يافا (صلح)

دب الخلاف بين أبناء العادل الأيوبي محمد بن أيوب* عقب اطمئنانهم إلى اخفاق الحملة الصليبية الخامسة وجلاء الفرنجة* عن مصر سنة 618هـ/1221م. وفي غمرة هذا الخلاف استنجد المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب* صاحب دمشق بالخوارزمية* في حين استنجد أخوه الكامل محمد صاحب مصر فريدريك الثاني ملك صقلية وامبراطور الدولة الرومانية المقدسة في العرب وأرسل اليه مبعوثا خاصا يطلب منه “أن يحضر إلى الشام والساحل فيعطيه بيت المقدس وجميع فتوح صلاح الدين بالساحل” (رَ: العصر الأيوبي). وكانت ظروف الامبراطور في الغرب صعبة بسبب عداء البابوية له وصدور قرار من الكنيسة بحرمانه فوجد في تلبية نداء السلطان الكامل فرصة لعلاج موقفه في الغرب الأوروبي. وخرج إلى الشرق في جيش صغير لم يتجاوز خمسمائة جندي معتمدا على وعد السلطان الكامل له بتسليمه بيت المقدس دون حرب أو عناء. ولكن الامبراطور فريدريك وصل إلى عكا* سنة 626هـ/1228م فوجد الموقف قد تبدل بسبب وفاة الملك المعظم عيسى ولم يعد السلطان الكامل بحاجة إلى معونته هو الأمر الذي أدى إلى تراجعه عن وعده اياه باتعطائه بيت المقدس. ولم يجد فريدريك وسيلة سوى استعطاف الكامل خلال المفاوضات الطويلة الشاقة التي دارت بين الطرفين، حتى ان الامبرتطور اضطر إلى البكاء أثناء بعض المراحل هذه المفاوضات وأرسل إلى الكامل يقول: “أنا مملوكك وعتيقك وليس لي مما تأمره خروج. وأنت تعلم أني اكبر ملوك البحر. وقد علم البابا والملوك باهتمامي وطلوعي، فان رجعت خايبا انكسرت حرمتي بينهم. وهذه القدس فهي أصل اعتقادهم وضجرهم … فان رأى السلطان أن ينعم علي “بقبضة البلد والزيارة فيكون صدقا منه ويرتفع رأسي بين ملوك البحر”. والمعروف من السلطان الكامل أنه ورث عن أبيه العادل صفة التسامح مع الفرنجة إلى درجة التفريط. وهكذا عقد صلح يافا مع الامبراطور فريدريك سنة 626هـ/1229م لمدة عشر سنوات. وبمقتضاه تقرر أن يأخذ الفرنجة بيت المقدس وبيت لحم* والناصرة* وتبنين وهونين* وصيدا. واشترط المسلمون أن تبقى مدينة بيت المقدس على ما هي عليه فلا يحدد سورها، وأن يكون الحرم بما حواه من الصخرة والمسجد الأقصى* بأيدي المسلمين وتقدم فيه شعائر الصلاة. ويكون الحكم في البيوت المجتمعة أو الرساتيق لوالي المسلمين، ويكون لهم من القرى ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط. وهكذا استولى الفرنجة بسهولة تامة على بيت المقدس المدينة التي ضحى صلاح الدين بالكثير من الدم في سبيل استردادها، الأمر الذي استثار الشعور العام في العالم الاسلامي “فاشتد البكاء وعظم الصراخ والعويل وأقيمت المآتم وعظم على أهل الاسرم هذا البلاء وقال الوعاظ والعلماء: يا خجلة ملوك المسلمين لمثل هذه الحادثة. واشتد الانكار على الملك الكامل وحقد أهل دمشق عليه ومن معه وكثرت المساعدات عليه في سائر الأقطار”.   المراجع:   ابن الاثير: الكامل في التاريخ، القاهرة 1303هـ. أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين: الصلاحية والنورية، القاهرة 1287هـ. أبو شامة: ذيل الروضتين، القاهرة 1366هـ. سبط بن الجوزي: مرآة  الزمان في تاريخ الأعيان، حيدر آباد 1951.