المصارف

كانت المصارف العاملة في فلسطين قسمين: مصارف أجنبية ومصارف محلية. والتمييز بين النوعين مبني على مكان تسجيل المصرف لا على مكان ممارسة نشاطه المصرفي. وكان النظام المصرفي في فلسطين متطوراً لأن القانون ميز بين المصارف التجارية ومصارف التسليف والجمعيات التعاونية للتسليف. فالمصارف التجارية هي تلك التي تتولى الصرافة. وأما مصارف التسليف فهي تلك التي هدفها الرئيس تسليف الشركات والمواطنين مقدار حاجتهم من النقود* بضمانة أموال أو موجودات غير منقولة. وكانت الجمعيات التعاونية للتسليف خاضعة لأنظمة قانون جمعيات التعاون التي تحدد الجهات المهنية التي يمكن أن تستفيد من التسليفات المغطاة. أما التمويل الصناعي الطويل الأجل والتسليف الزراعي فقد انحصرا في أربع مؤسسات هي: “شركة فلسطين الصناعية والمالية” التي بدأت نشاطها عام 1935، و”شركة فلسطين الزراعية للرهن”، و”البنك الزراعي العربي”، و”المصرف العقاري العام في فلسطين” الذي كان يقوم بجمع الأموال اللازمة للقروض باصدار سندات استقراض تستحق الدفع بعد آجال محددة. ولم يكن النظام المصرفي في فلسطين يتميز فقط بهذا التخصص بل كانت هناك أيضا رقابة فعالة من قبل السلطات الحكومية. فاصدار رخصة لأي مصرف جديد يتطلب موافقة المندوب السامي. كما كان هناك مراقب عام للمصرف يقوم بجمع معلومات شهرية ونصف سنوية من جميع المصارف العاملة للتأكد من سلامة وضعها المالي، ولا سيما وضع السيولة لديها، ودرجة المخاطر الكاملة وراء التسليفات المغطاة. وقد ازداد عدد المصارف التجارية في فلسطين زيادة كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1930 كان هنالك عشرون مصرفاً محلياً وسبعة مصارف أجنبية. وفي عام 1936 وصل العدد إلى 76 مؤسسة أكثرها يهودي. ومنها ستة مصارف أجنبية. وفي عام 1937 صدر قانون جديد للمصارف حصر الموافقة على الترخيص بالمندوب السامي نفسه ونص على أن الحد الأدنى لرأس مال المصرف المكت به هو 50,000 جنيه فلسطيني. وأما المصارف الأجنبية التي لها فروع في فلسطين فقد طلب منها القانون اثبات وجود رأس مال مدفوع بحوزتها لا يقل عن 100,000 جنيه. وقد منح القانون فرصة زمنية قدرها عامان للالتزام بهذه المتطلبات. وكان من نتيجة ذلك أن هبط عدد المصارف من 66 مصرفاً إلى 44 في نهاية عام 1928. كان في فلسطين في نهاية عام 1938 ستة مصارف أجنبية عاملة هي: 1) بنك باركليس، وهو أهم المصارف الأجنبية، فقد كانت حكومة الانتداب البريطاني تتعامل معه وكان وكيلا لمجلس النقد الفلسطيني الذي كان مركزه مدينة لندن. وكان لبنك باركليس فروع كثيرة في مختلف أنحاء فلسطين. وفي عام 1935 أصبح البنك المذكور مستقلا بعد أن كان فرعاً تابعاً لبنك باركليس في القاهرة. 2) البنك العثماني. 3) بنك دي روما. 4) بنك هولندة 5) البنك البولندي. 6) بنك “بالستين” أي فلسطين. ولما كانت هذه المصارف فروعاً لمصارف خارج فلسطين فانه لم يكن لديها برؤوس أموال خاصة بها، حتى صدور تشريع عام 1937 (المذكور سابقاً) الذي طالبها برأس مال مدفوع نقداً لا يقل عن 100,000 جنيه فلسطيني. وكانت هذه المصارف الأجنبية تحتكر على قلتها القسم الأكبر من ودائع الأهالي (77% من مجموع الودائع). ولكنها كانت تحجم عن دعم الاقتصاد الوطني وتوظف القسم الأكبر من ودائعها في الخارج، ولا سيما في سندات الحكومة البريطانية. وأما التسليفات فكانت تأتي في الغالب من المصارف العربية المحلية. ففي حين بلغت نسبة السلفات والسندات المحسومة إلى الودائع قرابة 50% في المصارف الأجنبية وصلت إلى 130% في المصارف المحلية. وقد بادرت الحركة الصهيونية، من أجل شراء الأراضي وتشجيع الهجرة الصهيونية، إلى إنشاء أربعة مصارف صهيونية هي: 1) المصرف المركزي للمؤسسات التعاونية الذي يعمل على تقديم التسليفات القصيرة الأجل للمزارعين اليهود. 2) مصرف الرهونات العامة، وهدفه مواجهة مشكلة تسليف العمال والمزارعين في المدن والريف. 3) مصرف العمال الذي أنشىء لتشجيع المهاجرين الصهيونيين على تكوين نقابات وجماعات مهنية ومدها بما تحتاج اليه من تسليفات متوسط وطويلة الأجل لترسيخ وجودها في المدن والقرى. 4) مؤسسة التوفير والقروض للاعمار، وهدفها تشجيع نشاط البناء بتقديم القروض لقطاع الاسكان بشروط سهلة تتيح للمهاجرين الصهيونيين بناء المساكن. وفي حين استفاد المهاجرين الصهيونيون من المصارف والمؤسسات التمزيلية التي أنشأتها الوكالة اليهودية* والحركة الصهيونية العالمية ظل الفلاح العربي يرزح تحت أعباء عجز مالي لوقوعه في شباك الربا الفاحش. وقد تظاهرت سلطات الانتداب برغبتها في مساعدة العرب فأصدرت قانوناًً خاصاً في عام 1934 قيد نسبة الفائدة المفروضة وعهدت إلى بنك “باركليس اعطاء المزارعين العرب قروضا لآجال قصيرة. ولكن هذه القروض القصيرة لآجال زادت عجز الفلاحين المالي وأرهقتهم أكثر من قبل. وفي عام 1930 أنشأ عبد الحميد شومان* البنك العربي* لتسليف القطاع التجاري. وقد باشر البنك العربي أعماله في 14/7/1930 برأس مال قدره 15,000 جنيه فلسطيني فقط. وترأس أحمد حلمي عبد الباقي* مجلس الادارة الأول في تاريخ البنك. وفي عام 1937 استقال أحمد حلمي من البنك العربي وأسس بنك الأمة العربية* بهدف تقديم تسليفات إلى المزارعين العرب لآجال تصل إلى عام، في حين كانت المصارف التجارية تمنح تسليفاتها لفترة لا تزيد عل ثلاثة أشهر. وقد تعاون البنك العربي وبنك الأمة العربية، الأول في قطاع التجارة* والخدمات. والثاني في القطاع الزراعي. فكان كل واحد من المصرفين يكمل الآخر. وقد جعلت قلة عدد المصارف العاملة في فلسطين بالمقارنة إلى عدد المصارف الصهيونية وتنوع نشاطاتها معظم العبء موضوعاً على هذين المصرفين. يمكن القول أخيراً ان النظام المصرفي في فلسطين كان متطوراً نسبياً اذا قورن بالأنظمة المصرفية في البلدان العربية المجاورة. ولكن المصارف العربية كانت تواجه منافسة شديدة من المصارف الأجنبية التي كانت فروع لمصارف كبيرة الحجم في الخارج. وكانت المصارف الأجنبية والمصارف اليهودية معاً تخدم السياسة الاستعمارية التي رسمت لتحقيق الهدف الصهيوني في فلسطين.   المراجع:   سعيد حمادة (اعداد): النظام الاقتصادي في فلسطين، بيروت 1939. البنك العربي: خمسة وعشرون عاما في خدمة الاقتصاد العربي، بيروت 1955.   مصر الفتاة (حزب -): رَ:  اللجنة الفلسطينية