توازن القوى بين الدول العربية وإسرائيل

حينما أقامت الصهيونية والإمبريالية العالمية (إسرائيل) في قلب الوطن العربي عام 1948 دعمناها بجميع أنواع المساعدة والتأكيد، ولا سيما السلاح، لتثبتا كيانها الاستعماري بالقوة حتى تصبح قوة موازنة للقوى العربية. وهكذا نشأ منذئذ مفهوم “توازن القوى بين الدول العربية وإسرائيل”. وكان هذا المفهوم، ما يزال، الحجة التي تتذرع بها الدول المناصرة (لإسرائيل) لتزويدها بالسلاح وتأمين تفوقها العسكري على الدول العربية. يتضمن مفهوم توازن القوى مقومات وعناصر عدة. وتختلف هذه المضامين بين الطرفين أو الأطراف التي يجري تقويم ودراسة التوازن بينها. ففي حين ترجح كفة بعضها في طرف ترجح كفة بعضها الآخر في الطرف الثاني. وإذا كان توازن القوى يشكل موضوعاً لدراسة قوى الأطراف المتقابلة ومقارنتها بعضها بعض بغية التوصل إلى استنتاجات وتوقعات فإنه يشكل، في الوقت ذاته، عاملاً من العوامل الرئيسة المؤثرة في سياسة الأطراف المعنية والحلفاء المؤيدين لهذه الأطراف واستراتيجيتهم. وإذا ما نظر إلى مفهوم توازن القوى ضمن إطار الصراع العربي – الإسرائيلي فلا بد من أخذ الحقائق التالية بعين الاعتبار: 1)   ليس صحيحاً تفسير القوى المتقابلة في الصراع العربي – الإسرائيلي على أنها في الطرف الإسرائيلي تمثل الكيان الصهيوني وحدة بطاقات مجموعة بشرية صغيرة احتلت بقعة جغرافية محدودة في فلسطين، وعلى أنها في الطرف العربي المقابل تمثل مجموعات طاقات الدول العربية على امتداد الوطن العربي، وهي طاقات بشرية واقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة. إن وقائع تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي تثبت أن هذا التفسير ليس صحيحاً بل هو تفسير من نية عدوانية من جانب الكيان الصهيوني وحلفائه. 2)   لجأ الكيان الصهيوني دائماً تدعمه في ذلك أجهزة إعلام الصهيونية والإمبريالية والاستعمار إلى تصوير القوى العربية المناهضة له على أنها قوة موحدة تشمل طاقات أمة واحدة ممتدة على رقعة كبيرة من الأرض غنية بمواردها الاقتصادية وقدراتها البشرية، وثرواتها، مصممة على القضاء على هذا الكيان. إن جميع هذه القوى – حسب الصورة التي يرسمها الكيان الصهيوني وأنصاره – تتجمع في كفة من الميزان، ويقابلها في الكفة الأخرى الكيان الصهيوني بحجمه الجغرافي وطاقاته المحدودة وسعيه إلى السلام. وقد عاشت هذه الصورة الزائفة زمناً، ولا سيما في أمريكا وأوروبا الغربية، وكانت فخاً تستخدمه الصهيونية من أجل الحصول على الدعم المادي والسلاحي والمعنوي للكيان الصهيوني، ومن أجل مناهضة العرب. 3) جعلت الصهيونية والإمبريالية والاستعمار الكيان الصهيوني قلعة مسلحة، إذ ليس في العالم كله دوامة في حجمه الجغرافي والبشري والاقتصادي تملك قوة عسكرية مسلحة مماثلة لما يملكه. 4) قد يكون تقدير قوة الكيان الصهيوني العسكرية في وقت من الأوقات أمراً ممكناً، غير أن حجم هذه القوة بتغيير نوعاً وكما بشكل فجائي وسريع، ويصعد خطه البياني صعوداً حاداً، كما حدث في حرب 1973* حين أسرعت الولايات المتحدة إلى إعادة التوازن إلى ميزان التقوى وترجيح كفة (إسرائيل) بالأسلحة الحديثة الغزيرة المتنوعة بعد هزيمة قواتها في الأيام الأولى من الحرب. 5) يتكون ميزان القوى من مقومات وعناصر عدة، وليست القوة العسكرية سوى أحد هذه المقومات والعناصر. وأهم هذه العناصر هي المستوى الحضاري والقيم المثل الروحية والمادية والأخلاقية، والكتلة البشرية وحالتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتظام السياسي والاجتماعي، والوعي الوطني، والموقع الجغرافي والاستراتيجي، والوضع الاقتصادي، والمستوى العلمي والتقني، والإعلام، والجهاز الدبلوماسي والعلاقات الخارجية، والتخطيط السياسي والاستراتيجي، والقوة العسكرية. 1)وإذا ما أخذت هذه النقاط والحقائق بعين الاعتبار في دراسة توازن القوى بين الدول العربية و(إسرائيل) يمكن بسهولة تفسير وقائع وأحداث توازن القوى هذا. 2)ومنذ قيام الكيان الصهيوني كانت الدول الرأسمالية، وبخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وإنكلترا، هي المصدر الرئيس لتسليحه. وكان دور كل من هذه الدول الثلاث يختلف اندفاعاً أو تقلصاً ما بين فترة وأخرى حسب الظروف السياسية والدولية الخاصة بكل فترة زمنية. ففي حين كان دور فرنسا وإنكلترا في الخمسينات والستينات أكثر بروزاً من الدور الأمريكي انعكست هذه الصورة بعدئذ فبرز الدور الأمريكي متزايداً وواضحاً إلى حد أنه أصبح عاملاً حاسماً في حرب 1973 وفي غزو (إسرائيل) لبنان في حزيران 1982. كان مفهوم الدول الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة، حول توازن القوى بين الدول العربية والكيان الصهيوني يقوم على أساس معادلة غير متوازنة توفر لهذا الكيان الأداة اللازمة لكي يتمكن من تحقيق أغراض الإمبريالية والصهيونية في الوطن العربي. فكانت الدول الغربية – وما تزال الولايات المتحدة تفعل ذلك – تضع القوات الإسرائيلية في كفة وقوات الدول العربية كلها في كفة أخرى. وحينذاك يبدو ضرورياً تحويل الكيان الصهيوني كله إلى ثكنة عسكرية كبيرة زاخرة بالمقاتلين والأسلحة الحديثة من مختلف الأنواع، وبكميات كبيرة. وإذا ما حدث اختلال في ميزان القوى، ومالت كفته إلى صالح العرب، فان الولايات المتحدة تهرع إلى اتخاذ مجموعة من التدابير السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية السريعة لإنقاذ الكيان الصهيوني من نتائج ذلك الاختلال، والإعادة وضع الميزان إلى ما كان عليه بحيث ينقلب ثانية لصالحه. من ذلك ما جرى في حرب 1973، وما اتخذته الولايات المتحدة من تدابير ومواقف ومبادرات، سواء في منظمة الأمم المتحدة، أو في إطار العلاقات الثنائية مع الدول الأخرى، وبخاصة مع الاتحاد السوفييتي، أو على صعيد حمايتها المباشرة للكيان الصهيوني حين نصبت جسراً جوياً وآخر بحرياً نقلت بهما كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات الحديثة والذخائر إلى هذا الكيان فاستعملها قواته في ميدان المعركة بشكل فوري، مما أدى إلى تطور القتال واتخاذه منحى جديداً، وحين دفعت أسطولها السادس مستقراً إلى شرقي البحر المتوسط، وعبأت قواتها المتمركزة في أوروبا، وبخاصة النووية، فدفعت العالم كله إلى حافة حرب نووية مدمرة. وإذا كانت المعادلة الخاصة بتوازن القوى بين الكيان الصهيوني والدول العربية قد فرضتها الإمبريالية والصهيونية لفترة من الزمن فإن الأساس الذي بنيت عليه تلك المعادلة قد اهتز اهتزازاً عنيفاً في حرب 1973 لأن حساب ميزان القوى بين (إسرائيل) والدول العربية أعقد بكثير من هذه العملية الحسابية المبسطة المضللة، فهو يتضمن مجموعة من العناصر والعوامل ليس السلاح سوى أحدها، وإن كان من أهمها ومن أكثرها تأثيراً وحسماً. ومن أجل التعرف على تطور التسلح في الدول العربية و(إسرائيل) يمكن العودة إلى الكتب والمنشورات الدورية التي تصدرها بعض مؤسسات الدراسات والبحوث مثل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن The International Institute for Strategic Studies  ومعهد ستوكهولم لبحث السلم الدولي،Stockholm International Peace Research Institute وغيرهما. المراجع: –         حسين عريضة: ميزان القوى العربي – الإسرائيلي 1974 – 1975، بيروت 1975. –         الهيثم الأيوبي وهشام عبد الله: ميزان القوى العربي – الإسرائيلي 1974، بيروت.