كامب ديفيد

أ- التمهيد: في 9/11/1977 ألقى الرئيس المصري أنور السادات خطاباً أمام مجلس الشعب المصري أعلن فيه استعداده لزيارة (إسرائيل) والقاء خطاب أمام الكنيست* والتباحث مع المسؤولين الإسرائيليين لإيجاد تسوية عادلة وشاملة لأزمة الشرق الأوسط. وفي 11/11/1977 أعلن مناحيم بيغن رئيس وزراء (إسرائيل) توجيه بمبادرة السادات ووجه إليه عن طريق السفارة الأمريكية دعوة رسمية لزيارة فلسطين المحتلة. وفي الفترة بين 19-21/11/1977، ورغم دهشة العالم واستنكار الأمة العربية،قام السادات بزيارة القدس المحتلة حيث ألقى أمام الكنيست خطاباً عرض فيه وجهة نظره في النزاع العربي – الإسرائيلي وضمنه بعض اقتراحات لتسوية هذا النزاع. كما أجرى مباحثات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية وعدد من رؤساء الكتل البرلمانية في الكنيست. وفي هذه الزيادة تبدى موقف السادات من خلال الأسس التالية: 1) استبعاد فكرة الحرب كوسيلة لحل الصراع العربي -الإسرائيلي، والتعبير عن رغبة الشعب المصري في السلام وصدق نيته في تحقيقه، واعترافه بوجود (إسرائيل) وقبولها في المنطقة في ظل سلام عادل ودائم. 2) ابداء الاستعداد لتقديم كافة الضمانات المطلوبة لتحقيق أمن (إسرائيل)، على أن تكون هذه الضمانات متبادلة. 3) تأكيد ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي العربية المحتلة بعد حزيران 1967 بما في ذلك القدس العربية والاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه في العودة وإقامة دولته. أما الموقف الإسرائيلي فقد تم التعبير عنه في الكلمات التي ألقاها رئيس الوزراء وكبار المسؤولين الإسرائيليين خلال الزيارة. ويمكن إجمال عناصره فيما يلي: 1) إبراز الحق الديني والتاريخي والقانوني لليهود في أرض فلسطين استناداً إلى النصوص الدينية وحجة الحق التاريخي مع الإشارة إلى تزايد اعتراف دول العالم بهذا الحق. 2) التحدث عن ماهية السلام الذي تريده (إسرائيل) وكيفية ضمانه، وعن حدود العلاقات الطبيعية أو مظاهرها من اعتراف دبلوماسي وتبادل اقتصادي وحدود مفتوحة. 3) المطالبة بأن يتم تحقيق هذا السلام بواسطة معاهدة تنتج عن مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة مع أطراف الصراع الأخرى، أي سورية والأردن ومن أسمتهم (إسرائيل) ممثلين حقيقيين للشعب الفلسطيني ب- المؤتمر التحضيري في القاهرة: تم الاتفاق، نتيجة لزيارة القدس، على عقد مؤتمر تحضيري لتسوية المسائل الإجرائية ووضع أسس الحل المرتقب. وفي 26/11/1977 وجهت مصر الدعوات إلى كل من (إسرائيل) والأردن وسورية ومنظمة التحرير الفلسطينية* ولبنان بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة لحضور هذا المؤتمر التحضيري في القاهرة في 14/12/1977. ولكن من شاركوا في المؤتمر فعلاً كانوا مصر و(إسرائيل) والولايات المتحدة والأمم المتحدة. فقد رفضت الدول العربية والاتحاد السوفياتي الدعوة من أساسها. أبرزت المصادر المصرية والإسرائيلية برؤية كل من البلدين للمؤتمر كالتالي: ذكرت المصادر الإسرائيلية أن وفدها إلى القاهرة لا يملك الصلاحيات لعرض اقتراحات حل وسط من أي نوع على مصر في هذه المرحلة وأن مهمته “فنية أساساً، وهي مقارنة مواقف الانطلاق المصرية والإسرائيلية واقتراح نسق إجرائي لمواصلة المفاوضات بين الدولتين بشأن المسائل المختلف عليها. فالمستوى السياسي المسؤول هو وحده صاحب الصلاحية في الوصول إلى اتفاقات على أساس حلول وسطى”. ولم تستبعد المصادر الإسرائيلية فكرة التسوية المنفردة وأقرت بأنها تشكل أحد الأهداف المطروحة أمام الوفد الإسرائيلي إذا تمكن من إقناع مصر بذلك. أما الوفد المصري فقد حدد رؤية حكومته لموضوعات البحث في النقاط الخمس الآتية: 1) انسحاب (إسرائيل) الكامل من الأراضي العربية التي احتلت بعد حزيران 1967. 2) اعتبار القضية الفلسطينية جوهر النزاع في الشرق الأوسط وترتيب السلام الدائم على حل هذه القضية بإعادة الحقوق “المشروعة” للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في إقامة دولته. 3) أن يكون الحل الشامل هو الاطار العام للمباحثات. 4) إيجاد تصور مشترك يكفل الأمن لكل الأطراف. 5) العمل على سير خطوات المؤتمر بالمرونة التي تتيح انضمام أي أطراف في أية مرحلة من مراحل المؤتمر، وبالقدر الذي يسمح برفع مستوى التمثيل فيه إذا ما اقتضت الظروف بذلك. وقد ظهر من سير المحادثات التي تمت على مستوى المندوبين المفوضين أن ثمة خلافاً أساسياً بين الطرفين حول جدول الأعمال الذي ترك مفتوحاً أصلاً. فمصر اقترحت أن يتضمن الانسحاب والقضية الفلسطينية وطبيعة السلام ومكوناته. وأما (إسرائيل) فطالبت بأن يتركز البحث حول طبيعة السلام من خلال نصوص مقترحة لاتفاقية سلام بين (إسرائيل) ومصر. أدى هذا الخلاف بين الطرفين إلى تجميد أعمال المؤتمر بعد أن أعلن عن اتفاق لعقد لقاء في مصر بين السادات وبيغن. وفي هذا الاطار قام وزير الدفاع الإسرائيلي عزرا وايزمان  بزيارة خاطفة لمصر يوم 20/12/1977 أجرى خلالها محادثات مع السادات وزير دفاعه. ج- مشروع مناحيم بيغن: في 25/12/1977 التقى السادات بيغن في مدينة الاسماعيلية. وفي هذا اللقاء تم رسمياً طرح مشروع بيغن لتسوية، وهو المشروع الذي أعلنه بيغن فيما بعد رسمياً أمام الكنيست في 28/12/1977. ويشكل هذا المشروع في الواقع أهم ما جاء في اتفاقيتي كامب ديفيد وينقسم إلى جزئين: الأول يتعلق بمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة ويشمل الثاني قواعد التسوية مع مصر. ويقترح المشروع في جزئه الأول “تشكيل حكم ذاتي إداري لسكان “يهودا والسامرة” وقطاع غزة يشترك فيه العرب على الأسس التالية: 1) إلغاء الحكم العسكري في “يهودا والسامرة” وقطاع غزة. 2) إقامة حكم ذاتي إداري فيها السكان العرب بواسطة المقيمين ومن أجلهم. 3) انتخابات سكان تلك المناطق مجلساً إدارياً من 11 عضواً يعمل بموجب المبادىء المحددة في هذه الوثيقة”. ثم يحدد هذا الجزء من المشروع القواعد المنظمة لعمليات الانتخاب والترشيح بالإضافة إلى اختصاصات المجلس الإداري التي لا تتعدى في مجملها الاختصاصات التقيلية للمجالس البلدية، بينما يعهد بشؤون الأمن والنظام العام إلى السلطات الإسرائيلية. كما تنص المقترحات على منح سكان الضفة الغربية وغزة حتى الاختيار بين الجنسيتين الإسرائيلية والأردنية وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات سياسية ومدنية، ولا سيما حق الإسرائيليين في امتلاك أراض في تلك المناطق مقابل منح الحق نفسه للعرب الذين يختارون الجنسية الإسرائيلية بالنسبة إلى (إسرائيل). وأخيراً تنص مقترحات بيغن على تمسك (إسرائيل) بسيادتها على “يهودا والسامرة” وغزة وتطالب “إدراكاً منها لوجود مطالب أخرى” -على حد تعبيرها-بانتقاء مسألة السيادة في تلك المناطق مفتوحة. وبالنسبة إلى القدس تنص وثيقة بيغن على أنه “فيما يتعلق بادارة الأماكن المقدسة للديانات الثلاث في القدس يعد ويقدم اقتراح خاص يضمن حرية وصول أبناء جميع الديانات إلى الأماكن المقدسة الخاصة بهم”. أما الجزء الثاني من مشروع بيغن فقد تناول أسس التسوية مع مصر وتتضمن ما يلي: 1) أن تجرد مناطق معينة من سيناء من السلاح ولا يجتاز الجيش المصري الممرات ويستمر سريان اتفاق خفض القوات في المنطقة المحصورة بين الممرات وقناة السويس. 2) أن تبقى المستعمرات الاسرائيلية في أماكنها ووضعها القائم وتكون مرابطة بالإدارة والقضاء الإسرائيلييين وتقوم بالدفاع عنها قوات إسرائيلية. 3) أن تحدد فترة انتقالية لعدد من الستين يرابط خلالها الجيش الإسرائيلي وسط سيناء مع ابقاء مقترحات وأجهزة انذار إسرائيلية إلى حين انتهاء الفترة الانتقالية والانسحاب إلى الحدود الدولية. 4) ضمان حرية الملاحة في مضائق تيران واعتراف الدولتين في اعلان خاص بأن هذه المضائق هي ممر مائي يجب أن يكون مقترحا للملاحة لأي سفينة وتحت أي علم، سواء بوساطة قوة تابعة للأمم المتحدة لا يمكن سحبها إلا بموافقة الدولتين وبناء على قرار بالاجماع لمجلس الأمن، أو بوساطة دوريات عسكرية مصرية – إسرائيلية مشتركة. استغرقت مباحثات الاسماعيلية ثلاث جلسات وانتهت يوم 26/12/1977 بمؤتمر صحفي أعلن فيه الطرفان آراهما فيما دار من نقاش. ولكن لم يصدر بيان مشترك عن المباحثات واعتبر ذلك مؤشراً إلى وجود خلافات كبيرة في الرأي. وقد اكتفى الطرفان باعلان اتفاقهما على عدة قرارات إجرائية منها رفع مستوى التمثيل في مؤتمر القاهرة إلى المستوى الوزاري وتشكيل لجنتين في اطار المؤتمر ترفعان قراراتهما اليه: “لجنة عسكرية يترأسها وزيراً دفاع الطرفين بالتناوب، وتعقد اجتماعاتها في القاهرة، ولجنة سياسية يترأسها وزيراً الخارجية بالتناوب وتعقد اجتماعاتها في القدس. وبناء على ذلك عقد مؤتمر القاهرة جلسة ختامية مساء اليوم نفسه أعلن فيها رفع مستوى التمثيل وتأجيل أعمال المؤتمر إلى أجل غير مسمى انتظاراً لنتائج أعمال اللجنتين السياسية والعسكرية. د- الموقف الأمريكي: اتخذ المسؤولين الأمريكيون بعد لقاء الاسماعيلية موقعا يمكن اعتباره امتداداً لموقفهم منذ مبادرة السادات إلى زيارة فلسطين المحتلة، وهو الحرص على تحديد الدور الأمريكي باعتباره وساطة لا مشاركة وتشجيع الأطراف المعنية على الوصول إلى تفاهم بينهم مع الاحتفاظ بالمساندة التقليدية القوية (لإسرائيل). فقد أعرب المسؤولون الأمريكيون عن رضاهم عن نتائج لقاء الاسماعيلية، ولا سيما استمرار المباحثات، كما أشاروا إلى أن خطة بيغن للسلام نقطة بداية. وفي الوقت نفسه يبدأ موقف الولايات المتحدة من منظمة التحرير الفلسطينية ويزداد تصلباً ونقلت الصحف تصريحاً لبرجنسكي مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي قال فيه: “وداعاً لمنظمة التحرير”. كما نقلت نقداً شديداً للمنظمة على لسان الرئيس الأمريكي. وقد أدت هذه التصريحات الأمريكية إلى رد فعل عنيف لدى الدول العربية، حتى ان الرئيس المصري أعرب عن دهشته وخيبة أمله تجاهها. وعلى أثر ذلك أعرب كارتر عن استعداده للقيام بزيارة سريعة لمصر ضمن جولته في المنطقة. وتقرر بالفعل أن يلتقي السادات في أسوان صباح 4/1/1978 وهو في طريق عودته من السعودية إلى فرنسا. وبعد لقاء استغرق ساعتين أدلى الرئيسان ببيانين موجزين. وقد ضمن كارتر بيانه المبادىء الأساسية التي يؤمن بأنها السبيل إلى التوصل للسلام الدائم العادل، وهي: 1) يجب أن يقوم السلام الحقيقي على أساس علاقات طبيعية عادية بين الأطراف التي سيتحقق فيما بينها، فالسلام يعني أكثر من مجرد انهاء حالة الحرب. 2) يجب أن يكون هناك حل للمشكلة الفلسطينية بكل جوانبها كما يجب الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وتمكين الفلسطينيين من المشاركة في تقرير مصيرهم. ودعا كارتر الأطراف الى ابداء مزيد من المرونة لضمان نجاح المباحثات وإيجاد حل وسط بين الآراء المتعارضة. وقد لوحظ على تصريحات كارتر هذه أنها لم تتضمن ذكر الانسحاب الإسرائيلي الشامل ولا هو عدل عن معارضته لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة. كما أنه تجاهل الإشارة إلى ماهية الفلسطينيين المقصود تمكينهم من المشاركة في تقرير مصيرهم. وقد تأكدت هذه المواقف السلبية للولايات المتحدة في تصريحات مماثلة ومتتالية نقلت عن المسؤولين الأمريكين في الأيام التالية لزيارة كارتر لأسوان. ومن جهة أخرى واجهت اللجنتان السياسية والعسكرية اللتان تم انشاؤهما في الاسماعيلية صعوبات جمة أدت في النهاية إلى وقف أعمالهما رغم المساعي الأمريكية المكثفة لتنشيطهما. ولكن تقرر بقاء ألفرد أثرتون مساعد وزير الخارجية الأمريكية في المنطقة ليقوم برحلات “مكوكية” بين القاهرة والقدس لحث الطرفين على استئناف المفاوضات. كما وجهت واشنطن الدعوة إلى السادات لزيارتها والتشاور مع الرئيس كارتر. وقد تمت الزيارة فعلاً وأدت إلى حمل السادات على استنئاف المفاوضات والعمل على تجنب التغيرات الدبلوماسية المفاجئة (مثلما حدث عندما استدعى وفده من القدس). والعودة الى الدبلوماسية الهادئة والتخلي عما أسمي دبلوماسية التلفزيون (أي دبلوماسية التصريحات العلنية المثيرة)، مع التشديد على أن الولايات المتحدة ستستمر في تحديد دورها في عملية صنع السلام وتظل ممتنعة عن ممارسة ضغوط قوية على (إسرائيل). بل أكد البيان المشترك الصادر عن زيارة السادات لواشنطن “استمرار التزام الولايات المتحدة التاريخي بأمن إسرائيل”. استمر ألفرد أثرتون في رحلاته المكوكية بين القاهرة والقدس. وحملت الأنباء أسئلة وجهها إلى الطرفين وإجاباتهما عليها. وقد تعلق معظمها بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. وبدا واضحاً مما تشر من هذه الأنباء أنه كلما اشتد التعنت في الموقف الإسرائيلي ازدادت تنازلات السادات، وأن الرئيس المصري، مع تمسكه الظاهري. بموقف متردد حيال القضية الفلسطينية، غدا أكثر استعداداً لاعلان نيته بالتوصل إلى حل ثنائي مع (إسرائيل) يركز بالدرجة الأولى على وضع سيناء بشرط أدنى بكثير مما طرحه أمام الكنيست الإسرائيلية أو أعلنه مندوبوه في المفاوضات التالية. تتابعت أثناء ذلك لقاءات الرئيس السادات وعدد من المسؤولين الإسرائيليين في فيينا وسالزبورغ، كما اجتمع بعدد من زعماء الأحزاب الأوروبية المشاركة في الدولية الاشتراكية. وفي نهاية لقاءات سالزبورغ عقد لقاء مفاجىء بين السادات وعزرا وايزمان تم فيه الاتفاق على تحديد اللقاء المصري – الإسرائيلي. هـ- مؤتمر ليدز في بريطانيا: ثم هذا اللقاء في قلعة ليدز البريطانية يوم 18/7/1978 وأحيط سير المناقشات فيه بتكتم شديد. ولكن سرعان ما بدا واضحاً أن هذا اللقاء لم يحدث ما كان مرجوا منه. فقد تمسك الجانب الإسرائيلي بمواقفه المعلنة المتصلبة ولم تفلح محاولات الوفد المصري تقديم مزيد من التنازلات في زحزحته. وكثفت الولايات المتحدة الأمريكية جهودها لدفع عجلة التسوية إلى الأمام. وبعد فشل الجهود المبذولة على مستوى الوزراء والمبعوثين المتجولين لجأت واشنطن إلى طرح فكرة الدعوة إلى قمة ثلاثية تضم كارتر وبيغن والسادات وتعقد في 5/9/1978 كمحاولة أخيرة للتوصل إلى حل للأزمة، فكان مؤتمر كامب ديفيد. و- مؤتمر كامب ديفيد: استمرت القمة الثلاثية في منتجع “كامب ديفيد” ثلاثة عشر يوماً (5-18/9/1978) وشهدت مفاوضات وصفت بأنها شاقة ومتعبة وكادت تفشل أكثر من مرة. وقد شارك في هذه المفاوضات بالإضافة إلى الرؤساء الثلاثة كارتر والسادات وبيغن وزراء خارجيتهم وكبار مستشاريهم السياسيين والعسكريين والقانونيين. ولكن القرارات الحاسمة اتخذت من قبل الرؤساء وحدهم. وهذا يصدق بالدرجة الأولى على القرار المصري الذي حسمه الرئيس السادات بنفسه، بدليل استقالة وزير خارجيته عقب الاعلان عن مقررات القمة احتجاجا عليها، وكان ثالث وزير خارجية مصري يستقبل منذ اعلان السادات عزمه على زيارة القدس. في يوم 18/9/1978 أعلن الرؤساء الثلاثة اتفاقهم على وثيقتين أساسيتين معلنتين (اتفاقيتين) سميت الأولى “إطار عمل للسلام في الشرق الأوسط” وجاءت الثانية تحت عنوان “إطار عمل لعقد معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل”. وقد وقع الوثيقتين كل من السادات وبيغن كطرفين وكارتر كشاهد. وهذا تخريج غاية في الغرابة من الناحية القانونية لاشراك واشنطن سياسياً في وثيقتين قانونيتين. وقد أعلن مع الوثيقتين الأساسيتين عن مجموعة من الرسائل المتبادلة بين كارتر والسادات من جهة، وكارتر وبيغن من جهة أخرى. ز- مقدمة الاتفاقية الأولى “إطار عمل للسلام في الشرق الأوسط”: تبدأ الاتفاقية بمقدمة مطولة أكد فيها الفريقان بصورة خاصة: “أن البحث عن السلام في الشرق الأوسط يجب أن يسترشد بالآتي: “إن القاعدة المتفق عليها للتسوية السلمية للنزاع بين إسرائيل وجيرانها هو قرار مجلس الأمن رقم 242 بكل أجزائه…. “…ان شعوب الشرق الأوسط تتشوق إلى السلام حتى يصبح ممكنا تحويل موارد الاقليم البشرية والطبيعية الشاسعة لمتابعة أهداف السلام وتصبح هذه المنطقة نموذجا للتعايش والتعاون بين الأمم . “….وإن مواد ميثاق الأمم المتحدة والقواعد الأخرى المقبولة للقانون الدولي والشرعية الآن توفر مستويات مقبولة لسير العلاقات بين جميع الدول، وإن تحقيق علاقة سلام وفقاً لروح المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة وإجراء مفاوضات في المستقبل بين إسرائيل وأي دولة مجاورة مستعدة للتفاوض بشأن السلام والأمن معها أمران ضروريان لتنفيذ جميع القيود والمبادىء في قراري مجلس الأمن رقم 242 و338… “.. إن السلام يتطلب احترام السيادة والوحدة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة وحقها في العيش في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها غير متعرضة لتهديدات أو أعمال عنف. “…وإن السلام يتعرز بعلاقة السلام والتعاون بين الدول التي تتمتع بعلاقات طبيعية…وبالإضافة إلى ذلك فإنه في ظل معاهدات السلام يمكن للأطراف على أساس التبادل الموافقة على ترتيبات أمن خاصة، مثل مناطق مشروعة السلاح ومناطق ذات تسليح محدود ومحطات إنذار مبكر ووجود قوات دولية وقوات اتصال وإجراءات يتفق عليها للمراقبة. “…إن الأطراف تضع هذه العوامل في الاعتبار مصممة على التوصل إلى تسوية عادلة شاملة ومستديمة لصراع الشرق الأوسط عن طريق عقد معاهدات سلام تقوم على قراري مجلس الأمن رقم 242 و338 بكل فقراتهما. وهدفهم من ذلك هو تحقيق السلام وعلاقات حسن الجوار، وهم يدركون أن السلام لكي يعمر يجب أن يشمل جميع هؤلاء الذين تأثروا بالصراع أعمق تأثر… “لذا فإنهم يتفقون على أن هذا الاطار في رأيهم مناسب ليشكل أساساً للسلام، لا بين مصر وإسرائيل فحسب بل بين إسرائيل وكل من جيرانها الآخرين ممن يبدون استعداداً للتفاوض على السلام معها على هذا الأساس…”. ح- اتفاقية “إطار عمل للسلام في الشرق الأوسط”: “ينبغي أن تشترك مصر وإسرائيل والأردن وممثلو الشعب الفلسطيني في المفاوضات الخاصة بحل المشكلة الفلسطينية بكل جوانبها. ولتحقيق هذا الغرض فإن المفاوضات المتعلقة بالضفة الغربية وغزة ينبغي أن تتم عى ثلاث مراحل”: في المرحلة الأولى “تتفق مصر وإسرائيل على أنه، من أجل ضمان نقل منظم وسلمي للسلطة مع أخذ الاهتمامات بالأمن من جانب كل الأطراف بعين الاعتبار، يجب أن تكون هناك ترتيبات انتقالية بالنسبة إلى الضفة الغربية وغزة لفترة لا تتجاوز الخمس سنوات. ولتوفير حكم ذاتي كامل لسكان الضفة الغربية وغزة ستنسحب الحكومة الإسرائيلية العسكرية وإداراتها المدنية منهما فوراً بعد أن يتم انتخاب سكان هذه المناطق سلطة حكم ذاتي تحل محل الحكومة العسكرية الحالية. ولمناقشة تفاصيل الترتيبات الانتقالية ستدعى حكومة الأردن للانضمام إلى المباحثات على أساس هذا الإطار. ويجب أن تعطي هذه الترتيبات الجيدة الاعتبار اللازم لكل من مبدأ حكم الذات لسكان هذه الألاراضي واهتمامات الأمن الشرعية لكل من الأطراف التي يشملها النزاع”. وفي المرحلة التالية “نتفق مصر وإسرائيل والأردن على وسائل إقامة سلطة الحكم الذاتي المنتخبة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد يضم وفد مصر والأردن ممثلي الضفة الغربية وقطاع غزة أو فلسطين آخرين طبقاً لما يتفق عليه. وستتفاوض الأطراف بشأن اتفاقية تحديد مسؤوليات سلطة الحكم الذاتي التي ستمارس في الضفة الغربية وغزة. وسيتم انسحاب للقوات المسلحة الإسرائيلية ويكون هناك إعادة توزيع للقوات الإسرائيلية التي ستبقى في مواقع أمن معينة. وستتضمن الاتفاقية أيضاً ترتيبات لتأكيد الأمن الداخلي والخارجي والنظام العام”. كذلك “سيتم تشكيل قوة شرطة محلية قوية قد تضم مواطنين أردنيين. وبالإضافة إلى ذلك ستشترك القوات الإسرائيلية والأردنية في دوريات وفي تقديم الأفراد لتشكيل مراكز مراقبة لضمان أمن الحدود”. أما الفترة الانتقالية ذات السنوات الخمس – وهي المرحلة الثالثة – فتبدأ “عندما تقوم سلطة حكم ذاتي (مجلس إداري) في الضفة الغربية وغزة في أسرع وقت ممكن، على ألا يتأخر قيامها عن العام الثالث لبداية الفترة الانتقالية. وستجري المفاوضات لتحديد الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة وعلاقاتهما مع جيرانهما وإبرام معاهدة سلام بين إسرائيل والأردن بحلول نهاية الفترة الانتقالية. وستدور هذه المفاوضات بين مصر وإسرائيل والأردن والممثلين المنتمين إلى سكان الضفة الغربية وغزة”. وبموجب الوثيقة الخاصة بالضفة والقطاع اتفق أيضاً على انعقاد لجنتين منفصلتين إحداهما تتكون “من ممثلي الأطراف الأربعة التي ستتفاوض وتوافق على الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة وعلاقاتهما مع جيرانهما” والثانية من “ممثلي إسرائيل والأردن ويشترك فيها ممثلو السكان في الضفة الغربية وغزة للتفاوض بشأن معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن. وستضع هذه اللجنة في تقديرها الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن الضفة الغربية وغزة. وستتركز المفاوضات على أساس جميع نصوص ومبادىء قرار مجلس الأمن رقم 242”. وستقرر هذه المفاوضات فيما تقرر “موضع الحدود وطبيعة ترتيبات الأمن … ويجب أن يعترف الحل الناتج عن المفاوضات بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة. وبهذا الأسلوب سيشترك الفلسطينيون في تقرير مستقبلهم من خلال: 1) أن يتم الاتفاق في المفاوضات بين مصر وإسرائيل والأردن وممثلي السكان في الضفة الغربية وغزة على الوضع النهائي للضفة الغربية وغزة والمسائل البارزة الأخرى بحلول نهاية الفترة الانتقالية. 2) أن يعرضوا اتفاقهم على ممثلي سكان الضفة الغربية وغزة لتصويت عليه. 3) إتاحة الفرصة للممثلين المنتخبين عن السكان في الضفة الغربية وغزة لتحديد الكيفية التي سيحكمون بها أنفسهم تمشياً مع نصوص الاتفاق. 4) المشاركة كما ذكر أعلاه في عمل اللجنة التي تتفاوض بشأن معاهدة السلام بين إسرائيل والأردن”. ورغم كل ما في هذه النصوص من ضمان “لإسرائيل وأمنها” تمضي الوثيقة الخاصة بالضفة والقطاع لتضيف المزيد. فهي تنص على أن “يتم اتخاذ كل الإجراءات والتدابير الضرورية لضمان أمن إسرائيل وجيرانها خلال الفترة الانتقالية وما بعدها. وللمساعدة على توفير مثل هذا الأمن ستقوم سلطة الحكم الذاتي بتشكيل قوة قادرة من الشرطة المحلية تجند من سكان الضفة والقطاع”. وستكون قوة الشرطة على اتصال مستمر بالضباط الإسرائيليين والأردنيين والمصريين المعينين لبحث الأمور المتعلقة بالأمن الداخلي. أما عن السكان العرب الذين طردوا من الضفة الغربية وغزة في عام 1967 فقد قرر أرباب كامب ديفيد أن يشكل ممثلو مصر و(إسرائيل) والأردن وسلطة الحكم الذاتي خلال الفترة الانتقالية لجنة تعقد جلساتها باستمرار وتقرر بالاتفاق مدى السماح بعودة هؤلاء العرب “مع اتخاذ الاجراءات الضرورية لمنع الاضطراب. ويجوز أيضاً لهذه اللجنة أن تعالج الأمور الأخرى ذات الاهتمام المشترك” وستعمل مصر و(إسرائيل) معاً ومع الأطراف الأخرى المهتمة لوضع إجراءات متفق عليها للتنفيذ العاجل والعادل والدائم لحل مشكلة اللاجئين. ط- اتفاقية “إطار لإبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل”: أما الوثيقة الخاصة بالسلام بين مصر و(إسرائيل) فقد نصت على التفاوض بين الطرفين لتحقيق انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء على مرحلتين: المرحلة الأولى انسحاب يتم في فترة تراوح بين ثلاثة وتسعة شهور بعد توقيع معاهدة الصلح المصرية – الإسرائيلية* التي يجب أن توقع في غضون ثلاثة أشهر. وأما المرحلة الثانية فيتم فيها الانسحاب الإسرائيلي النهائي من سيناء خلال فترة تراوح بين عامين أو ثلاثة أعوام من تاريخ توقيع معاهدة السلام. وتقضي الوثيقة فيما تقضي بإقامة علاقات طبيعية بين مصر (وإسرائيل) عند اتمام الانسحاب في المرحلة الأولى. وتحدد الوثيقة مرابطة قوات الجانبين بعد توقيع معاهدة السلام المرتقبة. وقد كانت مبادىء هذه الوثيقة الأسس التي انبتت عليها معاهدة الصلح التي وقعها الجانبان في واشنطن بتاريخ 26/3/1979. لم ينس المتفاوضون في كامب ديفيد أن يلبوا المطالب الإسرائيلية بأن تكون المبادىء التي أرسوها في اتفاقهم أساساً للتفاوض المرتجى بين (إسرائيل) والأطراف العربية الأخرى فألحقوا بوثائق المؤتمر عدداً من البنود الخطيرة منها أن “على الموقعين أن يقيموا فيما بينهم علاقات طبيعية كذلك القائمة بين الدول التي تعيش في سلام. وعند هذا الحد ينبغي أن يتعهدوا بالالتزام بنصوص ميثاق الأمم المتحدة. ويجب أن تشتمل الخطوات التي تتخذ في هذا الشأن على: 1) اعتراف كامل. 2) إلغاء المقاطعة الاقتصادية 3) ضمان تمنع المواطنين في ظل السلطة الفضائية بحماية الاجراءات القانونية في اللجوء إلى القضاء. كذلك “يجب على الموقعين استكشاف إمكانيات التطور الاقتصادي في إطار اتفاقيات السلام النهائي بهدف المساهمة في صنع جو السلام والتعاون والصداقة التي تعتبر هدفاً مشتركاً لهم”. كما “يجب إقامة لجان للدعاوى القضائية للحسم المتبادل لجميع المطالب القضائية المالية”. أما تنفيذ اتفاق كامب ديفيد فقد جعل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية أولاً فاتفق الطرفان المتعاقدان على أن تدعى الولايات المتحدة للاشتراك في المحادثات بشأن موضوعات متعلقة بشكليات تنفيذ الاتفاقيات وإعداد جدول زمني لتنفيذ تعهدات الأطراف. وأما مجلس الأمن الدولي فسيطلب إليه “المصادقة على معاهدات السلام وضمان عدم انتهاك نصوصها”. كما “سيطلب إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التوقيع على معاهدات السلام وضمان احترام نصوصها…” وسيطلب إليهم كذلك “مطابقة سياستهم وتصرفاتهم مع التعهدات التي يحتويها هذا الاطار”. ي- الرسائل الملحقة بالاتفاقيتين: أما الرسائل المتبادلة بين أرباب كامب ديفيد فقد كانت حول عدد من الموضوعات. 1) الرسالة الأولى: حررها الرئيس السادات إلى الرئيس كارتر وحاول فيها تسجيل موقفه “من الوضع القانوني لمدينة القدس العربية من حيث ضرورة اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الضفة الغربية ووجوب احترام وإعادة الحقوق العربية الشرعية والتاريخية إلى المدينة واعتبارها تحت السيادة العربية، على أن تتوافر لجميع الشعوب حرية الوصول إلى القدس وممارسة الشعائر الدينية وحق زيارة الأماكن المقدسة بدون أي تمييز أو تفرقة”. ولم يمانع السادات في وضع الأماكن المقدسة لكل دين من الأديان الثلاثة تحت إدارة واشراف ممثلي هذا الدين. كما دعا إلى عدم تقسيم المدينة مع موافقته على إقامة مجلس بلدي مشترك يتكون من عدد متساو من كل من العرب والإسرائيليين. 2) الرسالة الثانية: موجهة من بيغن إلى كارتر، وقد رفض فيها بيغن موقف “السادات السابق” مؤكداً أن القدس تعد، وفق للقوانين الإسرائيلية الصادرة في 28/6/1967. “مدينة واحدة غير قابلة للتقسيم، وأنها عاصمة دولة إسرائيل”. 3) سجل الرئيس كارتر موقف بلاده من هذا الموضوع في الرسالة الثالثة التي وجهها إلى السادات وأرسل نسخة منها إلى بيغن. وفيها أعلن أن موقف الولايات المتحدة بشأن القدس “يظل الموقف الذي أعلنه السفير غولدبيرغ أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/7/1967 وأكده من بعده السفير بوست أمام مجلس الأمن في أول تموز 1969”. وهذا الموقف الذي عبر عنه كارتر بهذه الطريقة الملتوية يقوم على اعتبار القدس العربية جزءا من الأراضي التي احتلها (إسرائيل) بالقوة عام 1967 لا أكثر. 4) كذلك تم تبادل رسالتين حول الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد وجه السادات الرسالة الأولى إلى كارتر وأكد فيها أنه “من أجل ضمان تنفيذ البنود المتعلقة بالضفة الغربية وغزة، ومن أجل حناية الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، ستكون مصر على استعداد للاضطلاع بالدور العربي الذي تحدده هذه البنود، وذلك بعد المشاورات مع الأردن وممثلي الشعب الفلسطيني”. وأما الرسالة الثانية فكانت من بيغن إلى كارتر وفيها سجل الأول أن كارتر أبلغه أنه سيفسر ويفهم عبارات الفلسطينيين، أو الشعب الفلسطيني، الواردة في كل فقرة من وثيقة إطار التسوية المتفق عليها بأنها تعني “عرباً فلسطينييين”. ولكن بيغن لا يشير إلى أنه يوافق على هذا التفسير الأمريكي. غير أنه لا ينسى أن يؤكد “أن الحكومة الإسرائيلية تفهم وستفهم تعبير الضفة الغربية في أي فقرة يرد فيها من وثيقة إطار التسوية على أنه يعني يهودا والسامرة”. 5) وتبادل كارتر والسادات وكارتر وبيغن ثلاث رسائل أخرى حول موضوع المستعمرات الإسرائيلية في سيناء. فقد طالب السادات بإزالة هذه المستعمرات كشرط مسبق لبدء مفاوضات السلام التي تستهدف الوصول إلى معاهدة نهائية مع (إسرائيل) في حين أجاب بيغن أنه غير مخول بالبت في هذا الموضوع ما لم يعرضه على الكنيست الإسرائيلية. وقد أخذ كارتر علما بهذا الموقف الإسرائيلي ونقله بدوره إلى السادات. وجدير بالذكر أن الكنيست وافقت على إجلاء القرى الإسرائيلية في سيناء و”إعادة توطين ساكينها” فاتحة الطريق بذلك للحكومتين المصرية والإسرائيلية للمضي في خطوات التسوية الثنائية التي تبلورت في معاهدة 26/3/1979. ك- آثار كامب ديفيد في قضية فلسطين: لقد حاولت الوثيقة الخاصة “باطار السلام في الشرق الأوسط” التي وقعها السادات وبيغن وشهد عليها، وقد يقال ضمنها، كارتر أن تنسف قضية فلسطين كقضية قومية لكل العرب عبر الأجيال وتحولها من قضية شعب يناضل من أجل حقوقه الوطنية إلى قضية سكان أراض محتلة فحسب. ويتضح ذلك مما يلي: 1) لم تأت الوثيقة على ذكر الشعب الفلسطيني إلا في جملتين فقط. وحتى هاتان الجملتان فرغنا من أي معنى حين مضت الوثيقة في كل موضع آخر تركز على سكان الضفة والقطاع، أو فلسطيني المنطقتين، وتمنحهم حق الحكم الذاتي لا أكثر. ويلاحظ أن الحكم الذاتي جعل “للسكان”، فحسب، مما يفسح المجال أمام (إسرائيل) للنقاش حول شمول حق السكان في الأرض التي يقيمون عليها. 2) استبعدت الوثيقة منظمة التحرير الفلسطينية من أي دور في التسوية.وهي المنظمة التي اعترف لها وحدها بتمثيل الشعب الفلسطيني من قبل الدول العربية بلا استثناء، ومن معظم دول العالم ومنظمة الأمم المتحدة، وأهم من ذلك كله من الشعب الفلسطيني، سواء من كان منه تحت الاحتلال أو في الخارج. 3) تنكرت الوثيقة لحق تقرير المصير* للشعب الفلسطيني الذي اعترفت به الجماعة الدولية ممثلة بصورة خاصة في الأمم المتحدة ومعظم دول العالم. وبذا تكون الوثيقة قد سعت لإلغاء جميع المكاسب والمنجزات التي حققها نضال هذا الشعب بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية على كافة الصعد. فهي إذ حصرت حق الفلسطينيين في الضفة والقطاع في الحكم الذاتي خرجت تماماً عما تواضعت عليه الجماعة الدولية حول مضمون تقرير المصير عموماً، وتقرير المصير للشعب الفلسطيني بصورة خاصة.فثمة فرق جوهري بين الحكم الذاتي والاستقلال الناجز. 4)  تكرر الوثيقة في غير موضع عبارة “سكان” القطاع والضفة. وهذا يعني التسوية بين الصهيونيين الذين استوطنوا، أو الذين سيستوطنون في المستقبل فيها بصورة غير شرعية، وشعبها الأصلي. 5) لم تتطرق الوثيقة إلى حق الفلسطينيين المطرودين من ديارهم في العودة دون قيود. وهو حق اعترفت لهم به الأمم المتحدة منذ قرارها 194 لعام 1948، وحتى الآن (رَ: الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني) و(رَ: تقرير المصير) و(رَ: العودة، حق). 6) إن ما ورد في الوثيقة حول حقوق الفلسطينييين ليس إلا تكراراً لمشروع بيغن للحكم الذاتي الذي تظاهر السادات برفضه في الاسماعيلية. ثم ان الوثيقة لم تعط ممثلي “السكان” في الضفة والقطاع أي حق في اتخاذ قراراً يتعلق بمصيرهم غير الموافقة على اقتراحات تقدم لهم من قبل “إسرائيل ومصر والأردن مجتمعين”، وهذا يعني فعلياً أن مصيرهم غدا رهناً بالقرار الإسرائيلي وحده. 7) تناست الوثيقة عمدت مدينة القدس: وهذا التناسي يشكل تنازلاً من جانب السادات عن الحقوق العربية والقومية والتاريخية والدينية والقانونية في المدينة وتسليماً بمزاعم (إسرائيل) بجعلها عاصمة لها. ولا يخفف من هذا ما تبادله السادات وكارتر من رسائل. فقد اكتفى كل منهما – وأحدهما (كارتر) ليس طرفاً في النزاع – بمجرد تسجيل موقف. وأما الطرف المعني الآخر (إسرائيل) فقد أكد موقفه العدواني من القدس. إن موقف السادات “الفعلي” من القدس يشكل من خلال هذه الوثيقة خروجاً على قرارات مؤتمرات القمة العربية* ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وتحدياً للمواقف الصريحة والمعلنة لمجموعة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي*. وأهم من هذا كله يشكل تحدياً سافراً لحقوق الشعب العربي الفلسطيني. ل- آثار كامب ديفيد في الأراضي العربية المحتلة: ومن جهة أخرى ثمة آثار بالغة الخطورة في الأراضي العربية المحتلة. فقد تبنت الوثيقة فعلياً التفسير الإسرائيلي للقرار 242 الصادر في 22/11/1967 حول الانسحاب من الأراضي المحتلة. وبذلك حاولت القضاء على جميع المكسبات التي حققها العرب بعد هزيمة 1967، سواء أكان ذلك على الصعيد العسكري أم على الصعيد السياسي الذي تعبر عنه قرارات الأمم المتحدة. ويتجلى ذلك بصورة خاصة فيما يلي: 1) لم تتطرق الوثيقة إلى مصير المستعمرات الإسرائيلية الحالية في الضفة والقطاع ولا تعرضت لموضوع الهجرة الصهيونية إليهما. وهذا يعني أن سبيل الاستيطان سيستمر أو أنه لن يجد منه شيء على الأقل. كما أن المستعمرات الحالية ستبقى. وفي هذا تثبيت للمفهوم الصهيوني حول ما يسميه “الحقوق التاريخية” في أراضي فلسطين العربية ويمثله إصرار بيغن على وصف الضفة الغربية “يهودا والسامرة”. 2) ربطت الوثيقة مستقبل الضفة والقطاع بموافقة الأردن على الاشتراك في المفاوضات المقترحة. وهذا يعني استمرار الوضع القائم إذا لم يوافق الأردن على هذا الاشتراك. وهذا ما حدث فعلاً وحمل مصر على التفاوض باسم الجانب العربي دون أن تملك سلطة تخولها ذلك قانونياً. 3) ان دور الأردن – إذا وافق على المشاركة في التسوية المفروضة- سيكون محدوداً كدور ممثلي “السكان” في الضفة والقطاع. (1) لأن القوات العسكرية الوحيدة التي ستوجد في الضفة والقطاع، حاضراً ومستقبلاً، هي القوات الإسرائيلية. (2) ولأن اليد البطولي في حسم جميع مشاريع الحكم الذاتي ومستقبل “السكان” ستكون (لإسرائيل) ما دام اجماع آراء الفرقاء المذكورين في الوثيقة شرطاً لازماً لنفاذ بنودها. 4) واضح من نص الوثيقة أن (إسرائيل) لن تعود في جميع الأحوال إلى حدود ما قبل الخامس من حزيران 1967 ولن تسمح بإقامة “دولة فلسطينية” في الضفة والقطاع، وهذا لا يتعارض فقط مع مبدأ عدم جواز اكتساب أراضي الغير بالقوة كما يعرفه ميثاق الأمم المتحدة بل ومع حقوق الشعب العربي الفلسطيني كما قررتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بوضوح متزايد منذ مطلع السبعينات. يزاد على ذلك أن الوثيقة كرست المفهوم الإسرائيلي لما يسمى بالحدود الآمنة*، وهو المفهوم الغريب على القانون الدولي. م- اتفاقيتا كامب ديفيد والقانون الدولي: إن وثيقة “إطار السلام في الشرق الأوسط” تخطت الشرعية الدولية وصادرت حق الدول العربية والمجتمع الدولي وخرقت مبادىء السلام العادل كما يعرفه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة: 1) فهي رغم العبارات المدبجة الواردة فيها تتخطى بمضمونها الشرعية الدولية بصورة فاضحة. فالاطار الذي وقعت فيه وثيقتا كامب ديفيد يتعارض نصاً وروحاً مع قراري مجلس الأمن 338 و242 الذين أعطيا الأمم المتحدة والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الدور الأهم في التوصل إلى تسوية عن طريق ما عرف “بصيغة جنيف”. ثم إن الوثيقة تفرض على مجلس الأمن صيغة جديدة وتطالبه والدول الدائمة فيه بحمايتها وكأنها محاولة لفرض وصاية على الأمم المتحدة ذاتها. 2) ان ما تم التوصل إليه في كامب ديفيد يلغي عمليا قرارات الأمم المتحدة، ولا سيما تلك التي تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه المحتلة. 3) تناولت هذه الوثيقة أطرافاً وقضايا لا تتعلق بالموقعين عليها. وفي هذا خرق لأبسط قواعد المعاهدات الدولية التي تقضي بأن المعاهدة لا تدوم أصلاً إلا عاقديها. فالوثيقة مست بصورة مباشرة مصالح سورية ولبنان والعربية السعودية والأردن فيما يتعلق بحرية الملاحة في مضائق تيران، كما أنها أهدرت حقوق الشعب الفلسطيني. وتلك كلها مسائل تخص هذه الأطراف قانونية وتخص الأمة العربية كلها قومياً. 4) ان في تصرف السادات بوثيقة إطار السلام خرقاً بينا لميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع المشترك لعام 1950 وخروجاً فاضحاً على مقررات مؤتمرات القمة العربية المتتالية، ولا سيما قمتي الجزائر والرباط. وإضافة إلى ذلك فإن السادات نصب نفسه قيما على الأطراف العربية المعنية ووصيا على الحقوق القومية للأمة العربية. فقد تعهد الى جانب ما تعهد به بإلغاء المقاطعة الاقتصادية العربية (لإسرائيل) من جانب واحد وحماية رعايا العدو الإسرائيلي في الدول العربية وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية معه بكل ما في هذا وذاك من أضرار جسيمة على الجبهة العربية المواجهة للغزوة الصهيونية. 5) استجابت الوثيقة للمطلب الإسرائيلي المستمر بإبرام معاهدة صلح منفردة حتى قبل أن يتحقق أهم شروط الصلح (الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة وضمان الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني)، وهو أمر خلق سابقة فريدة من نوعها في العلاقات الدولية تقوم على أساس فرض إرادة الغالب على المغلوب مع ادعاء سيادة الأخير. 6) كرست الوثيقة المزاعم الصهيونية بوجود حقوق مادية لليهود العرب الذين تركوا أقطارهم الأصلية بملء إرادتهم وسوتها بحقوق الفلسطينيين الذين هجروا من بلادهم بالقسر والإرهاب. ن- آثار كامب ديفيد في الوضع العربي وسيادة مصر على أرضها: ولا بد أيضاً من الإشارة إلى آثار كامب ديفيد في الوضع العربي عموماً وسيادة مصر على أرضها خصوصاً: 1) فاتفاقيتا كامب ديفيد، مهما تأول أربابهما، تعتبران حلاً منفرداً مع العدو الإسرائيلي. فليس بين وثيقتيهما ارتباط في التوقيت أو التنفيذ، كما أنهما وقعتا في عزلة عن الاجماع العربي الذي رفضهما جملة وتفصيلاً. وشكلت الاتفاقية الخاصة بسيناء كذلك نموذجاً خطيراً لأي حل. 2) إن الوثيقة الخاصة بالانسحاب من سيناء انتقصت من السيادة المصرية على شبه الجزيرة عندما فرضت قيوداً على حرية تصرف مصر بهذا الجزء من ترابها فيما يعرف في القانون الدولي “بفرض الإرادة” الذي لا يتم إلا بفرض الغالب إرادته على المغلوب. 3) الواضح من نص الاتفاقيتين أن هدف (إسرائيل) في التغلغل الاقتصادي إلى الوطن العربي قد ضمن ووضعت أسسه بما يضعف الجبهة العربية أمام الاستعمار الاستيطاني الصهيوني. لا عجب والحالة هذه أن يغضب الشعب العربي ويجمع على رفض مؤتمر كامب ديفيد وما تمخض عنه. وقد تجلى ذلك على الصعيد الرسمي بانعقاد مؤتمر القمة التاسع في بغداد والقرارات الخطيرة التي اتخذها بحق النظام المصري (رَ: القمة العربية، مؤتمرات). أما هذا النظام فقد تجاهل كل ذلك ومضى خطوة أبعد فوقع معاهدة السلام مع (إسرائيل) في 26/3/1979 (رَ: الصلح المصرية – الإسرائيلية، معاهدة ).   المراجع:   مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام: مؤتمر كامب ديفيد، القاهرة. نزيه قورة: من يخاف كامب ديفيد، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 83، تشرين الأول 1978، بيروت. فايز صايغ: كامب ديفيد وفلسطين: مجلة شؤون فلسطينية، العدد 85، كانون الأول 1978، بيروت. فايز صايغ: السياسة الأمريكية في عهد كارتر والصراع العربي –الإسرائيلي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد86، كانون الثاني 1979، بيروت. فيصل حوراني: قراءة سياسية لوثائق كامب ديفيد، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 84، تشرين الثاني 1978، بيروت.     الكامل الأيوبي: رَ: محمد بن محمد بن أيوب