المكتب العربي القومي للدعاية والنشر

أسس في دمشق في تشرين الأول 1934 لخدمة القضية العربية بوجه عام. وقضية سورية وفلسطين بوجه خاص، بأساليب الدعاية والنشر والتثقيف في اطار أهداف قومية واسعة تتجاوز الحدود الاقليمية. وكان فخري البارودي رئيس لهذا المكتب وأمين سره العام فؤاد خليل مفرج. تأسس المكتب في وقت اشتدت فيه الدعوة القومية الى تجاوز العمل الوطني الضيق داخل الحدود الاقليمية ولبعث الحياة في الحركة العربية القومية. وقد بدأت هذه الدعوة بالمؤتمر العربي القومي في القدس (أواخر 1931) واكملت بالمساعي التي بذلت بعد ذلك (1922-1933) لعقد مؤتمر قومي عربي عام. وكان القائمون على تأسيس المكتب من أعضاء الكتلة الوطنية في سورية، ومعظمهم زعماء مشهورون عملوا في الحركة العربية منذ عهد بعيد وتولوا قيادة الحركة الوطنية في سورية وظلوا على صلة بقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية. كان أمل القائمين على المكتب أن يكون مركزه في دمشق وله فروع في جميع الأقطار العربية والدول الأوروبية الكبرى. وفي النداء الذي وجهه رئيس المكتب دعوة عامة لأبناء الأمة العربية للعمل الجدي المنظم في اطار المكتب القومي “سيكون دعامة قوية للنهضة العربية الحديثة والحركة التحريرية الشاملة” في وقت تشتد فيه حاجة البلاد العربية على اختلاف أقطارها، نظرا لما فيها من الفوضى السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، “إلى مواصلة الجهد والسير على طريقة علمية ثابتة من شأنها أن توصلها إلى تلك الدرجة من الاستقلال والاتحاد والحضارة التي تطمح إليها”. يشرح النظام الأساسي للمكتب الوسائل التي من شأنها تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الأمة العربية، وهي الدعاية الخارجية والدعاية الداخلية والبحث العلمي. ويشرحها منهاج العمل للمكتب على الشكل التالي: 1) الدعاية الخارجية: على العرب أن يجعلوا قضيتهم قضية دولية عالية ذات تأثير فعال في السياسة الدولية العامة عن طريق الدعية المنظمة النشيطة المستمرة، كما فعلت الأمم الأخرى. وفي دول العالم، ولا سيما انكلترا وفرنسا، شخصيات مؤثرة ورأي عام لن يتخلف عن معاضدة القضية العربية اذا وافق العرب إلى الاتصال بهم وافهامهم الحقيقة غير مشوهة. وهذا يدعو إلى “تأسيس مكتب عربي منظم للدعاية والنشر تؤسس له فروع في عواصم وأمهات مدن الدول الكبرى”. 2) الدعاية الداخلية: وترمي إلى أن يقف الشعب صفا واحدا في وجه الأزمات ويشعر شعورا مشتركا وسعى إلى أهداف موحدة. ويتم ذلك عن طريق “السعي والعمل على ادماج كل العصبيات الفرعية من ظائفية واقليمية وقبائلية وعالمية في العصبة القومية الجامعة الكبرى”. 3) البحث العلمي: وذلك بدراسة مشكلات البلاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية دراسة علمية موضوعية وتزويد الحكومات والأحزاب والجمعيات ومكاتب الدعاية المنوي انشاؤها بالمعلومات والاحصاءات الصحيحة لتسير على هداها في برامجها ومخططاتها. ويستعان في ذلك بالخبراء والعلماء من أبناء البلاد فتوضع الكتب والنشرات، وتؤسس الجرائد باللغات المختلفة، وتوافد البعثات العلمية، وتؤسس المدارس ودور الكتب، ويعمل على محو الأمية، وتحضير البدو، وإلقاء المحاضرات، وعقد الاجتماعات. وقد تناول المنهاج المفصل لتنظيم العمل في المكتب جوانب كثيرة متشعبة رتبها في ثمانية عشر قسما تناولت مختلف أوجه نشاط المكاتب المحلية والخارجية. كانت أهداف المكتب بعيدة واسعة كموحة تتطلب جهودا وتمويلا طائلا. وقد حالت الظروف التي مرت بها الحركة الوطنية في سورية بين 1934 و1936 دون تحقيق آمال مؤسسي المكتب والقيام بعمل محسوس تجاه القضية الفلسطينية. إلا أن الفكرة ظلت حية قائمة، وهي التي دفعت اللجنة العربية العليا لفلسطين*، بعد قيام الثورة، الى تأسيس مكتب عربي فلسطيني للاعلام في لندن (1936) برئاسة اميل الغوري ثم جورج منصور، وكان أول مكتب عربي للدعاية في انكلترا في تاريخ الحركة العربية الفلسطينية: وقد عثر على النهج الذي احتفظه مكتب دمشق (رَ: المركز العربي). أصبحت دمشق بعد قيام ثورة 1936 – 1939* مركز انطلاق المجاهدين والامدادات العسكرية والمالية. وظلت كذلك بعد توقف أعمال الثورة المؤقت ومجيء “الجنة الملكية (لجنة بيل)*. واتخذها قيادة جيش الجهاد المقدس* مركز اعداد، ولا سيما بعد توقيع معاهدة 1936 وقيام الحكومة الوطنية في سورية (تشرين الثاني 1936). وقد قام المكتب العرب القومي في دمشق بجهود كبيرة في الدعوة إلى مقاومة مشروع التقسيم الذي وضعته للجنة الماكية. واشترك المكتب مع “لجنة الدفاع عن فلسطين*” في سورية في الاعداد لمؤتمر بلودان العربي على المستوى الشعبي، وهو المؤتمر الذي قرر في أيلول 1937 رفض مشروع التقسيم ومقاومته، وأهاب بالعرب والمسلمين إلى المبادرة للعمل الجدي لصياغة عروبة فلسطين. وتولى المكتب نشر كراس خاص بالمؤتمر (رَ: بلودان، مؤتمر 1937). ولما تجددت أعمال الثورة الفلسطينية في تشرين الأول 1937 وأصبحت سورية المصدر الرئيس لتموين الثورة ومركز ادارتها وتوجهها غدا مكتب دمشق جهاز دعاية الثورة. وكان يعمل بالتنسيق مع اللجنة المركزية للجهاد* في دمشق. وقد عكف مع المكتب العربي الفلسطيني للاعلام في لندن على توزيع المكتب والمنشورات والصور التي تكشف الجرائم البريطانية والصهيونية في فلسطين وتفضح قسوتها وشراستها.   المراجع:   فؤاد خليل مفرج (جمع وتدقق): المؤتمر العربي القومي في بلودان 1937، دمشق. محمد عزة دروزة: القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت 1959. عبد الوهاب الكيالي: تاريخ فلسطين الحديث، بيروت 1970. اميل الغوري: فلسطين عبر ستين عاما، بيروت 1973. وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939 (من أوراق أكرم زعيتر)، بيروت 1979.