النفي والإبعاد من فلسطين (سياسة)

تعتبر سياسة نفي الفلسطينيين وابعادهم عن الأراضي المحتلة إلى الخارج من أقسى الاجراءات القمعية التي مارستها،وما تزال تمارسها، السلطات الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين أصحاب البلاد الشرعيين بهدف تفريغ الأراضي المحتلة منهم. وترتكز عمليات الابعاد المذكورة إلى المادة 112 من قوانين تعرف بأنظمة الدفاع*(الطوارىء) لعام 1945. وهي تشريعات وتعليمات مختلفة أصدرتها سلطات الانتداب البريطاني أثناء حكمها لفلسطين ووضعت فيها حصيلة تجارب الاستعمار البريطاني خلال محاولاته قهر الشعور القومي للشعب الفلسطيني الذي أخذ يزداد ويطالب بالحرية وحق تقرير المصير. والعجيب في الأمر أن الصهيونيين تظاهروا بممارسة هذه التشريعات حين صدورها. ففي مؤتمر المحامين اليهود المنعقد في تل أبيب في شهر شباط 1946 قال الدكتور دونكل بلوم الذي أصبح بعد قيام (دولة إسرائيل) رئيساً للمحكمة العليا الإسرائيلية: “إن هذه الأنظمة والقوانين تناقض المبادىء الأساسية للعدالة والفقه القانوني. فهي تمنح السلطات الإدارية والعسكرية سلطة ايقاع عقوبات غير مقبولة بأي شكل من الأشكال. إن هذه القوانين تحرم الأفراد من جميع حقوقهم، بينما تمنح السلطة الحاكمة صلاحيات لا حد لها”. وأكد هذا المؤتمر في قراراته أن “هذه القوانين تسلب المواطنين الفلسطينيين الحقوق الأساسية للانسان، وتشكل خطراً شديداً على حرية الفرد وحياته، وتقيم نظام عنف دون أية رقابة قضائية”. إلا أن حال القانون الإسرائيلي عملوا بعد قيام (دولة إسرائيل) إلى تبني هذه القوانين التي سبق لهم أن نددوا بها وهاجموها ونسوا، أو تناسوا، كل ما قالوا فيها. وعلى العكس تماماً فقد اعتبروها جزءا لا يتجزأ من تشريعات (الدولة الإسرائيلية) الجديدة بعد أن حذفوا منها ما يتعلق باليهود ليبقى تنفيذ هذه القوانين ساري المفعول على العرب الذين عاشوا بعد قيام (دولة إسرائيل) تحت حكم عسكري مباشر. وبعد حرب 1967* جرى تطبيق هذه القوانين على الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان* وسيناء. مارس الحكم العسكري الإسرائيلي تنفيذ هذه القوانين بحق سكان المناطق المحتلة بأقسى وأشد ما يمكن تصوره. وجرى فرض عقوبة الابعاد السياسي بأساليب وحشية لا انسانية وفقاً لمضمون المادة 112 من القوانين المذكورة التي تنص على أن “لوزير الدفاع والحاكم العسكري حق طرد أي شخص من البلاد، أو منعه من الدخول إليها، ان وجد خارجها”. وبمقتضى هذا النص قامت (إسرائيل) بتطبيق عقوبة الابعاد السياسي بدون رقابة قضائية عسكرية أو مدنية لدى أي مرجع كان، وبدون توفر دليل قانوني أو محاكمة، بل بموجب قرارات تخضع لمشيئة وزير الدفاع أو الحاكم العسكري وتقديرهما، وهي قرارات نهائية وقطعية رغم مجافاتها كل مبادىء القانون الدولي الانساني العرقي والانقسامي. وقد استمرت (إسرائيل) تطبق سياسة النفي والابعاد بدون تردد على الرغم من احتجاجات المنظمات والمجالس واللجان الدولية وإدانتها للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. ركزت السلطات الإسرائيلية في ممارستها المستمرة والواسعة لعقوبة الإبعاد السياسي على القادة والشخصيات المثقفة والبارزة التي لها القدرة على تحريك الجماهير لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي للعزة وللاجراءات التعسفية الإسرائيلية، وعلى كل من توسعت فيهم الزعامة والقيادة من النقابين ورؤساء البلديات وأعضاء الغرف التجارية ورؤساء الجمعيات والأطباء والمحامين والمدرسين ورجال الدين والطلبة والنشيطات في الحركة النسائية والكتاب. وليس معنى هذا أن (إسرائيل) كفت عن مبدأ طرد جميع الفلسطينيين العرب من الأراضي المحتلة. ولكن تشبت الفلسطينيين بالأرض ورفضهم النزوح حملا (إسرائيل) على التركيز على طرد القيادات الوطنية واشعبية والمهنية الفلسطينية لافراغ المناطق المحتلة من قادتها المحليين القادرين على النهوض بأعباء النضال ضدها. يضاف إلى ذلك عمليات الابعاد الجماعي التي نفذتها سلطات الاحتلال في الأيام الأولى لاحتلالها الضفة والقطاع فكانت تقوم بجمع المواطنين في الأحياء والقرى والمخيمات وتختار من بينهم أعداداً كبيرة من الشيان على أساس الأنتباه بأنهم عسكريون فتعتقلهم وتقوم بأبعادهم. وقد رحلت بهذه الطريقة من قطاع غزة وحدة أكثر من 8,000 مواطن في عملية واحدة. وكانت السلطات الإسرائيلية تقوم بتنفيذ عمليات الابعاد بطريقة وحشية يتعرض المبعد معها للخطر إلى جانب الاساءات والمعاملة اللانسانية التي يلقاها أثناء عملية الابعاد. فلقد قامت (إسرائيل) باستخدام جسر الملك حسين وجسر الامير محمد للابعاد المواطنين خارج المناطق المحتلة من شهر أيلول 1967 إلى شهر تشرين الأول 1969. وكان المبعد يساق حتى منتصف الجسر ثم  يؤثر بمتابعة المسير إلى الجانب الأردني حيث تكون السلطات الأردنية مرغمة على قبوله. وقد قامت “لجنة المبعدين الفلسطينيين في عمان” في شهر تشرين الأول 1969 مذكرة إلى الحكومة الأردنية طلبت فيها بإلحاح “اتخاذ اجراءات فورية وسريعة تمنع إسرائيل من ابعاد مواطنين فلسطينيين جدد، وذلك بإصدار أمر إلى جميع مراكز الأمن الأردنية في نقاط العبور لمنع قبول أي شخص”. وقد نفذ هذا الطلب فوراً. ومنذ تاريخ 9/11/1969 توقفت الحكومة الأردنية من السماح لأي مبعد بأن يعبر أحد الجسرين. وقد قامت (إسرائيل) بتغيير طريق الابعاد إلى وادي عربة*(صحراء عربة) الواقع بين البحر الميت* وايلات*. ونظراً لانتشار القوات الاردنية على الحدود في هذه المنطقة مع مراكز الشرطة لمنع التسلل توجب على المبعدين أن يسيروا عدة أميال باتجاه حدود الأردن في الأراضي الوعرة قبل أن يكتشفوا أحد. وأما بالنسبة إلى قطاع غزة فقد بقيت كميات كبيرة من الأسلحة مخفية في قطاع غزة بعد انسحاب الجيش المصري، كما بقي جنود جيش التحرير الفلسطيني* في مخيمات اللاجئين والأحياء الفقيرة من غزة وفي بيارات البرتقال. ولذلك اتخذت مقاومة الاحتلال طابع العنف بسرعة، وبالتالي اتخذت سياسة الابعاد شكلا آخر فكان جميع المبعدين من غزة بين عامي 1967 و1971 من الفدائيين. وأصبح الابعاد وسيلة لتخفيف شدة الازدحام في سجني غزة وعسقلان. وقد مكنت المعتقلات الاضافية في صحراء سيناء الجيش الإسرائيلي من أن يوقف المشبوهين وعائلات الفدائيين المطلوبين كرهائن في معسكر منعزل في مطلع عام 1971. وبهذا الصدد يقول يسرائيل شاحاك: “ان معتقل أبو زنيمة المقام في وسط صحراء سيناء لعائلات الفدايين الذين لم يعتقوا، وانما اشتبه فيهم فقط، ترسل إليه أسر الفدائيين بأطفالها ورضعها. واذا اعتقل هؤلاء الفدائيون أو قتلوا بفرج عن أسرهم. فالاطفال الذين كانوا يصلون من أجل حريتهم يصلون الآن من أجل موت آبنائهم. وكانت الأسرة اتخذت معنى واسعاً جداً. فهي لا تعني الأم والأب والألولاد فقط، وانما تعني أيضا أبناء العم والخال والخالة والعمة. أي جميع أفراد العائلة. وان بعض الأسر التي نفيت إلى أبو زنيمة يبلغ عدد أفرادها 200 شخص”. وبصورة عامة لم يجر في قطاع غزة إبعاد قادة سياسيين كما حصل في الضفة الغربية، فيما عدا تسعة من القادة فرضت بحقهم الاقامة الجبرية لمدة ثلاثة أشهر في مخيمات البدو في سيناء خلال عامي 1969 و1970. ولقد بلغ مجموع عدد المبعدين من قطاع غزة من 1967 إلى 1978 وفقاً للأرقام المستخلصة بدقة من السجلات الرسمية الأردنية 383 مبعداً يشكلون نسبة 33% من مجموع العدد الكلي للمبعدين البالغ 1,151 مبعداً. لقد حاول بعض من تقرر ابعادهم عبثا الحصول على قرارات من المحاكم الإسرائيلية لوقف ابعادهم. وتمت بعض حالات الابعاد بسبب انهيار صحة المساجين وتدخل بعض الجهات الخارجية. ومن ذلك ابعاد كل من الدكتور صبحي غوشه ولطفية هواري وزوجها والمطران هلاريون كبوشي. كما سمح لقليل من المبعدين بالعودة إلى أوطانهم كرئيسة الجمعية النسائية في القدس زليخة الشهابي التي كانت قد أبعدت في شهر أيلول من عام 1968 فسمح لها بالعودة بعد مضي شهرين على ابعادها نتيجة الصدى العالم الكبير الذي أخذته ابعادها والاحتجاجات العنيفة الواسعة. غير أن نسبة الذين عادوا لا تتجاوز 1% من مجموع المبعدين.