فارحي (أسرة)

نالت هذه الأسرة اليهودية شهرة واسعة بعد أن تعاقب أفرادها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على تولي أعمال الصيرفة والشؤون المالية وإدارة خزينة الدولة في ولايتي دمشق وصيدا. ويستدل من الأخبار أن أفرادا من هذه الأسرة كانوا يتولون الشؤون المالية في عكا*منذ عهد الظاهر العمر(بين 1750 و1755م). أن أول عضو من الأسرة يبرز في دمشق في أواخر القرن الثامن عشر هو شحاته فارحي الذي كان صرافاً ذا نفوذ كبير. وقد خلفه في مكانته ولداه رافائيل وجوزيف وشاركهما النفوذ ابن عمهما سلمون فارحي. وأما ابن شحاته الثالث، واسمه حاييم، فقد استدعاه من دمشق والي صيدا أحمد باشا الجزار* الذي اتخذ عكا مركزاً له حوالي سنة 1790م. فظل حاييم يقوم بوظيفة الصراف والمسؤول عن شؤون خزينة الولاية خلال حكم الجزار حتى سنة 1804م. وكان يساعده في العمل أخوه موسى. وقد وجه نابليون في سنة 1799 نداء إلى اليهود يطالبهم فيه تأييد حملته وبعدهم بإعادة فلسطين إليهم. وتذهب بعض المصادر الصهيونية إلى أن نابليون كان يهدف إلى استمالة حاييم فارحي والاستفاده من نفوذه المالي والتمويني في عكا (رَ: الحملة الفرنسية). ويبدو أن الجزار تقيم في آخر أيامه على حاييم فأمر بجدع أنفه وسمل عينه اليسرى وحبسه. إلا أن موت الجزار في ذلك الوقت أنفذ حاييم من السجن، فسافر فوراً إلى استانبول لخوض المعركة التي نشبت في سبيل انتقاء خلف للجزار. وانضم إلى أنصار سليمان باشا الكرحي أحد مماليك الجزار، وساهم في تقديم الأموال اللازمة لإنجاحه. ولما عين سليمان باشا في سنة 1805 والياً على صيدا عهد إلى حاييم فارحي إدارة شؤون الولاية المالية ومنحه ثقته التامة. بل أغلق بدء في كل الأمور. ويذكر المعلم إبراهيم العورة الذي كان رئيساً للكتاب في ديوان الولاية آنذاك في كتابه “تاريخ سليمان باشا العادل” أن حاييم فارحي كان في زمن سليمان باشا الرئيس على سائر الكتاب في داخل عكا وخارجها، وشريك الرأي بأمور الولاية وحفظ مال الخزينة وإيراداتها وحساباتها، وكان يستطيع أن يعزل أو يولي من يريد من المسلمين دون أن يعارض. ويبعد عن إدارة المالية كل منافس لأفراد أسرته، سواء في صيدا أو دمشق أو حلب. وقد احتدم النزاع على الأخص بين أسرة فارحي اليهودية وأسرة البحري المسيحية. وكان كبير هذه الأسرة (عبود البحري) قد تولى وظيفة الكتابة لدى يوسف باشا الكنج والي دمشق سنة 1806م ولزداد شأن أسرته في دمشق وعكا عندما انخرط بعض أقاربه، مثل أخويه جرمانوس وحنا وغيرهما، في خدمة يوسف باشا. وعلى الرغم من دسائس حاييم وأخويه جوزيف ورافائيل وابن عمه سلمون، وعلى الرغم من جهودهم المشتركة المنسقة للإيقاع بأسرة البحري وإبعادها عن دمشق فقد ظل يوسف باشا الكنج متمسكاً بهذه الأسرة المسيحية التي كان يعتمد عليها في تنظيم الشؤون المالية. وعندما تغلب سليمان باشا الكرحي على يوسف باشا الكنج وأرغمه على الفرار والالتجاء إلى مصر سنة 1809. عادت أسرة فارحي إلى سيطرتها المالية دون منازع. وقد توطدت سلطة حاييم فارحي واتسعت على الأخص بعد أن عهد إلى سليمان باشا بولاية دمشق بالإضافة إلى ولاية صيدا. كذلك استطاع حاييم أن يقوم بدور فعال في انتقاء خلف لسليمان باشا في ولاية عكا سنة 1818 فتم تعيين عبد الله باشا الخزندار الذي كان قد حصل، بمساعدة حاييم أيضاً، على منصب كتخذا (كيخيا)، أي مدير إدارة في عهد سليمان باشا منذ سنة 1814. على أن الحالة سرعان ما انقلبت. فقد تبين أن الوالي الجديد عبد الله باشا كان حريصاً على الانفراد بالسلطة، كما كان يصغي إلى خصوم أسرة فارحي الذين كشفوا له ألاعيب حاييم وأثاروا شكوكه ومخاوفه من أقاربه، فلم يلبث أن تقم عليه وأمر بإعدامه سنة 1820. وقد حاول اخوه حاييم الثأر من عبد الله باشا فانضموا إلى خصومه وكانت أسرة فارحي لا تزال تحتل مركزاً قوياً في دمشق بفضل مواردها المالية، كما كان أفراد من الأسرة لا يزالون يتولون الإدارة في خزانة دمشق، وكان رافائيل وسلمون فارحي من أعظم صيارفة الخزينة. ولكن يبدو أن السكان أخذوا في ذلك العهد يرفعون الشكاوى إلى الباب العالي ويحذرون حكومة السلطان من خيانة اليهود والأعيبهم ويعلنون أنه لم يعد من الجائز انتمائهم على خزانة الحكومة. وعلى أثر ذلك أقدم والي دمشق باشا في سنة 1825 على عزل كبير الصيارفة رافائيل فارحي من ولاية أمور الخزينة. وخاف رافائيل من أن يناقش الحساب ويحل به العقاب فأسرع في الفرار إلى بغداد. وعين الوالي مكانه رجلاً مسيحياً من حمص من آل اسكندر فاحتج الصيارفة اليهود على ذلك وكتبوا إلى كبيرهم رافائيل واتفقوا على العمل في استنابول لعزل الوالي، ونجحوا في ذلك فأعيد صالح باشا إلى ولاية دمشق سنة 1826، وعاد رافائيل من بغداد إلى وظيفته بعد أن أنفق في سبيل ذلك مبلغ مليون وسبعمائة ألف قرش. ولم يكتف رافائيل بعزل اسكندر بل أخذ يحرص الوالي على قتله. ولكن الباشا رفض ونصح اسكندر باعتناق الإسلام ليعين رقيباً على الصيارفة ويسلم من شرور اليهود. إلا أن أسرة فارحي استطاعت في عهد ولاية رؤوف باشا سنة 1828 تدبير قتله كي يكون عبرة لكل من ينافسهم في الوظائف المالية. ويظهر أن صالح باشا كان في أثناء ولايته قد استاء من أعمال أسرة فارحي وتعاظم نفوذها المالي والإداري فاعتقل سلمون ورافائيل فارحي وسجنهما وعذبهما وأصدر أمراً بعدم استخدام اليهود في أمانة صندوق دمشق. ثم جاء الحكم المصري* لسورية في بداية ثلاثينات القرن التاسع عشر فأصيبت أسرة فارحي بضربة قاصمة سواءمن الناحية المالية أو السياسية، وفقد أفرادها مناصبهم في الإدارة المالية ولم يبق منهم إلا القلائل في دائرة الخزينة وفي زعامة الطائفة اليهودية. وقد ازدادت النقمة الشعبية على اليهود عندما اكتشف اختفاء الراهب الطلياني توما وخادمه المسلم إبراهيم عمارة في أوائل سنة 1840، وذكر الشهود أن اليهود قتلوهما وأن الأول قتل في بيت داود هراري والثاني في بيت مئير فارحي بحضور صاحب البيت وغيره من زعماء الطائفة. وتدخلت فرنسا في التحقيقات الجنائية بصفتها حامية الكاثوليك في البلاد العثمانية، كما أسرعت النمسا إلى التدخل لأن أحد المتهمين اليهود كان من رعاياها واحتج قنصلها العام في مصر لدى محمد علي باشا على استخدام أساليب التعذيب في التحقيق. وانتهز اليهود الفرصة لإثارة ضجة استهجان واحتجاج في العالم. وقام زعماؤهم، ولا سيما أسرة روتشيلد، يستنكرون اضطهاد اليهود في سورية، وتألف منهم وفد برئاسة السير موسى مونتفيوري في رجل الأعمال اليهودي الانكليزي المشهور، وعديل روتشيلد ووكيله في بورصة لندن، فذهب الوفد إلى مصر وطلب من محمد علي باشا وقف التحقيقات التي كانت تجريها سلطات دمشق ونقل القضية إلى الاسكندرية. ولكن محمد علي باشا رفض ذلك بالنظر إلى توتر الوضع الدولي إذاك ونشوب الحرب بين مصر وتركيا، واكتفى بإصدار أوامره بإخلاء سبيل المتهمين الموقوفين. وبعد انتهاء الحكم المصري من سورية وفلسطين وعودة الحكم العثماني في سنة 1841 استعادت أسرة فارحي شيئاً من سيطرتها السابقة فعين أحد أفرادها من جديد مديراً للخزينة. وقد رأى اليهود في تدخل الدول الأجنبية في حادثة دمشق سنة 1840 فرصة لزيادة الاتصال بهذه الدول، ولا سيما فرنسا وانكلترا، وكسب مساعدتها لتوطين اليهود في فلسطين. وكان موسى مونتفيوري من أبرز العاملين في هذا السبيل. وقد تكررت زياراته إلى سورية للتشاور مع زعماء اليهود. وتذكر الأخبار انه اجتمع أكثر من مرة في دمشق مع اسحبق بن حاييم فارحي. وتفيد الأخبار كذلك أن اليهود لعبوا دوراً بارزاً في فتن عام 1860 بلبنان ودمشق وجبل الدروز. وعندما قامت الدولة العثمانية إذاك بالقبض على بعض زعماء اليهود طلب هؤلاء حماية انكلترا وأرسلوا مذكرة مطولة غلى السير مونتفيوري في 23/9/1860 يشيدون فيها بمساعداته لهم، ويحتجون على الحكومة العثمانية، ويدعون “أنها تعتدي على أفضل رجالهم وأعظمهم شأناً، مثل سليمان بن اسحق حاييم فارحي”. هكذا استطاعت أسرة فارحي اليهودية أن تسيطر مدة طويلة على الشؤون المالية في دمشق وعكا وتصبح أداة للسياسة الفرنسية حيناً والإنكليزية أحياناً، وأن تشترك في مؤامرات الدول الأجنبية للقضاء على الدولة العثمانية.   المراجع:   عبد القادر المغربي: يهود الشام عند مائة عام، مجلة المجتمع العلمي العربي، دمشق 1928. إبراهيم العورة: تاريخ ولاية سليمان باشا العادل، صيدا 1936. فيليب وفريد الخازن: رسائل قنصلية (مترجم)، جونية 1910 – 1911. بولياك: الإقطاعية في مصر وسورية ولبنان، (مترجم)، بيروت 1948. Angele Reppoport: History of Palestine, London Nahum Sokolow: History of Zionism (1600-1918), London