اللغة العبرية

اللغة العبرية واحدة من فروع اللغات المعروفة باسم “السامية” كالعربية والآشورية والبابلية والسريانية ولغات جنوب الجزيرة العربية والحبشية. نشأت اللغة العربية على أرض كنعان* قبل قدوم اليهود إليها (حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد). وكان اليهود قبل ذلك يتكلمون إحدى اللهجات الآرامية القديمة. ولكنهم سرعان ما تحولوا عنها إلى لغة الميلاد التي نزحوا إليها ونسوا بالتدريج لغتهم الأصلية. ومع قدوم القرن الحادي عشر قبل الميلاد أصبحت الكنعانية اللغة المعتمدة في بلاد كنعان كافة (رَ: اللغة الكنعانية). وقد وصلت إلينا العبرية عن ثلاث طرق أولها أسفار العهد القديم والتلمود* وعدد من المؤلفات الأدبية والعلمية التي كتبها علماء اليهود في مختلف العصور. وثانيها بعض النقوش الأثرية. وثالثها الأناشيد  الدينية التي ظل اليهود يتلونها خلال العصور الماضية. ويلاحظ أن ما وصل لا يعطي صورة واضحة الا من الكتابة، في حين أن النطق لا يمكن الجزم به بصورة أكيدة مرت العبرية خلال تاريخها بطورين رئيسين. واتصفت في طورها الأول بخلوها من التأثيرات الغربية عنها. وقد استمر هذا الطور من القرن العاشر حتى عام 586 ق.م. تاريخ سقوط مملكة يهوذا. وفي أواخر هذا الطور بلغت العبرية ذروة ازدهارها بالرغم من اتسام كتاباتها بطابع البداوة حتى في عصور الاستقرار. وفي هذه الفترة تم تدوين أسفار العهد القديم. وفي الطور الثاني تراجعت أهمية اللغة لحساب الآرامية التي حلت محلها تدريجياً وبقوة (رَ: اللغة الآرامية). وقد ساهمت عوامل ثلاثة في اضعاف هذه اللغة أولها اكتساح الأشوريين والكلدانيين فلسطين وتشتيت اليهود وثانيها خضوع المنطقة للسيادة الاغريقية بعد غزوة الاسكندر، وثالثهما الفتح العربي الإسلامي وما تلاه من سيادة اللغة العربية. ويبدو أن اليهود أدركوا بعد تخريب بيت المقدس أن عليهم بعد تلاشي قواتهم السياسية أن يهتموا بتراثهم الروحي فبدأوا مع نهاية القرن الرابع قبل الميلاد بالاهتمام بتفسير أمور شريحتهم على شكل دراسات أدبية ودينية كان أشهرها “المدراش”، وهي شروح العهد القديم بنوعيها “الهالاخا” التي تبين أحكام الشريعة في الحلال والحرام و”الهاغادا” التي تتضمن بعض النصوص التاريخية والأخلاقية. ومع بداية العصور الوسطى ظهرت العبرية الربانية، أو التلمودية، وهي مجموعة بحوث تقدر بنحو 63 كتاباً كتبها بالعبرية مجموعة من رجال الدين على أمور دينية وتاريخية وقانونية. وقد أطلق على مجموعة هذه الكتب اسم “المشنا”، في حين أطلق على شروحها “الجمارا”. ومن المشنا والجمارا تألف “التلمود”. وقد عدت إحدى نسخة التي اختصرها موسى بن ميمون المادة الرئيسة للشريعة الإسرائيلية حتى اليوم. وتأثرت العبرية التلمودية هذه بالآرامية ثم بالإغريقية واللاتينية. ومع تدمير بيت المقدس وإحراق الهيكل عام 70م أصاب الانحطاط هذه اللغة مرة أخرى واقتصر استعمالها على الأمور الدينية حتى القرن الثامن الميلادي. وفي معظم البلاد الإسلامية ولا سيما الأندلس بدأ اليهود يؤلفون الكتب بالعبرية على غرار المؤلفات العربية وينظمون الشعر على الأوزان العربية ويترجمون الكتب العربية الهامة، ولا سيما كتب الفلسفة والطب إلى العربية حتى عد العصر الأندلسي عند بعض المستشرقين العصر الذهبي لهذه اللغة. ضاعف اليهود في بداية القرن التاسع عشر عنايتهم بلغتهم وبدأوا يوسعون استعمالهم إياها في مختلف الشؤون العلمية والأدبية. وقد برزت نتائج هذا الاهتمام في البلدان التي كثر فيها العنصر اليهودي مثل روسيا وبولونيا. ففي روسيا ظهر عدد من الكتاب الذين بدأوا حركة ترجمة بسيطة لبعض الكتب الأدبية والعلمية العالمية، وأشهرهم أبراهام ليفزون، وميخاليفنزون، ومردخاي غينز بورغ، وأبراهام مابو، ويهودا غوردون، وأليعازار بن يهودا. وتدين الثقافة واللغة العربية بفضل كبير لبن يهودا الذي أحيا هذه اللغة في فلسطين منذ أن هاجر إليها عام 1881 م من ليتوانية، وذلك عن طريق اعتماد اللغة في محيطه، وإصداره الصحف بالعربية، وتأليفه معجماً تضمن مفردات اللغة قديمها وحديثها. وقد دعا بن يهودا باصرار إلى تطوير اللغة وتحديثها وقام نفسه باشقاق عدد كبير من المفردات من لغات سامية وأوروبية مختلفة. ومع انتشار الحركة الصهيونية أدخل المشرفون اللغويون تعديلات أساسية على مناهج التعليم اليهودي، واستبدل بالحيدر (أو الكتاب) الذي اقتصر التعليم فيه على الأمور الدينية المدرسة الحديثة التي كان الطلاب يتلقون فيها دروسهم وفق مناهج تربوية عصرية مدروسة. وقد دأب المعلمون على تطوير طرق التعليم هذه في جميع مواد التدريس المدرجة أنتجت معها جيلاً من الكتاب والصحفيين والشعراء المتميزين في مجالات اختصاصهم. ولعل أشهرهم في روسيا القيصرية شالوم ابراموفيتش وشالوم رابينوفيتش واسحق بيرتس. وقد كتب آخرهم معظم انتاجه بلهجة الييديش (لهجة خاصة بيهود الغرب، وهي خليط من الألمانية وبعض اللغات السلافية والآرامية والعبرية). ولكنه قام في الوقت نفسه بترجمة قسم من إنتاجه إلى العبرية وترجم آخرون القسم الآخر. ومن أبرز الشعراء حاييم بياليك الذي يعد اليهود شاعر القومية الصهيونية، يليه في الأهمية شاؤول تشرنخوفسكي الذي ألف عدداً من القصائد ركز فيها على ما حدث لليهود في تاريخهم. وقد امتاز هذا الشاعر بقدرته على الترجمة من اللغات الكلاسيكية فترجم إلى العربية “الأوديسا” لهوميروس و”أوديب ملكا” لسوفوكلس وقصائد متعددة لبعض الشعراء الرومان. وقد أسهمت جهود هؤلاء جميع، مع جهود من سبقهم، في جعل الغة العربية لغة متداولة على ألسنة بعض معاصريهم من اليهود. كما ساهمت النجاحات السياسية والعسكرية التي حققتها الحركة الصهيونية بعد اغتصاب أرض فلسطين العربية في دعم وترسيخ أقدام المؤمنين بضرورة اعتماد اللغة العربية لغة قومية لليهود في فلسطين. وقد تم هؤلاء تحقيق حلمهم في إحياء هذه اللغة التي أصبحت اليوم لغة حية تستخدم في جميع مناحي الحياة اليومية مع ملاحظة احتوائها عدداً كبيراً من المفردات الغربية. وأما في مجال نطق اللغة، ونتيجة خشية لتنوع جنسيات العناصر اليهودية، فيتهون يهود الأرض المحتلة في إخراج الحروف من مخارجها. فهم ينطقون مثلاً العين همزة والحاء خاء والراء غينا والطاء تاء والقاف كافا. كما يهملون الشدة إهمالا شبه تام رغم أهميتها التي تساوي أهميتها في اللغة العربية. ويلاحظ في أسلوب الصحف اليومية والكتب اكتساب اليهود الأسلوب الأوروبي في الكتابة لدرجة يعتقد معها بعض علماء اللغة أن المقارنة بين عربية الأندلس والعبرية الحديثة تؤكد ضياع العربية الحديثة بين الأصالة والتحديث. ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة الصهيونية والأموال التي تنفقها لتعليم المهاجرين الصهيونيين العبرية لا يتمكن اليهود القادمون إلا من الالمام بلغة التخاطب ويستبقون عادة لغاتهم الأصلية لغات ثقافية.   المراجع: إسرائيل ولفنسون: تاريخ الغات السامية، القاهرة 1929. ربحي كمال: اللغة العبرية، دمشق 1966. علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، القاهرة 1945. محمد عطية الأبراشي: الآداب السامية، القاهرة 1946.