عكا (المملكة الصليبية الساحلية في -)

حرر صلاح الدين الأيوبي* مدينة عكا* بعد معركة حطين* مباشرة سنة 583هـ/1187م، ثم حرر بيت المقدس ومعظم الساحل الفلسطيني، وسمح للفرنج بمغادرة المدن التي حررها، فالتجأوا إلى مدينة صور. وقد أدرك المؤرخون العرب المعاصرون إذ ذاك هذا الخطأ الذي ارتكبه صلاح الدين بسماحة لهم بالتجمع في هذا الثغر. وقدر لصور أن تكون نقطة انطلاق صليبية لمهاجمة العرب والمسلمين من جديد (رَ: الفرنجة). ويعبر ابن الاثير عن ذلك بقوله: “وكان ذلك كله بتفريط صلاح الدين في إطلاق كل من حصره حتى عض بنانه ندماً وأسفاً حيث لم ينفعه ذلك”. أما سبط بن الجوزي فيعلق قائلاً: “لقد صنع السلطان الحرم بتيسير الفرنج إلى صور، ولم ينظر في عواقب الأمور، فإن اجتماعهم في صور كان سبباً لأخذهم البلاد وقتلهم في عكا، من قتلوا من الأعيان وأجناد الإسلام، وقد كان الواجب عرضهم على الإسلام، فإن أبوا فالسيف، وهو أصدق أنباء من الكتب”. جعل الفرنج من صور نقطة تجمع وانطلاق، فأرسلوا سفارة برئاسة جوسياس، رئيس أساقفة صور، إلى البابا وملوك أوروبا يطلبون العون والمساعدة. ثم إن صلاح الدين أطلق سراح الملك غي دي لوزنيان سنة 584هـ/1188م، على أن يغادر فلسطين إلى بلاده فرنسا، ولكنه ذهب مع زوجته سبيلاً إلى صور. وصدف وصول أسطول من البيازنة* من اثنتين وخمسين سفينة بقيادة بيالدوا رئيس أساقفة بيزا، فانحازوا إلى غي، وشجعوه على مهاجمة عكا. فتوجه بقواته إليها في سنة 585هـ/1189م، وأقام أمامها منتظراً وصول الامدادات من أوروبا. ولما كان سقوط بيت المقدس قد أحدث هزة عنيفة في الغرب الأوروبي، فإن الحملة الصليبية الثالثة جهزت سريعاً، واشترك فيها ثلاثة من ملوك أوروبا. أولهم فريدريك بربروسا امبراطور ألمانيا، الذي غرق في الطريق ومات، ولم يصل من أتباعه سوى نفر قليل. وثانيهم ريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا، وثالثهم فيليب أغسطس ملك فرنسا. حطت القوات الصليبية أمام عكا في ربيع الثاني وجمادى الأولى سنة 587هـ/حزيران 1191م، واشتركوا في حصارها مع قوات الملك غي القادمة من صور. وقد فشل صلاح الدين في انقاذ عكا، فاستسلمت المدينة في 17 جمادى الآخرة 587هـ/12 تموز 1191م للصليبيين، فاحتلوها، وفتكون بأهلها وحاميتها. توفيت الملكة سبيلا زوجة غي دي لوزنيان سنة 586هـ/1190م قبل فتح عكا. وبذا أصبحت أختها الأميرة ايزابيلا وريثة للملكة (1192م -1205م). وأضحى تاج غي في خطر. ثم ان زعماء الفرنج اجتمعوا بعد فتح عكا، وقرروا أن يبقى غي دو لوزتيان ملكا طوال حياته، ثم ينتقل التاج إلى كونراد مونتفرا وزوجته ايزابيلا وسلالتهما، على أن يصبح كونراد سيدا لصور وبيروت وصيدا، وأن يقاسم غي موارد المملكة. وهكذا انتقلت مملكة الثلاثين إلى عكا. وعندما أخفق الفرنجة في احتلال بيت المقدس، دب النزاع بين ريتشارد ركونراد، وبين الجنويين* والبيازنة الذين تنافسوا في السيطرة على عكا، وتمكن البيازنة منها بسبب تأييد الملك غي لهم. لكن كونراد ما لبث أن لقي مصرعه على يد أحد الاسماعيلية سنة 588هـ/1192م، فبقيت ايزابيلا وارثة مملكة بيت المقدس أرملة تستطيع الزواج ممن تشاء، لنقل إليه عرش الملكة. فوقع اختيارها على هنري، كونت شامانيا، وابن أخت ريتشارد ملك انكلترا. وكان هنري محبوباً من الفرنج على خلاف كونراد، فاستجابت ايزابيلا لرغبة الفرنج، وتزوجته في أيار من السنة نفسها، ثم غادرا صور إلى عكا، وأقاما في قلعتها. وجد ريتشارد أن المصلحة تقضي بخلاصة من الملك غي الذي لم يكن الفرنجة* في فلسطين يحبونه، فزين له شراء حكم جزيرة قبرص من الداوية*، فوافق غي. وفي ربيع الثاني 588 هـ/ أيار 1192 م نزل أرض الجزيرة بعد أن أصبحت السلطة الكاملة بيده. فرضت الأحداث في فلسطين على ريتشارد مسالمة صلاح الدين، خصوصاً لأنه بقي في الميدان وحده بعد أن غادر فيليب أغسطس ملك فرنسا فلسطين عائداً إلى بلاده. فراسل صلاح الدين في المسالمة والصلح. وبعد مشاورات ومراسلات اتفق الطرفان على الصلح وعقدت هدنة مدتها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر تبدأ من 21 شعبان 588هـ/2 أيلول 1192م، وهو ما عرف بصلح الرملة*. وسمح للفرنج بزيارة القدس، وبحرية التجارة، وتنقل القوافل بين الطرفين. ثم أبحر ريتشارد من عكا إلى بلاده بعد شهر من توقيع الهدنة. وكان من أهم نتائج الحملة الصليبية الثالثة اقامة المملكة الصليبية الساحلية في عكا. وما لبث أن توفي صلاح الدين في دمشق في 27 صفر 589هـ/4 آذار 1193م. وبوفاته دب الصراع والخلاف بين ملوك الأيوبيين، واستفاد الفرنج من هذا الصراع مما أدى إلى إطالة بقائهم في فلسطين (رَ: العصر الأيوبي). لم يلقب هنري زوج ايزابيلا بالملك، ولم يتوج رسمياً في عكا، لذا كانت سلطاته مقيدة، ودب النزاع بينه وبين رجال الكنيسة في عكا، ثم بينه وبين البيازنة أنصار الملك غي دي لوزيان الذي ما زال يطمع في عرش مملكة الفرنج في عكا. ولكن غي توفي سنة 591هـ/ 1194م، فأمن هنري ممثل ملوك بيت المقدس المنافسة، وتولى عرش قبرص الملك أموري الأول شقيق غي الذي كان مقبماً في يافا*. ولكن أموري وهنري وجدا أن عليهما التفاهم، فرتبا تحالفاً وثيقاً بينهما، وذلك بخطبة أبناء أموري الثلاثة: غي، ويوحنا، وهوغ، لبنات إيزابيلا الثلاث: ماريا، وأليس، وفيليبا. وكان هدف إيزابيلا أن تتحد المملكتان معاً في الجيل التالي. ولكن إثنين من أبناء أموري توفيا قبل إتمام الزواج، وبقي هوغ الذي تزوج من أليس. وبزواجهما هذا فازا بتركة الأسرتين في عكا وقبرص. وكانت قبرص بالغة الأهمية، لأنها نقطة متوسطة بين فلسطين وأوربا، تهبط فيها القوات الصليبية في طريقها إلى فلسطين. ثم إنها ملجأ أمين واستراتيجي لبارونات فلسطين يلجأون إليه وقت الحاجة. وتمكن أموري من الحصول على التاج من الامبراطور هنري السادس، وبذل له الولاء والطاعة، وتم التتويج سنة 594هـ/1197م، وأصبحت تسري في قبرص قوانين المملكة الساحلية. توفي هنري كونت شامانيا سنة 594هـ/1197م، وأدى ذلك إلى اضطراب شؤون مملكة عكا ووجد البارونات أن المصلحة تقضي باختيار زوج لايزابيلا وريثة المملكة، فوقع الاختيار على أموري الثاني ملك قبرص. وكان ذلك بتأييد من البابا أنوسنت الثالث، الذي كان يرى أن يتحد الشرق اللاتيني تحت رعاية سيد واحد. فقدم أموري إلى عكا سنة 595هـ/1198م، وتزوج من إيزابيلا، وتوج ملكاً على مملكة عكا. كانت سياسة الملك أموري الثاني أن تكون العلاقات بينه وبين الملك العادل محمد بن أيوب* حسنة، فعقد معه معاهدتين ثانيتهما في صفر 601هـ/أيلول 1204م، ومدتها ست سنوات، تنازل بموجبها العادل للفرنج عن يافا وعن مناصفات اللد* والرملة*، وأعطاهم الناصرة*، وسمح للحجاج زيارة بيت المقدس تحت حمايته. لكن أموري ما لبث أن توفي في عكا سنة 602هـ/1205م. وبموته انفصلت المملكتان في عكا وقبرص، فانتقلت قبرص إلى ابنه هوغ الأول وملكة عكا إلى إيزابيلا. ولكنها لحقت بزوجها، فتولت عرش مملكة ابنتها ماريا، وسمي يوحنا ايلين، سيد بيروت، وصيا على ابنة أخته الملكة ماريا. تزوجت الملكة ماريا من يوحنا بريين في ربيع الأول 607هـ/ أيلول 1210م وتم تتويجهما على المملكة الصليبية الساحلية في عكا. وبعد اعتلاء يوحنا العرش غقد معاهدة مع الملك العادل سنة 609هـ/1212م، ثم أخذ يستعد للقيام بحملة صليبية جديدة، فطلب المساعدة من البابا، على أن تكون القوات مستعدة بعد انقضاء مدة الهدنة. ولكن الملكة ماريا توفيت بعد أن وضعت طفلة اسمها ايزابيلا، الشهيرة بيولاندا، فانتقلت المملكة إليها، ولم يكن لأبيها حق شرعي في المملكة. ورغم ذلك بقي يوحنا بريين يحكم البلاد. كان الصليبيون قد وضعوا هدفا استراتيجيا منذ بغدوين الأول، هو السيطرة على مصر والتوسع على حسابها. لذا عمد الفرنج في هذه المرحلة إلى توجيه الحملة الصليبية الخامسة إلى دمياط منطقة من عكا بقيادة الملك يوحنا بريين سنة 615هـ/1218م. ولكن الملوك الأيوبيين اتحدوا مجتمعين، وساروا بجيوشهم إلى مصر لمساندة الكامل محمد بن محمد بن أيوب* صاحب دمشق، والملك الناصر قيليج أرسلان صاحب حماه، والملك المجاهد شيركوه صاحب حمص، والملك الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك وعساكر حلب. ولما وجد الفرنج أن الدائرة ستدور عليهم أرسلوا يطلبون الصلح والرحيل عن دمياط. وتم الصلح، فرحل يوحنا بريين وقوات الفرنج عائدين إلى عكا بعد أن عقد معاهدة مع الكامل محمد مدتها ثماني سنوات. واسترجع الكامل محمد دمياط في 19 رجب 618هـ/ 8 أيلول 1221م. عمل الملك يوحنا بريين على تنشيط التجارة بينه وبين الأيوبيين، ذلك المورد الاقتصادي الهام لمملكته وللدويلات الإيطالية التي كانت لديها امتيازات كثيرة في عكا (رَ: الجنويون) و(رَ: البنادقة) و(رَ: البيازنة). ثم سافر في جولة إلى أوروبا، فزار خلالها إيطاليا وفرنسا. وأثناء وجوده في ايطاليا تم الاتفاق على أن يزوج وريثته يولاندا من الامبراطور فريدريك الثاني. وتم الزواج في ذي القعدة 622هـ/تشرين الثاني 1225م، وبذا أصبح فريدريك الثاني امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة زوجاً لملكة مملكة الفرنج في عكا. وبعد الزواج رفض الامبراطور أن يكون يوحنا بريين وصيا على عرش المملكة في عكا، فلجأ يوحنا إلى البابا الذي لم يستطع عمل شيء، فبقى في أوروبا إلى أن توفي هناك. أما ابنته الملكة يولاندا فقد أنجبت أول أبنائها كونراد سنة 625هـ/25 نيسان 1228م، وبعد ذلك توفيت، وبذا لم يعد فريدريك زوجاً للملكة. كان الامبراطور فريدريك سيداً على قبرص، ووصياً على المملكة الساحلية في عكا بعد أن أصبح ابنه كونراد من زوجته يولاندا ملكاً عليها بعد وفاة أمه. وقد عين فريدريك سنة 625هـ/1228م أموري بارليس نائباً له في قبرص بينما كان في طريقه إلى فلسطين في الحملة الصليبية السادسة، يساعده بعض البارونات. نزلت قوات فريدريك في عكا.وبعد مفاوضات بينه وبين الكامل محمد صاحب مصر، تم الصلح بين الطرفين، ووقعت المعاهدة في 28 ربيع الأول 626هـ/25 شباط 1229م. وقد سلم الكامل محمد الامبراطور فريدريك الثاني بموجبها مدينة بيت المقدس، بالإضافة إلى الناصرة وبيت لحم* واللد والقرى الممتدة على طول الطريق بين القدس وعكا. وهكذا أصبح للمملكة الصليبية الساحلية في عكا أملاك في الجليل. بالإضافة الى بيت المقدس وبعض القرى في وسط فلسطين. ودخل فريدريك بيت المقدس يرافقه بعض عساكره فأقام فيها ثلاثة أيام، ثم غادرها إلى عكا، ومنها إلى صقلية بعد أن عين باليان سيد صيدا، وغارنيه نائبين عنه في حكم مملكة عكا. وتولى يوحنا ابلين صاحب بيروت مقاليد الحكم في قبرص، باعتباره وصياً على ابن اخته الملك هنري حتى يبلغ سن الرشد. لكن الامبراطور فريدريك الثاني أراد أن يفرض إرادته على مملكة عكا فأرسل قواته إلى قبرص. ثم إلى فلسطين. وتكون تحالف من الملك هنري ويوحنا ابلين والجنويين في مواجهة قوات فريدريك التي لقيت  بادىء الأمر بعض النجاح في فلسطين وقبرص. وتمكنت قوات يوحنا والملك هنري من بسط نفوذها على الجزيرة بعد هروب قوات فريدريك ونائبه فيها أموري بارليس سنة 631هـ/1233م. لكن فريدريك بقي من الناحية القانونية ملكاً على عكا بالنيابة عن ابنه الصغير كونراد. وتحقق لفريدريك النجاح في إقامة حكومة أوتوقراطية في مملكتي قبرص وعكا الساحلية. أوصى البابا بتوحيد الحكومتين في قبرص وعكا، لكن لقيت رغبته هذه معارضة البارونات الذين قاوموا أوتوقراطية فريدريك، ولم يقبلوا ملكاً سوى الملك الشرعي، وهو كونراد ابن فريدريك. أما الاتحاد مع قبرص فقد تركوه للظروف. استفاد الفرنج في عكا، دوماً، من الصراعات الأيوبية على السلطة ولا سيما تلك التي نشبت بين الكامل محمد صاحب مصر والمعظم عيسى صاحب دمشق، ثم بين الكامل والناصر داود، أو تلك التي كانت بين الناصر داود والملك الجواد والملك الصالح نجم الدين أيوب على مصر والصالح اسماعيل على دمشق. وفي خضم هذا الصراع انتهت المعاهدة المعقودة بين الكامل محمد وفريدريك الثاني، فقامت جموع صليبية جديدة بزعامة تيبود الكمباني، واستولوا على قافلة تجارية مصرية في وادي الأردن كانت متجهة إلى دمشق. ثم بدأ تيبود في تحصين القدس مخالفاً بذلك نصوص المعاهدة، مما أثار الناصر صاحب الكرك، فخرج بقواته إلى بيت المقدس، وحاصرها، ونصب عليها المنجنيقات، وتمكن من اقتحامها في جمادى الأولى 637هـ/كانون الأول 1339م، وظهرها من الفرنج، ثم سمح الناصر داود للفرنج بمغادرة القدس (كما فعل صلاح الدين الأيوبي مع الفرنج سنة 583هـ/1187م، فخرجت القدس من أملاك مملكة عكا. ولكن الصراع الذي دب بين الصالح اسماعيل صاحب دمشق والصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، أدى إلى أن يطلب الصالح اسماعيل العون من فرنج عكا ويقدم لهم،مقابل ذلك العون، القدس وطبرية*، وعسقلان والشقيف، وجزءاً من أرض مصر. دخلت قوات الفرنج في عكا المعركة مع الصالح اسماعيل ضد قوات الصالح نجم الدين أيوب التي دارت قرب غزة في موضع يقال له مربيا*. وانتهت المعركة بهزيمة قوات الصالح اسماعيل وحلفائه الفرنج (12 جمادى الأولى 642هـ/ 17 تشرين الأول 1244م). وتعتبر هذه المعركة، التي سميت “حطين الثانية” من المعارك الفاضلة في تاريخ الصليبيين، إذ دمر جيشهم تدميراً لم يشهدوه من قبل إلا في معركة حطين (رَ: غزة، معركة – الثانية). وهكذا فقدت مملكة عكا معظم جيوشها، ولم يصل إلى عكا ويافا منها إلا فلول قليلة العدد، وأسر منهم ثمانمائة جندي اقتيدوا إلى القاهرة، منهم قائد الاسبتارية*. وأدى ذلك إلى ضعف مملكة الفرنج في عكا، فأصبحت عاجزة عن دخول أية معركة ضد المسلمين واكتفت بالاحتفاظ بأملاكها الساحلية. كان البارونات قد انتخبوا أليكس، ملكة قبرص وخالة أم كونراد ابن فريدريك، وصية على عرش مملكة عكا سنة 641هـ/ 1243م، لأن كونراد لم يعد رغبة في الحضور إلى عكا، وتسلم عرشه بعد أن بلغ سن الرشد. ولكن الملكة أليكس توفيت سنة 644هـ/1246م، وخلفها على عرش المملكة ابنها هنري ملك جزيرة قبرص. فعمد هذا إلى تعيين باليان ابلين نائباً عنه في عكا. ولما توفي باليان سنة 645هـ/ 1247م خلفه في نيابة عكا أخوه يوحنا سيد أرسوف. حاول الفرنج في عكا الاستفادة من القوة التتارية، التي ظهرت على مسرح الأحداث في العراق بلاد الشام في منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي (رَ: التتار) فعملوا على عقد تحالف معهم وأرسل البابا انوسنت الرابع سفارتين إلى بلاط هولاكو امبراطور التتار. ولكن هذا التحالف لم يحقق أهدافه في هزيمة المماليك* واستعادة المدينة المقدسة وأملاك الفرنج في فلسطين وبلاد الشام. تمكنت الدويلات الايطالية: جنوة والبندقية وبييزا، من التأثير في مجرى الأحداث في مملكة عكا الساحلية بما لها من مصالح تجارية. وأدى التنافس إلى حدوث صدامات بين الجنوبين والبيازنة والبنادقة، في شوارع عكا، فعمت الفوضى بلاد الفرنج، لا في عكا فحسب، بل في صور وطرابلس وأنطاكية. وتمكن البنادقة وحلفاؤهم البيازنة من الانتصار على الجنويين، الذين تركوا عكا نهائياً إلى صور وجعلوها مستقراً لهم، أما البنادقة والبيازنة فاستقروا في عكا. وكانت الملكة بلايسانس قد أصبحت ملكة على قبرص ووصية على ابنها الملك هوغ، وتمكنت سنة656هـ/1258م، بمساعدة أخيها بوهمند السادس صاحب طرابلس، من النجاح في مطالبتها بعرش مملكة عكا لابنها هوغ ملك قبرص باعتباره الوريث الشرعي لها، وأيدها بارونات مملكة عكا. ولكن الملك هوغ توفي سنة 683هـ/ آذار 1284م بعد أن بذل جهداً كبيراً في استعادة سلطانه على الشرق الفرنجي. وكان إذ ذاك مقيماً في صور. وخلفه على العرش ابنه الاكبر يوحنا الذي توج في نيقوسيا ملكاً على قبرص في السنة نفسها وبعد تتويجه أبحر إلى صور، حيث تم تتويجه ملكاً على مملكة عكا. ولكنه توفي في قبرص سنة 684هـ/ 1285م، وورث الملك بعد أخوه هنري، وتم تتويجه ملكاً على قبرص. ثم أرسل مبعوثاً إلى عكا ليجري مفاوضات مع زعمائها حول الاعتراف به ملكاً على مملكة عكا، فوجد تأييداً لدى الأكثرية، وتوج ملكاً على مملكة عكا في 15/8/1286م. باشر المماليك بتطهر بلاد الشام من الفرنج، فقاد سلاطينهم الجيوش وانتزعوا الكثير من المدن والقلاع وأعادوها إلى حظيرة الحكم الإسلامي. وكان فرنج عكا يطلبون عقد المعاهدات مع المماليك، كذلك المعاهدة التي عقدها هنري الثاني ملك قبرص ومملكة عكا الساحلية مع السلطان قلاوون* سنة 688هـ/1289م ومدتها عشر سنوات وعشرة أشهر وعشرة أيام. وبعد أن تم له ذلك عاد إلى قبرص بعد أن عين أخاه أموري نائباً عنه في عكا. ظلت عكا  تنعم بهدوء نسبي في العصر المملوكي، فانصرفت إلى التجارة، وصارت قوافل التجارة من دمشق والشام تتردد على عكا، مما جعلها مركزاً تجاريا هاما طوال القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. وكانت عكا مركز العلاقات التجارية بين الفرنج والمماليك، الذين رأوا في مدينة عكا على الساحل الفلسطيني نافذة تجارية وحضارية على الغرب الأوروبي. وكانت حركة التجارة في هذه المدينة على درجة عالية من النشاط، وجنى أهل الشام بسبب ذلك أرباحاً طائلة. وكانت بالإضافة إلى ذلك المركز الرئيس للحجاج المسيحين القادمين إلى بيت المقدس. وفي شعبان 689هـ/ آب 1290م قدمت جموع صليبية جديدة من ايطاليا إلى عكا، وكان وصولهم آنذاك في موسم انتعشت فيه التجارة في عكا، وامتلأت أسواقها بالتجار من البلاد المجاورة. لكن هذه الجموع الغوغائية غير المنضبطة خرقت بتصرفاتها المعاهدة المعقودة بين السلطان قلاوون وهنري الثاني ملك مملكة عكا، والمقيم في قبرص، إذ تحرش أفرادها ببعض تجار المسلمين وقتلوا عددا منهم. واندفع الايطاليون في الشوارع يهاجمون ويقتلون كل من كان يتزيا بلباس شرقي. وتعرض للقتل عدد كبير من نصارى العرب، ذلك أن الفرنج لم يفرقوا بين عربي مسلم وعربي مسيحي. أثارت هذه المجزرة غضب قلاوون، فأعلن الجهاد، وأرسل إلى جميع البلاد الشامية بالتأهب، وأمر باخراج المجانيق وآلات الحصار واعداد الأسلحة. وشاركت معظم المدن والقرى الشامية في حرب التحرير هذه. وأقام قلاوون خارج القاهرة لاستكمال استعداداته. ولكنه مرض فجأة وتوفي في 6 ذي القعدة 689هـ/1290م، وتقلد السلطة بعده ابنه الأشرف خليل. حاول الفرنج في عكا استرضاء السلطان الأشرف خليل بن قلاوون*، وطلبوا منه عقد معاهدة يضع فيها الشروط التي يريدها. لكن الأشرف لم يقبل هذه العروض، وأتم استعداده، وسار إلى عكا، وحاصرها في ربيع الآخر 690هـ/ نيسان 1291م ورغم النجدات التي وصلت إلى عكا من جميع أنحاء أوروبا فإن قوات المماليك دقوا المدينة ليل نهار باثنين وتسعين منجنيقا، حتى اجتاحت قوات الأشرف عكا في 17 جمادى الأولى 690هـ/ 8 أيار 1291م بعد حصار دام أربعة وأربعين يوماً. وكان ملكها هنري الثاني قد هرب إلى قبرص عندما شعر أن المعركة ليست في صالحه. وترتب على تحرير عكا انهيار مقاومة الفرنج في الساحل الشامي، فبادروا إلى اخلاء معاقلهم، واستولى المماليك على صيدا، وبيروت، صور، حيفا*، وعتليت وانطرسوس. وهكذا سقطت آخر المعاقل الصليبية في الشرق العربي في أيدي المماليك، وتحررت أراضي الشام كلها من سيطرتهم. وانتهت المملكة الصليبية الساحلية في عكا بعد أن دامت مائة سنة (587 – 690هـ/ 1191-1291م).   المراجع:   –         ابن الأثير: الكامل في التاريخ، بيروت 1965 – 1967. –         ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، القاهرة 1953 – 1959. –         ابن عبد الظاهر: تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، القاهرة 1961. –         ابن الفرات: تاريخ ابن الفرات، بيروت 1939 – 1942. –         ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، القاهرة 1932. –         المقزيزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، القاهرة 1934. –         سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، بيروت 1972. –         يوسف غوانمة: إمارة الكرك الأيوبية، عمان 1980. –         يوسف غوانمة: تاريخ شرقي الأردن في عصر دولة المماليك الأولى (القسم السياسي)، عمان 1979. –         Atiya, A.S.: The Crusade in the Late Middle Ages, New York 1970. –          Lane – Poole. S.: A History of Egypt in the Middle Ages, London 1936. –          Michaud, M.: Histoire des Croisades. Paris 1817. –          Muir, W.: The Mamelukes, London 1896. –          Oman, C.: History of the Art of War in the –         middle Ages, London 1924. –          Philip of Novara: The Crusade of Frederick II, Sources of Medieval History: Christian Society and the Crusade, New York 1971. –          Roger of Wendover: The Crusade of Frederick II Christian Society and the Crusade, New York 1971. –          Runciman, S.: A History of the Crusades, Cambridge 1957. –          Setton,K.: A History of the Crusades, Philadelphia 1958.   العكي: رَ: أحمد بن بكر بن أحمد بن محمد علاء الدين البصير (رباط -): رَ: القدس (المباني الأثرية والتاريخية في -)