ماكدونالد (كتاب – الأبيض 1939)

بعدما لاحت فكرة تقسيم فلسطين* وتوتر الموقف العربي حيال تدفق المهاجرين من ألمانيا دخلت فلسطين في موجة من الاضطرابات كادت تصبح حرباً أهلية، وأصبحت القدس عملياً في قبضة الثوار. وكان ذلك في عام 1937 عندما لاح شبح الحرب العالمية الثانية في الأفق القريب. وعقدت اجتماعات على نطاق عال في البلاد العربية لمواجهة ما يجري في فلسطين، وأجرى وزير خارجية العراق اتصالات رسمية في لندن بوزارة الخارجية البريطانية لتصحيح الموقف. وفي تشرين الثاني 1939 نشر تقرير لجنة التقسيم فجاء سلبياً في أكثر مقولاته (رَ: وودهيد، لجنة). وبعد عرضه على البرلمان اقترح وزير المستعمرات البريطاني مالكولم ماكدونالد سلوك صلك جديد بدعوة الطرفين العربي واليهودي إلى لندن للدخول في مفاوضات والوصول إلى حل نهائي. وبات واضحاً أن الحكومة البريطانية توصلت إلى الاعتقاد بأن الوقت قد حان لحسم المشكلة حسماً قاطعاً. والظاهر أن الآراء أخذت تميل إلى أن انكلترا وفت بوعد بلفور* بالنسبة لليهود وأن فلسطين لم تعد تستوعب أكثر مما استوعبت بدون الاخلال بالشرط الثاني من الوعد المتعلق بحقوق غير اليهود. ونشرت لأول مرة مراسلات مكماهون مع الشريف حسين (رَ: الحسين – مكماهون، مراسلات)، واعترف الجانب البريطاني بأن نية العرب كانت أقوى, وصارت اعترافات مشابهة ترجح كفة الجانب العربي. بيد أن المفاوضات لم تؤد إلى نتيجة واضطر وزير المستعمرات في أيار 1939 إلى اتخاذ قرار إفرادي بإصدار بيان السياسة الإنكليزية في إطار كتاب أبيض استند على كتاب تشرشل الأبيض* الذي حدد في عام 1922 توازن الالتزامات لليهود والعرب. وكرر كتاب ماكدونالد الأبيض عزم بريطانيا على عدم إقامة دولة يهودية في فلسطين وعزمها على أن تقيم بعد عشر سنوات دولة فلسطينية يتقاسم فيها العرب واليهود المسؤولية والسلطة بما يحقق مصالح الطرفين. بيد أن ماكدونالد وقع في نفس المتاهة بهربه من النقطة الرئيسة، وهي مسألة الحكم، وتحاشيه تحديد هوية السلطة التشريعية المنتخبة التي ستقرر مصير البلاد، وتركه الموضوع للاتفاق بين الجانبين. وغاص الكتاب الأبيض في العبارات الغامضة في هذا الشأن فعلق الفكرة على “الرأي العام الفلسطيني” و”الظروف المحلية المؤاتية لتأسيس الجهاز اللازم”. تبين هذا الكتاب الأبيض موضوع الهجرة اليهودية فحددها بعشرة آلاف مهاجر سنوياً لمدة خمس سنوات بالإضافة إلى 25.000 لاجىء (مهاجر يهودي) يسمح لهم بالدخول فوراً. وكل ذلك حسب ما تسمح به الظروف الاقتصادية. وبعد هذه الفترة تتوقف الهجرة على موافقة العرب. ويتم ذلك بشرط ألا تزيد نسبة اليهود النهائية على ثلث السكان. وعند هذا الحد تنتهي مهمة انكلترا بالنسبة إلى “إقامة الوطن القومي اليهودي”. وأما فيما يتعلق بالأرض فتقرر منع البيع نهائياً، أو تقييده بمناطق معينة يحددها المندوب السامي البريطاني حسب رأيه. قابل العرب الكتاب الأبيض بمزيج من ردود الفعل، ولكنهم كانوا أقرب إلى الرضى به. ورغم قبول الكثيرين لرقم الهجرة المحدد فقد عند أنصار الحاج محمد أمين الحسيني* قبول ذلك خيانة. واحتج العرب بصورة خاصة على السماح ببيع الأراضي لليهود في مناطق مختلفة، ولا سيما أن سياسة الوكالة اليهودية* في شراء الأراضي تقوم على أسس استراتيجية لإحكام قبضتها على جميع فلسطين. وأبدى العرب شكوكهم في ندوة بريطانيا على معالجة الهجرة اللاشرعية رغم تأكيد الكتاب الأبيض على تخفيض عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين لا يمكن إخراجهم من البلاد من المجموع المخصص للسنة المعينة. وبالرغم من أن الكتاب ترك موضوع المصير النهائي لفلسطين مرة أخرى معلقاً بإرادة اليهود لا بمجلس تشريعي منتخب فقد ارتاح العرب لفكرة تحديد الهجرة ووضع حد نهائي لنسبة اليهود في فلسطين. أما الصهيونيون فقد أصيبوا بصدمة كبيرة لتحديد الهجرة فنعتوا الكتاب الأبيض بالكتاب المخزي واعتبروه حنثاً بالوعود المقطوعة لهم وخرقاً لشروط الانتداب، وقاموا بأعمال عنيفة ضد السلطات البريطانية في فلسطين والخارج. وفي اجتماع هام عقدوه في فلسطين أقسموا اليمين على مقاومة الكتاب الأبيض بأي ثمن. واستشاط وايزمن غيظاً بصورة شخصية لأنه كان يعتبر مالكولم ماكدونالد صديقه الحميم الذي ساعده كثيراً في الضغط على والده ومتري ماكدونالد ونقل الأخبار إليه. كان العنصر الأساسي الذي حمل الحكومة البريطانية على حسم الموضوع بهذا الشكل هو شبح الحرب وحاجة بريطانيا فيها إلى العرب ونفطهم وبلادهم. وكما لاحظ كرستوفر سايكس فإن انكلترا أدركت ان لاختيار لليهود غير محالفتها في حين كان للعرب خيار محالفة ألمانيا. ثم أضاف أن ماكدونالد ضمن فعلاً الحصول على هدوء العرب وتعاونهم طوال الحرب.وأما الصهيونيون فقد تكلم عنهم بن غوريون بقوله “سنحارب مع بريطانيا في هذه الحرب كما لو لم يكن هناك كتاب أبيض، وسنحارب الكتاب الأبيض كما لو لم تكن هناك حرب”. وبعد الحرب انتهى مفعول الكتاب الأبيض عندما أصر الصهيونيون بتأييد من أمريكا، على ادخال مائة ألف لاجىء الى فلسطين وأصرت انكلترا على التمسك بكتاب ماكدونالد. وكانت المحنة التي أدت الى انسحاب بريطانيا وتقسيم فلسطين.   المراجع:   حسن صبري الخولي: سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين، القاهرة 1970. Barbour, N.: Nisi Dominus: Great Britain and Palestine London Command Paper, Cnd 6019, 1939. Information Papers No 20, Royal Institute of International Affairs, 1946. Sykes, C.: Cross Roads to Israel, London