المدينيون

جاء في القرآن الكريم أن موسى* لما توجه بعد هربه من مصر تلقاء مدين وورد الماء وجد عليه امرآتين فسقى لهما ثم تعرف على والدهما الذي زوجه إحداهما وعهد إليه رعي أغنامه (القصص : 22-27). وقد ورد في القرآن الكريم ذكر النبي شعيب* الذي أرسل إلى مدين. وتكرر اسمه عشرين مرة كما في قوله تعالى: “وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان اني أراكم بخير واني أخاف عليكم عذاب يوم محيط”(هود :84). ثم في قوله تعالى: “كذب أصحاب الأيكة المرسلين. اذ قال لهم شعيب ألا تتقون. اني لكم رسول أمين” (الشعراء: 176-178). لما أراد المفسرون والأخباريون المسلمون التوسع في الحديث عن مدين وعلاقتها بالنبي موسى، وبحميه، ثم بالاسرائيليين عامة، انساقوا بحكم العادة إلى الاستعانة بالاسرائيليات والاستناد إلى الأخبار الواردة في أسفار التوراة*. حتى في الوقت الحاضر لا يجد بعض الباحثين الحديثين، على الرغم من نقدهم طريقة تدوين أسفار التوراة، مفراً من الاستئناس بروايات “العهد القديم” عند دراسة تاريخ الشعوب القديمة التي كانت تعيش في فلسطين وعلى حدودها. والتي عاصرت الإسرائيليين فترة من الزمن واختلطت بهم واشتبكت معهم في حروب طاحنة. وقد لاحظ الباحثون أن التوراة تتحدث في مواضيع كثيرة من سفر الخروج عن حي موسى وتصفه بأنه “كاهن مدين”. ومن الواضح أن “الشيخ الكبير” الذي صاهره موسى – حسبما ورد في سورة القصص – والذي تطلق عليه التوراة اسم “يثرون” أحياناً، واسم “رعونيل” و”حوباب” أحياناً أخرى، هو نفسه النبي شعيب الذي ورد في عدة سور أخرى من القرآن الكريم، وإن كان من الصعب تعليل الاختلافات بين الاسمين. اكتفى بعض الأخبارين المسلمين الذين لم يجمعوا في القصص الشعبية شيئاً عن شعيب باتباع ما جاء في التوراة وقبلوا اسم “يثرون” وقالوا انه هو شعيب، في حين أثبت آخرون له نسبا فجعلوا “ابن نويت بن رعوئيل بن مر بن عنقاء بن مدين بن ابراهيم”. وتذكر التوراة أن مدين هو أحد أبناء ابراهيم الخليل* من زوجته قطورة – ويعني اسمها البخور ويرمز إلى طريق تجارة العطور من الجنوب – التي ولدت لابراهيم خمسة ذكور آخرين تكاثرت ذريتهم حتى بلغ عدد القبائل المتحدرة منهم ست عشرة قبيلة (سفر التكوين 25/1-2). إن شجرات الأنساب المذكورة في التوراة، أو التي أضافها اليها الأخباريون، لا يمكن الاعتماد عليها لأنها وضعت في عهود متأخرة. وهي متضاربة يختلف بعضها عن بعض. ولكن يمكن الاستفادة منها لمعرفة علاقات القربى أو التحالف أو الجواز بين مختلف القبائل. وهكذا نصف التوراة (سفر القضاة 8/24) المدينيين بأنهم اسماعيليون. وقد ورد فيها أيضاً (سفر التكوين 37/25-28) أن تجاراً مدينيين سحبوا يوسف* من الجب وباعوه بعشرين من الفضة إلى قافلة من الاسماعيليين مرواً بجمالهم وكانوا ذاهبين إلى مصر فأخذوا يوسف معهم. وتذكر التوراة (سفر العدد 22/4) أن المآيين القاطنين في شرقي البحر الميت* اتصلوا بشيوخ مدين للاتفاق معهم على مقاومة الغزو الإسرائيلي قائلين لهم: “الآن يلحس الجمهور (أي جنود الإسرائيليين) كل ما حولنا كما يلحس الثور الخضرار الحقل”. وقد اشتدت نقمة الإسرائيليين على المدينيين لأنهم تحالفوا مع ملك مآب وأفسدت بناتهم رجال إسرائيل فأصدر النبي موسى أوامره الى الشعب قائلاً: “جردوا منكم رجالاً للجند فيكونوا على مدين ويجعلوا نقمة الرب على مدين” (سفر العدد 31/1-12). ولما انتصر الإسرائيليون بقيادة موسى على المدينيين “قتلوا ملوك مدين الخمسة: أوي وراقم وصور وحور ورابع، وسبوا النساء والأطفال ونهبوا البهائم والمواشي وكل الأملاك وأحرقوا مساكن المدن والحصون بالنار”. إلا أن المدنيين عادوا وتحالفوا مع العمالقة* وبني المشرق و”أخذوا ينزلون على الإسرائيليين ويتلفون مزارعهم ولا يتركون لهم قوت الحياة، لا غنما ولا بقرا ولا حميراً. فذل إسرائيل جدا من قبل المدينيين” (سفر القضاة 6/4/6). بعد مدة قام جدعون بن بواش أحد قضاة إسرائيل فباغت المدنيين وحلفائهم في وادي زرعين وطاردهم حتى حدود الصحراء وقتل بيديه ملكي مدين الذين وقعا في الأسر، وهما زبح وصلماع، ومثل بهما (سفر القضاة 8/21). ويبدو من متابعة أخبار التوراة أنه لم يعد للمدنيين شأن يذكر بعهد عهد القضاة. يستدل من القصص الواردة في القرآن الكريم والتوراة ولدى الأخباريين أن المدنيين كانوا كالاسماعيليين من القبائل العربية التي تركت أثراً في تاريخ فلسطين وكانت في طور قريب من البداوة. وأنهم كانوا يشتغلون بالتجارة* وتتنقل قوافلهم بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر، وأنهم أول من أدخل الابل إلى فلسطين. وقد ربطتهم أواصر القربى بالعمالقة والاسماعيليين والمآبيين* والايدوميين* الذين كانوا يسكنون فلسطين وتحالفوا معهم للدفاع عن أراضيهم ومقاومة الغزو الإسرائيلي. وتشير الآية القرآنية من سورة هود إلى أن أهل مدين كانوا بخير، وأن أحوالهم الاقتصادية كانت جيدة، وأن النبي شعبيا جاء ينذرهم وينهاهم عن أساليب الغش والخداع والتلاعب بالمكاييل والأوزان ويدعوهم إلى اتباع أوامر الله. ومما يدل عى تقدم مدين في العمران النصائح التي كان يسديها يثرون إلى موسى وتتعلق بالشرائع والقوانين والأنظمة وقواعد السلوك وأعمال الرؤساء والقضاة والمحاكم (راجع سفر الخروج 18-19-21). كانت كلمة مدين تعني في بادىء الأمر القوم الذين ينتسبون إلى جدهم الأعلى مدين بن ابراهيم الخليل. وقد لاحظ ياقوت في معجم البلدان “أن مدين هو اسم القبيلة ولهذا قال الله تعالى: وإلى مدين أخاهم شعبياً”. ثم صارت مدين تطلق على مدينة تقع إلى الشرق من البحر الأحمر والجنوب من العقبة. وقد ذكر المؤرخ يوسيفوس في القرن الأول الميلادي مدينة “ماديانا” مقابل البحر الأحمر، في حين سماها بطليموس في القرن الثاني “ماديا ما” وعين موقعها عند الحدود الشمالية – الغربية للعربية “السعيدة”. كانت مدينة مدين معروفة لدى الجغرافيين والمؤرخين العرب المسلمين. فقد جاء في سيرة ابن هشام أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعث زيد بن حارثة نحو مدين “فأصاب سبيا من أهل ميناء وهي السواحل وفيها جماع الناس”. ويتبين من هذا الخبر أن زيداً لم يصل إلى مدينة مدين نفسها بل غزا المرفأ التابع لها على شاطىء البحر الأحمر. ويذمر اليعقوبي في كتاب “البلدان” ظان مدينة مدين القديمة كان يسكنها في عهد (أي في أواخر القرن التاسع الميلادي) أناس “من مختلف القبائل يملكون البساتين ويسقون النخيل من أنهار وآبار غزيرة المياه”. ويقول الشريف الادريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” ان مدينة مدين كانت تقاطع فيها الطرق الرئيسة الممتدة من مصر وفلسطين والمتفرعة جنوباً إلى المدينة ومكة وشرقاً نحو تبوك ومنها إلى  تيماء والحجر. ثم يضيف قائلاً انها كانت في عهده (أي في القرن الثاني عشر الميلادي) أكبر من مدينة تبوك، وأن فيها بئراً يقول السكان ان النبي موسى كان يستقي منها لبنات شعيب. أما المقزيزي فيذكر في كتابه “المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار” أنه في طريقه إلى الحج مر بمدينة مدين التي تقع على خليج القلزم وتبعد مسيرة خمسة أيام عن أيلة (المسافة تبلغ 125كم). ويلاحظ المقزيزي أن مدين المشهورة في القديم لم يبق منها في عهده (أي القرن الخامس عشر الميلادي) سوى بعض الخرائب وأطلال أبنية ضخمة وألواح ونقوش غربية، وأن السكان لا يجدون فيها إلا القليل من وسائل المعيشة. وفي أوائل هذا العصر زار الرحالة والمستشرق التشيكوسلوفاكي موسيل المنطقة الواقعة على الشاطىء الشرقي من خليج العقبة* فرسم خارطتها وحدد عليها موقع مدينة مدين التاريخية بالاستناد إلى الأخبار في المصادر القديمة، وبالاعتماد على مشاهداته الشخصية في واحة البدع وتنقيباته في مغاور شعيب وخرائب الحوراء والبرج والملقطة. كما نشر صوراً شمسية ورسوماً توضيحية للمدافن الموجودة في تلك الأماكن المحفورة في الصخر وترجع، حسب رأيه، إلى عهد الأنباط*. وقد وصف موسيل في كتابه “شمالي الحجاز” أشجار البدوم التي تشبه النخيل وتكثر في منطقة مدين وتتشابك أغصانها. وهي المقصودة بالأيكة المذكورة في القرآن الكريم. ويضيف موسيل أن الخرائب الموجودة إلى جانب الأيك ما تزال تسمى الحوراء أي البيضاء. وهو يعتقد أن الحوراء نفسها هي مع الواحات التي حولها مدينة المدينيين.   المراجع:   مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق1، بيروت 1973. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، ج1، بيروت 1976. أ. موسيل: شمال الحجاز (مترجم)، الاسكندرية 1952. جورج بوست: قاموس الكتاب المقدس: بيروت 1971. مذبحة: رَ: بلد الشيخ رَ: بيت داراس رَ: بيت لحم رَ: دير أيوب رَ: دير ياسين رَ: شرفات رَ: غزة رَ: قبية رَ: قلقيلية رَ: كفر قاسم رَ: ناصر الدين