عكا (طاعون)

كان مرض الطاعون يتفشى أكثر ما يتفشى في المدن الحصينة،المسورة، بسبب احتشاد السكان، مما يسهل انتشار هذا الوباء. ولما كانت عكا* في القرون الماضية من هذه المدن التي تمتلىء أحياؤها الضيقة بالسكان، كان انتشار وباء الطاعون فيها أمراً طبيعياً، وخاصة في تلك العصور التي لم يكن فيها العلاج الطبي أو الوقائي قد اكتشف بعد، بالإضافة إلى عدم توافر الشروط الصحية في المساكن والأحياء والأزقة الضيقة. ومن الطواعين التي عرفتها المدينة ما حصل في شهر أيار من عام 1799م أثناء حصار نابليون بونابرت المدينة، فقد انتشر الطاعون في جيشه، وعم جميع مرافقه، سواء في ذلك الخيام أو أرض المعركة، حتى امتلات ومستشفيات حيفا ويافا وجبل الكرمل بجنوده المصابين. كما هلك عدد وافر من أفراد الجيش، عدا عمن أصيب منهم بالهذيان والجنون، وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى انسحابه وتخليه من حصار المدينة في العشرين من الشهر نفسه: (رَ: الحملة الفرنسية). أما الطاعون الذي اشتهرت به هذه المدينة فقد وقع في شهر كانون الأول من عام 1811م، واستمر طوال العام الذي تلاه، وذلك في عهد الوالي سليمان باشا (العادل) الذي تولى حكم المدينة بعد وفاة أحمد باشا الجزار* عام 1804م. وقد زعم، آنذاك، أن منشأ الطاعون كان الآستانة عاصمة الدولة العثمانية، ذلك أن قدم منها أحد سعاة البريد، الذين كانوا يعرفون بالتاتارية، يحمل جبة من الجوخ هدية ليهودي من أهالي عكا، ارتداها ولده، “فظهرت له طاعونة تحت ابطه”، لكنه كتم الأمر، فما لبث أن أصيب ثمانية من أبناء طائفته بهذا الوباء. ولما هلك اثنان منهم شاع الخبر في المدينة وذلك في أول شهر كانون الثاني من عام 1812م. ثم سرت العدوى من يهود المدينة إلى باقي سكانها. وكانت طرق الوقاية في ذلك العهد بدائية لا تتعدى الاحتجاب وعدم الاختلاط. فتجمع الأقارب الميسوريون في بيت واحد، وأغلقوا عليهم الأبواب. أما المسيحيون المقتدرون فتجمعوا في بيت واحد، وأدخلوا معهم كاهنا ليعلم أبناءهم ويقوم بالطقوس الدينية. وأقام كتاب الولاية في غرفة رئيسهم حاييم فارحي اليهودي في السراي، ونقلوا إليها السجلات وجميع أدوات الكتابة من حبر وأقلام وورق وما إليها. وكانوا يحضرون إلى العمل من بيوتهم بحراسة الجنود حتى لا يقترب منهم أحد، ولا يلامسهم أي انسان أو حيوان اعتقاداً منهم أن هذا يصونهم من العدوى. وكان التدبير الصحي الوحيد الذي ظن القوم أنه المظهر الواقي من العدوى هو الحل وحده، فاستعملوه منظفين به كل ما تقع عليه أيديهم. كذلك اعتقدوا بفائدة وقد البخور في كل مكان، كانت رائحته تملآ المدينة زاعمين أنه مبعد للوباء، واق من عدوى الطاعون. أما والي المدينة سليمان باشا، فقد أمر برفع جميع أثاث ديوانه، خلا وسادة كبيرة لجلوسه، ولم يكن يلمس ما يحمله إليه الكتبة، فكان الكاتب حنا العورة يجلس أمامه على البلاط وبيده اسفنجة مبلولة بالخل، فيضع الوالي خاتمه على الأرض ليتناوله الكاتب بالاسفنجة، ويقوم بغسله بالخل، ثم يمسحه، وبعد ذلك يمسكه بيده، ويأخذ بقراءة الأوامر، ويختم ما يوافق عليه الوالي. وعندما يفرغ من ذلك يضع الخاتم على أرض الديوان، فيتناوله الوالي. ويمضي الكاتب بعد ذلك بالمراسيم المختومة لتصريف الأوامر. وعلى الرغم من ذلك أباد الطاعون أبناء الوالي، وفتك بجواريه وسراريه ومماليكه وجميع أهل بيته، خلا سرية واحدة وابنته فاطمة، فبنى لها قصراً منيفاً خارج المدينة، أحاطه بالحدائق الغناء، وجعل فيها بركة واسعة زين جوانبها بأجمل أنواع الحصى. وعرف الموقع “بستان الست فاطمة” ودعي فيما بعد “البهجة” وآلت ملكيته إلى آل بيضون. وما تزال هذه البركة الشهيرة ماثلة إلى اليوم. وقد قدر عدد الذين كانوا يقضون نحبهم بالطاعون يومياً في بعض الأحيان بنحو 120 نفساً، وكثيراً ما زاد عن ذلك، إن كان الكثيرون يدفنون موتاهم سراً قبل شروق الشمس، ولا يعلنون الوفاة ولا أسبابها. استمر الطاعون شديداً مدة سبعة أشهر، أي حتى شهر تموز 1812م، ثم أخذت حدته تخف شيئاً فشيئاً حتى انحسر نهائياً في نهاية العام.   المراجع:   –         إبراهيم العورة: تاريخ سليمان باشا العادل، صيدا 1936. –         ادورد لوكرييه: تاريخ أحمد باشا الجزار (مترجم).