الموقع

أ- المقدمة: تقع فلسطين في غربي القارة الآسيوية. وهي ذات موقع ممتاز هام يشارك في أهمية مواقع بقية بلاد الشام ومصر. ولكن فلسطين برقعتها الصغيرة وبيئتها التي يتدخل فيها الجبل والسهل والوادي والصحراء فضلاً عن قصور مواردها المائية المطرية تمثل نسبياً موضعاً ذا امكانات لا تكافىء موقعها الحيوي. وقد أدت الدبابات التي حدثت في العلاقة بين موقع فلسطين وموضعها دوراً هاماً في تحديد مصيرها. فالحقيقة أن كيان فلسطين أو مصيرها وظيفة مباشرة للعلاقة المتغيرة بين قيمة كل من موضعها وموضعها: موقع خطير يتطلب لتحقيقه وضمانه موضعا غنيا كفيا. فاذا ما اجتمعنا ظهرت فلسطين قوة كبيرة، واذا قصر الثاني عن الأول ولم يلب متطلباته وقعت فلسطين فريسة وضحية للطامعين. ويلفظ آخر فان مكانة فلسطين هي محصلة الموقع والموضع على حد سواء. وبصبغة رياضية فان معادلة القوة في فلسطين هي: القوة = الموقع x الموضع. وذلك مفتاح الماضي مثلما هو واقع الحاضر ودليل المستقبل. عاشت فلسطين غالباً في خطر، ويكاد الخطر الخارجي يتناسب طردياً مع خطورة الموقع وأهميته. ولا شك أن الخطر داهم فلسطين عندما ظهرت القوى المتصارعة على مناطق النفوذ. وتمثل ذلك في الحروب الدينية والأطماع الاستعمارية الحديثة. وقد كان معنى الحروب الدينية من الصليبيات حتى الصهيونيات أن فلسطين كانت قبلة أنظار العالم استراتيجياً ودينياً. ومن هنا كان على فلسطين أن تكون دائما موطن صراع وأرض معركة. ودفع الشعب الفلسطيني الكثير ثمناً لحريته وثمنا لموقعه. وحاربت فلسطين مراراً طوال تاريخها القديم والحديث للدفاع عن نفسها. ويلاحظ أن كل من سيطر عليها حارب فيها أو عنها، مثلما فعلت الأمم التي تكالبت عليها كالبابليين والأشوريين والحثيين* والفرس واليونان والرومان والصليبيين والمغول والأتراك والفرنسيين والانكليز والصهيونيين. وكذلك كان هناك دائماً عدو طابع بها. وفلسطين اليوم ترزح تحت نير الاستعمار الصهيوني الذي اغتصبها منذ عام 1948. وتحاول الصهيونية أن تتخذها قاعدة انطلاق لغزو البلدان العربية المجاورة، بل والبعيدة، والسيطرة عليها. ب- الموقع الفلكي: تقع فلسطين، وهي جزء من بلاد الشام، بين خط طول 34 درجة و15 دقيقة وخط طول 35 درجة و40 دقيقة شرقاً، وبين دائرة عرض 29 درجة و30 دقيقة ودائرة عرض 33 درجة و15 دقيقة شمالاً.وهي تقوم على أرض مساحتها نحو 27 ألف كم* وتتخذ شكلاً طولياً. وتطل على البحر المتوسط في الغرب وعلى خليج العقبة* في الجنوب. وتحيط بها الصحارى من الجهتين الشرقية والجنوبية الغربية. ولذا فان أرضها مسرح تتلاقى فيه مؤتمرات البحر ومؤتمرات الصحراء. وقد ترك الموقع الفلكي أثره في التفاوت المناخي المحلي بين الأجزاء الجنوبية من فلسطين والأجزاء الشمالية منها. فالمنطقة الصحراوية القريبة من خارج العقبة في أقصى جنوب فلسطين ذات متوسطات درجات حرارة أكثر ارتفاعاً من متوسطات درجات حرارة المنطقة الشمالية المجاورة للحدود اللبنانية. ويبلغ المتوسط السنوي لدرجة الحرارة في الجنوب نحو 25 درجة مئوية في حين يهبط هذا المتوسط في الشمال إلى 17 درجة مئوية. ويميل المناخ* في أقصى الجنوب إلى التطرف بصغة عامة فترتفع قيم المدى الحراري السنوي والفصلي واليومي. وأما في شمال فلسطين فيميل المناخ إلى الاعتدال لتأثره بالبحر المتوسط. وتتميز المناطق الجنوبية في فلسطين بمناخها الصحراوي الجاف. وأما المناطق التي يمر منها خط عرض 31 شمالاً فان مناخها متوسطي شبه جاف ومناخ المناطق الشمالية متوسطي شبه رطب. ويقع النصف الجنوبي من فلسطين في منطقة خط مطر أقل من 300 مم. وتعد منطقة خليج العقبة – وادي عربة* أجف بقعة في فلسطين (15 مم قرب خليج العقبة). ويرتفع هذا المتوسط في منطقة جبال الجليل* الأعلى شمال فلسطين إلى أكثر من 700 مم سنوياً. وتشير الأرقام إلى أن متوسطات كمية الأمطار السنوية ترتفع من الجنوب إلى الشمال. ويؤثر التفاوت المناخي المحلي وتنوع الأقاليم المناخية في تنوع التربة*والنباتات الطبيعية* والانتاج الزراعي، الأمر الذي يعطي أهمية كبيرة للزراعة* والثروة الحيوانية في فلسطين. فالجهات الجنوبية الجافة تنتج النباتات الصحراوية وشبه الصحراوية والغلات الزراعية التي تتحمل الجفاف كالحبوب* والزيتون* والنخيل وغيرها. والجهات الشمالية شبه الرطبة تساعد على نمو غابات البحر المتوسط وغلاته كالحبوب والأشجار المثمرة الخضر* الصيفية والشتوية. علاوة على دائرة فان توسط هذا الموقع بين خطوط الطول والعرض يلاحظ أن فلسطين تتوسط في العالم القديم كتلة اليابسة التي تترامى إلى الشمال في أوروبا والجنوب في افريقيا وشبه الجزيرة العربية. وبالمثل يمتد يابس العالم القديم إلى الشرق منها حتى أطراف أستراليا وأندونيسيا نحو 120 درجة طولية، وإلى الغرب حتى سواحل المحيط الأطلسي. ومركزية الموقع الفلكي لفلسطين بالنسبة إلى المعمور من العالم القديم تفسر الأسباب الكامنة وراء نشأة الانسان الأول على أراضي الوطن الأصلي للبشرية. فقد كانت فلسطين واحدة من المراكز التي عثر فيها على آثار الانسان الأول. وتفسر مركظية الموقع أيضاً أسباب قيام الحضارات في هذا الاقليم الذي توافرت فيه جميع مقومات الشتاء الأولى للحضارات البشرية (رَ: العصور القديمة). وشاءت الحكمة الالهية أن يتم اختيار فلسطين وما حولها مهبطاً لبعض الدبابات السماوية الرئيسة، ومنها انتشرت تعاليمها في الآفاق. ج- الموقع الجغرافي: تبرز أهمية الموقع الجغرافي من معرفة قيمته الفعلية. وينصب الحديث هنا على دراسة علاقة الموقع باليابسة والماء. وهذا عنصر هام لأنه يعطي فلسطين شخصية خاصة. يحد فلسطين من الغرب البحر المتوسط، ولها عليه ساحل طوله 224 كم. ويحدها من الشمال الشرقي سورية، ويبلغ طول الحدود بينهما 70 كم، في حين يبلغ طول الحدود بين فلسطين والأردن 360 كم. ويحدها من الشمال كل من لبنان وسورية. ويبلغ طول حدودها مع لبنان نحو 79 كم. وتطل فلسطين على الرأس الشمالي لخليج العقبة عبر ساحل طوله عشرة كيلومترات ونصف الكيلومتر في أقصى الجنوب. ويبلغ طول الحدود المصرية – الفلسطينية بين رأس طابة على خليج العقبة ورفح* على البحر المتوسط نحو 240كم. والنسبة العالية لمجموع أطوال الحدود الفلسطينية البرية والبحرية، ويبلغ قرابة 984 كم، إلى مساحة فلسطين الباغة نحو 27 ألف كم2 تجعل فلسطين في قائمة البلدان ذات الحدود الطويلة بالنسبة إلى مساحتها فكل ألف كيلومتر مربع من الأراضي الفلسطينية يقابله نحو ستة وثلاثين كيلومتراً ونصف الكيلومتر من الحدود، وذلك مقابل ما يزيد قليلا على كيلومترين ونصف الكيلومتر للمساحة نفسها في كل من مصر وليبيا والسودان والجزائر، ونحو عشرة كيلومترات في كل من سورية وتونس، ونحو عشرين كيلومتر في الأردن. والذي يجعل نسبة طول حدود فلسطين إلى مساحتها مرتفعة هو شكلها المستطيل. فطولها من الشمال إلى الجنوب يبلغ نحو 430كم. وأما عرضها من الشرق إلى الغرب فانه يزداد بالاتجاه جنوباً فيراوح في المنطقة الشمالية من فلسطين بين 50 و70 كم، وفي المنطقة الوسطى بين 70 و95 كم. ويتسع عرض فلسطين في المنطقة الجنوبية فيصل إلى 117 كم. وهو أقصى عرض. ويعود بعد ذلك فيضيق باتجاه الجنوب إلى نحو 10 كم في منطقة العقبة – ايلات*. وهناك لسان من الأرض الفلسطينية يمتد في أقصى الطرف الشمالي الشرقي لفلسطين بين الأراضي السورية شرقاً والأراضي اللبنانية غرباً، ولا يتجاوز طول هذا النتوء 22 كم، في حين يصل عرضه إلى 14 كم. تعد فلسطين بلداً برياً وبحرياً في آن. فهي تجمع بين حدود برية وبحرية طويلة نسبياً، ولكن نسبة الحدود البرية إلى البحرية على 1:3 تقريباً، وبالتالي فان توجه فلسطين الجغرافي بزي أكثر منه بحرياً. ويدل النظر إلى خرطة جنوب غربي آسيا على أن فلسطين برزخ أرضي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط. وهذا الانتقاء بين المياه الحارة جنوبا والمياه المعتدلة غرباً وشمالاً هو الذي يكسب المعبر الفلسطيني أهمية الكبرى. فقد كانت فلسطين جسراً للقوافل التجارية والجماعات البشرية المهاجرة وجحافل الجيوش المهاجمة أو المنسحبة. واحتفظت بأهمية موقعها التجاري منذ القدم وحتى اليوم لأنها تمثل حلقة وصل بين بيئتي المداريات والموسميات في جنوبي آسيا والشرق الأقصى من جهة، وبيئتي البحر المتوسط وأوروبا من جهة أخرى. ولاشك أن الحركة التجارية تزدهر بين البيئات المتفاوتة في انتاجها. وتأتي فلسطين بموقعها اتربط بين حضارة الشرق وحضارة الغرب. فهي بذلك طريق هامة لمرور حركة التجارة العالمية والمسافرين على مختلف طرق المواصلات البرية والبحرية والجوية (رَ: الطرق). د- التوجه الجغرافي البري للموقع: ساحل فلسطين على البحر المتوسط فقير بالخلجان الطبيعية الصالحة لانشاء الموانىء الهامة. ولذا فان توجه موقع فلسطين توجه بري ظل نشيطا طوال العصور التاريخية وحتى اليوم لأن المعبر الفلسطيني يصل بين قارات العالم القديم، آسيا وأوروبا وافريقيا، ويربط بين مواطن الحضارات في وادي النيل وجنوب شبه الجزيرة العربية من جهة، ومواطن الحضارات في بلاد الشام والعراق من جهة ثانية. وتقع فلسطين في أقصى غرب القارة الآسيوية ويتمثل ظهورهما القريب في الجناح الآسيوي من الوطن العربي ويمتد ظهورها الآسيوي البعيد ليشمل جنوب وجنوب شرقي آسيا. وتصلها سورية بتركيا التي تعد قاسماً مشتركاً بين غربي آسيا وأوروبا، وتربطها سيناء، البوابة الشمالية الشرقية لمصر، بالقارة الافريقية. وقد أحرز الفينيقيون* نجاحاً كبيراً في السيطرة على تجارة البحر الآحمر في القرن العاشر قبل الميلاد بعد أن سووا أمورهم مع حكام فلسطين وعندما اتخذوا مدينة أيلة (قرب العقبة الحالية) منطلقاً لأعمالهم التجارية في ذلك البحر. وأثر البتراء بالأسباط* في التجارة العربية قبل الاسلام كبير بسبب اتصال البتراء بمصر وغزة* عن طريق جنوب فلسطين. فقد كانت تجارتها تنقل إلى مصر فغزة، ومنها إلى شرقي البحر المتوسط. وكانت القوافل التجارية العربية قبل الاسلام تسير إلى فلسطين صيفا قادمة من شبه الجزيرة العربية في إحدى رحلتي الصيف والشتاء اللتين ورد ذكرهما في القرآن الكريم. بقيت هذه المكانة التجارية لفلسطين قائمة بعد الاسلام* فكانت الصلات التجارية بين آسيا الصغرى والعراق ومصر تتم عبرها. وكانت هي نفسها موطن كثير من المحاصيل والصناعات التي كانت تصدر منها إلى الأمصار الأخرى. وظلت الجزيرة العربية ردحاً طويلاً من الزمن تقذف الموجات العربية الواحدة تلو الأخرى إلى أرجاء الوطن العربي المختلفة عن طريق فلسطين. واختارت بعض الجماعات المهاجرة الاستقرار في مناطق فلسطين الجنوبية والشرقية، وفي الساحل حتى قيسارية*، قبل الفتح الاسلامي بمدة طويلة. أما من الناحية العسكرية فلم يكن غريباً أن تدفع أهمية موقع فلسطين مختلف قوى العالم القديم إلى تنازع السيطرة عليها. ولعل هذا هو السبب في عدم حصول الدويلات الصغرى التي نشأت في فلسطين على الاستقلال فترى طويلة من الزمن خلال التاريخ القديم. وقد تبادلت العراق ومصر منذ سنة 50,000 ق.م. السيطرة على فلسطين لكونها معبراً حيوياً هاماً بالنسبة إلى كل منهما. فكان احتلال فلسطين يسهل على الأشوريين والكلدانيين والفرس – بعد أن أنشأوا امبراطوريتهم – احتلال مصر. كما أن الغزو المغولي انطلق من العراق إلى فلسطين (رَ: التتار). وبالقنابل كان المصريون يدركون منذ عهد الفراعنة* هذه الأهمية. ويعدون فلسطين خط الدفاع الأول عن مصر ونقطة الارتكاز الأولى للسيطرة على بلاد الشام الغنية. ولما أخذ المصريون الفراعنة يستغلون مناجم النحاس في سيناء في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد وأرادوا أن يضمنوا لأنفسهم العمل دون ازعاج من الشمال توسعوا في فلسطين واحتلوا أجزاءها الجنوبية. ولما ساق تحتمس الثالث* جيشه إلى فلسطين لضم بلاد الشام إلى ملكه (القرن الخامس عشر قبل الميلاد) واجتاز السهل الساحلي* الفلسطيني إلى شمالي طولكرم* وعبر وادي غارة إلى تل المتسلم (مجدو)* وجد أمراء الشام قد تجمعوا هناك لمقاومته. فلما انتصر عليهم (1479 ق.م.) وصل إلى أواسط سورية. ولما ضعفت الامبراطورية المصرية وتغلبت عليها الامبراطورية الحثية القادمة من آسيا الصغرى وجد الفرعون المصري آنذاك أن الأولى به أن يعقد معاهدة مع الحثيين (معاهدة قادش1270 ق.م.) ابتغاء الاحتفاظ بفلسطين وجزء من سورية، ودفاعاً للخطر الأكبر عن بلاده. ودارت رحى حروب أربع بين حلفاء الاسكندر الأكبر (281-63 ق.م.)، البطالمة* في مصر والسلوقيين* في بلاد الشام وما جاورها شرقاً، للاستلاء على فلسطين، لا طمعاً في ثروتها وتجارتها فحسب بل ليضمن الأولون خط الدفاع عن مصر. وتجلت أهمية دور فلسطين العسكري في فترة الحروب الصليبية. وعندما جاء دور العمل العربي الاسلامي الذي امتد أكثر من قرن من الزمان، بدءا بمعركة حطين* (583هـ/1187م)، كان من الضروري أن تتم السيطرة عليها لاجلاء الصليبيين المحتلين. وقامت فلسطين بالدور نفسه في حروب ابراهيم باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فقد فتح احتلال فلسطين الطريق أمام جيوش محمد علي الى مداخل حمص ثم إلى اضنه بتركيا. ولما ضاق أهل البلاد بالجيوش المصرية في فلسطين أصبح موقف الحاكم المصري في بلاد الشام ضعيفاً (رَ: الحكم المصري). ويسهل ارتباط فلسطين البري بالبلدان العربية المجاورة توسط موقفها الجغرافي بينها من جهة، وسهولة اتصالها بها من جهة أخرى. فكل الطرق* سواء كانت قادمة من شبه الجزيرة العربية، أو من الأردن والعراق وسورية ولبنان، أو من مصر، تؤدي إليها. ويمكن من ذلك وجود السهول الساحلية والداخلية والفتحات الطبيعية والأودية التي عبدتها القوافل التجارية والغزوات الحزبية. فالسهل الساحلي الفلسطيني حلقة وصل بين السهل الساحلي للبنان وسورية ومصر وشمال افريقيا، وسهل مرج ابن عامر حلقة وصل أخرى بين فلسطين ووادي الأردن، والنقب* امتداد طبيعي شمالي لصحراء سيناء، وكل من النقب وسيناء يرتبط بصحراء الأردن وصحراء شبه الجزيرة العربية. وقد تأثرت فلسطين بجوارها الجغرافي لكل من الأردن وسورية ولبنان ومصر فكانت تجذب إليها منذ القرن الماضي حتى نكبة فلسطين عام 1948 جماعات مهاجرة من هذه الأقطار للاقامة والعمل. وهاجرت بعد حرب فلسطين عام 1948 أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين إلى شرق الأردن وسورية ولبنان ومصر. وكان لموقع فلسطين في العصر الحاضر أثر كبير في تدعيم الروابط الاقتصادية والثقافية والسياسية بين الفلسطينيين وأشقائهم في البلدان العربية المجاورة، سواء أثناء فترة الانتداب البريطاني على فلسطين أو بعد نكبة 1948. ولا يزال هذا الأثر حتى الوقت الحاضر. ففي المجالات الاقتصادية ازدهرت حركة التجارة الخارجية بين فلسطين والبلدان العربية المجاورة (رَ: التجارة). وكانت البضائع تنقل أثناء فترة الانتداب عبر الأراضي الفلسطينية ما بين البلدان العربية في الشام والعراق ومصر (تجارة الترانزيت). واستخدمت الموانىء الفلسطينية في خدمة التجارة الخارجية للعراق والأردن، وأقيمت في حيفا* مصفاة النفط العراقي الذي كان يصدر قبل عام 1948 من العراق إلى الخارج عن طريق أنبوب للنفط يصل كركوك بحيفا* (رَ: النفط). وفي المجالات الثقافية التحق بعض الطلبة الفلسطينيين بالجامعات العربية المجاورة كالجامعات الأردنية والمصرية والسورية واللبنانية والعراقية. وساهم هؤلاء بعد تخرجهم في تعليم أبناء فلسطين وغيرهم من أبناء الأمة العربية. وانتقل أولو الكفايات العلمية من أبناء فلسطين للعمل في كثير من الأقطار العربية، ولا سيما بعد الاحتلال الصهيوني. وقد مكن موقع فلسطين الجغرافي الصهيونيين من الانطلاق منه نحو البلدان العربية المجاورة في الحروب المختلفة بين عامي 1967 و1973 (ر: حرب1967 و1973). ولذا فان الخطر الصهيوني الذي استفحل بحكم موقع فلسطين حتم على الحكومات العربية ايجاد سياسة موحدة ازاءه. وتدل التجارب التاريخية على أن مصير كل من مصر وبلاد الشام مرتبط دائما بمصير فلسطين، وأن أي مستعمر سيطر على مصر أو سورية كان يندفع تلقائيا للسيطرة على فلسطين، كما فعل الصليبييون من الشمال ونابليون من الجنوب.وأما آخر مثال فهو الانكليز حين تقدموا من مصر إلى فلسطين والأردن خلال الحرب العالمية الأولى. ومن هنا يمكن القول انه ما دامت هناك قوة أجنبية استعمارية صهيونية تحتل فلسطين فلا يمكن أن تعد البلدان العربية المجاورة مستقلة حقاً لأن الخطر جاثم ومسلط عليها أبداً. وليس أدلى على هذا من أن الدول العربية المتاخمة لفلسطين المحتلة فقدت منذ قيام (إسرائيل) كثيراً من حرية العمل الداخلي والخارجي في كثير من المجالات، بل لقد احتل الكيان الصهيوني أجزاء من أراضيها. ويرتبط الموقع الجوي بالتوجه الجغرافي البري لفلسطين لأن مركزيتها تجعل من أراضيها مطارات جوية صالحة لانطلاق الطائرات منها إلى جميع جهات العالم من جهة، وهبوط الطائرات من مختلف أرجاء العالم فيها من جهة ثانية. ويستغل موقع فلسطين الجوي في أوقات السلم وأوقات الحرب على حد سواء. ففي زمن السلم تستقبل المطارات الفلسطينية المدينة وتودع أعداداً كبيرة من المسافرين والسياح، بالإضافة إلى الشحن الجوي بين فلسطين وبلدان العالم. وفي زمن الحرب تستخدم المطارات العسكرية لانطلاق الطائرات الحربية واستقبالها، سواء أكانت مطارات مكشوفة أم مطارات سرية. وقد استخدمت هذه المطارات خلال الحرب العالمية الثانية من قبل جيوش انكلترا والحلفاء، ثم استخدمت في حروب الصهيونيين مع العرب. هـ- التوجه الجغرافي البحري للموقع: تطل فلسطين على البحر. بجهتين إحداهما طويلة (224كم) على البحر المتوسط، والثانية قصيرة (10,5كم) على خليج العقبة. ولا شك في أن البحر المتوسط يعد هام من أبعاد التوجه البحري للموقع. ففلسطين تطل عليه بجبهة بحرية مترامية الأطراف فيتصل البحر بالمعمور الفلسطيني في تفاعل قوي. وقد تأثر تاريخ فلسطين بموقعها على البحر المتوسط وخليج العقبة، وكانت المؤثرات الخارجية تتسرب إليها عبر هذين المنفذين البحريين. فقديماً لم تترد دائرة المعمور الفعال عن الشرق القديم وحوض البحر المتوسط. وكان طبيعياً أن يستقطب البحر ذلك العالم بحكم توسطه ويصبح مركزاً مشتركاً للبلدان المحيطة به. ومن هنا كانت صلات فلسطين بقبرص وكريت واليونان وروما وغيرها. وفي العصور الاسلامية أصبح البحر المتوسط بعداً حقيقياً وخطيراً في كيان فلسطين، وكان البحر وفلسطين موقعين في طريق تجارية المرور العالمية. وبدا ذلك بجلاء في التحام الموانىء الفلسطينية بالموانىء الايطالية، ولا سيما في فترة الحروب الصليبية وأيام المماليك*. فكانت السفن تجعل البضائع المختلفة من موانىء فلسطين، وفي مقدمتها عكا* ويافا*، إلى المدن الايطالية والفرنسية. وقد عقد سلاطين المماليك اتفاقات مع المدن التجارية الأوروبية وسمحوا بأن تنشىء لها مراكز في الموانىء الفلسطينية. ففي عكا استقرت في القرن الرابع عشر الميلادي جاليات تجارية أوروبية كان لبعضه مسؤولون عن شؤونها يشبهون الفاصل أو وكلاء القناصل الذين أوجدوا أيام العثمانيين،ولا سيما في القرن التاسع عشر. وكانت السفن التجارية تصل الى عدن حيث تفرغ حمولتها فتنقلها القوافل عبر اليمن والحجاز والأردن إلى الموانىء الفلسطينية لتشحنها السفن إلى الموانىء الأوروبية. واشتملت هذه التجارة على سلع متنوعة كالحرير والعطور والتوابل والمجوهرات وغيرها. ولم تقتصر هذه العلاقة التجارية على الموانىء الأوروبية بل تعدتها إلى الموانىء المصرية في شمال أفريقيا. واذا كان العصر العثماني قد شهد تحول تجارة المرور العالمية عن الموانىء الفلسطينية وغيرها من موانىء الشام ومصر فان التوجه البحري ولم ينقطع تماما، وانما انتقل من الحالة العالمية إلى الحالة الاقليمية. وبمعنى آخر ازدادت العلاقات بين موانىء فلسطين من جهة وموانىء مصر وبلاد الشام وتركيا واليونان وأسبانيا وغيرها من موانىء شرق البحر المتوسط من جهة ثانية. ومن المفيد هنا ابراز القضية الفعلية للسواحل الفلسطينية في الوقت الحاضر باجراء مقارنات تبين أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بينها. فالمجال البحري الفلسطيني يتحدد بالبحرين المتوسط والأحمر. والثقل الأكبر في الأهمية يذهب إلى البحر المتوسط، أي أن دوره في توجه فلسطين أكبر وأهم من دور البحر الأحمر، وان كان كل منهما يستعد جزءاً أساسياً من قيمته العالمية من الآخر ولولاه لفقد الجزء الأكبر منها وتحول إلى بحر داخلي محلي فحسب. يطل الساحل الفلسطيني طوال أيام السنة على مياه البحر المتوسط المعتدلة المفتوحة التي جعلت فلسطين من أكثر أجزاء حوض البحر المتوسط تلقياً واستقبالاً، فالفلسطينيين في الجزء الغربي من فلسطين قدموا من جزيرة كريت وجزر بحر ايجة، والصليبيون قدموا من بلدان أوروبية، وكذلك الصهيونيون فيما بعد. وقد استغلت سلطة الانتداب البريطاني، ومن بعدها سلطة الاحتلال الصهيوني، موانىء فلسطين على البحر المتوسط لخدمة مصالحهما فكانت حيفا في فترة الانتداب أهم ميناء لتصدير نفط شركة البترول العراقية البريطانية، ويافا أهم ميناء لتصدير الحمضيات* إلى المملكة المتحدة وبلدان أوروبا الغربية، وغزة أهم ميناء لتصدير الشعير إلى المملكة المتحدة. وجاءت سلطة الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948 لتفتح جميع الموانىء الفلسطينية، وفيها ميناء أسدود* وميناء عسقلان، لاستقبال حركة التجارة والمسافرين والسياح من مختلف بقاع أوروبا والأمريكتين، ولتصدير الحمضيات الفلسطينية ومشتقات النفط المكرر إلى أوروبا. ومن جهة ثانية فقد أنشأت القواعد البحرية لايواء سفنها الحربية. واذا كانت الموانىء الفلسطينية من عكا شمالاً حتى غزة جنوباً قد حددت ظهيرها الفلسطيني القريب أثناء فترة الانتداب فانها خدمت ظهيرها البعيد أيضاً. ومثال ذلك تصدير النفط العراقي من حيفا قبل عام 1948، وتصدير البضائع الأردنية عبر الموانىء الفلسطينية، واستيراد البضائع الأجنبية للأردن عن طريقها أيضاً. ولكن الاحتلال الصهيوني قطع الموانىء الفلسطينية عن ظهيرها العربي البعيد فأصبحت مسخرة لخدمة ظهيرها القريب. وكان لواجهة فلسطين البحرية الجنوبية على خليج العقبة شأن في العصور التاريخية. فهي منفذ جنوبي الى فلسطين ومفتاح أمامي لشبه الجزيرة العربية وسيناء. ولكن هذه الواجهة أقل أهمية من واجهة البحر المتوسط. وقد نشطت من خليج العقبة تجارة البحر أثناء حكم الملك داود ومن بعده الأيدوميين* والأسباط لجزء من فلسطين. وبنى الرومان أثناء حكمهم فلسطين طريقا برية رئيسة تصل خليج العقبة ببلاد الشام. وكانت لتلك الطريق أهميتها الاستراتيجية والتجارية. وفي عام 1116م سيطر الصليبيون على خليج العقبة وتحكموا في هذا الممر المائي الهام عندما قطعوا الاتصال بين مصر وبلاد الشام. ولكن الملك العادل أبا بكر، نائب أحيه السلطان صلاح الدين في مصر،تمكن من بناء أسطول بحري وأمر القائد الأمير حسام الدين لؤلؤاً بشن هجوم به على أسطول الصليبيين بقيادة الأمير أرناط فانتصر عليهم انتصاراً أنقذ الحجاز والبحر الأحمر من شرور الصليبيين وأحكام سيطرة المسلمين على خليج العقبة فتآمن بذلك طريق الحج والتجارة. ويستفيد الكيان الصهيوني في تجارته الخارجية من ميناء ايلات الذي أقيم على موقع أم رشرش العربي الفلسطيني بعد عام 1948. ولا شك أن التغلغل الاقتصادي للكيان الصهيوني في قارتي افريقيا وآسيا هو خير دليل على أهمية ساحل خليج العقبة كمنفذ بحري يربط فلسطين المحتلة ببلدان آسيا وافريقيا. ويستخدم هذا الكيان كذلك خليج العقبة منطلقا لعدوانه المتكرر. وقد أقام قاعدتين بحريتين احدهما عند رأس الخليج في ميناء ايلات العسكري والثانية عند شرم الشيخ في مدخل الخليج.   المراجع:   محمد السيد غلاب: الساحل الفينيقي وظهره في الجغرافيا والتاريخ، بيروت 1969. مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، بيروت 1965. صلاح الدين بحيري: جغرافية الأردن، عمان 1973.   المولوية (جامع -): رَ: القدس (المباني الأثرية والتاريخية في -):