فرنسا

كرس مؤتمر سان ريمو* المنعقد في نيسان سنة 1920 نهاية طموح فرنسا ببسط أي نفوذ على فلسطين. فقد اتفقت مع بريطانيا آنئذ على أن تتنازل عن آخر مدعياتها التقليدية في حماية الكاثوليك القاطنين في فلسطين والأماكن المقدسة وأصبحت تحصر اهتمامها في تثبيت النفوذ الذي منحها اياه احتلالها سورية ولبنان وانتدابها عليهما. وحين عرض مشروع تقسيم فلسطين* على اللجنة الخاصة التي كانت تمثل أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة جميعاً في 25/11/1947 استنكفت فرنسا عن التصويت عليه، وكانت نتيجة التصويت في اللجنة تثير إلى عدم الحصول المشروع على ثلثي الأصوات اللازمين لانجاحه. غير أن رئيس الجمعية العامة آنئذ عمد إلى تأجيل التصويت في الجمعية العامة حتى 28 تشرين الثاني بالرغم من المعارضة العربية. وكان غرضه الحقيقي اتاحة الفرصة للضغوط الصهيونية والأمريكية التي كانت تجري على بعض الوفود المعارضة للمشروع أو المستنكفة عن التصويت كي تغير تصويتها في الجمعية العامة وتؤيد المشروع. وكان تصويت الجمعية العامة وتؤيد المشروع. وكان تصويت الجمعية العامة سيجري في الموعد المذكور، ثم عمد الوفد الفرنسي إلى طلب تأجيل التصويت أربعاً وعشرين ساعة أخرى ونجح طلب التأجيل. وجرى أخيراً التصويت على المشروع يوم 29/11/1947 فكان الوفد الفرنسي من بين الوفود التي غيرت تصويتها من الاستنكاف إلى التأييد. وبذا أسهمت فرنسا فيمن أسهم في إنشاء الدولة اليهودية على التراب العربي الفلسطيني. وتأكد اسهامها هذا في مشاركتها عام 1950 باصدار البيان الثلاثي* الذي كان هدفه الواضح حماية (إسرائيل) حتى في حدودها المتوسعة عن قرار التقسيم. أما في قضية اللاجئين فكان الموقف الفرنسي مؤيداً لمبدأ تمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى بلادهم أو التعويض عليهم  وفقاً لقرار الجمعية العامة رقم 194 الصادر في الدورة الثالثة بتاريخ 11/12/1948 (رَ: العودة، حق). كما استمرت فرنسا في عضويتها في لجنة التوفيق. ولكن من جهة أخرى تابعت الحكومات الفرنسية المتعاقبة تأييد (إسرائيل) وتزويدها بالأسلحة ولا سيما الطائرات الحربية حتى غدت ممولها الرئيسي في هذا المجال. وقد ازداد التأييد والدعم الفرنسيان (لإسرائيل) بصورة ملحوظة بعد اندلاع ثورة الجزائر سنة 1954 وما لقيته هذه  الثورة من دعم وتأييد عربي. وبلغ التقارب الفرنسي – الإسرائيلي حد اشتراك الدولتين معاً إلى جانب بريطانيا في عدوان السويس سنة 1956 ووقوف فرنسا إلى جانب (إسرائيل) بالنسبة إلى انسحاب قواتها من سيناء عقب ذلك العدوان المبيت رغم قرارات الجمعية العامة المتعلقة بشأنه (رَ: حرب 1956). غير أن أخطر جانب في التعاون الفرنسي – الإسرائيلي كان في مجال الطاقة الذرية (رَ: الطاقة النووية الإسرائيلية). وقد بدأ هذا التعاون عندما وقعت (إسرائيل) مع فرنسا سنة 1953 اتفاقية في ميدان الأبحاث النووية زودت فرنسا (إسرائيل) بموجبها بعدد من العلماء في أبحاث الذرة، ثم عمدت لها بموجب الاتفاق السري الفرنسي – الإسرائيلي سنة 1957 يد الدعم الفعلي من أجل انجاز مفاعل ديمونا الذي دل وضعه تحت الإشراف المباشر لوزارة الدفاع الإسرائيلية على أغراضه الحقيقية المتصلة بالاستعداد الحربي أكثر من اتصاله بالاستخدامات السلمية للطاقة. ولكن بعد تولي الجنرال شارل ديغول رئاسة الجمهورية الفرنسية سنة 1958،وحصول الجزائر على استقلالها عام 1962، تغير موقف التأييد المطلق الفرنسي (لإسرائيل). فعشية عدوان حزيران سنة 1967 حذر الجنرال ديغول آبا ايبان وزير خارجية (إسرائيل) آنئذ من أن تكون بلاده هي البادلة بالحرب لأن البادىء بالحرب هو الذي يتحمل مسؤوليتها التاريخية (رَ: حرب 1967). وقد تبلور هذا الموقف في التصريح الرسمي الذي صدر عن مجلس الوزراء الفرنسي في 2/6/1967 وجاء فيه أن فرنسا “تعتبر أن كل دولة من الدول لها الحق بالعيش، ولكنها ترى أن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو اندلاع الحرب وبالتالي فان الدولة التي تكون البادئة في استعمال السلاح، أيا كانت، لا تحظى لا بموافقة فرنسا ولا بتأييدها طبعاً”. وبعد أن شنت (إسرائيل) العدوان في 5/6/1967 لم يتردد الجنرال ديغول في نعتها بالمعتدية، وفرض حظراً عاماً على إرسال الأسلحة الفرنسية إلى المتحاربين. وكان هذا الحظر يمس (إسرائيل) مباشرة لأنها هي التي كانت تتزود بالأسلحة الفرنسية بموجب اتفاقيات عقدتها مع حكومات الجمهورية الرابعة التي كانت حانقة على العرب. وفيما أشار التصريح الرسمي الصادر في 21/6/1967 عن مجلس الوزراء الفرنسي إلى أن فرنسا كانت في الماضي لا تستثني من اللوم التهديدات بتدمير (إسرائيل) التي كان يلوح بها جيرانها دان هذا التصريح بشكل قاطع اقدام (إسرائيل) على شن الحرب وأعلن أن فرنسا لن تعترف بأية تغيرات حصلت على الأرض بنتيجة العمل الحربي. ثابرت فرنسا على هذا الموقف من عدم الاعتراف بأي مكسب إسرائيلي إقليمي حصل بنتيجة استخدام القوة حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 (22/11/1967) الذي فسح مجالا للتأويل فيما إذا كان ينص على الانسحاب من الأراضي المحتلة سنة 1967 كما ورد في نصه الفرنسي أو الانسحاب من “أراض احتلت سنة 1967” كما ورد في النص الانكليزي. وتبنت فرنسا اجتهاداً للتوفيق بين ما ورد في  ديباجة القرار 242 من عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة وما ورد في متن القرار من حق كل دولة في “العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها” يرى أن الاعتراف بهذه الحدود يأتي ولا شك عن طريق التفاوض، ولكن التفاوض لا يمكن أن يجري تعديلاً في حدود ما قبل 5/6/1967 إلا إذا كان تعديلاً طفيفاً تقتضيه الاعتبارات الطوبوغرافية أو الديموغرافية أو طبيعة طرق المواصلات. ومع ذلك يجب أن يكون هذا التعديل يرضى الطرفين الكامل. ومغزى هذا الموقف فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أن فرنسا لا تقر بأي من حقوق السيادة الإسرائيلية على أي جزء من أجزاء الضفة الغربية أو غزة ولا على بقية الأراضي المحتلة السورية والمصرية تحرزاً من أن يكون هناك انتقاص من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني* والدول العربية المعتدى على أراضيها. وبالفعل قد تدرجت من هذا الموقف إلى ذكر حقوق الفلسطينيين صراحة. فقد كان الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو من أوائل رجال الحكم في دول أوروبا الغربية في دعوته إلى “حل المشاكل الانسانية والسياسية الناجمة عن وجود الفلسطينيين وحقوقهم”. كما جاء في مؤتمره الصحفي المنعقد في 10/7/1969 مع معطياً بذلك بعداً إضافية لم يورده القرار 242 بوضوح عندما اقتصر على الدعوة إلى “حل عادل لمشكلة اللاجئين”. وكان خير اعراب عن هذا النقص في القرار 242 ما صرح به رئيس الوزراء الفرنسية دوبريه للتلفزيزن المصري في 10/2/1969 حين قال: “انه ليس علي شخصياً تقدير ما إذا كانت هناك مشكلة فلسطينية أم لا فالوقائع أجابت على هذا التساؤل. والحق أن هناك مشكلتين. المشكلة الانسانية التي سبقت حرب الأيام الستة وأعقبتها (بقصد حرب حزيران 1967) وهي مشكلة اللاجئين ومنحتهم وإعادة إسكانهم ومستقبلهم الخ … والمشكلة السياسية وهي ليست جديدة ولكنها تتجدد بما تشهده الآن. وما من شك في أن الزمن الذي انقضى منذ قرار مجلس الأمن أصبح يقتضي أن يستكمل هذا القرار. فالتسوية الدائمة تفرض الآن الاهتمام بمشكلة سياسية ربما لم تلحظ بصورة كافية عند عرضها في المناقشات الأولى لمجلس الأمن”. وتدليلاً على أن فرنسا لا ترى في الفلسطينيين لاجئين فحسب بل شعباً له حقوقه كسائر الشعوب أدنى وزير الدولة الفرنسي للشؤون الخارجية جان ليكوفسكي عند تدشين المعرض التجاري الفرنسي – السعودي في جدة في تشرين الثاني 1969 بيان قال فيه: “إن فرنسا ترفض أن ترى العلاقات الدولية تتأسس على الاستخفاف والعنف، وهي تقر بأن للشعب الفلسطيني حقوقه”. وإذا كان للشعب الفلسطيني حقوقه فيجب في أي حل للقضية احترام هذه الحقوق. وعلى هذا نص البلاغ الفرنسي- العراقي المشترك الصادر في 8/7/1976 على أثر زيارة نائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي إلى باريس “إذ تذكر” أن الطرفين بينا ضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من أجل اقامة سلم عادل دائم ضمن احترام حقوق الشعب الفلسطيني”. غير أن الموقف الفرنسي إزاء حقوق الشعب الفلسطيني لم يكن واضحاً في بعض الأحيان. فخلالها للتصريحات السابقة التي تؤيد هذه الحقوق امتنعت فرنسا مثلا عن التصويت على قرار الجمعية العامة رقم 2672 – جيم الدورة 25) المؤرخ في 8/12/1970 الذي نص لأول مرة في تاريخ المنظمة الدولية على الاعتراف “لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير”. وعلى أن “الاحترام التام للحقوق الثابتة لشعب فلسطين هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط”. كما امتنعت فرنسا عن التصويت على قرار الجمعية العامة رقم 2727 (الدورة 25) المؤرخ في 15/12/1970 والقاضي بدعوة حكومة (إسرائيل) إلى تنفيذ توصيات اللجنة الخاصة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الانسان لسكان الأراضي المحتلة*. وصوتت فرنسا ضد قرار الجمعية العامة رقم 2787 (الدورة 26) المؤرخ في 6/12/1971 الذي أكد نضال الشعوب في تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي بما في ذلك شعب فلسطين. وعادت فرنسا إلى الامتناع عن التصويت على الفقرة د من القرار 2792 (الدورة 26) المؤرخ في 6/12/1971 التي تؤكد اعتراف الأمم المتحدة لشعب فلسطين بالحقوق المتساوية وتقرير المصير. وكذلك امتنعت عن التصويت على قرار الجمعية العامة رقم 2851 (الدورة 26) الصادر في 20/12/1971 والقاضي بمطالبة (إسرائيل) بأن تلغي إجراءات الضم والاستيطان التي تقوم بها في الأراضي المحتلة. في حين أيدت قرار الجمعية العامة رقم 2949 (د-27) الصادر في 8/12/1972 الذي يرفض الاعتراف بالتغييرات التي قامت بها (إسرائيل) في الأراضي المحتلة. ولكن فرنسا أصرت في عام 1972 على موقفها في الأمم المتحدة إزاء حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير فامتنعت عن التصويت على الفقرة هـ من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2963 بتاريخ 13/12/1971 القاضي بالاعتراف لهذا الشعب بحقوقه الثابتة ومنها حق تقرير المصير. ورغم اندلاع حرب 1973* بكل مضامينها الفلسطينية أصرت فرنسا على موقفها المتذبذب حيال حقوق الشعب الفلسطيني حلال اتلدورة الثامنة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة (1973) واستمرت كذلك خلال الدورة التاسعة والعشرين التاريخية (1974). فعلى الرغم من أن فرنسا صوتت إلى جانب القرار 3210 (د-29) الذي أصدرته الجمعية العامة في 14/10/1974 ودعيت توجيه منظمة التحرير الفلسطينية* إلى الاشتراك في مداولات الجمعية العامة حول القضية الفلسطينية فقد امتنعت عن التصويت على القرار الهام رقم 3236 (د-29) الصادر في 22/11/1974 والقاضي بالاقرار بحقوق الشعب الفلسطيني. كما اتخذت موقف الامتناع ذاته من قرار الجمعية العامة بمنح منظمة التحرير الفلسطينية مركز مراقب. واتخذت الموقف السلبي نفسه من الفقرة ج من القرار 3240 (د-29) الصادر بتاريخ 29/11/1974 والخاص بتقرير اللجنة المعنية بالتحقيق في الممارسات الإسرائيلية في الأرض المحتلة. كل ذلك كان يجري في الأمم المتحدة في حين استمرت تصريحات المسؤولين الفرنسيين، ولا سيما بعد لقاءاتهم بالقادة العرب، تأخذ منحى آخر. ويقدم لنا المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الفرنسي فاليري جيسار ديستان في باريس في 24/10/1974 علامات دقيقة لهذا المنحى. فقد تناول القضية الفلسطينية بشيء من الشرح. وبعد أن قال ان العالم أخذ يشعر بعد سنة 1967 بأن هناك مشكلة فلسطينية غير مشكلة اللاجئين، وأن الفلسطينيين يؤلفون كياناً وحقيقة وشعباً، وأنه لاحظ لسلام في الشرق الأوسط بدون حل هذه القضية، وأن تصويت الأمم المتحدة على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ليس تصويتاً في الحقيقة على الاعتراف بحد ذاته بقدر ما هو تثبيت للمنطق السليم، وأنه عندما تجري مناقشة القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة فمن الطبيعي جداً أن يدلي ممثلو الشعب الفلسطيني برأيهم، بعد ذلك كله أضاف: “إن جوهر المشكلة هو الإدراك بأنه لا يمطن أن يكون هناك سلام دائم في الشرق الأدنى إلا اذا كانت القضية الفلسطينية موضع تسوية عادلة. ومنذ اللحظة التي تعترف فيها الأسرة الدولية بوجود شعب فلسطيني يصح التساؤل: ما هو الطموح الطبيعي لشعب من الشعوب؟ انه التصرف بوطن. وكيف يكون هذا الوطن؟ وماذا يجب أن تكون العلاقات التي ينشئها؟ وكيف يفصح عن نفسه إزاء الدول الموجودة في المنطقة ومنها ما هو في الوقت الحاضر مأهول بالكثير من الفلسطينيين؟ إن هذا هو موضوع المفاوضة. ولا أريد في هذه المسألة اتخاذ موقف، ولكن موقعنا هو أن هذه المشكلة يجب معالجتها وأن هذه المفاوضة يجب البدء بها. وإذا ابتدأت والام يجب أن تنتهي؟ يجب أن تنتهي على التحديد إلى أن يصبح بالإمكان بلوغ محتوى القرار 242 وتحقيقه، أي أن كلاً من الدول في هذا القسم من العالم تتمكن من أن تعيش داخل حدود آمنة معترف بها”. وواضح أن الرئيس الفرنسي جعل من ذلك الموقف الفرنسي مستنداً إلى القرار 242 الذي ينص على الانسحاب وعلى حل عادل لمشكلة اللاجئين، فجعل ضمنا هذا الحل العادل منصرفاً إلى تمكين الشعب الفلسطيني من التصرف بوطن يقع فقط في الأراضي الفلسطينية التي ستنسحب منها (إسرائيل) ويحدد شكله وعودة اللاجئين إليه وعلاقاته مع جيرانه بالتفاوض بين الأطراف المعنية – ومنها بينها حتما ممثلو الشعب الفلسطيني الذين اعترف لهم – من قبيل تقرير الواقع – بحق الادلاء برأيهم. وأخيراً أضاف الرئيس الفرنسي إلى هذه العناصر أن السلام الذي يمكن التوصل إليه بالمفاوضة يمكن أن يصبح موضوعاً لضمانات دولية. وقد كان هذا عنصراً جديداً لتأمين أمن دول المنطقة عن طريق الضمانات الدولية منعاً من أن تكون حجة الأمن، كما توردها (إسرائيل)، عائقاً في طريق الانسحاب من الأراضي المحتلة وقيام الوطن الفلسطيني. وانطلاقاً من هذه الاعتبارات سمحت الحكومة الفرنسية في نهاية تشرين الأول 1975 لمنظمة التحرير الفلسطينية بافتتاح مكتب للاعلام والاتصال في باريس. وقد عقب ناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية على هذا القرار بأنه يساعد على تسوية القضية الفلسطينية التي يعتبرها الجميع أمراً جوهرياً في مشكلة الشرق الأوسط. وقد أعرب الناطق باسم منظمة التحرير الفلسطينية في 4/11/1975 عن امتنان المنظمة للمبادرة الفرنسية. غير أن الحكومة الفرنسية لم تعترف حتى الآن بمنظمة التحرير اعترافاً قانونياً كاملاً كممثلة شرعية ووحيدة للشعب الفلسطيني. كما أن حوادث الإرهاب الصهيوني* ضد الفلسطينيين في فرنسا استمرت دون أن تواجه بردع حكومي فرنسي ملموس. وقد ظلت فرنسا تركز ضمن المجموعة الأوروبية على فكرتي الوطن الفلسطيني والضمانات (لإسرائيل) إلى أن استطاعت على مراحل مختلفة اقناع بقية أعضاء المجموعة بالأخذ بهما. كما كانت دوماً إلى جانب الاحتفاظ بالوضع الخاص للقدس وشجب أي تغيير من طرف واحد للعالم هذا الوضع. ولم تعتبر القدس العربية خارجة عن الأراضي العربية التي احتلت سنة 1967. وتعتبر فرنسا من هذه الناحية من أكثر دول المجموعة الأوروبية اعتدالاً. وقد طرأ في شهر آذار 1980 تطور هام على موقف فرنسا من قضية فلسطين وحقوق شعبها. فعلى أثر الزيارات التي قام بها الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان إلى بعض الدول العربية في العشر الأول من آذار صدرت بيانات مشتركة تعبر بوضوح عن هذا التطور. فقد ورد في البيان الفرنسي – الكويتي المشترك: “اتفق الجانبان على أن إقامة سلام عادل ودائم في المنطقة يستوجب خصوصاً انسحاب (إسرائيل) من الأراضي العربية المحتلة في عام 1967 والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأعربا عن اقتناعهما بأن القضية الفلسطينية ليست مشكلة لاجئين بل مشكلة شعب يجب أن يتمتع على هذا الأساس، وورد في البيان الفرنسي – الأردني المشترك أن الجانبين متفقان على “ضرورة اشتراك منظمة التحرير الفلسطينية في أية تسوية كمشكلة الشرق الأوسط” وأكد البلدان “حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفي أن يكون له وطن في الأراضي المحتلة عام 1967”. ومن الجدير بالذكر أن انكلترا وألمانيا الاتحادية ولوكسمبورغ أعلنت اثر صدور البيانات المشتركة المذكورة تأييدها لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وهكذا يتضح أن الموقف الرسمي لحكومة فرنسا من القضية الفلسطينية بدأ  بتأييد (إسرائيل) منذ نشوئها حتى منتصف الستينات، ثم أخذ يتحول نحو الاعتدال حتى بلغ المرحلة التي أشرنا إليها. ومن الواضح أن سياسة فرنسا تجاه قضية فلسطين تخضع لتأثير عوامل شتى. فهناك من الناحية الايجابية عامل العلاقات الفرنسية – العربية المتنامية ولا سيما في المجالين التجاري والنفطي. وكذلك عامل الأحزاب والتجمعات الشعبية الضاغظة باتجاه دعم القضية العربية وفي مقدمتها القوى التقدمية. وهناك من الناحية السلبية ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاء فرنسا في المجموعة الأوروبية وكذلك الضغوط الصهيونية داخل فرنسا نفسها وضغوط بعض الأحزاب والتجمعات الموالية للصهيونية في الأروقة السياسية الفرنسية. هذا وقد أخذت سياسة فرنسا تجاه قضية فلسطين منحنى مختلفاً ينصف بالسلبية في بعض جوانبه بعد أن استلم الحزب الاشتراكي الفرنسي الحكم في أيار 1981.   المراجع:   وثائق الأمم المتحدة. شحادة موسى: علاقات إسرائيل مع دول العالم 1967 – 1970، بيروت 1971. Fred J. Khouri: The Arab Israeli Dilemma, Syracuse Philippe de Saint Robert: Le Jeu de la France en Mediterranee Paris 1967.