بيبرس

(625-676هـ) (1228-1277م) ركن الدين ، الملك الظاهر بيبرس العلاني البنقداري الصالحي. كان مملوك الأمير علاد الدين أيدكين البندقدار. ولما قضى الملك الصالح الأيوبي على الأمير علاء الدين، أخذ مملوكه بيبرس، وقربه إليه، ثم أعتقه. وقد أصبح بيبرس “أتابك العساكر” في مصر، أيام الملك المظفر قطز*، وقاتل معه التتار* في فلسطين، ثم تولى سلطنة مصر والشام، بعد أن قتل قطز عام 658هـ/1259م.  تصدى بيبرس للفرنجة* وقاتلهم، وانتصر عليهم في وقائع كثيرة، وسيطر على الكثير من المواقع، لا سيما في الساحل الفلسطيني، وحقق انتصارات حاسمة عليهم، وقضى على مملكة أنطاكية عام 667هـ/1268م. وهو أكبر نصر للمسلمين على الفرنجة، منذ تحرير صلاح الدين الأيوبي* لبيت المقدس، عام 583هـ/1187م. وكان بيبرس شجاعاً، باشر الحروب بنفسه، في معظم الأحيان، واتسمت زحوفه السريعة المفاجئة بالتخطيط الحربي المتميز. وفي عهده لم يعد الصليبيون يحتلون سوى رقعة ساحلية ضيقة، في حين سيطر المسلمون على جميع المرتفعات المشرفة عليها، وامتدت حدود مصر إلى عكا* فكان ذلك إشارة إلى قرب نهاية مملكة عكا الصليبية (رَ: عكا المملكة الصليبية الساحلية). انصرف بيبرس إلى قتال الفرنجة، منذ السنوات الأولى من سلطاته، بعد فشل المفاوضات معهم، لأنهم لم يوافقوا على شروطه لإقامة صلح معهم، فغضب ونقل أسرارهم من نابلس* إلى دمشق، وأخذت عساكره تغير على الساحل الفلسطيني، وتستطلع قوة الفرنجة، وحال المنطقة، وتتعرف على مواطن القوة والضعف هناك. وقد أغارت عساكره على الناصرة*، ووصلت أبواب عكا، عام 662هـ/1263م، فانتصرت وغنمت من غير مقاومة تذكر. ثم خرج السلطان بنفسه إلى فلسطين، فطلب منه الفرنجة تجديد الهدنة معهم، فرفض، وأغار جنده على بعض مواقع الفرنجة، وهاجم عكا بنفسه، ليعرف قوة تحصيناتها. خرج بيبرس إلى فلسطين، عام 664هـ/1265م وحاصر قيسارية*، وفتحها، ثم هدم أسوارها، وأرسل قواته فهدمت قلعة الملوحة الفرنجية، وهاجمت عتليت، ثم هاجم قسم من جيشه حيفا* وخرب قلعتها، بعد أن هرب الفرنجة إلى عرض البحر، وتم له فتح أرسوف*، فهدم أبراجها في السنة نفسها، بعد أن قتل، وأسر الكثيرين. عاد بيبرس في السنة التالية إلى فلسطين، وأغارت عساكره على عدد من المواقع، والمدن ثم توجه الجيش الجيش إلى صفد*، التي كانت بحماية فرسان الداوية*، فحاصرها وأجبرهم على الاستسلام، وهدم أسوارها، لكنه عاد في السنة التالية ورسمها، وحصن القلعة وشحنها بالرجال، لاتخاذها مركزاً متقدماً للهجوم على الفرنجة في الساحل الفلسطيني، ونجم عن استرجاع صفد تكوين أول نيابة له في فلسطين، هي “نيابة صفد” (رَ:الإدارة). تمكن بيبرس من فتح هونين* وتبنين، والرملة*، وقرر عام 666هـ/ 1268م، فتح يافا* ولما وصل إلى العوجا*، عرض عليه فرنجة يافا تسليم المدينة والقلعة لقاء إطلاق سراحهم بأموالهم وأولادهم، فوافقتهم، ثم شرع يهدم القلعة ويبني الجوامع فيها. ونظم أمور السواحل، وأمر بإقامة التركمان فيها ليضمن حماية المنطقة والمحافظة عليها، ثم جهز في الوقت نفسه جيشاً سار به إلى الشقيف الذي كان من أمتع الحصون وأحسنها، وتمكن من إيقاع الخلاف بين فرنجة الشقيف وفرنجة عكا، مما سهل عليه فتح الحصن. اتبع بيبرس سياسة ذكية في حربه مع الفرنجة، اعتمدت على مهادنة بعضهم دون الآخرين، والإيقاع بينهم، واتياع التخطيط والحيلة والمباغتة في تحركاته، مما حال دون تجميع الفرنجة في جبهة واحدة، وسهل عليه فتح الشقيف ومهاجمة عكا وصور وقبرص، والانفراد بأنطاكية، وتحريرها عام 667هـ/1268م، فجاءه فرنجة عكا يحملون إليه الهدايا، ويطلبون الصلح، فوافقهم على عقد هدنة، مدتها عشر سنوات، وعشرة أشهر، وعشرة أيام وعشر ساعات تبدأ من 22 رمضان من عام (670هـ/ 1272م)، على أن تكون أعمال عكا مناصفة بين الطرفين ويستولي هو على المرتفعات المحيطة بصيدا، وبذا تقلص النفوذ الفرنجي من الساحل الفلسطيني. توفي بيبرس في دمشق، ودفن فيها، وقبره فيها معروف، أقيمت حوله دار الكتب الظاهرية وهي في الأصل المدرسة الظاهرية الجوانية، التي بنيت في 5 جمادى الأولى من عام 676هـ/1180م لتكون مدرسة وداراً للحديث. وكانت قبل البناء داراً للعقيقي، صاحب الحمام بباب البريد أحمد بن الحسين بن أحمد بن علي المتوفى عام 378هـ، والتي آلت إلى الملك نجم الدين أيوب بن شادي والد صلاح الدين الأيوبي، عام 568هـ، ثم اشتراها الظاهر بيبرس، وبني بها مجمعه العمراني، وكتب على مدخلها أسماء الأماكن التي أوقفها على خدمتها. وقد كتب المؤرخون عنه الكثير، وتحدثوا عن أخباره، وآثارها، وعمائره واتخذوا سيرته مثالاً للحزم والعزم والبطولة. المراجع: –         أبو الفداء: المختصر في أخبار البشر، القاهرة 1325هـ. –         ابن خلكان: وفيات الأعيان، بيروت 1968 – 1972م. –         النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، 1/48 هامش “2”، ص 49 – 359. –         اليونيني: ذيل مرآة الزمان، حيدر أباد الدكن، 1954 – 1961م. –          رقم 4743 من R.C.E.A.رقم (40) من SAUVAGET.M.M.D. –         ستيفن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية (مترجم)، بيروت، 1967 – 1969م. –         سعيد عبد الفتاح عاشور: الظاهر بيبرس، القاهرة، 1963م. –         سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، القاهرة 1963م. –         صلاح الدين المنجد: مخطط دمشق، رقم “34”.