فندق بلتمور

تبنى هذا البرنامج مجلس الطوارىء التابع للمنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال اجتماع غير عادي عقد في 11/5/1942 في فندق بلتمور في مدينة نيويورك. وقد مثل البرنامج انعطافاً هاماً في تاريخ الحركة الصهيونية، وحدثاً بارزاً على صعيد علاقات هذه الحركة بالدول العظمى. فقد تضمنت بنود البرنامج لأول مرة في تاريخ الحركة الصهيونية مطالبة صريحة لمؤسسة صهيونية تمثيلية بقيام دولة يهودية في فلسطين. وبذلك أكد هذا البرنامج علناً الشكوك التي كانت تساور بعض معارضي الصهيونية، ومالها أن هدف الجهود الصهيونية الرئيس في فلسطين هو فرض السيادة الصهيونية على البلاد. وكان طرح مطلب إقامة الدولة اليهودية في فلسطين في وقت مناسب جداً. فقد كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، وكان العالم قد أخذ يعرف المجازر التي ارتكبها النازيون، والنكبات التي حلت ببعض الشعوب الأوروبية على أيديهم، وأصابت بشرورها بعض يهود أوروبا. لذلك كان سعي الصهيونية إلى إقامة الدولة اليهودية في فلسطين يرتبط في ذلك الحين بما حل بشعوب أوروبا من مظالم نازية. وكان “حل” مشكلة اللاجئين اليهود الهاربين من الإبادة الهتلرية يعني انتقال اليهود الناجين إلى فلسطين. وكان المغزى الكامن وراء اختيار عقد المؤتمر في الولايات المتحدة يوازي في أهميته توقيت المؤتمر فاختيار نيويورك مكاناً يتم فيه الإعلان عن أمر حاسم في تاريخ الصهيونية يمثل صلب البرنامج السياسي الصهيوني في الحقيقة يدل على أهمية الجالية اليهودية الأمريكية المتزايدة في الحركة الصهيونية ويعترف بها. لقد كانت الحركة الصهيونية تركز جهودها من قبل على الجاليات اليهودية الأوروبية، وتصب معظم جهودها السياسية على بريطانيا الدولة المنتدبة في فلسطين. لكن هذه الحركة أخذت تحول اهتمامها وجهودها إلى الجالية اليهودية الأمريكية الكبيرة، وصوب الولايات المتحدة الأمريكية. لقد مثل برنامج بلتمور في المقام الأول اعترافاً ضمنياً من جانب زعماء الحركة الصهيونية العالمية بأن محور نشاطهم السياسي ودعاياتهم قد أصبح في الولايات المتحدة لا في بريطانيا. ويرجع سبب ذلك إلى سخط معظم الزعماء الصهيونيين على بريطانيا لإعلانها الكتاب الأبيض عام 1939 (رَ: ماكدونالد، كتاب – الأبيض)، وهو أمر عدته الحركة الصهيونية بداية تراجع بريطاني أمام الرأي العربي كما ظهر خلال مؤتمر سان جيمس عام 1939 وما تلاه من مراحل سبقت الحرب مباشرة (رَ: لندن، مؤتمر – 1939). كذلك يرجع السبب في هذا الاعتراف الضمني بأهمية الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن القيادة الصهيونية رأت أن الولايات المتحدة قد بدأت تتبوأ مقعد الزعامة في المعسكر الغربي بما تملك من قدرات هائلة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهذا يجعلها جديرة بدور الحليف الأساسي للحركة الصهيونية أكثر من بريطانيا. ومن هنا كان برنامج بلتمور رمز تغيير في تحالفات الحركة الصهيونية يوازي في أهميته ما قام من تحالف قوي مع بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى على يد وايزمن نفسه. وقد ضمنت الحركة الصهيونية بارتباطها بالولايات المتحدة، أن يكون النجاح حليف برنامجها الجديد، وأن يكون هدفها الذي طرحته قريب المنال سهل الظهور إلى حيز التنفيذ. وقد تلخصت معظم المطالب الصهيونية الهامة في برنامج بلتمور في النقاط الختامية الثلاث التالية: “1) يدعو المؤتمر إلى تحقيق الهدف الأصلي لوعد بلفور* والانتداب الذي يعترف بالعلاقة التاريخية بين الشعب اليهودي وفلسطين ويهدف إلى منح هذا الشعب، كما قال الرئيس ولسن، الفرصة لتأسيس دولة كومونولث (Commonwealth) يهودية هناك. ويؤكد المؤتمر رفضه التام للكتاب الأبيض الصادر في شهر أيار عام 1939، كما ينفي صحته المعنوية والقانونية. والكتاب الأبيض يرمي إلى تضييق الحقوق اليهودية في الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها إلى حد يعني واقعياً إلغاء هذه الحقوق. وهذا الكتاب، كما قال المستر ونستون تشرشل في مجلس العموم في أيار عام 1939، يمثل خرقاً لوعد بلفور وتنكراً له. وسياسة هذا الكتاب سياسة فظة لا يمكن الدفاع عنها لأنها ترفض أن تمنح الملاذ لليهود الفارين من الاضطهاد النازي. وفي الوقت الذي أصبحت فيه فلسطين محوراً من محاور جبهات الحرب في مجموعة الأمم الحليفة وأصبح من واجب اليهود في فلسطين أن يقدموا كل طاقاتهم الإنسانية للمزرعة والمصنع والمعسكر، في هذا الوقت غدت هذه السياسة تتناقض مباشرة مع مصالح الجهد الحربي لدى الحلفاء. “2) وفي الصراع ضد قوى العدوان والظلم التي كان اليهود أول ضحاياها، والتي تهدد الأن الوطن القومي اليهودي، يجدر الاعتراف بحق اليهود في فلسطين في أن يلعبوا دورهم كاملاً في المجهود الحربي، وفي الدفاع عن بلدهم على يد قوة عسكرية يهودية تحارب تحت رايتها الخاصة، وبقيادة الأمم الحليفة العليا”. 3) يعلن المؤتمر أن “نظام العالم الجديد بعد النصر لا يمكن أن يرسى على مبادىء السلام والعدل والمساواة ما لم يتم حل مشكلة تهجير اليهود حلاً نهائياً”. ويوصي المؤتمر “أن تفتح أبواب فلسطين على مصراعيها أمام اليهود. وأن تمنح الوكالة اليهودية* حق السيطرة على الهجرة إلى فلسطين، مع ما يتبع ذلك من سلطة لأجل تعمير البلد بما في ذلك تطوير الأراضي غير الآهلة وغير المزروعة، وأن يصار إلى تأسيس فلسطين كدولة كومونولث يهودية تدمج فيإاطار العالم الديمقراطي الجديد، وعندئذ فقط يتم تقويم ذلك الظلم الذي لحق منذ الأزل بالشعب اليهودي”. البلد (وادي-): رَ: شوباش (وادي -)