المماليك

هم حكام مصر وبلاد الشام وتوابعهما في الفترة الممتدة من 648 – 922هـ/1250- 1517م. ويضم المماليك أقواما من الأتراك والشراكس وغيرهم ممن كانوا يؤسرون في الحروب أو يفتدون من التتار أو يستدعون للخدمة في الجيش. وقد ألف الأيوبيون منهم فرقا عسكرية خاصة. ولعل اسمهم “المماليك” الذي ينبىء بالعبودية ويستخدم للتعريف بهم والاشارة إلى عهدهم لا يعطي صورة حقيقية لهم ولا يدل على دورهم الكبير في القضاء على بقايا الفرنجة* الصليبيين والوقوف في وجه غزو التتار*، ولا يعرف بدورهم الحضاري الظاهر. يقسم العهد المملوكي إلى قسمين: عهد المماليك الأتراك أو المماليك البحرية، وعهد المماليك الشراكس أو المماليك البرجية. أ- المماليك الأتراك (648 – 784هـ/1250 – 1382م): وهم من جند الملك الصالح الأيوبي. ويسمون المماليك البحرية لأن الصالح أسكنهم ثكنات في جزيرة الروضة في “بحر” النيل. أول سلاطينهم أتابك العسكر عز الدين أيبك (حكم 648 – 656هـ/ 1250-1257م) الذي كان في حرس الملك الصالح وتزوج بعد وفاته زوجته شجرة الدر ونصب نفسه سلطانا بعد أن خلع الوريث الأيوبي الأشرف. وقد قضى أبيك على الأيوبيين وأمضى معظم أيامه في ساحات القتال في مصر وفلسطين وسورية. قتل أيبك بمكيدة دبرتها زوجة شجرة الدر فخلفه ابنه الصغير نور الدين علي الذي نصب قطز* بن عبد الله المعزي نفسه وصيا عليه وما لبث أن خلعه واستولى على الملك. وفي عهد قطز وصلت جحافل التتار إلى بلاد الشام فسير الجيوش لمجابتهم، والتقى الجمعان عند عين جالوت* (658هـ/1260م)، وكان قطز يتولى بنفسه قيادة الجيش ومعه بيبرس* وانتهت المعركة بنصر حاسم للماليك على التتار الذين قتل قائدهم كتبغا وانهزم جيشهم شر هزيمة (رَ: عين جالوت، معركة). قتل قطز بعد هذه المعركة وهو في طريق العودة إلى مصر. ويقال ان الظاهر بيبرس البنقداري (658-676هـ/1259- 1277م) قتله واستولى على السلطنة في مصر والشام. ويعد بيبرس أول المماليك العظماء ومؤسس سلطانهم الحقيقي. وتستند عظمته إلى الحملات الموفقة التي جردها على الصليبيين ومهدت السبيل  للانتصارات الأخيرة التي جناها خلفاؤه من بعده. فقد قضى على مملكة أنطاكية الصليبية (667هـ/1268م)، واستولى على كثير من مواقع الصليبيين وقلاعهم، وفتح قيسارية* وصفد* وهونين* وتبنين والرملة* وقلعة الشقيف، وهاجم مدينتي صور وعكا* أكثر من مرة. وسعى الفرنجة إليه ليقعدوا معه الصلح. وكان شجاعا صاحب خطط حربية يباشر القتال بنفسه في معظم الأحيان. وإلى جانب هذه المآثر الحربية اهتم بتدبير شؤون دولته فنظم الجيش وعمر الأسطول وحسن الموانىء وحفر الأقنية وبنى الجوامع وأقام المؤسسات الدينية والخيرية وجدد الخلافة العباسية في القاهرة. وقد أكسبه ذلك كله صيتا بلغ حد الأسطورة في القصص الشعبي. وقد مات في دمشق. ويعد الملك المنصور قلاوون بن عبد الله* (678-689هـ/ 1279-1290م) أعظم سلاطين المماليك بعد بيبرس. وهو الوحيد الذي دامت السلطة في ذريته أربعة أجيال. وقد هزم المغول عند حمص، وفتح عددا من مواقع الصليبيين منها لقعة المرقب، وأعاد بناء القلاع ، وأنشأ البيمارستانات*. وخلفه ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون* (689-693هـ/1290-1293م). وقد افتتح عهده بمجابهة الخطر الفرنجي الصليبي، وأكمل ما كان بدأه أبوه، وتوج حلقات الصراع بين الفرنجة والمماليك بفتح عكا وانهاء وجود المملكة الصليبية فيها( 690هـ/1297م)، واسترد جميع السواحل وعدة مدن من بينها بيسان*. ثم قضى أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون على الداوية* وفي أرواد قبالة الشاطىء السوري. وامتاز عهده بدوارته الثلاث بأنه أطول عهود السلاطين المماليك. وفيه حدثت آخر غارات التتار وانتهت بهزيمتهم في مرج الصفر جنوب دمشق. وقد اشتهر عهد الناصر بالأبنية الكثيرة والآثار الحضارية. تولى الحكم بعد الناصر اثنا عشر سلطانا من سلالته في مدة اثنتين وأربعين سنة. ولم يكن لأحد منهم نشاط بارز أو ذكر نابه. وقد أنهى برقوق الشركسي حكنهم مؤسسا بذلك دولة المماليك الشراكسة أو المماليك البرجية. اكتسبت فلسطين في عهد الممالك الأتراك (البحرية) أهمية خاصة لموقعها المتوسط بين مصر وبلاد الشام، ولوجود الفرنجة الصليبيين فيها ولمواجهتها غزوات التتار. وقد انقسمت اداريا في بعض المراحل إلى ثلاث “نيابات” أو ممالك هي: نيابة صفد، ونيابة غزة، ونيابة القدس. وكان يتولى نيابة السلطنة نائب السلطنة أو نائب السلطان، وتحت امرته موظفون على ثلاثة أنواع: النوع الأول أرباب السيوف ومنهم نائب القلعة، أو مقدم العسكر، والحاجب. والنوع الثاني أرباب الأقلام أو أصحاب الوظائف الديوانية كصاحب الرسائل وناظر المال. والنوع الثالث الموظفون الدينيون كالقاضي والمفتي والمحتسب ووكيل بيت المال (رَ: الادارة). وكانت الأوان والمكاييل والنقود* هي تلك السائدة في مصر وبلاد الشام بعامة. وقد نظم المماليك البريد* واهتموا بأمره لأهمية موقع فلسطين. وكان للبريد طرق منها طريق بين غزة والقاهرة وآخر بين غزة ودمشق وثالث بين غزة والكرك. وعني المماليك بالحمام الزاجل فكثرت محطاته وأبراجه في فلسطين. وكثرت فيها كذلك أيام المماليك المناور في المواقع الغالية ورؤوس الجبال. وكانت هذه المناور أسرع سبيل الى الاندار بقدوم الأعداء بالدخان الذي كان يصعد فيها نهارا أو بالنيران التي كانت توقد ليلا (رَ: القلاع والأبراج). وظهر في عهد المماليك البحرية كثير من العلماء والأدباء والفقهاء والمؤرخين. ويصعب فصل الحياة العلمية في فلسطين عن مثيلاتها في مراكز الشام ومصر. فقد كان علماء فلسطين على اتصال وثيق بعلماء تلك المراكز فشهدت نيابات فلسطين الثلاث ازدهارا في مختلف ميادين العلوم. وكذلك نشطت حركة العمران في فلسطين ذلك العهد فبنيت الجوامع والمدارس والتكايا* والزوايا والقصور والحمامات والخانات التي لا تزال آثارها إلى اليوم (رَ: الخوانق والربط والزوايا) و(رَ: القدس، المباني الأثرية والتاريخية في -). ب- المماليك الشراكسة (784-962هـ/1372- 1517م): كان السلطان المنصور قلاوون قد أكثر من العناصر الشراكسية في جنده حتى وصل عددهم إلى 3,700 محارب أسكنهم أبراج القلعة في القاهرة فعرفوا بالبرجية. وقد درب هؤلاء ليكونوا جندا مدافعين عن السلطان ودولته. وبذا دخل الشراكسة ميدان الأحداث في مصر وبلاد الشام مجموعة متميزة استطاعت فيما بعد، بسياسة ودهاء أحد قوادها الظاهر سيف الدين برقوق، أن تقضي على دولة المماليك الأتراك وتنشىء دولة المماليك الشراكسة. وأخذت العناصر الشراكسية منذئذ تكثر بوفود مجموعات جديدة من الأسرى الشراكسة كان السلاطين الشراكسة يفتدونهم ويضمونهم إلى عسكرهم. امتد نفوذ الدولة الشركسية، ومقرها القاهرة، إلى جميع المناطق التي كانت في حوزة الدولة التركية السابقة، وفيها مصر وبلاد النوبة وسورية الطبيعية ومناطق كليكيا وجبال طوروس الوسطى ومدائن صالح والحجاز حتى عسير من شبه الجزيرة العربية. وكان لفلسطين شأن خاص ضمن أراضي هذه الدولة لقدسيتها وموقعها الهام. ولذلك اهتم بها السلاطين الشراكسة، وكانت نيابة القدس من المناصب التي يتنافس عليها قواعدهم وأمراؤهم. بلغ عدد السلاطين الشراكسة 24 سلطانها أولهم الملك الظاهر سيف الدين برقوق وآخرهم الملك الأشرف طومان باي. وقد حكم خمسة منهم 89 سنة من أصل 135 سنة دامت فيها دولة الشراكسة. وهؤلاء هم الظاهر برقوق والأشرف برسباي والظاهر جمجق والأشرف قايتباي والظاهر قانصوه الغوري وقد وضع برقوق سياسة دولته على أساس الوقوف في وجه المغول والصليبيين، والحفاظ على قوة الدولة وزعامتها، واقامة علاقات صداقة في الدول التي تشترك معها في المصالح الأدبية والمادية. وكان دور الخليفة العباسي في القاهرة شكليا لا يتعدى الموافقة على خلع ملك وتنصيب خلف له. كان تنصيب السلاطين يتم بانتخاب أكثر المرشحين كفاية. وكان يعاونهم في الحكم (“مجلس دولة” أو”مجلس سلطة” يتألف من كبار القادة والأمراء ويسمى أعضاؤه “أصحاب السيف”. وهم الذين ينتخبون السلطان ويبايعونه، ثم بارك البعية الخليفة وقضاة المذاهب الأربعة. وكان جميع الأمراء الشراكسة أعضاء عاملين في الجيش. ويشبه هذا التنظيم التنظيمات الشراكسية في بلاد القفقاس. فلا مكان للحكم الورائي الذي حاول المماليك الأتراك تطبيقه، ونظام الحكم عسكري على رأسه السلطان ومجلس الدولة ونواب السلطان في النيابات المختلفة. وعلى الرغم من الرابط الديني فقد ظل الشعب بعيدا عن المجموعة الشركسية الحاكمة، وظل الشراكسة مجتمعا مغلقا على نفسه تقريبا. لم يغير المماليك الشراكسة ما كانت عليه التقسيمات الادارية الموروثة من العهدين الأيوبي والتركي. وكانت فلسطين في عهدهم موزعة بين نيابتي غزة وصفد، ودخلت الأجزاء الشرقية الوسطى منها كبيسان ونابلس* والقدس* والخليل* في نيابة دمشق، وكان النقب* جزءا من سيناء. خلف المماليك الشراكسة في فلسطين منشآت عمرانية كثيرة. وتكاد آثارهم في فلسطين تظغى على لآثار من سبقهم. ومن هذه المنشآت مزار سيدي بشير في جسر بنات يعقوب، وخان الباشا في صفد، ووكالة الفروجية في نابلس، والمدرسة الاشرفية* والسبيل المقام في حرم القدس الشريف والمدرسة الزمينية والمدرسة المزهرية، وجميعها من آثار السلطان قايتباي. وبنى برقوق المدرسة الجهاركسية (الجركسية) في القدس، وبركة السلطان بظاهر المدينة، وخان السلطان (الوكالة) ودار الست وغيرها. وتمت في عهد هذه الدولة عمارة قناة العروب، وأنشأ الأمير يونس النوروزي خانا أصبح فيما بعد مدينة خان يونس* الحالية . وكانت غزة* في هذا العهد – كما في السابق – محطة هامة بين بلاد الشام ومصر ومركزا تجاريا ونقطة تجمع للجيوش. وأضحت العناية بالنواحي الفكرية والثقافية مظهرا لدعم السلطان السياسية فكثر بناء المدارس وازداد تشجيع العلماء وازدهر التأليف، ولا سيما في الفقه والتراجم والمؤلفات ذات الطابع الموضوعي. وقد استقل العلماء والأدباء بحماية الملوك والحكام في عهدي الدولتين التركية والشركسية فانتشرت المعارف والعلوم. انتهت الدولة الشركسية اثر انتصار العثمانيين على المماليك في معركة مرج دايق (921هـ/1516م) شمالي حلب، ثم زحفهم جنوبا نحو مصر وانتصارهم على المماليك ثانية خارج القاهرة في 922هـ/1517م، وبذا بدأ عهد جديد في تاريخ فلسطين وغيرها من الأقطار العربية هو العهد العثماني. وتعود هزيمة الدولة الشراكسية إلى مجموعة من العوامل منها عوامل اقتصادية تشكل في تكرر الجفاف والقحط والجراد وانتشار المجاعات والأوبئة، وعوامل سياسية وعسكرية تتمثل في غزوات البداة والفوضى وعدم الاستقرار السياسي أيام السلاطين الضعفاء واحاطة الأعداء بالدولة وهجمات التتار بقيادة تيمورلنك. وإلى جانب ذلك كله اعتماد الشراكسة على الأسلحة التقليدية في حين اعتمد العثمانيون على الأسلحة النارية الحديثة آنذاك.   المراجع:   القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الانشا، القاهرة 1963. شيخ الربوة الدمشقي: نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، ليبرغ 1923. ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، باريس 1894. محيي الدين بن عبد الظاهر: الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر، الرياض 1976. ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، القاهرة 1962-1967. المقزيزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، القاهرة 1853. ابراهيم طرحان: النظم الاقطاعية، القاهرة 1968. علي ابراهيم حسن: تاريخ المماليك البحرية، مصر 1967. نظير سعداوي: نظام البريد في الدولة الاسلامية، القاهرة 1953. سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر في عصر المماليك البحرية، القاهرة 1959. Abdul Aziz Khowaiter: Baibars the First, London 1978. A.N: Feudalism in Egypt, Syria, Palestine and the Lebaon 1250-1900, London 1939. N.A: Urban Life in Syria Under the Early Mamluks, Beirut 1953.