانيوم: رَ: المعادن