المكاتب العربية لفلسطين

لما تأسست جامعة الدول العربية في 22/3/1945 اختار مجلسيها موسى العلمي ليمثل فلسطين فيه لعدم وجود حكومة فلسطينية. ولما كانت القضية الفلسطينية هي القضية العربية الوحيدة التي بقيت تتهددها المخاطر آنئذ فقد اتخذ مجلس الجامعة قراراً بالموافقة على مشروع تقدم به العلمي يقضي بفتح ثلاثة مكاتب تعمل في خدمة القضية الفلسطينية في العواصم التالية: القدس، ولندن، واشنطن. وكان من الطبيعي أن يحيل مجلس الجامعة مسؤولة انشاء هذا المكتب وتنظيمها إلى موسى العلمي. تحرك العلمي بسرعة للقيام بما أوكل إليه. ولم ينتظر وصول مساهمات الحكومات العربية لتأسيس المكاتب العربية بل شرع فوراً بحملة لجمع التبرعات لتغطية حصة فلسطين ذاتها في نفقات هذه المكاتب. وتوفر المال اللازم المشروع في العمل بعدما تبرع مجلس ادارة البنك العربي بمخصصات المكاتب لتلك السنة. وقام أصدقاء العلمي بتنظيم حملة التبرعات. وأسس العلمي مكاتب القدس ولندن وواشنطن في وقت متقارب واختار لها الأعضاء العاملين فيها. وتوالت بعد ذلك مساهمات الحكومات العربية وكانت أعلاها مساهمة العراق التي شكلت السند المالي الحاسم لمشروع المكاتب. وقد ضمت المكاتب العربية عدداً كبيراً من المثقفين المعروفين والموثوقين من ذوي الحس الوطني. وكانت غالبيتهم من الفلسطينيين ولكن شاركهم في تحمل عنه العمل عدد من أبناء الأقطار العربية الأخرى ومن العرب الذين حملوا جنسية أجنبية. وكانت هذه الفئة الأخيرة ذريعة للنيل من المكاتب والمشرف عليها. عرفت المكاتب العربية نفسها في نشراتها بما يلي: “المكاتب العربية منظمة غير رسمية أنشئت بمعونة مالية قدمتها بعض الدول العربية وبعض الأفراد في فلسطين بقصد ممساعدة الشعبين البريطاني والأمريكي على معرفة العالم العربي- وخاصة مشكلة فلسطين – معرفة صحيحة وعلى تكوين أفكار سديدة عنهما وذلك عملا على تحسين العلاقات العربية – البريطانية والعلاقات العربية – الأمريكية. وعلى الرغم من أن وجهات النظر التي تحاول (المكاتب) ايضاحها تنسجم بصورة عامة مع وجهات نظر خاصة الدول العربية واللجنة العربية العليا* الفلسطينية فليس لها علاقة رسمية بأي من هاتين الهيئتين ولا يجوز اعتبار أية آراء تعرب عنها هذه المنظمة ملزمة لأحد غيرها”. كان أول عمل بارز قام به المكتب العربي في القدس اعداد المذكرات والدراسات لتقديمها إلى لجنة التحقيق الأنكلو – أمريكية”. وقد ضم ملف المكتب العربي بحوثاً في جميع نواحي القضية الفلسطينية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الحاضر والمستقبل. وكان هذا أول عمل من نوعه في نطاق النضال العربي الفلسطيني على الصعيد الاعلامي. فقد كان الصهيونيون من قبل يحتكرون الدراسات التي تتناول القضية باللغة الانكليزية وسواها، ويغنمون من وراء ذلك صورة الجانب العلمي والموضوعي والعصري والثقافي. وكانوا يروجون في اطار هذا المظهر كثيرا من الأكاذيب في الواقع والأضاليل في التفسير والتحريف في الاستنتاج. وظل مكتب القدس بعد ذلك يتابع تجميع المعلومات ويوزعها على المكاتب في الخارج. أما مكتبا لندن وواشنطن فقد مثلا أيضا أول جهد اعلامي منظم ومستمر يقوم به عرب فلسطين في الدولتين المسيطرتين آنئذ على مصير القضية الفلسطينية. وما كان الجهد الاعلامي الفلسطيني قبل ذلك قد زاد عن زيارة وفد فلسطين إلى لندن لبضعة أيام قام بها أناس معظمهم غير ملم بلغة البلاد ومؤسساتها ووسائل اعلامها وأساليب مخاطبتها. ولكن مع افتتاح مكتبي لندن وواشنطن الذين قام عليهما أشخاص من ذوي القدرة الفائقة بالكتابة والخطابة بالانكليزية بدأ أعضاء المكتبين بالقاء المحاضرات واشتركوا في المناقشات الدائرة حول قضية بلادهم، وأقاموا الاتصالات اللازمة بالصحفين والسياسين. وأصبحوا مرجعا يركن إليه لكل من يريد الاطلاع على حقائق القضية ووجهة النظر العربية فيها. ولعل من أبرز ما ساهمت به المكاتب العربية التلطيف الذي حصل في السياسة البريطانية تجاه القضية الفلسطينية عندما كان أرنست بيفن وزيرا للخارجية. غير أنه كان نجاحا محدودا ومؤقتا. فلم تكن القوى السياسية العربية الفلسطينية وغير الفلسطينية في موقف يمكنها من استكشاف امكاناته. كان آخر عمل بارز قامت به المكاتب العربية هو اقتراح حل للقضية الفلسطينية ضمن في كتاب “مستقبل فلسطين” الذي أعد أصلا ليعرض على اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين* (1947). غير أن الظروف السائدة آنذاك لم تسمح بأكثر من توزيعه على أعضاء تلك اللجنة. وبانقشاع غبار هزيمة عام 1948 (رَ: حرب 1948) صليت المكاتب العربية. وكانت موجدات مكتب القدس- وبينها مكتبته – قد نقلت من مبنى المكت في المنطقة التي احتلها الصهيونيون. وفي نهاية عام 1948 صفيت أيضا مكاتب الخارج بعد عمل دام أقل من أربع سنوات.