الهدنة الأولى والهدنة الثانية بين الدول العربية وإسرائيل (اتفاقيتا)

في منتصف ليلة 14-15/5/1948 غادر المندوب السامي البريطاني مينء حيفا* معلنا نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين رغم حالة الاضطراب والصدامات المسلحة التي كانت تسود البلاد بين سكانها العرب والمستوطنين الصهيونيين الغزاة المسلحين والمنظمين عسكريا. وفي الوقت ذاته زحفت الجيوش العربية على فلسطين (رَ: حرب 1948) من الشمال والشرق والجنوب وأعلنت حالة الحصار البحري، وقد صاحب الزحف العربي مذكرة عن دخول قوات الدول العربية في فلسطين وجهتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إلى الأمم المتحدة ثم أقيمت على شكل بيان للحكومات العربية. ولم يمض أسبوعان على الزحف العربي حتى كانت الجيوش العربية تسيطر على المناطق المخصصة للعرب طبقا لمشروع التقسيم، باستثناء يافا* وقسم من الجليل الأعلى (رَ: تقسيم فلسطين)، وتوشك أن تحدق بتل أبيب*، وبات متوقعا أن تتمكن القوات العربية من انهاء عملياتها الحربية في فترة قصيرة بعد ما ظن الناس إلى التصربات وشيكا. أ- الهدنة الأولى: إزاء هذا الوضع استنجدت السلطات الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية التي سارعت إلى مجلس الأمن تقترح أن يقرر أن الحالة في فلسطين تهدد السلم، وذلك كمقدمة لتدخل المجلس في النزاع ومنع القتال بالقوة وتطبيق العقوبات التي يمض عليها ميثاق الأمم المتحدة ما لم يخضع العرب لقرارته. وفي 22/5/1948 اتخذ مجلس الأمن قرارا أوجه فيه النداء إلى المتحاربين بوقف القتال خلال ست وثلاثين ساعة من منتصف ليلة 22-23 أيار. ولكن الحكومات العربية رفضت الاستجابة لهذا النداء “ليس في فلسطين حرب رسمية بين دولتين، ولأن العرب انما يقاتلون عصابات باغية بالآمتين وشردتهم، ولأن وقف قتالهم حظر على سلامة الجيوش وفسح للغدر اليهودي واضرار بمركز فلسطين كوحدة سياسية وبمركز العرب الذين صرحوا مرارا بأنهم لا يرون حلا عادلا لقضية فلسطين الا بقيام دولة فلسطينية موحدة”. لكن مجلس الأمن عاد وكرر نداءه طالبا واقرار الهدنة. وفي هذه المرة صاحب النساء ضفط على العرب لقبولها فقد أعلن المندوب البريطاني في مجلس الأمن أن حكومة بلاده مستعدة لأن تعيد النظر في الاعانة التي تقدمها إلى حكومة شرق الأردن على ضوء القرارات التي تتخذها هيئة الأمم المتحدة، وأنه اذا قرر مجلس الأمن فرض حظر عام على ارسال الأسلحة إلى العرب واليهود فان بريطانيا ستوقف ارسال الاسلحة إلى مصر والعراق والأردن رغم ما يربطها بهذه البلاد من معاهدات في هذا الشأن. وتقدمت بريطانيا إلى مجلس الأمن بمشروع يدعو الطرفين إلى وقف القتال مدة أربعة أسابيع مع التعهد بعدم ارسال محاربين ومواد حربية إلى فلسطين في أثناء هذه المدة وتطبيق العقوبات المدنية والعسكرية على من يخالف الأمر. وفي 29/5/1947 أقر مجلس الأمن الاقتراحات البريطانية بقراره رقم 50 الجلسة رقم 310 التي صوت فيها على المشروع جزءا جزءا لا عليه برمته. وفي هذه الأثناء كانت الأمم المتحدة قد توصلت إلى الاتفاق على شخص وسيط دولي فوضته أن يتصل – بمجرد وقف القتال – بجميع الأطراف للوصول إلى حل عادل لقضية فلسطين وخولته حق تحديد وقف اطلاق النار. وكان هذا الوسيط الكونت السويدي فولك برنادوت الذي سمي رسميا للمهمة بتاريخ 20/5/1948. قبلت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية طلب مجلس الأمن في 2/6/1948. وقد جاء في ردها على المجلس ما يلي: “ان تلبية الدول العربية لدعوة مجلس الأمن إلى وقف القتال أربعة أسابيع مع اخفاق جميع المحاولات الأكثر دليل على صادق رغبتها في التعاون مع الأمم المتحدة للوصول إلى هذا الحل على الرغم من تمكن جيوشها من ناصية الأمر”. وقبل الاسرائيليون كذلك الهدنة ولكنهم قرنوا القبول بزعمهم أن قيان دولتهم أصبح أمرا مفروغا منه. وفي 7/6/1948 وجه الكونت برنادوت إلى الفريقين المتنازعين مذكرة بشروطه وتفسيراته معينا الساعة السادسة من صباح الجمعة 11/6/1948 موعدا لوقف النار أربعة أسابيع باشرافه واشراف مساعديه. وأوقف القتال في الموعد المحدد فعلا وكان وقفه كارثة على العرب فقد انسحب البريطانيون من ميناء حيفا خلال فترة الهدنة (مع أن الحكومة البريطانية كانت قد أعلنت قبل الهدنة أن انسحابها النهائي من ذلك الميناء لن يكون قبل شهر آب) فأتاحوا للاسرائيليون فرصة استخدام هذا الميناء لأغراضهم الحربية بعد أن أحدث سلاح الجو المصري دمارا كبيرا في ميناء تل أبيب قبل وقف اطلاق النار. كما استطاع الاسرائيليون جلب كميات كبيرة من السلاح بأنواعه المختلفة وتمكنوا من تموين مستعمراتهم المعزولة معاونة لها على احتمال المقاومة لفترة أطول، وقاموا بتصفية المقاومة العربية الكائنة ضمن مناطقهم فضمنوا سلامة خطوط مواصلاتهم. وفي 27/6/1948 أرسل الوسيط الدولي إلى الحكومات العربية و(إسرائيل) مذكرة ضمنها المقترحات التي رأى أنها تصلح أساسا لتسوية سلمية وتتلخص بما يلي: 1) تأليف اتحاد في فلسطين يضم دولتين مستقلتين احداهما عربية تثمل شرقي الأردن وتدخل فيها منطقة النقب* بم فيها مدينتا المجدل* والفالوجة* ومنطقة اللد* والرملة*. والثانية يهودية تدخل فيها منطقة الجليل الغربي. وتعين حدود الدولتين بمساعدة الوسيط. 2) تضم مدينة القدس* إلى الأراضي العربية على أن تمنح الطائفة اليهودية فيها استقلالا ذاتيا. 3) يبحث في مركز يافا وتسوى قضبته على حدة. 4) لسكان فلسطين الذين غادروها بسبب الظروف المترتبة على النزاع القائم الحق في العودة إلى بلادهم دون قيد، واسترجاع ممتلكاتهم. 5) تكون الهجرة إلى اقليم دولتي الاتحاد في السنتين الأوليين من اختصاص كل دولة حسب قدرتها على الاستيعاب، ويكون من حق كل من دولتي الاتحاد أن تطلب إلى مجلس الاتحاد اعادة النظر في سياسة الهجرة التي تسير عليها الدولة الأخرى. فان عجز المجلس عن الوصول إلى قرار في هذه المسألة وجبت احالتها على المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة ويكون قراره ملزما ونهائيا. بيد أن العرب واليهود رفضوا مقترحات الوسيط كل لأسبابه وقد رفضها العرب للأسباب التالية: 1) ان مقترحات برنادوت تكاد تماثل ما سبق أن أوصت به لجنة بيل* لعام 1937، بل زادت عليها أنها اعتبرت شرقي الأردن جزءا من فلسطين في حين أنه دولة مستقلة ذات سيادة معترف بها دوليا. 2) ان تلك المقترحات تجاوزت قرار التقسيم الذي أوصت به الجمعية العامة للأمم المتحدة لأنها تفسح المجال للهجرة اليهودية في جميع أنحاء فلسطين بل وشرقي الأردن أيضا في حين فقصر قرار الجمعية العامة الهجرة على المنطقة التي عينت للدولة اليهودية المقترحة ضمن حدود فلسطين الدولية. 3) ولا يشفع للمقترحات ما استحدثته بشأن الاتجاه للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، بل هو على العكس مما يؤخذ عليها لأنه يؤدي إلى استمرار النزاع بين دولتي الاتحاد اذ سيخذ اليهود منه ذريعة دوما لمحاولة فرض هجرة يهودية واسعة على المنطقة العربية. وأما اليهود فقد رفضوا مقترحات برنادوت لأنها تعطي النقب والقدس للغرب وتطالب باعادة اللاجئين. أما رفض الطرفين لمقترحاته طلب الكونت برنادوت مد أجل الهدنة. ولكن اللجنة السياسية جامعة الدول العربية رفضت ذلك لأنه – كما جاء في مذكرتها إلى الوسيط الدولي ومجلس الأمن ليلة 9 – 10/7/1948- “مما يصيب قضيتا ويصيب هدفنا النهائي، وهو استقرار السلام في الشرق الأوسط، ببالغ الضرر أن تمنح خصمنا الفرصة الكاملة لتقوية جنوده وتنظيمهم ليواصل تحديه الدموي للشعوب العربية. ولقد أثبتت لنا تجاربنا الأخيرة انه حينما كانت سيول المهاجرين تتدفق على فلسطين خلال الهدنة بصورة واسعة لم يسبق لها مثيل كان اللاجئين العرب يخرجون جماعات من فلسطين هاربين من اضطهاد الارهاب اليهودي وتعسف السلطات اليهودية. فالهدنة بوضعها الحاضر هي لصالح جانب دون الآخر.وفي استطاعة الكونت برنادوت مواصلة عمله لايجاد حل عادل دائم مع استعداد العرب للتعاون معه في سبيل ايجاده”. ب- استئناف القتال: وفي 9/7/1948 استؤنف القتال على كافة الجبهات ولكن الرياح لم تجر هذه المرة بما اشتبهت السفن العربية لما قدمنا من استعداد الإسرائيليين الملحوظ للمعركة على عكس العرب. وهكذا انسحبت القوات الأردنية من اللد والرملة فاحتلهما الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي سهل لهم الاستيلاء على مناطق أخرى وأتاح أن يركزوا حملتهم على القوات المصرية بقصد اجلائها عن النقب، وعلى القوات السورية واللبنانية بقصد ردها عن المواقع التي تقدمت اليها داخل فلسطين. وقد رأى الوسيط الدولي، بعدما رفض العرب طلبه بمد الهدنة، أن يلجأ إلى مجلس الأمن ليأمر بوقف اطلاق النار ولو بالقوة اذا رفض الفريقان ذلك. وانتصرت لهذا الرأي كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. وفعلا أصدر مجلس الأمن قرارا في 15/7/1948 برقم 54 يقضي باعتبار الحالة تهديدا للسلم وأمر الفريقين بالكف عن أي عمل عسكري ووقف اطلاق النار في الموعد الذي يحدده الوسيط الدولي. وأمام هذا الواقع المرقبلت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية قرار مجلس الأمن مسجلة رأيها في مذكرة وجهتها اليه بتاريخ 19/7/1948 وجاء فيها أن الحكومات العربية “لا ترى تعليلا لموقف مجلس الأمن الا رغبة بعض الدول الكبرى في تمكين اليهود من فلسطين على حساب العرب والانسانية تحقيقا لمآربها الخاصة”. ج- الهدنة الثانية: استنادا إلى قرار مجلس الأمن جدد برنادوت يوم السبت 19/7/1948 موعدا لوقف اطلاق النار في القدس ويوم الاثنين 21/7/1948 موعدا لوقف اطلاق النار في سائر الجبهات. وعاد برنادوت إلى منطقة النزاع لبضع مقترحات جديدة ضمنها تقريره الذي نشر في باريس في 20/9/1948 وجاء فيه: 1) يجب أن يعترف العالم العربي بأنه أصبحت في فلسطين دولة يهودية ذات سيادة قائمة قوية تدعى دولة اسرائيل، وهي تمارس سلطاتها غير منقوصة على جميع الأراضي التي تحتلها، وليس هناك مجال للاعتقاد بأنها لن تعمر طويلا. “2) يجب تنفيذ حدود هذه الدولة بما نص عليه مشروع التقسيم في 29 تشرين الثاني 1947 مع التعديلات التالية: (1) تضم منطقة النقب في الأراضي العربية فيها مدينتا المجدل والفالوجة. (2) تخرج اللد والرملة من الدولة اليهودية (3) تضم منطقة الجليل برمتها إلى الدولة اليهودية. “6) بالنظر الى العلاقات الاقتصادية والتاريخية والجغرافية والسياسية بين المنطقة العربية في فلسطين وشرقي الأردن هنالك من الأسباب القوية ما يجعل على ضم هذه الأراضي الى شرقي الأردن. “7) تعلن حيفا بما في ذلك منشآت البترول مرفأ حرا ويعطى للدول العربية ذات الشأن منفذ الى البحر على أن تتعهد بضمان استمرار تدفق البترول العربي. “8) يعلن مطار اللد مطارا حرا ويعطى للدول العربية المعنية منفذ اليه. “9) ينبغي وضع القدس تحت اشراف هيئة الأمم المتحدة على أن يعطي العرب واليهود فيها أكبر مدى من الادارة المحلية وتضمن حرية العبادة وزيارة الأماكن المقدسة لمن يرغب في زيارتها. “10) يجب أن تؤكد هيئة الأمم المتحدة حق الذين شردوا من بيوتهم بسبب الارهاب الحالي في العودة إلى ديارهم وتدفع تعويضات عن المملكات لمن لا يرغب في العودة. “12) تقوم منظمة الأمم المتحدة بتشكيل مجلس فني لتعيين الجنود أولا ثم للعمل على توثيق العلاقات بين الدولة اليهودية والعرب” (رَ: برنادوت، مشروع). وواضح أن هذا التقرير، رغم ما فيه من منح سخية (لاسرائيل)، لم يعجب الإسرائيليين الذين يبدو أنهم أطلعوا على فحواه قبل نشره فاغتالت عصاباتهم الكونت برنادوت في17/9/1948. وجاء الدكتور رالف بالش الأمريكي يخلف الكونت برنادوت كوسيط دولي. واقترح بانش على مجلس الأمن أن يدعو العرب والإسرائيليين إلى عقد اتفاقية هدنة وانشاء مناطق واسعة عزلاء من السلاح وتخفيض القوات المسلحة للطرفين. وقد تبنى المجلس هذه المقترحات بقرار تاريخه 16/11/1948 رقمه 62، وهو القرار الذي كان الأساس في عقد اتفاقات الهدنة الدائمة بين (إسرائيل) وكل من مصر ولبنان والأردن وسوريا على التوالي. وفي 11/12/1948 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على المشروع الذي وضعته لجنتها السياسية وأصثدرته برقم 194(د-3). وأهم ما ورد في ذلك القرار كان تشكيل لجنة توفيق، وتحديد القدس ووضعها تحت اشراف الأمم المتحدة، والسماح بعودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، والتعويض على من لا يرغب في العودة. ورغم هذا القرار وأمثاله، وهي مليئة بالمحاباة للاسرائيليين، فان هؤلاء لم يقنعوا ودأبوا على خرق الهدنة واستمرت تحركاتهم وهجماتهم العسكرية حتى توقف القتال على الجبهة المصرية في18/1/1949 بعد الحاح من الأمريكين والدكتور البريطاني بانش لاقناع المصريين والاسرائيليين-لاذعان لوقف اطلاق النار. وهدأت الجبهات الأخرى تماما فعقدت اتفاقيات الهدنة الدائمة بين (إسرائيل) ومصر في 24/2/1949، وبينها وبين لبنان في 23/3/1949 وبينها وبين الأردن في 3/4/1949، وأخيرا بينها وبين سورية في 20/7/1949. وقد تم ذلك بعد أن كانت (إسرائيل) قد احتلت أراضي تزيد على ما خصص للدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم. المراجع: محمد طلعت الغنيمي: قضية فلسطين أمام القانون الدولي، الاسكندرية 1967. جورج طعمة (مراجعة وتدقيق): قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي (1948-1974)، بيروت 1973-1978.