معاوية (أسطول -)

بعد أن فتح العرب المسلمون بلاد الشام، ومنها ثغر عكا*، وجدوا في هذا الميناء دور صناعة قائمة منذ العهد البيزنطي قعنوا بها حتى أصبحت أعظم مصانع السفن في تاريخ الاسلام البحري بعد دور مصر، الأمر الذي حدا بالخليفة الأموي معاوية* إلى استخدامها لانشاء الأسطول العربي الاسلامي. وكان في البلاد نفر غير قليل من السوريين الأورام الذين سبق لهم أن مارسوا الملاحة وشؤون البحر وبلغوا فيها من الحذق والمهارة شأوا كبيرا فاستعان بهم في تيسير ذلك الأسطول، ولا سيما أن جنده من عرب الجزيرة لم يكن لهم المام يذكر بركوب البحر والملاحة. ولم يكن لأبي بكر وعمر بن الخطاب* أية رغبة في أن يكون البحر فاصلا بينهم وبين جنودهم. وجاء الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان فأذن لمعاوية والي الشام بخوض البحر وفتح جزيرة قبرص القريبة من الشواطىء الشامية بعد أن كان عمر بن الخطاب قد منعه من ذلك. ولم يكتف معاوية بغزو قبرص بل سير أسطوله بعد أن اكتملت عدته شمالا لفتح القسطنطينية، وولى أمرته القائد يسر بن أرطاه واشترك معه الأسطول المصري بقيادة عبد الله بن أبي سرح. فالتقى الأسطولان بالأسطول البيزنطي بقيادة قسطنطين الثاني ابن هرقل على ساحل ليسيا جنوب غربي تركيا اليوم، واشتبكا في فينكس (فكي اليوم) عام 34هـ/654م فانتصر اسطول معاوية انتصارا هائلا في أول معركة بحرية عظيمة خاضها العرب، وذلك بأن ربطوا سفنهم الى السفن البيزنطية واثنين على جنود الأسطول البيزنطي ومشتبكين معهم بالسلاح الأبيض. ونظرا لتقارب صواري سفن الأسطولين العربي والبيزنطي عرفت هذه المعركة “بدأت الصواري” وغلبت فيها الدماء على سطح ماء البحر وطرحت الأمواج جثث القتلى. الا أن الهجوم على القسطنطينية توقف بسبب مصرع الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان وما تلاه من نزاع على الخلافة بين علي ومعاوية. ولما استتب الأمر لمعاوية عاد إلى حصار القسطنطينية بأسطوله بقيادة ابنه يزيد عام 49هـ/669م، أي بعد نحو خمسة عشر عاما من حضارها الأول. وكان يساند في هذا الحصار حملة برية بقيادة الصحابي فضالة بن عبيد الأنصاري. وكان الحصار قد بدأ في ربيع ذلك العام وانتهى في صيفه. وقامت أكثر المعارك البحرية بين ظاسطول معاوية والأسطول البيزنطي في مضيق البوسفور وبحر مرمرة. كان مقر أسطول معاوية جزيرة أرواد (سورية) . وكان بحارته يأوون اليها شتاء وينطلقون منها إلى بحر الروم ربيعا وصيفا. وفي عام 44هـ/664م والى هجماته في البحر المتوسط حتى بلغت جزيرة صقلية. كما تم له احتلال جزيرة رودس نهائيا عام 53ه/673م. وبعد سنتين تمكن من احتلال جزيرة كريت (اقريطش). وعند موت معاوية عام 60هـ/670 م انسحب أسطوله من البوسفور وبحر ايجة. الا أن غزواته استمرت بعد ذلك حتى انه عاود حصار القسطنطينية عام 98هـ/ 716 م ورسا محاذيا أسوارها المنيعة على طول شاطىء بحر مرمرة ومضيق البوسفور بعد أن أقفل المدخل المؤدي إلى القول الذهبي بسلسلة كانت حاجزا منيعا لم يعرف التاريخ لها مثيلا من قبل. ولكن انتشار وباء الطاعون وقساوة الشتاء واستخدام الروم النار اليونانية التي كانت تعمل فوق سطح الماء وتنزل الحرائق بسفن الأسطول العربي حالت دون فتح المدينة. وعند عودة هذا الأسطول هبت عليه العواصف العانية فحطمته ولم يصل من سفنه التي كانت تعد قرابة 1,800 سفينة الا القليل. وكان هذا آخر العهد بهذا الأسطول العظيم الذي كان لمعاوية الفضل الأول في انشائه.   المراجع:   البلاذري: فتوح البلدان، القاهرة 1319هـ. الطبري: تاريخ الرسل والملوك، القاهرة 1939. فيليب حتي: خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى، بيروت 1975. أنيس صايغ: الأسطول الحربي الأموي في البحر الأبيض المتوسط، بيروت 1956.