المسيحية

نشأت الديانة المسيحية بجذورها على أرض فلسطين، ولكنها تأثرت في تطورها وانتشارها بالحضارة الهلنستية ونظام الحكم الروماني. سميت هذه الديانة المسيحية نسبة إلى يسوع المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام) الذي بشر بها ودعا إليها. وأهم الوثائق عن حياة السيد المسيح هي الأناجيل والرسائل التي كتبها تلامذته ورسله الحواريون* ويتألف من مجموعها “العهد الجديد”. الانجيل كلمة يونانية (Evangelion) معناها الخبر السار أو البشارة. ويقصد بالأناجيل الأسفار التي دونها أتباع السيد المسيح لرواية سيرته وكلماته المتناقلة شفويا أو كتابة وأرادوا نشرها كبشرى للعالم أجمع. يذكر الرواة أن عدد هذه الأسفار كان كبيرا في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد. ولكن الكنية لم تعترف بالصيغة القانونية الا لأربعة من الأناجيل هي المأثورة عن “متى” و”مرقس” و”لوقا” و”يوحنا”. وتقول الرواية المعتمدة ان انجيل متى كتب في الأصل باللغة الآرامية* بين سنتي 40 و50م ولكن هذه النسخة فقدت ولم يصل منها الا النص اليوناني الذي دون بين سنتي 85 و90م. وإلى هذه الفترة ذاتها يعود تدوين انجيل لوقا. وبذلك يكون انجيل مرقس الذي كتب حوالي سنة 67 أسبق في الزمن من سائر الاناجيل. والاناجيل الثلاثة المذكورة (متى مرقس ولوقا) تسمى المتشابهة لأنها تروي الأخبار التي يبدو أن بعضها منقول عن بعض أو أنها مقتبسة من مصدر واحد. أما الانجيل الرابع فانه يتضمن ذكريات الرسول يوحنا، وهو التلميذ الذي كان يحبه يسوع والذي يروي مشاهداته الذاتية عن السيد المسيح ويدعو إلى الايمان به ونشرح تعاليمه. وقد كتب انجيله في سن الشيخوخة في مدينة أفسوس على بحر ايجة حيث عاش مدة من الزمن وتأثر بالفلسفة اليونانية واقتبي منها أساليب البحث اللاهوتي. وبذك يختلف انجيله عن بقية الأناجيل في كثير من التفاصيل. وقد توفي يوحنا حوالي سنة 100م. إلى جانب الأناجيل الأربعة يشتمل “العهد الجديد” على سفر “أعمال الرسل” والكتب التي بعث بها الرسل بولس* وبطرس* ويعقوب ويوحنا إلى مختلف المدن اليونانية للتبشير بالسيد المسيح. كتبت الأناجيل الأصلية باللغة اليونانية بين سنة 60 و100م ولكن لم تصل إلا نسخ منها وضعت متأخرة في القرن الثالث بعد أن طال العهد بينها وبين الحوادث التي تذكرها. وقد كشف بعض الباحثين في القرن التاسع عشر عن شيء من الاختلافات بين هذه الأناجيل. وعلى الرغم من ذلك يعترف أكثر الباحثين بأن الاختلاف يقتصر على التفاصيل الجزئية، وأن هناك حقائق عامة تتفق فيها هذه الأناجيل وتثبت وجود شخصية تاريخية حقة وراء الأحداث التي تصفها والأخبار التي ترويها. ولا بد هنا من ملاحقة أن الانجيليين والرسل الحواريين لم يؤلفوا أسفارهم ووسائلهم لتكون وثائق تاريخية. وانما أرادوا بها نشر الدعوة وتبليغ البشارة.ولذلك انصرف اهتمامهم إلى ذكر معجزة ولادة يسوع من مريم العذراء*، والى بيان الأحداث الغريبة التي رافقت حياته والمعجزات التي تمت على يديه والأمور الغيبية التي كشف سرها. كما حرصوا على رواية أعماله وأقواله مع تفسيرها، والدعوة إلى الايمان به واتباع رسالته. وكانت عقيدتهم القوية وحماستهم المخلصة تدفعانهم إلى الاسهاب في الوصف واضفاء هالة من القدسية على الموضوع دون العناية دائما بضبط التواريخ والتدقيق في أسماء الأماكن والأشخاص. ويستخلص من الأناجيل أن يسوع ولد حوالي سنة 4 ق.م. في بيت لحم* وأن أسرته انتقلت منذ البداية الى مدينة الناصرة* حيث عاش مع والدته مريم العذراء واخوته في بيت يوسف النجار خطيب أمه فعرف باسم “يسوع الناصري”. ولم يتلق يسوع تعليميا منتظما واشتغل بالتجارة لاغانة أسرته. وكان يتردد في شبابه كثيرا على المجمع الديني ويستمع إلى تلاوة العهد القديم ويختلط بمختلف طبقات الشعب. وقد تأثر بجو الحماسة الدينية السائدة أذاك في فلسطين حيث برزت شيع وفرق كثيرة بين اليهود وظهر بعض الدعاة والوعاظ أشهرهم يوحنا المعمدان (أي يحيى بن زكريا) الذي كانت أمه اليصابات خالة السيدة مريم العذراء. وتتفق الأخبار الواردة في الأناجيل مع رواية المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلاويوس على أن يوحنا المعمدان كان زاهدا يدعو الناس إلى التوبة والتمسك بالأخلاق القويمة ويعلن قرب حلول مملكة السماء وظهور المسيح. وكان يقوم بتعميد الناس لتطيرهم من الخطايا فأتاه يسوع بعد أن اقترب من سن الثلاثين ليعمده عند نهر الأردن. لم ينقض الا قليل من الوقت على ذلك حتى أمر الملك هيرودس أنتيباس بسجن يوحنا ثم بقتله. وعند ذاك أخذ يسوع يتجول في الجليل والسامرة، معلنا انجيل التوبة والايمان والنجاة. لا تكمن أهمية رسالة السيد المسيح في الأمور المتعلقة بالاصلاحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أو في النصوص القانونية أو في الطقوس والمراسيم الدينية فحسب، بل ترجع عظمته التاريخية إلى الثورة العميقة التي أحدثها في المبادىء الأخلاقية. فلم يكن ليخفي عليه أن كل الاصلاحات تبقى سطحية سريعة الزوال اذا لم يستطع تطهير قلوب الناس من الشهوات والأنانية والقسوة والفجور. ولذلك كان تمجيده للفقر والوداعة والرقة والسلم، وكانت نصيحة بأن يدير الانسان خده الأيسر لمن يصفع خده الأيمن، وكان أمره للناس بأن يتخلوا عن جميع الروابط العائلية والعصبيات القبلية، وكانت دعوته إلى المحبة والأخوة والتسامح والعدلة والرأفة. وتشير الأخبار كلها إلى أن السيد المسيح كان يعطف بالأخص على المساكين والفقراء والغرباء والمستضعفين والخاطئين. وكان الجميع يتناقلون قوله: “انه أسهل أن يمر جمل من ثقب الابرة من أن يدخل غني ملكوت الله”، أو قوله: “ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله”. والحقيقة أن تعاليم السيد المسيح ثورة لأنها تدعو إلى التحرر من المفاهيم والتصورات القديمة وتهدف إلى تغيير الحياة البشرية من الأساس. والفرق كبير بين فكرة الاله عنده ومفهوم الله لدى اليهود. فقد كان اليهود يؤمنون باله واحد خالق للعالم كله ويتصف بالعدل، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يعتقدون بأن هذا الاله يمكن النفاوض معه، وأنه قد سبق له أن عقد عهدا مع جدهم ابراهيم فكان عهدا ملائما جدا يكفل لهم آخر الأمر السيطرة على العالم. ولذلك غضب اليهود شديدا عندما علموا أن المسيح لا يعترف لأحد بأية امتيازات، وأنه ليس عند الله من شعب مختار بل جميع البشر اخوة في ملكوت السماوات لا فرق بين شعب وآخر. بدأ يسوع الناصري دعوته بين اليهود في الجليل والسامرة. وكان أتباعه في أول الأمر ينظرون اليه على أنه خليفة يوحنا المعمدان. ثم أخذوا يعتقدون أنه هو المنقذ الذي سيرفع نير الرومان عن اليهود ويعيدا اليهم الملك. على أن أهل بلدته الناصرة رفضوا أن يعترفوا بأنه المسيح المنتظر فانتقل إلى بلدة كفر ناحوم وظل فيها مدة سنة يعلم تلاميذه ليكونوا رسله. وقد ذاعت شهرته بسبب تعاليمه الداعية إلى الاصلاح الاجتماعي والفضائل الأخلاقية فكثر أتباعه بين جماهير الفقراء والمضطهدين. ولكنهم  انفضوا من حوله عندما رفض أن يتوج “ملكا أرضيا”. ثم أخذت الفرق والشيع اليهودية تقاوم دعوة يسوع إلى الاصلاح وتعارض تعاليمه. وكانوا جميعا يرتابون في أمره ويخشون أن يؤدي نشاطه إلى قيام ثورة في البلاد. فلما جاء في عيد الفصح من العام 30م إلى أورشليم وزار الهيكل واستنكر وجود الصيارفة والباعة في ساحته خاف اليهود من نجاح حركته فأسرع مجلس “السنهدرين” إلى الاجتماع وقرر القبض عليه بتهمة جريمة التجديف وأصدر في الحال الحكم عليه بالاعدام. ثم ساقه إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي يحق له وحده تنفيذ الحكم فأمر بالتنفيذ وهو كاره. وينكر المسلمون صلب المسيح فالقرآن يقول “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم” النساء 157. آمن تلامذة يسوع المسيح وأتباعه بأنه قام بعد وفاته من بين الأموات وارتفع بجسمه إلى السماء، وأنه سيعود قريبا ليقيم ملكوت السموات على الأرض. كان هؤلاء المؤمنون يؤلفون جماعة صغيرة تربط بين أفرادها ثقة متبادلة، وكانوا يعتبرون أموالهم مشتركة بينهم يقدمونها الى رسل المسيح الذين تولوا الاشراف على شؤون الجماعة. وقد عرف هؤلاء باسم “النصارى” أو “الناصريين”، نسبة إلى “يسوع الناصري”، وظلوا يجتمعون برياسة الرسل بطرس ويوحنا ويعقوب فيخطبون في الهيكل ويدعون اليهود إلى الايمان بالمسيح دون أن يلاقوا معارضة في بادىء الأمر لقلة عددهم وضعف شأنهم. ولكن لما تضاعف عدد “النصارى” أصبح يطلق عليهم اسم “المسيحيين” فبلغ في سنين قلائل بضعة آلاف خاف كهنة اليهود من انتشار الدعوة وطلبوا القبض على بطرس وغيره ليحاكموا أمام السنهدرين. الا أن المجلس اكتفى بجلده وأطلق سراحهم. وقد هرب اليهود المهتدون من أورشليم إلى السامرة وقيسارية* وأنطاكية وغيرها فأنشأوا فيها جماعات مسيحية. وكانت هذه الجماعات قد نظمت على مثال المجامع اليهودية وأطلق على كل منها اسم “اكليزيا”، وهو لفظ يوناني يعني الجمعية الشعبية في حكومات المدن، وتقابله كلمة “كنيسة” – بمعنى مجمع – المعربة عن الآرامية. ثم ازداد عدد المهتدين من اليهود وغيرهم فانتظموا في كنائس كثيرة كانت تتعاون وتعقد المؤتمرات وتجمع الأناجيل وتحافظ على سلامة العقيدة وتكافح الانحرافات والبدع. وبدأ الرسل وأعوانهم حركة تبشيرية نشيطة في مختلف البلدان. فكان بطرس يسعى إلى هداية اليهود متبعا ما ورد على لسان يسوع من قوله: “لم أرسل الا إلى خراف بيت اسرائيل الضالة” (متى 15/24) ، ثم من وصيته: “إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالجري إلى خراف بيت اسرائيل الضالة” (متى 10/5، 6). وقد قام بطرس بالوعظ والهداية والتعميد في مختلف مدن سورية. وتنقل في آسيا الصغرى وتحمل العذاب والسجن حتى وصل إلى روما حيث أنشأ جالية مسيحية. ولكنه استشهد في عهد نيرون سنة 64م. أما بولس فقد جعل همه هداية الوثنيين تبعا لما جاء في انجيل مرقس(16/15): “اذهبوا في الأرض كلها، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين”. وكان بولس يبشر الوثنيين كما بشر اليهود ولا يشترط على المؤمنين بالمسيح التقيد بالقوانين اليهودية، وعلى الأخص فرض الاختتان. وكان بولس من أشد المعارضين للمسيحية في بادىء الأمر، ولكنه بعد هدايته في طريق دمشق أصبح أكبر الدعاة لها فقام برحلات تبشيرية كثيرة وأسس جماعات مسيحية في أنطاكية وتسالونيكي وأثينا وكورنشوس وأفسوس. وقد حاول في رسالته إلى مختلف المدن وخطبه إلى الجماهير أن يوفق بين المسيحية والفلسفة اليونانية. وكان قد سبق له أن درس في الاسكندرية مذهب الرواقين وآراء الأفلاطونية الحديثة فأخذ يستخدم المصطلحات والمفاهيم الفلسفية لتفسير المسيحية تفسيرا يتلاءم مع الثقافة الهلنستية السائدة اذاك. وحكم على بولس- كما على بطرس – بالاعدام في عهد نيرون سنة 64م. لم يظهر تأثير آراء بولس في تطور العقيدة المسيحية وربطها بالمبادىء الفلسفية الا بعد مائة عام من موته.ثم ان كنيسة روما ظلت وفية لذكرى مؤسسها بطرس فلم تبرز تعاليم بولس الا في عهد الاصلاح الديني – البروتستانتي. لقد قيل عن بولس انه فضل المسيحية عن اليهودية. والواقع أن اليهود هم الذين نبذوا المسيحية وبالغوا في مكافحتها بعد تخريب الهيكل سنة 70م. وقد أثار هؤلاء اليهود المشردون نقمة الشعوب الأخرى وعداءها بسبب تزمتهم وطمعهم وعزلتهم فاستفادت المسيحية بافتراقها عن اليهودية وخرجت من حدود فلسطين. وقد ازداد أتباعها من الوثنيين وأخذت تسير في طريق الاستقلال والتوسع فانتشرت الكنائس المسيحية في أنحاء الامبراطورية الرومانية الشاسعة من دمشق إلى سلوقية فآسية الصغرى وأرمينية، ومن أفسوس إلى أزمير فكورنشوس وتسالونيكي وروما، ومن مصر وصقلية إلى شمالي افريقيا واسبانيا وفرنسا وبريطانيا، واصبح أكثر السكان من المسيحيين في بعض المراكز الحضارية مثل الرها وأنطاكية والاسكندرية وقرطاجة. وقد عرفت الكنيسة كيف تتبنى الكثير من التعاليم والتقاليد وأنطقوس السائدة في مختلف هذه البلاد فأصبح من السهل أن تعتنقها الشعوب وأضحت ديانة عملية وقوة فعالة في حياة الأمم يحسب حسابها الحكام. ثم أقدم الامبراطور قسطنطين* على اعتناق المسيحية ودعا إلى عقد المجمع المسكوني في نيقية سنة 325م، وهو المجمع الذي قرر توحيد المذاهب المختلفة وجعل المسيحية الديانة الرسمية للامبراطورية الرومانية.   المراجع:   الكتاب المقدس، العهد الجديد، بيروت 1977. دانيال روبس: يسوع في زمانه (مترجم)، لبنان 1969. Robertson, A.: The Origin of Christianity, London 1954. Poullet, C.: Histoire du Christianisme. Brunet, A.: Les Evangiles, Rome 1975. Mckenzie, J.: Dictionary of the Bible, London 1978. Jean Francois Six-Jesus, Paris 1972.