ياسر عرفات (خطاب – في الأمم المتحدة)

شهدت الأمم المتحدة في عام 1974 حدثا  فريدا لم تشهده منذ نشوئها عام 1945. فلأول مرة في تاريخ الأمم المتحدة يقف رئيس حركة تحرير وطنية على منبرها ليلقي خطابا يتحدث فيه عن مطالب حركة التحرير. ففي يوم 13/11/1974 ألقى ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خطابا وجهته إلى وفود دول العالم المشتركة في الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة التي كان يرأسها يومذاك عبد العزيز بوتفليقة وزير خارجية الجزائر. استقبل ياسر عرفات في الأمم المتحدة وقاعة الجمعية العامة وفق المراسم التي يستقبل بها رؤساء الدول حين يقدمون إلى الجمعية العامة لالقاء خطبهم. وحيته جميع الوفود، باستثناء وفد (إسرائيل) وبعض الوفود القليلة المناصرة لها، كما تحيي رؤساء الدول، وقابلته بتصفيق حاد طويل لم يتوقف الا عندما رجا ياسر عرفات نفسه أن تسمح له بالقاء خطابه. جاءت الدعوة التي وجهتها الأمم المتحدة إلى منظمة التحرير الفلسطينية* للاشتراك في الدورة التاسعة والعشرين نتيجة لعدة عوامل منها: 1) القرار الجماعي الذي اتخذه مؤتمر القمة العربي السابع في الرباط (26-30/10/1974) بمبايعة منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب العربي الفلسطيني (رَ: القمة العربية، مؤتمرات). 2) قرارات حركة عدم الانحياز* ومنظمة المؤتمر الاسلامي* بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني ومنحها العضوية الكاملة فيهما، شأنها في ذلك شأن الدول المستقلة ذات العضوية في المنظمتين المذكورتين. 3) اتساع دائرة الدول المعترفة بمنظمة التحرير الفلسطينية والمؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه الوطنية بقيادة المنظمة. 4) نمو حركة التحرر الوطني في صفوف الشعب الفلسطيني، وتنوع أشكال نضاله في مختلف الميادين. واتساع حركة الكفاح المسلح. وتعدد أساليب المواجهة وأشكالها مع العدو الاسرائيلي. 5) حرب 1973* وما قدمته نتائجها من خدمته للقضية الفلسطينية. وهكذا توافرت العوامل لكي تعود قضية فلسطين إلى جدول أعمال الجمعية العامة (رَ: فلسطين في الجمعية العامة  للأمم المتحدة، قضية) بعد أن طويت منه سنوات كثيرة بسبب انحسار النضال الفلسطيني وسعي (اسرائيل) والولايات المتحدة وغيرهما من الدول المناصرة للصهيونية لطي القضية من جداول أعمال الأمم المتحدة والابقاء على أحد أوجهها وهو مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. أقرت الجمعية العامة في دورتها التاسعة والعشرين (أيلول – كانون الأول 1974) ادراج قضية فلسطين في جدول أعمالها. وكان من الطبيعي أن توجه الجمعية العامة الدعوة إلى منظمة التحرير الفلسطينية اتبعث وفدا يشترك في مناقشة القضية (قرار الجمعية العامة 3210 بتاريخ 14/10/1974. ترأس ياسر عرفات وفد المنظمة وافتتح بخطابه مناقشة قضية فلسطين في الجمعية العامة. وقد بدأه بشكر رئيس الجمعية العامة على دعوة منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك في مداولات الجمعية بشأن قضية فلسطين. واعتبر “هذه الخطوة انتصارا للمنظمة الدولية كما هي انتصار لقضية شعبنا. وان ذلك يشكل مؤشرا جديدا على أن هيئة الأمم اليوم ليست هيئة الأمم بالأمس. فقد أصبحت هيئة الأمم اليوم تمثل 138 دولة. وأصبحت تعكس بصورة نسبية أوضح ارادة المجموعة الدولية. ومن ثم أصبحت أكثر قدرة على تطبيق ميثاقها ومبادىء الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وأكثر قدرة على نصرة قضايا العدل والسلام”. وقال رئيس اللجنة التنفيذية: “ان قضية فلسطين تدخل كجزء هام بين القضايا العادلة التي تناضل في سبيلها الشعوب التي تعاني الاستعمار والاضطهاد. واذا كانت الفرصة قد أتيحت لي أن أعرضها أمامكم فانني لن أنسى أن مثل هذه الفرصة يجب أن تتاح لكل حركات التحرر المناضلة ضد العنصرية والاستعمار. ولهذا فانني، باسم هؤلاء المناضلين من أجل الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، أدعوكم لأن تعيروا قضاياهم، كما قضيتا، من همومكم واهتماماتكم الأولوية ذاتها”. وأكد ايمانه وايمان منظمة التحرير بالنضال السياسي والدبلوماسي الذي يكمل ويعزز النضال المسلح، ويعبر على تقدير المنظمة للدور الذي يمكن للأمم المتحدة أو تقوم به في حل المشكلات العالمية. ثم عاد ياسر عرفات إلى جذور القضية الفلسطينية فقال في بيان سبب هذه العودة: “ما زال بين الحاضرين هنا من يحتل بيوتنا، ويرتع في حقولنا، ويقطف ثمار أشجارنا، ودعي أننا أشباح لا وجود لنا، ولا تراث، ولا مستقبل. ولأن هناك من كان يتصور، وإلى وقت قريب، وربما حتى الآن، أن مشكلتنا هي مشكلة لاجئين، أو أن مشكلة الشرق الأوسط هي مشكلة خلاف على حدود. أو يتصور أن شعبنا يدعى حقوقا ليست له، ويقاتل دونما سبب معقول ومشروع، الا لرغبة في تعكير السلام وارهاب الآخرين. ولأن هنالك بينكم، وأعني الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، من يمون عدونا بطائراته وقنابله وكل أدوات الفتك والتدمير، ويقف منا موقف العداء، وبعد إلى تشويه حقيقة المشكلة، كل ذلك على حساب الشعب الأمريكي، وعلى حساب رفاهيته، وعلى حساب الصداقة التي نتطلع اليها مع هذا الشعب العظيم الذي نكن له ولتجارته في النضال من أجل حريته ووحدة أراضيه كل تقدير”. وأرجع الجذور التاريخية للمشكلة الفلسطينية إلى أواخر القرن التاسع عشر في “عصر الاستعمار والاستيطان وبداية الانتقال إلى عصر الامبريالية، حيث بدأ التخطيط الصهيوني – الاستعماري لغزو أرض فلسطين بمهاجرين من يهود أوروبا. وكلما استخدم الاستعمار، وقتئذ، المحرومين والفقراء والمستغلين كوفود ثار عدوانه، ومرتكزات للاستيطان، كذلك استخدم الاستعمار العالمي والقادة الصهيونيون اليهود المحرومين والمضطهدين في أوروبا، للعدوان ومرتكزات الاستيطان والتمييز العنصري”. وأردف “ان الايديولوجية الصهيونية التي استخدمت ضد شعبنا لاستيطان فلسطين بالغزاة الوافدين من العرب، استخدمت في الوقت ذاته، لاقتلاع اليهود من جذورهم في أوطانهم المختلفة، ولتغريبهم عن الأمم … وهكذا، باشرت الحركة الصهيونية، متحالفة مع الاستعمار العالمي، غزوها لبلادنا”. وعرض عرفات خمس دقائق لخص فيها القضية الفلسطينية: 1) كان سكان فلسطين عام 1881، أي قبل قدوم موجة الهجرة اليهودية اليها. نحو نصف مليون نسمة منهم نحو عشرين ألف يهودي. 2) كانت فلسطين أرضا خضراء معمورة بشعبها العربي. 3) عمدت الحركة الصهيونية إلى تهجير حوالي خمسين ألف يهودي أوروبي بين 1882 و1917، كما نجحت في الحصول على وعد بلفور* من بريطانيا. في حين خذل كل من الرئيس الأمريكي ويلسون وعصبة الأمم الشعب الفلسطيني وفرضا عليه – قسرا – الاستعمار البريطاني بصورة الانتداب. 4) نجحت الحركة الصهيونية مع حليفها الاستعماري في أن تقفز بحجم المستوطنين اليهود في فلسطين إلى 600 ألف يملكون أقل من 6% من أراضي فلسطين الخصبة، في وقت بلغ عدد عرب فلسطين نحو مليون وربع مليون نسمة. 5) نجح التحالف الاستعماري – الصهيوني في استصدار قرار من الأمم المتحدة يقضي بتقسيم فلسطين بين مواطنينها العرب ومستوطنيها اليهود. وعلى هذا فان “أساس المشكلة ليس خلافا دينيا أو قوميا بين دينين أو قوميتين، وليس نزاعا على حدود بين دول متجاورة، انه قضية شعب اغتصب وطنه، وشرد من أرضه، لتعيش أغلبيته في المنافي والخيام”. وألقى عرفات الضوء على (اسرائيل) التي غدت “قاعدة للامبريالية مهمتها اخضاع الشعوب العربية والعدوان عليها طبعا في المزيد من التوسع على الأرض الفلسطينية والأراضي العربية”. وأشار رئيس اللجنة التنفيذية إلى “أن فلسطين كانت مهدا الأقدم الحضارات والثقافات، واستمر شعبها العربي بنشر الحضارة والبناء والحضارة والثقافة في ربوعها طوال آلاف السنين” وقال: “كأحد أبناء بيت القدس احتفظ لنفسي ولشعبي بذكريات جميلة وصور رائعة من مظاهر التآخي الديني التي كانت تتألق في مدينتنا المقدسة قبل حلول النكبة بها”. وشدد على أن الشعب الفلسطيني “ما زال مصمما على الاستمرار في أداء دوره الحضاري والانساني على أرض فلسطين”. وبعد أن ألقى عرفات نظرة سريعة على المواقف العنصرية (لاسرائيل) أشار الى سجل الصهيونية الحافل بمواقف ضد اليهود أنفسهم، مثل التمييز العنصري البشع ضد اليهود الشرقيين. وأكد أنه لو كان تهجير اليهود إلى فلسطين “بهدف العيش كمواطنين متساوين معنا بالحقوق والواجبات لكنا أفسحنا المجال لهم ضمن امكانات وطننا”. وعلى هذا فان الثورة الفلسطينية “منذ البداية لا تقوم على أسس عرقية أو دينية عنصرية، وليست موجهة للانسان اليهودي من حيث كونه انسانا، وانما هي موجهة ضد العنصرية الصهيونية وضد العدوان”. ثم قال: “وبهذا المعنى فان ثورتنا هي أيضا من أجل الانسان اليهودي. اننا نناضل من أجل أن يعيش اليهود والمسيحيون والمسلمون بمساواة في الحقوق والواجبات، وبلا تمييز عنصري أو ديني”. وهذا فان الثورة الفلسطينية تفرق بين اليهودية والصهيونية “وفي الوقت الذي نعادي الحركة الصهيونية الاستعمارية فاننا نحترم الدين اليهودي”. ودعا رئيس اللجنة التنفيذية “جميع الشعوب والحكومات لمجابهة مخططات الصهيونية الرامية إلى تهجير مزيد من يهود العالم من أوطانهم ليغتصبوا وطننا، وتدعوهم في الوقت نفسه، للوقوف في وجه أي اضطهاد للانسان بسبب دينه أو  جنسه أو لونه”. ثم تبادل ياسر عرفات قائلا: “لماذا يندفع شعب العربي الفلسطيني الثمن؟ لماذا يتحمل شعب ووطننا مسؤولية مشكلة الهجرة اليهودية؟”. واتهم عرفات بالتضليل أولئك “الذين ينعتون ثورتنا بالارهاب” مؤكدا “أن الجانب الذي يقف فيه حامل السلاح هو الذي يميز بين الثائر والارهابي. فمن يقف إلى جانب قضية عادلة، ومن يقاتل من أجل حرية وطنه واستقلاله ضد الغزو والاحتلال والاستعمار، لا يمكن أن تنطبق عليه، بأي شكل من الأشكال صفة ارهابي، والا اعتبر الشعب الأمريكي – حين حمل السلاح ضد الاستعمار البريطاني – ارهابيا، واعتبر المقاومة الأوروبية ضد النازية ارهابا، واعتبر نضال شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ارهابا”. ثم استعرض أساليب القهر والارهاب التي تمارسها حكومة (اسرائيل) ضد العرب الفلسطينيين في فلسطين المحتلة، فضلا عن جريمة مدرسة بحر النظر في مصر، وتدمير مدينة القنيطرة السورية، وتدمير قرى جنوب لبنان، وتهجير أهلها والاعداد لسرقة مياه الليطاني. وانتقل ياسر عرفات إلى استعراض نضال الشعب العربي الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني والغزو الصهيوني، ثم استمرار هذا النضال بعد نكبة 1948 في شكل نضال سياسي من أجل حقوقه. وقال: “وعندما حالت آمال شعبنا بالأسرة الدولية التي نسبته وتغافلت عن حقوقه، وثبت لشعبنا عجز النضال السياسي وحده عن استعادة شبر أرض من وطنه، لجأ شعبنا إلى الثورة … وواجه شعبنا ببسالة ارهابا اسرائيليا لا يتخيله بشر ليثنيه عن طريق النضال. ومن خلال ثورة شعبنا المسلحة تبلورت قيادته السياسية، وترسخت مؤسساته الوطنية، وبنيت حركة التحرير الوطنية التي تضم كل فصائله وتنظيماته وقدراته التي جددتها منظمة التحرير الفلسطينية”. وأشار إلى تنوع أساليب النضال التي يمارسها الشعب الفلسطيني وتشمل النضال السياسي والاجتماعي بالاضافة إلى النضال المسلح. كما ينوه بقيام منظمة التحرير الفلسطينية بمآثر حضارية وثقافية فقال: “وكنا بذلك النقيض لعدونا الذي قام على هدم الحضارة والثقافة بترويج الأفكار العنصرية والاستعمارية وكل ما هو معاد للشعوب والتقدم والعدل والديمقراطية والسلام”. وأشار عرفات إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية اكتسبت شرعيتها “من طليعتها في التضحية، ومن قيادتها للنضال بكافة أشكاله، واكتسبتها من الجماهير الفلسطينية التي أولتها قيادة العمل واستجابت لتوجيهها، واكتسبتها من تمثيل كل فصيل ونقابة وتجمع وكفاءة فلسطينية في مجلسها الوطني ومؤسساتها الجماهيرية. وقد تدعمت هذه الشرعية بمؤازرة الأمة العربية كلها لها. كما تكرس هذا الدعم في مؤشر القمة العربي الأخير بتأكيد حق منظمة التحرير الفلسطينية في اقامة السلطة الوطنية المستقلة على كل الأراضي الفلسطينية التي يتم تحريرها، بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. كما أن شرعيتها تعمقت من خلال دعم الأخوة في حركات التحرر ودول العالم الصديقة المناصرة”. وخاطب عرفات ممثلي دول العالم قائلا: “فلنعمل معا على تحقيق الحلم في أن أعود مع شعبي … في ظل دولة واحدة ديمقراطية يعيش فيها المسيحي واليهودي والمسلم في كشف المساواة والعدل والاخاء. اذا عندما نتحدث عن أمالنا المشتركة من أجل فلسطين الغد، فنحن نشمل في تطلعاتنا كل اليهود الذين يعيشون الآن في فلسطين. ويقبلون العيش معنا في سلام، ودون تمييز، على أرض فلسطين”. وفي ختام خطابه وجه ياسر عرفات الكلمة إلى ممثلي دول العالم فقال: “انني، كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكقائد الثورة الفلسطينية، أتوجه اليكم أن تقفوا مع نضال شعبنا من أجل تطبيق حقه في تقرير مصيره، هذا الحق الذي كرسه ميثاق منظمتكم وأقرته جميعتكم الموقرة في مناسبات عديدة. وانني أتوجه اليكم، أيضا من أجل أن تمكنوا شعبنا من العودة من منفاه الاجباري الذي دفع اليه تحت خراب البنادق وبالعنف والظلم، ليعيش في وطنه ودياره وتحت ظلال أشجاره حرا سيدا متمتعا بكافة حقوقه القومية، ايشارك في ركب الحضارة البشرية، وفي مجالات الابداع الانساني بكل ما فيه من امكانات وطاقات، وليحمي قدسه الحبيبة كما فعل دائما عبر التاريخ، ويجعلها قبلة حرة لجميع الأديان بعيدا عن الارهاب واللهو. كما أتوجه اليكم بأن تمكنوا شعبنا من اقامة سلطته الوطنية المستقلة، وتأسيس كيانه الوطني على أرضه … لقد جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي … الحرب تدفع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين”. وقد أشارت الجمعية العامة في مقدمة قرارها رقم 3236 (تاريخ 22/11/1974) الخاص بحقوق الشعب الفلسطيني إلى هذا الخطاب واعتبرته مستندا للقرار حين قالت انها “استمعت إلى بين منظمة التحرير الفلسطينية الممثلة للشعب الفلسطيني” (رَ: الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني) وفي اليوم ذاته أصدرت الجمعية العامة أيضا قرار رقمه 3237 منحت فيه المنظمة مركز المراقب في الجمعية العامة. وهو أول حدث من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة (رَ: منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة).   المرجع:   مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الوثائق الفلسطينية العربية لعام 1974، بيروت 1976.