المكتبات

يعد دخول السلطان صلاح الدين الأيوبي* مدينة القدس* سنة 583هـ/1187م بداية سعيدة للعياة العلمية التي عمت دير الشام عامة وفلسطين خاصة. ولم تمنع صلاح الدين مشاغله الحربية وهمومه السياسية من الاهمام بالعلم وأهله، واعادة بناء ما خربه المغول والتتار* والصليبيون من دور علم، وما أحرقوه من خزائن كتب، وما هدموه من مدارس وجوامع ومنشآت حضارية تمثل الوجه الناصع للحضارة العربية الاسلامية. استهل صلاح الدين عهده في فلسطين بعملين جليلين هما انشاء المدارس والعمل على تزويد المسجد الأقصى* بالكتب الدينية والعلمية. فقد عمد إلى تحويل الدار التي بناها فرسان المنظمة الصليبية العسكرية المسماة “الاستبارية”* الى مدرسة كبرى (هي المدرسة الصلاحية) يدرس فيها الفقه الشافعي. ويقول العماد الأصفهاني: “فاوض السلطان جلساؤه من العلماء الابرار والأتقياء الأخيار في مدرسة للفقهاء الشافعية ورباط للعلماء الصوفية فعين للمدرسة الكنيسة المعروفة بصند حنة عند باب الأسباط وعين دار البطرك للرباط ووقف عليهما وقوفا”. ويقول مجير الدين العليمي مشيرا إلى حرص صلاح الدين على تزويد هذه المدارس بالكتب: “إن السلطان صلاح الدين أمر بهدم البناء الذي أقامه الصليبيون في الصخرة، وأعادها كما كانت ورتب لها اماما حسن القراءة ووقف عليها دارا وأرضا وحمل إليها وإلى محراب المسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات شريفة”. وقد سار الأيوبيون على سنة صلاح الدين في تأسيس المعاهد العلمية وتزويدها بالمدرسين والكتب المخطوطة. فقد جدد الملك المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب* بناء المدرسة الناصرية، أو الغزالية، وجعلها زاوية لقراءة القرآن والاشتغال بالنحو ووقف عليها كتبا في جملتها “اصلاح المنطق” لابن السكيت وهو يخط الامام النحوي ابن الخشاب. ويقول العليمي انه وقف على كراسة من هذا الكتاب وعلى ظهرها الوقف وهو مؤرخ في التاسع من ذي الحجة سنة 610هـ/1214م. وفي فلسطين خزائن كتب عامة وخاصة كثيرة. فأما العامة فأشهرها خزانة المسجد الأقصى في القدس. ويبدو من مراجعة فهرستها أنها تحوي كتبا دينية مخطوطة قدر عددها بألف مخطوط كالمصاحف والربعات وكتب أكثرها في العصرين المملوكي والعثماني. وفي الخزانة أيضا كتب متفرقة في الأدب والفقه  على المذاهب الأربعة والتفسير والحديث. ولعل أنفس ما حوته الخزانة المذكورة وأشار إليه مفهرسوها مخطوط كتاب “نشق الأزهار في عجائب الأقطار” للمؤرخ المصري ابن اياس (852-930هـ)، ومخطوط “تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التصحيف والوهم” لأبي بكر الخطيب علي بن ثابت البغدادي المتوفى سنة 464هـ/ 1072م، ومخطوط “طبقات الشافعية” لتقي الدين ابن قاضي شهية الدمشقي المتوفى سنة 851هـ/ 1448م، ومخطوط “كتاب الأقاليم” للاصطحري المتوفى سنة 340هـ/ 952م ويقال ان المخطوط يرجع إلى القرن الخامس وأوائل السادس. وفي الخزانة نحو عشرف آلاف كتاب أكثرها مطبوع. أما خزائن الكتب الخاصة فكثيرة منها: 1) خزانة آل اللطف بالقدس. 2) خزانة آل البديري بالقدس: وأسرة البديري أسرة عريقة كانت لديهم خزائن كتب مخطوطة تبددت بعد أن اقتسموها. وآل قسم من مخطوطاتها إلى الشيخ محمد البديري فجعلها في جناح من أجنحة المسجد الأقصى. 3) خزانة آل الترجمان بالقدس. 4) خزانة آل الجوهري بنابلس. 5) خزانة آل الحسيني بالقدس. 6) خزانة آل الخالدي بالقدس. 7) خزانة آل الخليلي بالقدس. وقد وقفها الشيخ محمد بن محمد الخليلي* مفتي الشافعية المتوفى سنة 1147هـ/1734م. ويقال ان الشيخ الخليلي أول من حقق فكرة ايجاد مكتبة عامة في القدس استنادا إلى وقفية كتبه. وقد حفظت الكتب المذكورة في المدرسة البلدية التي كان أنشأها بباب السلسلة نائب السلطان الأمير سيف الدين منكلي بغا الأحمدي المتوفى سنة 782هـ/1381م. 8) خزانة آل الداودي بالقدس. 9) خزانة آل صوفان بنابلس وفيها مخطوط نفيس عنوانه: “مناقب الامام أحمد بن حنبل” من تأليف الحافظ بن الجوزي مؤرخ سنة 599هـ. 10) خزانة عبد الله مخلص* (1818-1947م) بالقدس في حي الشيخ جراح، وقد حوت نفائس المخطوطات. ويبدو أن المكتبة نقلت بعد حوادث 1948 إلى بعض الأديرة التي قرب سور المدينة من داخل. وقيل ان الصهيونيين نهبوها ابان معارك 1948. 11) خزانة آل قطية بالقدس بباب العمود: آل قطبة أسرة حنبلية يقال انهم الحنابلة الوحيدون في القدس. وفي الخزانة مخطوطات نفيسة في الرياضيات والفلك والتنجيم لم يبق منها اليوم شيء. 12) خزانة محمد اسعاف النشاشيبي* بالقدس. 13) خزانة محمود الحام بضاحية سلوان (شرقي القدس) وفيها أربعة آلاف مصنف. 14) خزانة آل فخري وقد وقفها القاضي فخر الدين أبو عبد الله محمد بن فضل ناظر الجيوش الاسلامية المتوفى سنة 732هـ/1332م. وهذه الخزانة قسم من الخانقاه الفخرية المجاورة لجامع المغاربة. ويقال انها كانت تحتوي على عشرة آلاف مجلد اقتسمها أفراد الأسرة فتفوقت كتبها. 15) خزانة آل الموقت بالقدس. 16) خزانة المفتي في غزة. 17) الخزانة الاسلامية في يافا. 18) خزانة أبي نبوت في يافا. 19) خزانة جامع الجزار في عكا. 20) خزانة جامعة بير زيت*. في القدس وسواها من مدن فلسطين خزائن كتب مسيحية عربية وأجنبية أكثرها تابع للطوائف الدينية والبعثات الأثرية والتبشيرية الفرنسية والانكليزية والأمريكية، ومنها: 1) خزانة دير الكرملين في الضاحية الشرقية من حيفا، وفيها صكوك قديمة ذات علاقة بالدير. 2) مكتبة القبر المقدس. 3) مكتبة دير الروم، وفيها 2,733 مجلدا باليونانية وغيرها بينها مخطوطات يونانية مؤرخة في القرن العاشر للميلاد. 4) مكتبة دير الدومينيكان. 5) مكتبة الأباء البيض. 6) مكتبة دير الفرنسيسكان. 7) مكتبة دير الأرمن. 8) خزانة الآثار الأمريكية. 9) خزانة الآثار الانكليزية. 10) مكتبة المجمع العلمي الثري البروتستانتي. 11) مكتبة الجامعة العبرية. وتعد المكتبة الخالدية في القدس أهم دور الكتب الخاصة في فلسطين وأغناها. وكانت المكتبة مدرسة آلت ملكيتها إلى السيدة خديجة الخالدي ابنة القاضي موسى أفندي الخالدي قاضي عسكر بر الأناضول، فأوصت ولدها الحاج راغب الخالدي* رئيس المحكمة الشرعية بيافا (المتوفى سنة 1951) أن يقفها وينقل إليها كتب الأسرة الخالدية. فنفذ وصيتها سنة 1318هـ/1900م بمثورة ومعونة الشيخ ظاهر الجزائري مؤسس المكتبة الظاهرية بدمشق والشيخ أبي الخير محمد ابن الحبال الدمشقي فوضعا فهرسا باسماء كتبها. وقد جاء في “برنامج المكتبة الخالدية العمومية” وصف للظروف التي تم بها تأسيس المكتبة وجعلها دار كتب عامة: “وفق الله جناب الفاضل راغب أفندي الخالدي بمساعدة بعض وجهاء عائلته الكريمة وهما ياسين افندي الخالدي وموسى شفيق أفندي الخالدي إلى تشييد غرفة رحبة على جادة باب السلسلة في القدس الشريف وضعوا فيها كمية وافرة مما وجد عندهم من بقية آبائهم وأجدادهم، وأضافوا إليها بعضا من الكتب الموجودة عندهم أيضا، وجعلوا الغرفة المذكورة دار علوم عمومية لمن يرغب المطالعة من أي فرد كان، وشرطوا أن لا يخرج منها كتاب حرصا على المنفعة العامة، وهي مفتوحة الأبواب لجميع الطلاب كل يوم من الصباح إلى المساء، وعينوا لها محافظأ أمينا”. وتحتوي المكتبة على عشرة آلاف كتاب ثلثاها مخطوط والثلث من نوادر المطبوعات القديمة في العلوم العربية والاسلامية. وقد ضمت إليها خزاتنا الشيخ يوسف ضياء باشا الخالدي ومحمد روحي الخالدي، وضمت بعدئذ إليهما الشيخ أحمد بدوي الخالدي بالاضافة إلى ما أهدي إليها من نفائس مطبوعات المستشرقين. وتبين من مطالعة فهرست المكتبة أنها تحتوي كتبا في التفسير والتجويد والقراءات والرسم والحديث والأصول والفتاوى والفقه الحنفي والفقه على المذاهب الأربعة والفرائض والتوحيد والتصوف والمواعظ والحكم والنحو واللغة والأدب والسياسة والقوانين والدواوين والمدائح النبوية والسيرة النبوية والمناقب والتراحم والفلك والطب والروحانيات، وفيها عدد كبير من المجامع في مختلف العلوم الدينية والدنيوية. وقد زار المكتبة سنة 1336هـ/1917م عبد الله مخلص فوصف في مقال نشره في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق أهم مخطوطاتها النادرة التي كبعت، ومنها ما يلي: 1) “المدهش” للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ/1200م. 2) الشعور بالعبور: لخليل بن أبك الصفدي* المتوفى سنة 764هـ/1362م. وقد كتبت النسخة بعد وفاة المؤلف بنحو ثمانين سنة. 3) “الطبقات السنية في تراجم الحنفية” لتقي الدين بن عبد القادر الغزي* التميمي الداري المتوفى سنة 1010هـ/1601م. 4) “مختصر حياة الحيوان” خلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ/1505م، وهو ملخص عن حياة الحيوان الكبرى للدميري. 5) “اختصار السيرة النبوية” للشيخ محيي الدين بن عربي المتوفى سنة 638هـ/1240م. 6) “مجموع الشيخ السبكي” لتقي الدين السبكي المتوفى سنة 756هـ/1355م، وهو نسخة للمؤلف يخطه بغير تنقيط. 7) “اتحاف الأخصا في فضائل المسجد الأقصى” للشيخ كمال الدين محمد أبي شرف الشافعي المتوفى سنة 906هـ/1500م، وقد ألفه في مجاورته القدس سنة 875هـ/1470م. 8) “حسن الاستقصا لما صح وثبت في المسجد الأقصى” لأحمد ابن التافلاتي، وقد ألفه سنة 1100هـ/1699م وأهداه إلى الحاج صبع الله الخالدي. 9) “قهوة الانشاء” لابن حجة النحوي المتوفى سنة 837هـ/1433م، وهو مجموع رسائله. 10) “شاناق في السموم والترياق” الشاناق الهندي، وقد نقله من الهندية إلى الفارسية منكه الهندي ونقله إلى العربية للخليفة المأمون العباس بن سعيد الجوهري. والكتاب في معرفة السموم والترياق الذي يدفعها، وهي نسخة ملوكية. 11) “تأويل مشكل الحديث والرد على الملحدة والمعطلة وأهل الأهواء المبتدعة” املاء أبي بكر محمد بن حسن بن فورك المتوفى سنة 604هـ/1208م. 12) دمية القصر وعصره أهل العصر “لأبي الحسن علي الباخرزي المتوفى سنة 467هـ/1074م. ويعود تاريخ المخطوط إلى سنة 1166هـ/1752م، وهو ذيل ليتمة الدهر للثعالبي. هذا وصف مجمل لدور الكتب في فلسطين عامة والقدس خاصة. إلا أن مصير الخزائن التي ذكرت بعد نكبة 1948 ووقوع فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني مصير محزن ومؤسف شأن سائر المعالم الحضارية في فلسطين.   المراجع:   برنامج المكتبة الخالدية، القدس 1900. عبد الله مخلص: نفائس الخزانة الخالدية في القدس الشريف، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، م4، 1924. صلاح الدين المنجد: المخطوطات العربية في فلسطين، بيروت 1982. أسعد طلس: دور كتب فلسطين ونفائس مخطوطاتها، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق 20م – 1945 – 21 – 1946. مجير الدين الحنبلي: الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، عمان 1973. أبو شامة: أزهار الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، القاهرة 1956. عبد القادر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس، دمشق 1948. العماد الأصفهاني: الفتح القسي في الفتح القدسي، القاهرة 1965.   المكتبة الخالدية: رَ: المكتبات   المكسيك: رَ: أمريكا اللاتينية (دول -)