تهجير عرب فلسطين (سياسة)

تم التخطيط لصهيونية فلسطين وتهويد الأرض منذ المؤتمر الصهيوني* الأول الذي انعقد في بال عام 1897. وجعل من الأهداف الصهيونية “العمل على استعمار فلسطين بواسطة العمال الزراعيين والصناعيين اليهود وفق أسس مناسبة”. وفي عام 1901 نشطت الحركة الصهيونية في مجال شراء الأراضي في فلسطين، وتهجير اليهود إليها. عكف القادة في الحركة الصهيونية على وضع الخطط والسياسات اللازمة للتخلص من السكان الشرعيين لفلسطين أيام الانتداب البريطاني، فقد كتب يوسف فايتس – الذي عمل مدة طويلة مديراً للصندوق القومي اليهودي كما عمل مستشاراً لرئيس الحكومة الإسرائيلية للشؤون العربية – كتب في مذكراته الخاصة عام 1940: “بيننا وبين أنفسنا، يجب أن يكون واضحاً أنه لا يوجد مكان في البلاد للشعبين معاً … فمع وجود العرب لن نتمكن من تحقيق هدفنا المتمثل بأن نكون شعباً مستقلاً في هذه البلاد. إن الحل الوحيد هو أن تصبح أرض إسرائيل، وعلى الأقل أرض إسرائيل الغربية، بدون عرب … ولا توجد طريقة أخرى لتحقيق ذلك غير نقل العرب من هنا إلى الدول المجاورة، نقلهم جميعاً بحيث لا تبقى هنا قرية واحدة. ويجب أن يتم النقل إلى العراق وسورية، بل إلى شرقي الأردن. ولهذا الغرض سوف تتوفر الأموال، الكثير من الأموال. ومع هذا النقل فقط يمكن للبلاد أن تستوعب الملايين من إخوتنا … لا يوجد هناك بديل لذلك … وعلينا أن نقوم منذ الآن بدراسة البلدان المجاورة لكي نحدد قدرتها على استيعاب عرب أرض إسرائيل”. وعلى الرغم من اعتراف فايتس فإن عملية نقل السكان (أي طردهم بقوة السلاح) كانت خطة معدة سلفاً. لم ينجح تطبيق هذه الخطة تماماً، فقد بقي بعد حرب 1948* 156 ألف عربي لم تتمكن القوات الإسرائيلية من “نقلهم” وتمكنت هذه الأقلية العربية بفضل معدل تزايدها الطبيعي المرتفع من أن تصبح أكثر من 540 ألف نسمة حالياً. خططت الحركة الصهيونية، تحت حماية حراب الاستعمار البريطاني، لدعم وتنظيم الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ولتهجير شعب فلسطين العربي. فأقيمت الوكالة اليهودية* التي لعبت دور الحكومة، وأنشىء الهستدروت* لينظم عمال المدن. وأوجدت الكيبوتزات* لتعبىء العمال المزارعين، من اليهود وأنشئت الهاغاناه* لتكون نواه لجيش إسرائيل. كان هناك 43.000 من الييشوف*، رجالاً ونساء، يحملون السلاح كمتطوعين في جيوش الحلفاء عام 1942. وهذه القوة العسكرية التي استفادت من تأهيل عسكري جيد وأشرفت عليها الهاغاناه سياسياً ساهمت بتهجير العرب من فلسطين، وحسمت المعركة معهم عام 1948. ومن سياسات التهجير التي نفذتها الحركة الصهيونية منذ صدور وعد بلفور* عام 1917 سياسة تملك الأراضي بأية وسيلة، وهي السياسة التي جرى تنفيذها بمؤزارة الحكومة البريطانية التي دخلت إلى فلسطين عام 1918 لتنفيذ المشروع الصهيوني، وتحقيق شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. لقد كان اليهود يملكون 2.5% من أراضي فلسطين عام 1918 ارتفعت إلى 5.6 % في منتصف عام 1948. ولقد كانت الصهيونية* تريد الأرض الفلسطينية نفسها كمرحلة أساسية تتبعها مرحلة تهجير السكان العرب الأصلين. وقد كتب خبير الأراضي الصهيوني أغرنوفسكي: “إن مسألة الأراضي هي في الواقع مسألة حياة أو موت للصهيونية والوطن القومي، فإذا بقيت الأراضي بعيدة المنال لا يمكن تحقيق هدف الصهيونية”. لقد حصلت الحركة الصهيونية منذ عام 1875 على مساحات متفرقة من الأراضي هبة من الحكومة العثمانية بحجة إنشاء مدارس ومختبرات زراعية. واشترت من الملاك العرب مساحات أخرى بأثمان مغرية. كما حصلت بموجب صك الانتداب* على تسهيلات واسعة للاستيلاء على الأراضي، فمنحها حكومة الانتداب 300 ألف دونم من أراضي الدولة، كما أجرتها 100 ألف دونم بإيجار رمزي. وكان اليهود يملكون عند بداية الانتداب البريطاني 650 ألف دونم ارتفعت إلى 1.748.500 دونم في نهاية الانتداب. ولقد اتجهت الأطماع الصهيونية إلى الريف الفلسطيني لامتلاك الأراضي الزراعية فيه بشكل مخطط وهادف، وبذلك حرم الفلاحون والعمال الزراعيون من أخصب أراضيهم، وأغلقت أمامهم مجالات العمل والاستخدام، وهم الذين كانوا يشكلون 71% من مجموع السكان العرب في عام 1929. يقول سمبسون في تقريره الرسمي للحكومة البريطانية عن أسباب اضطرابات عام 1929 إن “النتيجة التي اسفر عنها شراء الصندوق القومي اليهودي للأراضي في فلسطين هي إخراج تلك الأراضي عن إقليم البلاد” …. والعربي لا يستطيع أن يجني منها أية منفعة حالياً أو في المستقبل، وهو محروم إلى الأبد، بموجب أحكام إيجار الصندوق القومي الصارمة، من الاستخدام في تلك الأرض” (رَ: سمبسون، تقرير). اعتمدت المؤسسات الصهيونية سياسية تهجير اقتصادية واجتماعية تتماشى مع واقع الاقتصاد الفلسطيني (الزراعي) ومجتمعه الريفي من خلال مجموعة قوانين عنصرية حولت الفلاحين وصغار المستأجرين إلى طبقة مسحوقة، وحرمتهم من أراضيهم، ومن حق العمل فيها، ودفعت بهم إلى الهجرة إلى المدن سعياً وراء العمل في أسوأ الشروط. لقد قدر عدد سكان الأحياء الفقيرة ومدن الصفيح من مهاجري الريف العرب في يافا والقدس وحيفا بـ 121 ألف نسمة. ومن بين سياسات التهجير التي جرى تطبيقها أيضاً سياسة العمل العبري (أي عدم استخدام الأيدي العاملة غير اليهودية) وغزو العمل، وسياسة الضرائب، وسياسة تأجيل الديون وتراكمها، وسياسة الأجور المتناقضة. لقد هدفت الحركة الصهيونية إلى أضعاف الشعب العربي الفلسطيني لصالح الأقلية اليهودية في فلسطين. فقد بعث أرلوزوروف مدير الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية بتاريخ 30/6/1932 رسالة سرية إلى وايزمان أجل فيها آراء بالنسبة إلى الاستراتيجية الصهيونية، فأشار إلى أن السياسة الصهيونية يجب ان يحكم عليها فقط من خلال “علاقة القوى للشعبين المتنافسين في البلاد” والسير في مراحل متتابعة” يكون العرب فيها غير قادرين على تشكيل عامل إزعاج لعملية نمو السكان اليهود … وتحقيق فترة انتقالية تمارس الأقلية اليهودية من خلالها حكماً ثورياً منظماً، ويتم وضع الجهاز الحكومي – الإدارة – والمؤسسة العسكرية في أيدي الأقلية”. ومهما يكن من أمر القوة الصهيونية فإنها ينبغي أن تقاس بالمقارنة بينها وبين القوة العربية المحلية. فقد خطط الصهيونيون لإقامة معامل أسلحة والإعداد منظمات إرهابية مقاتلة متكاملة وإنشاء قوات بشرية كقوات كتائب شباب الجدناع وقوات شرطة المستعمرات، ووضعوا تحت تصرف هذه المنظمات والقوات أسلحة متنوعة. أما قوة العرب فكانت تكمن في حقيقة إقامتهم في أراضيهم والعيش عليها في ثبات واستقرار دائمين، وأما هزيمتهم فتكمن في إخراجهم من مواقعهم وطردهم من أراضيهم. وقد استطاع الصهيونيون تحقيق ذلك عندما قاموا باحتلال المناطق التي انسحبت منها القوات البريطانية بصورة متلاحقة قبل حلول موعد إنهاء الانتداب في 15/5/1948. وتمكنوا من طرد الشعب الفلسطيني وإقامة خالة واقعية في فلسطين باستخدام العنف والإرهاب وتنفيذ المخططات اللاإنسانية للوصول إلى الأهداف الصهيونية. والإرهاب الصهيوني* ليس وليد اليوم أو الأمس، فهو يضرب بجذوره في أعماق الفكر والممارسة الصهيونيين. يقول جابوتنسكي: “إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء”. ويقول مناحيم بيغن: “كن أخي وإلا قتلتك”. وقد أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية رابطة عنصرية إرهابية بزعامة حاخام صهيوني متعصب يدعى “كهانا” تقوم بأعمال العنف والإرهاب ضد أي إنسان، أو جماعة، أو حتى أية دولة تقف في وجه الصهيونية. وقد أطلق عليها اسم “عصبة الدفاع اليهودي*”. وشكل كهانا فرعاً لرابطته في (إسرائيل) جمع فيه العناصر المتطرفة ضد العرب. كما أن عصابتي شتيرن (رَ: ليحي، منظمة) وإرغون نسفاي لئومي* هما العصابتان الإرهابيتان اللتان عاشتا في أرض فلسطين دماراً وبطشاً قبل قيام (دولة إسرائيل) وبعدها. ويروي غلوب (باشا) رئيس أركان الجيش الأردني سابقاً أن أحد الضباط البريطانيين سأل موظفاً يهودياً في حكومة فلسطين عن كيفية مواجهة (الدولة اليهودية) المرتقبة للصعوبات المحلية التي شتنشأ عن تمثيل العرب لنصف سكانها فأجابه: “إن ذلك سيجري تدبيره. بضعة مجازر مدبرة سوف تكفي للخلاص منهم تقريباً”. وقد أعلنت منظمة الإرغون رفضها لتوصيات الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وعزمها على القتال لتحقيق “الحقوق الصهيونية” كاملة. كما وضعت الهاغاناه خطة غزو المناطق غير المخصصة لليهود في مشروع التقسيم. وقد كانت العمليات الإرهابية تتم بتنسيق تام بين المنظمات الإرهابية العسكرية وبين القادة السياسيين. ومن أهم الأعمال الإرهابية الصهيونية التي تمت في ظل الانتداب البريطاني مذبحة دير ياسين* التي كانت ذات هدف واضح محدد هو إقناع السكان العرب بمغادرة البلاد. ولم يكن واقع المدن العربية الفلسطينية الأخرى التي هوجمت من قبل القوات الصهيونية أرحم حالاً من واقع دير ياسين، فقد كانت أعمال العنف والإرهاب خلال شهري نيسان وأيار من عام 1948 أحد الأسباب الرئيسة لهجرة عرب فلسطين، غير الإخلاء بالقوة وسياسة الحرب النفسية التي نفذها الصهيونيون باتقان حين أعلنوا عن “مسالك محددة يمكن للسكان أن يسلكوها للهروب من المجازر”. كما أعطت الأساليب التي كان الصهيونيون يتصرفون وقتها بعد احتلالهم للقرى والمدن العربية نتائج مماثلة إلى حد كبير بسبب انتشار الرهبة والفزع من مصير مماثل (رَ: الإرهاب الصهيوني). تقول لجنة خدمات الأصدقاء الأمريكيين “إن معظم هؤلاء الذين هربوا فعلوا ذلك بدافع من النزعة الإنسانية إلى الذعر حين نشوب الحرب والهرب من مناطق القتال”. وتضيف اللجنة قائلة “كما يمكن أن تعطي الطريقة التي هربت فيها المجموعات بل أعضاء العائلة الواحدة أفراداً في اتجاهات مختلفة فكرة عن درجة الذعر والرعب الذين انتشرا بينهم”. ولقد قامت المنظمات العسكرية الصهيونية بتنفيذ عملياتها الإرهابية ومجازرها ضمن خطط عسكرية، فوضعت الخطة “س –2″ للمرحلة الأولى التي حددت أهدافها الرئيسة بممارسة الضغط المستمر في كل مكان ضد الفلسطينيين”. وشن الغارات عليهم وتفجير الألغام. وقد أبدى العرب مقاومة غير عادية وتمكنوا من الاحتفاظ بمواقعهم. أما المرحلة الثانية فقد وضعت لها الخطة “دال*”. وتهدف هذه الخطة بصورة رئيسة “إلى السيطرة على المنطقة التي منحتها الأمم المتحدة لليهود بالإضافة إلى المناطق التي احتلتها القوات الصهيونية والتي تقع خارج منطقتهم، ثم تشكيل قوة تجابه احتمال قيام الجيوش العربية النظامية بعملية غزو بعد الخامس عشر من أيار”. وقد أطلق القادة الصهيونيون اسم خطة “دال” على الخطة العامة للعمليات العسكرية التي ستنفذ خلال شهر نيسان وأوائل شهر أيار 1948 في مختلف أنحاء فلسطين بهدف انتزاع فلسطين، وبعثرة الفلسطينيين وتدمير تمسكهم بأرضهم، ووضع فلسطين تحت الاحتلال العسكري الصهيوني. والعمليات العسكرية التي نفذت هي: عملية ناخشون، وهارئيل، ومسباراييم، وشاميتز، وجوفوسي، ويفتاح، وماتاتيه، ومكاني، وجدعون، وباراك، وبن عامي، والشوكة، وشيفيفون. وقد وصف بيغال آلون القائد العسكري لمنظمة البالماخ *الوسائل التي تبناها الصهيونيون لتحقيق أهدافهم من خلال هذه العمليات بقوله: “لم يبق أمامنا سوى خمسة أيام فقط قبل ذلك اليوم الذي ينذر بالتهديد، وهو يوم الخامس عشر من أيار. لقد رأينا أن هناك حاجة لتطهير الجليل الداخلي من السكان، العرب لنقيم منطقة إقليمية يهودية في كل أنحاء الجليل الأعلى. لقد أضعفت المعارك الطويلة قواتنا، وأمامنا تكمن واجبات كبيرة هي قفل الطريق أمام الغزو العربي، لهذا فقد بحثنا عن وسائل نتمكن بواسطتها من عدم استخدام قواتنا في المؤخرة، وبالتالي إجبار عشرات الآلاف من العرب العنيدين الذين بقوا في الجليل على الهرب، لأن هؤلاء السكان العرب سيضربون مؤخرة جيشنا في حال وقوع غزو عرب. لقد حاولنا استخدام تكتيك اعتمد على الأثر الذي خلفه سقوط صفد وهزيمة العرب في المنطقة التي تم تطهيرها بواسطة العملية (ماتاتيه). وقد أدى هذا التكتيك عمله بشكل باهر. لقد قمت بجمع المخاتير اليهود الذين لهم اتصالات مع العرب وطلبت منهم أن يهمسوا في آذان بعض العرب بأن تعزيزات يهودية ضخمة قد وصلت إلى الجليل، وأن اليهود سيقومون بإضرام النار في جميع قرى الحولة، ويجب أن يقترح هؤلاء على العرب بصفتهم أصدقاء لهم، أن يهربوا قبل أن يفوت الوقت. لقد انتشرت الإشاعة في جميع مناطق الحولة … وحققت هذه الخطة هدفها بالكامل، فلقد سقطت بناية مركز الشرطة في الخالصة دون إطلاق رصاصة واحدة من جانبنا، وجرى تطهير مناطق واسعة، وزال الخطر عن طرق النقل والمواصلات، وأصبح بإمكاننا أن ننظم أنفسنا ضد الغزاة على طول الحدود دون أن نخشى شيئاً بالنسبة لمؤخرتنا”. اعتمدت الدعاية الصهيونية على الأكذوبة المتمثلة في اتهام العرب الفلسطينيين بأنهم غادروا أراضيهم عام 1948 نزولاً عند أوامر زعمائهم. إن هدف التهمة تعد جزءاً من حملة عامة تهدف أول ما تهدف إلى تقويض التعاطف العالمي مع الشعب العربي الفلسطيني المهجر. إن مقولة هرب العرب من فلسطين تدحضها الخطط العسكرية الصهيونية، وسياسات الإرهاب والعنف، وسياسات تملك الأراضي وتنظيم الييشوف وتهجير سكان البلاد الشرعيين عبر خطط صهينة فلسطين وتهويد الأرض. يقول الكاتب تسفي شيلوح: “إن كل ولد يعرف اليوم أنه لولا هرب العرب الجماعي سنة 1948 لما كان لدولة إسرائيل، ولو حتى داخل حدود التقسيم التي حددتها الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947، أن تقوم، فكيف إذن داخل حدود الهدنة الموسعة التي تحددت في نهاية حرب التحرير!”. بعد نكبة عام 1948 والإعلان عن قيام (إسرائيل) تمكنت القوات الصهيونية من الاستيلاء على 77.4% من فلسطين بعد أن طردت وأجلت عنها سكانها العرب إلى ما وراء خطوط الهدنة، ما عدا أقلية لم تتجاوز آنئذ 156 ألف نسمة. وظهرت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على الساحة الدولية، وذكر تقرير لبعثة المسح الاقتصادي التابعة للأمم المتحدة في شهر كانون الأول 1949 أن نحو “726.000 فلسطيني، وهم الذين طردوا عنوة من ديارهم في أثناء حرب 1948، قد أصبحوا لاجئين لأن إسرائيل سدت عليهم سبل العودة إلى ديارهم”. ورغم أن قرارات الأمم المتحدة تؤكد سنة بعد أخرى ضرورة إعادة اللاجئين إلى ديارهم أو التعويض عليهم، إلا أن أياً من الأمرين لم يتم حتى الآن بسبب رفض (إسرائيل) هذه القرارات. لقد كان مجموع عدد اللاجئين في تقرير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين* (الأونروا) في أيلول عام 1970 نحو 1.436.840 لاجئاً. وهذا العدد هو أقل بكثير من العدد الحقيقي للاجئين لأن تعريف الأونروا للاجئين كان منذ البدء تعريفاً ضيقاً استثنى المقيمين في قطاع غزة وقرى الحدود على الأردن وبعض القبائل الرحل، وبذلك يشكل اللاجئون أكثر من نصف الشعب الفلسطيني، وهم محرومون من الدخول في علاقات إنتاجية زراعية على أرض الوطن، لا سيما أن 70% من اللاجئين كانوا من سكان الريف. وهذا ما يوضح الأسباب البعيدة وراء قيام (إسرائيل) بإغلاق حدودها في وجه اللاجئين ومنع عودتهم إلى بلادهم. يقول بن غوريون: “علينا أن نفعل كل شيء لمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة”. كما أن قيام القوات الصهيونية بتدمير القرى العربية كان أحد العوامل الرئيسة لنشوء مشكلة اللاجئين، فقد عمدت (إسرائيل) إلى اتباع سياسة تدمير القرى العربية لتؤكد للفلسطينيين أن علاقاتهم بأوطانهم قد انتهت، وأن فلسطين لم تعد وطناً لهم، ولتكوين حقيقة ثابتة لدى الصهيونيين المقيمين في فلسطين بأن الفلسطينيين لن يعودوا إلى قراهم أبداً. لقد تحرى وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت حال قريتين معينتين، وكتب في تقريره أنهما تعرضتا لهجوم الصهيونيين بدون أي تبرير، واضطر السكان لإخلائهما، ثم جرى تدميرهما. ويذكر الدكتور يسرائيل شاحاك في مقدمة تقرير أعده: “إن الحقيقة حول القرى العربية التي كانت موجودة قبل عام 1948، ضمن نطاق الأراضي المقامة عليها دولة إسرائيل تعد من أشد الأسرار صوناً في الحياة الإسرائيلية، فلا توجد نشرة أو كتاب أو كراس يتحدث عن عددها أو عن مواقعها. وهذا أمر مقصود، وذلك من أجل أن تكون الأسطورة الرسمية المقبولة المتحدثة عن بلاد فارغة قابلة للتعليم في المدارس الإسرائيلية، ولروايتها للزوار والسياح”. ويعرض الدكتور شاحاك في تقريره قائمة بأسماء 385 قرية عربية قامت السلطات الإسرائيلية بهدمها وإزالة جميع معالمها من أصل 475 قرية كانت موجودة قبل عام 1948. وقد تعرضت الأقلية العربية المحاصرة في (إسرائيل) إلى الاضطهاد القومي والتمييز العنصري، فمنذ إعلان قيام الدولة الصهيونية فرض على العرب الحكم العسكري الذي تنص قوانينه على حرمان الخاضعين له من كل حقوق المواطنة الأساسية. يقول البروفسور فوتيه: “إن إسرائيل ليست عنصرية فقط بل هي العنصرية ذاتها. ولما طلبت من يسرائيل شاحاك (الذي يعمل في الجامعة العبرية) تعريف إسرائيل بكلمات ثلاث فقط، قال عنها هي “عنصرية، إرهاب، نازية”، وقال أخيراً “إنني انحزت إلى جانب معسكر الفقراء … المعسكر الأكثر فقراً … المحرومين من كل شيء … معسكر الفلسطينيين”، و”إن معسكر الفقراء لا يقاوم ولا يهزم”. كما لجأت (إسرائيل) إلى اتخاذ شتى الإجراءات الممكنة الرامية إلى مصادرة الأراضي التي يمتلكها العرب، سواء المقيم منهم أو الموجود خارج (إسرائيل). وكان هدفها الرئيسي من وراء قيامها بمصادرة الأراضي والأملاك هو إنهاء الروابط التي تربط الفلسطينيين بوطنهم الأم فلسطين، وحرمانهم من أهم مصادر عيشتهم سعياً إلى تهجيرهم من أراضيهم تحت وطأة الحاجة والفقر، وتحويلهم من مزارعين متمسكين بالأرض العربية إلى عمال مأجورين بعيدين عن أراضيهم وذويهم يتعرضون للبطش والإرهاب المستمرين وللقوانين القمعية. لقد قامت القوات الأمنية، والقوات العسكرية الإسرائيلية، والوحدة التي عرفت باسم الوحدة رقم 101 بغارات وحشية انتقامية ضد القرى العربية أثارت استنكار الرأي العام العالمي ضد (إسرائيل) كالمغارة التي تعرضت لها قرية قبية في شهر تشرين الأول 1953 وقرية كفر قاسم عام 1956 (رَ: قبية، مذبحة) و(رَ: كفر قاسم، مذبحة). لقد كانت (إسرائيل) تفضل أن ترى فلسطين “نظيفة” كلياً من العرب، كما قال بن غوريون مرة، ولكن بقاء عدد قليل منهم جعل (إسرائيل) تخطط لتحويل العرب إلى مجموعة بشرية مبعثرة وضائعة في أسفل المجتمع الصهيوني من جهة وذائبة ومستوعبة في الاقتصاد الصهيوني من جهة أخرى. إنها تريد أن يحتفي العرب من أراضيها، ولكن ليس عن طريق طردهم إلى خارج (الدولة) هذه المرة، بل طردهم إلى داخلها، أي تحويل الفلسطينيين إلى جيش الفقر في المدن الإسرائيلية وتسخيرهم لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي ودفعهم “للتخصص” في الأعمال الشاقة وأعمال الخدمات. لقد قامت (إسرائيل) بعملية اقتلاع اجتماعي، ونفي من الجذور، وسحق شعب بأسره، لصالح غزاة أجانب. لقد مضى نيف وخمسون عاماً على قيام (دولة إسرائيل) وما زال قادة هذه الدولة يفكرون بالتخلص من الأقلية العربية فيها، وفي ذلك يورد تسفي شيلوح ما قاله رئيس الوزاء السابق إسحق رابين “إن المشكلة الفلسطينية هي بالفعل إحدى المشاكل المعقدة في النزاع العربي – الإسرائيلي، غير أن مشاكل مثلها قد حلت في العالم المتمدن. لنأخذ على سبيل المثال الوضع بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أمكن آنذاك حل مثل هذه المشكلة عن طريق تبادل السكان. وبالطبع لا داعي لاستخدام القوة مثلما فعلت روسيا ذلك في الماضي، انني أعتقد أن بالإمكان نقل السكان بدون استخدام القوة”. المراجع: –         يوسف فايتس: مقالة منشورة في صحيفة دافار الإسرائيلية بتاريخ 9/9/1967. –         محمد حافظ يعقوب: نظرة جديدة إلى تاريخ القضية الفلسطينية 1918 – 1948، بيروت 1973. –         تسفي شيلوح: مقال “أقوال واضحة لعرب إسرائيل”، صحيفة يديعوت أحرنوت بتاريخ 21/3/1976. –         جون ديفز: كيف ولماذا هرب الفلسطينيين من فلسطين؟ مجلة الشرق الأوسط العالمية، المجلد الأول، العدد الثاني، أيار 1971. –         وليد خالدي: خطة دالت (دال D)، مجلة الشرق الأوسط العالمية، المجلد 37، العدد 9، تشئرين الثاني 1961. –         أسعد رزوق: الصهيونية وحقوق الإنسان العربي، بيروت 1968 –         حبيب قهوجي: عرب فلسطين المحتلة عام 1948، انتماء وصمود، دمشق 1976. تهويد: رَ: الحرم القدسي الشريف        رَ: الخليل        رَ: القدس تهويد الجليل (مشروع -): رَ: الجليل (انتفاضة -)